Share

𖥸༄ الفصل الرابع ༄𖥸

last update publish date: 2026-03-17 18:07:41

في مكان آخر وفي عالم رسمه هو لنفسه دلفت تولين إلى غرفة المكتب بهدوء فوجدته يجلس على مقعده خلف مكتبه الخاص يمسك بيده بعض الأوراق ويعمل بتركيز شديد فانتبه عليها من رائحة عطرها الخلاب الذي ملأ الأجواء. نظر جاسر لها مبتسمًا وهو يترك ما بيده ويعتدل في جلسته. يُشير لها فابتسمت وذهبت إليه فجذبها برقة يجلسها على قدمه يحتويها بداخل حضنه الدافئ، ويقترب منها بحميمية يقبل ثغرها بعشق فيستنشق عبق أنفاسها العطر. ثواني مرت ليبتعد عنها قليلًا يمنح لكلاهما فرصة لالتقاط أنفاسهما. عينيه بقيت متعلقة بعينيها، وكأنها العالم بأسره فمسد على وجنتها برقة وهمس بصوت مبحوح:

لا أستطيع أن أبتعد عنكِ طويلًا أنتِ لي كالهواء الذي أتنفسه حبيبتي.

شعرت بحرارة كلماته تذيب كل ما تبقى من مقاومتها. تمالكت نفسها وابتسمت بخجل فحاولت أن تبتعد بنظرها كي تكسر حدة اللحظة، بينما هو لم يسمح لها بذلك وأمسك وجهها برفق ينظر داخل عينيها بعشق وتمتم بحزم ممزوج بالحب:

لا تهربي بنظراتك مني تولين فأنتِ مأواي الوحيد والأخير.

نظرت إليه بعينيها اللتان فضحتا كل ما عجزت الكلمات عن التعبير عنه، وكأنها سلمت له مفاتيح قلبها دون تردد واقتربت منه أكثر، حتى اختفت المسافة بينهما. وضعت يدها على صدره تشعر بدقات قلبه المتسارعة التي تعكس صدق مشاعره، وابتسمت برقة قائلة بصوت خافت:

أنت لم تترك لي خيارًا لقد استسلمت لك منذ اللحظة الأولى.

شعر بفرحة غامرة تتفجر في صدره، وكأن تلك الكلمات كانت كل ما يحتاجه، حتى يشعر بالكمال فطوقها بذراعيه بحنان بالغ وكأن العالم قد اختفى من حولهما ولم يبقَ سوى حضنهما الدافئ. توردت وجنتاها، وهربت الكلمات من شفتيها وكل ما استطاعت فعله هو أن تضع يدها فوق يده التي كانت تمسك بوجهها، وكأنها تعترف بصمت بما يعتري قلبها. هذه المرة كان الصمت مليئًا بالوعود فتركت له القرار بأن تفتح قلبها لما يحمله من عشق لا حدود له. نظرت إليه بعشق جارف فوجدت قلبها يخفق بشدة وهي تضع يدها برفق على وجنته تلمس بأصابعها الناعمة بشرته فتشعر بخشونة ذقنه النابتة قليلًا، وقوة تقاسيم وجهه التي تزيده جاذبية. ضحكت ضحكة لطيفة؛ ثم داعبت أطراف أنفها بأنفه، كأنها ترغب في حفظ ذكرى تلك اللحظة الحميمة في قلبها للأبد. استمرت في تحسس أنفه ووجه برقة، وكأنها غابت عن كل شيء سوى دفء عناقه وشعرت، وكأنها وجدت وطنها الذي طالما بحثت عنه. مرر أصابعه بين خصلات شعرها وهمس لها بصوت خفيض:

أعِدكِ أن أحميكِ دائمًا، وأكون لكِ السند الذي لا يخذلك أبدًا حبيبتي.

رفعت رأسها له وتناثرت دموع خفيفة في أطراف عينيها من شدة التأثر وقالت محاولة إخفاء ارتعاش صوتها:

لم أكن أعلم إن الحب يمكن أن يكون بهذا القوة، والأمان، وبكل ذلك الشغف.

أجابها جاسر بحنان:

هذا ليس حبً فقط، بل هو وعد. وعد بأن تكوني دائمًا أول وآخر من ينبض لها قلبي.

أخذها في قبلة عميقة تحمل كل الشوق الذي عجز عن التعبير عنه بالكلمات. قبلة اختزلت كل مشاعره الجياشة، وكأنها وعد أبدي بأن تكون ملكه وحده. لحظات مرت، كأنها أبدية قبل أن يبتعد وهو يبتسم ماكرًا قائلًا:

علينا الآن أن نلتقط أنفاسنا وإلا سنفقد السيطرة.

ضحكت بخجل وربتت على كتفه قائلة:

أنت السبب.

رد عليها ممازحًا:

وأنتِ النتيجة.

ضحك كلاهما وكأن لحظات العشق تلك ولدت بينهما حكاية جديدة لن تنتهي وتلك اللحظات لم تدُم طويلًا إذ تلاشت ملامحها تدريجيًا وسرعان ما تبخرت بين طيات الأحلام عندما لامست أشعة الشمس وجه ذلك العاشق المتيم. فكان يستمتع بلحظات من حلاوة الأحلام في غفوته العميقة في غرفة مظلمة هادئة لا شيء في العالم يمكن أن يخترق حاجزها. فتح عينيه ببطء وعلى شفتيه بقايا ابتسامة سعيدة، وكأنه ما زال يعيش أثر تلك القبلة التي هزت كيانه، حتى وهو في عالم اليقظة. جلس جاسر ببطء على طرف السرير يحاول أن يستعيد أنفاسه من تأثير تلك اللحظة الحالمة التي بدت، كأنها أكثر من مجرد حلم.

وضع يده على قلبه الذي ما زال ينبض بسرعة، وكأنها تركت أثرها عليه، حتى بعد استيقاظه. نظر حوله فرأى الغرفة كما هي هادئة وخالية من وجودها وبدت فارغة أكثر من أي وقت مضى، وكأنها تفتقد وجودها الحقيقي. نهض متجهًا نحو النافذة وفتحها يدخل النور على أمل أن يخفف دفء الشمس من وطأة الشوق الذي استوطن قلبه. تمتم إلى نفسه بصوت خافت، وكأنه يعترف:

كيف يمكن لحلم واحد أن يترك كل هذا الأثر بداخلي؟! كيف يمكن أن يسيطر حضورها على كل أوقاتي، حتى وأنا نائم؟

لم يكن يعلم إن كان ما عاشه مجرد حلم أم إن قلبه هو الذي خلق واقعًا آخر. عالمًا لا يشمل سواه فأغمض عينيه للحظة وتمنى لو أن الزمن يسرع به إلى تلك اللحظة التي تصبح فيها أحلامه واقعًا حيًا لا ينتهي مع شروق الشمس. فاجأه صوت البكاء الذي غزا الغرفة بسبب شقيقته فعلم السبب. فدمعت عيناه على تذكر سفر معشوقة قلبه فلم تهون عليه مشاعر الألم، بل زادها بكاء دارين التي كانت تبكي فراق أبنة عمها الحبيبة وصديقة عمرها. مسح جاسر وجهه، وزفر بغضب مكتوم وتوتر محاولًا جاهدًا تمالك نفسه وقال:

صباح الخير دارين. كيف حالكِ اليوم؟

أجابته بصوت حزين مليء بالدموع:

صباح الخير. لستُ بخير أنا حزينة بشدة يا جاسر.

حاول جاسر إخفاء اهتمامه وأجاب بصوت بارد:

هيا أخبريني ما الذي حدث؟

تعالت شهقات دارين بينما تحدثت بصوت مكسور:

أنت تعرف بالفعل فتولين سافرت اليوم، وأنا حزينة لأنها ابتعدت عني.

تمالك نفسه وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يجيب بهدوء:

أعلم أنها قريبة منكِ، والسفر والدراسة في الخارج فرصة كبيرة لها كانت تتمناها.

أجابته دارين وهي تحاول السيطرة على دموعها:

أدرك ذلك ولا أستطيع منع شعوري بالحزن.

رد بصوت هادئ محاولًا مواساتها:

وأنا متأكد من ذلك. هذه فرصة عظيمة لها لتتعلم وتطور نفسها ويجب علينا تشجيعها.

ردت مبتسمة:

نعم وأنا سعيدة من أجلها. ماذا سأفعل دونها؟ لقد تشاركنا الكثير من اللحظات السعيدة ولدينا العديد من الذكريات المشتركة منذ طفولتنا.

لاحت أمام عينيه ذكرى تلك الصغيرة الشقية التي يعشقها، وتمنى بداخله أن يصبح حلمه حقيقة أمام عينيه:

ستظل هذه الذكريات معكِ إلى الأبد، وستتمكنين من إنشاء ذكريات جديدة معها أيضًا عندما تأتي في العطلات أو تقومين بزيارتها. فلا تكوني حزينة بهذه الطريقة، بل عليكِ أن تدعميها.

دارين بحزن:

أنا نادمة على أني لم أتمكن من السفر معها. أتمنى لو كنت وافقت على ذلك حقًا.

إجاب بجدية:

لا تجعلي الندم يسيطر عليكِ فكل واحد منا لديه طريقته الخاصة في اتخاذ قراراته، حتى يحقق أحلامه وربما يكون لديكِ فرصة للسفر في المستقبل أيضًا.

دارين باقتناع:

يجب أن أكون سعيدة لها وأنا كذلك بالفعل، بينما الحزن لا يزال يكمن بداخلي.

احتضنها بحب فهي أبنته قبل أن تكون شقيقته الصغرى:

أتفهم مشاعرك، وأنا هنا لكي أواسيكِ وأدعمكِ في هذا الوقت الصعب.

أجابته بحب أخوي خالص:

شكرًا لك جاسر.  يجب أن أحاول التغلب على حزني وأن أكون متفائلة من أجلها بمستقبل رائع. فتولين طيبة حقًا وتستحق السعادة.

جاسر بحب:

أعتقد أنكِ ستستطيعين ذلك فقط ابقي إيجابية وانظري إلى الأمام. وأنا هنا بجانبك في أي وقت.

ضحكت بحب تحتضن شقيقها:

شكرًا لك أخي. أنا أحبك كثيرًا وأقدر دعمك ورغبتك في مساعدتي.

ابتسم ومداعبًا شعرها بيده:

أنا أيضًا أحبك دارين وصدقيني ستكون كل الأمور على ما يرام.

دارين بتمني:

أرجو ذلك يا جاسر.

                        ❈-❈-❈

على متن الطائرة المتجهة إلى إيطاليا جلست تولين في مقعدها تتقلب بين مشاعر متضاربة من الخوف والقلق. لأول مرة تسافر بمفردها وعلى الرغم من إتقانها اللغة الإيطالية لم يكن ذلك كافيًا لتهدئة التوتر الذي يثقل كاهلها. أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا؛ ثم ألقت نظرة على المدرج من نافذتها. فكلما ابتعدت الطائرة عن الأرض شعرت بفراغ يزداد اتساعًا في أعماقها. كانت تعبث بجواز سفرها الموضوع في حجرها تتأمل صورتها المثبتة عليه، بينما تستعيد في ذهنها الجهود المضنية التي بذلتها للتحضير لهذه الرحلة على الرغم من الساعات الطويلة التي قضتها في التدريب ومشاهدة الفيديوهات التعليمية لم تستطيع إسكات ذلك الصوت الذي يهمس في أعماقها:

هل سأتمكن من مواجهة هذه التجربة وحدي وأحقق أحلامي؟

قطع صوت خطوات خفيفة حبل أفكارها. التفتت فوجدت مضيفة الطائرة تبتسم لها بلطف وقالت بصوت هادئ مطمئن:

أهلًا وسهلًا بكِ على متن الطائرة. هل كل شيء على ما يرام؟

استجمعت تولين شجاعتها وردت بابتسامة خجولة:

أنا بخير شكرًا لكِ.

كان حديث المضيفة القصير أشبه برسالة طمأنينة لها مما جعل تولين تشعر، وكأنها ليست وحدها فقررت أن تستمتع بهذه الرحلة وبدأت ملامح القلق تنحسر تدريجيًا. وبعد قليل قد ساد الهدوء الظاهري في تلك المقصورة لأجنحة الدرجة الأولى (First Class Suites)، أنما لم يخفِ التوتر الذي كان يعصف في قلبها. جلست تولين بجوار النافذة غارقة في تأمل المشهد الخارجي، بينما قبضت يداها المرتجفتان على حقيبتها الصغيرة، كأنها طوق نجاة وسط بحر من المجهول. وعلى بعد مقعدين كان معتصم يجلس دون أن يشعرها بذلك كان يراقبها بعينين يقظتين وفي داخله شعور جارف بالمسؤولية هذه المهمة لم تكن عادية فهي تتعلق بحماية حبيبة صديقه فقلبه كان ينبض بوتيرة أسرع كلما التقت عيناه بملامحها التي تحمل مزيجًا من التوتر والخوف.

بعد مرور عدة ساعات أعلنت الطائرة اقتراب الهبوط، وأضاءت الشاشات باللون الأزرق الفاتح مشبعة المكان برهبة هادئة. استقامت تولين في مقعدها وأخذت نفسًا عميقًا، كأنها تحاول تهدئة أعصابها قبل أن تلمس قدماها أرضًا جديدة. تفقدت حقيبتها سريعًا وتأكدت من وجود جواز سفرها وأوراقها؛ ثم نظرت حولها بقلق واضح كانت تحاول السيطرة على اضطرابها. كانت عيناها رغم ثباتهما فضحتا شعورها. أما معتصم فلم يرفع عينيه عنها ومع اقتراب الطائرة من الأرض كان الصوت الذي يتردد عاليًا هو:

سنهبط الآن في مطار روما الدولي. أرجو أن تكونوا قد استمتعتم معنا بالرحلة.

جاء صوت كابتن الطائرة عبر مكبر الصوت مما جعل قلبها يبدأ بالخفقان بشدة واختلطت مشاعر الخوف مع الحماس في قلبها. بدأت الطائرة تهبط ببطء، وأصوات المحركات تصدح في أذنها. عندما لمست العجلات الأرض شعرت تولين بشيء من الارتياح، وكأنها نجحت في اجتياز أول اختبار لها في هذا المكان الجديد فروما بأزقتها الضيقة، وأضواء شوارعها في انتظارها. وما أن توقفت الطائرة، حتى نهض معتصم مسرعًا يأخذ منها حقيبتها الأخرى برفق وقال بصوت هادئ:

لا تقلقي تولين سأتولى كل شيء بدأ من هنا.

رفعت تولين عينيها إليه للحظة وابتسمت ابتسامة صغيرة ولم تقل شيئًا فقد فهمت بإن جاسر قد أرسله لحمايتها دون علمها. فقط سارت معه إلى مخرج الطائرة؛ حيث كانت الإجراءات الأمنية في انتظارهما. ألقى معتصم نظرة سريعة حوله وتأكد من إنه لا يوجد ما يهدد سلامتها وقام بإنهاء إجراءات الخروج بمنتهى السهولة واليسر. توجه معتصم إلى السيارة التي كانت في انتظارهم والتي خصصها جاسر بسائقها لها كي يضمن ضمان راحتها وأمنها. تحدث معتصم بينما يفتح الباب:

السيارة هنا وكل شيء جاهز ستصلين إلى المنزل بأمان.

نظرت تولين إلى السيارة الفخمة بانبهار قبل أن تنظر إلى معتصم مجددًا بذهول. سعيدة وممتنة لكل ما يجري حولها فجاسر يدللها بشكل لم تكن تتخيله. صعدت إلى السيارة بخطوات متزنة وأغلق معتصم الباب خلفها بحرص، وبحركة مدروسة توحي باليقظة والانتباه ووقف للحظة يراقب الطريق؛ ثم ركب بجانبها دون حديث.

داخل السيارة جلست تولين في المقعد الخلفي تحاول أن تسترخي بعد يوم مرهق. انعكاس الأضواء الإيطالية المبهجة أضفى على عينيها بريقًا خاصًا، بينما أفكارها لم تهدأ كانت تتزاحم في رأسها، كأنها في سباق لا ينتهي. شعرها الطويل انسدل على كتفيها بخفة يتحرك مع اهتزاز السيارة وكأن اللحظة تحاول أن تمنحها هدنة مؤقتة من صخب يومها. نظرت إلى النافذة وهي تتأمل الطرقات التي تمر بها.  مع مرور الوقت وتأكدها من أن السيارة كانت تتحرك في الاتجاه الصحيح بدأت ترتاح أكثر ورغم أنها لا تستطيع أن تنكر كل ما تشعر به داخلها إلا أن وجود معتصم معها كان يعطيها شعورًا بالأمان. بعد وقت قصير وصلت السيارة وتوقفت أمام منزل أنيق مطل على إحدى الساحات البحرية الهادئة في المدينة. عند وصولهم أرسل معتصم رسالة أخيرة إلى جاسر، حتى يطمئنه على وصول تولين بأمان

(وصلنا إلى المنزل وكل شيء على ما يرام لا تقلق هي في أمانتي)

كان الخوف الذي يغمر قلب جاسر قد بدأ على حبيبته الصغيرة، ولكن ما بيده حيلة. توجهت تولين إلى الداخل بعدما عبرت باب المنزل وأخذت نفسًا عميقًا وتوقفت قليلًا تتأمل كل شيء من حولها:

كل هذا يبدو مثل الحلم بين غمضة عين والأخرى أصبحت في قلب روما.

كانت تلاحظ التفاصيل الرائعة التي تزين المنزل الوان الجدران الهادئة، الأثاث المريح والحديث الذي كان يضفي على المكان طابعًا فريدًا، والأضواء الخافتة التي تبعث في المكان جوًا من الدفء والراحة قد منحت المكان طابعًا منزليًا دافئًا مثلما تعشق. كانت قدماها تتجه نحو الداخل أكثر بحذر، وكأنها تتلمس خطواتها الأولى في الحياة. توقفت عند إحدى الزوايا؛ حيث نافذة تطل على الساحة الصغيرة في الخارج. ألقت نظرة طويلة على المنظر الهادئ متأملة في لحظة هدوء بينما كان الهواء يلامس بشرتها بلطف:

المشهد في الخارج رائع.

شعرت بنوع من الراحة وهواء روما يختلط بذكرياتها عن مصر، وكأن المسافة بينهما ليست شاسعة كما كانت تظن. نظرت حولها متمتمه بهدوء وقالت:

أعتقد إنه حان وقت اكتشاف هذا المكان واكتشاف نفسي.

بينما كانت تتجول في أرجاء المنزل التقت بها امرأة في الأربعينات من عمرها أتت لاستقبالها. كانت ذات ملامح إيطالية واضحة ترتدي زيًا بسيط وأنيق. ابتسمت المرأة لها بحفاوة تمد يدها للترحيب بها. قالت ماريا بصوتها الهادئ الدافئ:

مرحبًا آنسه تولين. أنا ماريا مدبرة المنزل هنا وسأكون في خدمتكِ طوال فترة إقامتكِ.

ابتسمت تولين بحرج قليل وردت:

مرحبًا سيدة ماريا وشكرًا لكِ على حسن الاستقبال.

أجابتها ماريا بلطف:

على الرحب والسعه. المنزل بالكامل خاص بكِ آنسه تولين وكل شيء به في متناول يدكِ. هل تحتاجين إلى شيء الآن؟

أردفت تولين وهي تمسح عن وجهها تعب الرحلة:

أنا فقط أحتاج إلى بعض الراحة بعد السفر الطويل.

أشارت ماريا إلى الأعلى؛ حيث الجناح المخصص لها في المنزل وقالت:

تفضلي إلى غرفتكِ. سأجهز لكِ كل ما تحتاجين فقط إذا كنتِ بحاجة إلى شيء اخبريني.

صعدت تولين إلى غرفتها ودخلت وأغلقت الباب خلفها بهدوء ووضعت حقيبتها على الفراش وبدأت بتفريغ محتوياتها بعناية؛ ثم توجهت إلى الحمام تغسل عنها إرهاق السفر الطويل. وتحت رذاذ الماء الدافئ شعرت بشيء من الراحة، وكأنها تُطهر نفسها من كل مشاعرها القلقة. بعد الاستحمام وقفت أمام المرآة تتأمل ملامح وجهها فبدت عيناها تحملان الحنين، وكأنهما تنظران إلى أمها من بعيد فشعرت برغبة ملحه للاتصال بها فخرجت من الحمام وتوجهت نحو الهاتف الذي تركته لها ماريا بأمر من جاسر.  كان الهاتف جديدًا ومن أحدث طراز ومزودًا بشريحة دولية وقد حرص جاسر على توفيره لها كي يبقيها على اتصال دائم بهم. أخذت تولين الهاتف وجلست على الكرسي القريب من النافذة. ضغطت على الرقم بحذر وأخذت نفسًا عميقًا وهي تنتظر سماع صوت أمها الذي كان يخفف عنها كل شيء. قالت بصوت هادئ ومفعم بالشوق عندما سمعت صوت والدتها على الطرف الآخر:

أهلًا أمي.

جاء صوت نهاد مليئًا بالقلق والحنين، وكأنها كانت تنتظر هذه المكالمة بفارغ الصبر:

حبيبتي وصلتِ بسلام. كيف كانت رحلتك؟

تحدثت بصوت رقيق حاولت فيه إخفاء الحزن الذي كان يلوح بين كلماتها:

نعم أمي وصلت بخير. السفر كان طويلًا، وأنا بخير الآن. المكان هنا جميل جدًا والمنزل يبدو وكأنه مصمم خصيصًا لأجلي. كل شيء مرتب بدقة تفوق الوصف. أشعر بامتنان كبير لأبيه جاسر على كل ما فعله من أجلي.

سألت نهاد بلهفة محاولة الاطمئنان على تفاصيل يوم ابنتها:

حمد الله على سلامتك عزيزتي. هل وجدتِ كل شيء كما توقعنا؟

قالت تولين بابتسامة خفيفة تحاول بث روح المرح في الحديث:

كل شيء كما ينبغي وأكثر. ماريا مدبرة المنزل أخبرتني أن جاسر ابتاع من أجلي هاتفًا محمولًا حديثًا بشريحة مفتوحة، إضافة إلى جهاز حاسوب محمول حديث لأتمكن من البقاء على تواصل معكم. أشعر أنني مدللة كثيرًا هنا.

نهاد وهي تحاول أن تطمئن أبنتها:

سعيدة لأنكِ بخير يا حبيبتي. أريدك أن تكوني قوية، وتواصلي معي باستمرار. سأفتقدك كثيرًا تولين لا تنسي أن تتواصلي مع دارين أيضًا فهي تفتقدك أيضًا.

بالطبع أمي سأحرص على التواصل معكم دائمًا. اشتقت لكم كثيرًا. وأعدكِ بأن أعتني بنفسي.

جاء صوت نهاد مفعمًا بالحب والحنان:

أنتِ حياتي يا تولين لا تهملي صحتك ودراستك. إذا احتجتِ إلى أي شيء أنا هنا دائمًا.

ابتسمت تولين برقة ونطقت:

أعدكِ أمي وسأخبرك بكل جديد. أحبك كثيرًا.

وأنا أحبكِ أكثر يا حبيبتي وسأنتظر مكالمتك القادمة.

أنهت نهاد المكالمة بصوت مفعم بالشوق وتركت تولين بإبتسامة دافئة ودمعة صغيرة في عينيها. وضعت تولين الهاتف جانبًا وجلست على سريرها، وأخذت تتأمل السقف بصمت مسترجعة كلمات أمها التي كانت كبلسم يخفف عنها. تنهدت بعمق، وكأنها تفرغ قلبها من مرارة الشوق. بينما هي شاردة وجدت أفكارها تنساق نحو جاسر. فهو الأخ الأكبر الذي رافقها طوال سنواتها الماضية. كان دائمًا سندها ومأواها الآمن. رغم القرب الذي جمعهما شعرت أحيانًا بغموض يحيط به يجعلها تتساءل في داخلها:

هل يشعر نحوي بشيء مختلف كما كانت تلمح لي دارين دائمًا؟ أم مجرد وهم من نسج خيالي؟

أجابت على نفسها بسخرية:

بالطبع لا إنه فقط يهتم بي كما يهتم بكل شيء في حياته.

ضحكت بخفوت محاولة طرد تلك الأفكار من عقلها، ولم تستطيع منع قلبها من الاسترسال في ذلك التساؤل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"   𖥸༄ الفصل الخامس ༄𖥸

    تحت الضوء الخافت الذي تسلل بالكاد عبر النافذة المظلمة بدا المشهد وكأنه لوحة قديمة تحمل ذكريات، ووجوهًا باهتة تنعكس بوميض شاحب على عينيه المحمّلتين بالهموم. أشعل جاسر سيجارة أخرى بعدما انتهى من الأولى ينفث دخانها ببطء، وكأنه يحاول طرد الأفكار التي تتسلل إلى ذهنه بلا استئذان ولم يستطيع التخلص من صورة تولين ابنة عمه الطفلة الصغيرة التي دخلت منزلهم ذات يوم خجولة ومفعمة بالبراءة لتصبح الآن شابة رائعة تحتل كل جزء من حياته. همس باسمها بصوت خافت: تولين…. تغلغل في كيانه صدى اسمها الدافئ وكأن حروفه تلامس روحه بلذة تختلط بالحب، والحنين، والخوف. حاول إقناع نفسه بأنها مجرد فرد من العائلة. جزء من حياته التي اعتاد عليها، أما عقله فكان يرفض ذلك. كان يعلم جيدًا أن مشاعره اتجاهها تجاوزت كل حدودٍ رسمها بعقله، وكل الأسوار التي شيدها حول قلبه ورغم ذلك ظل قلبه يركض خلفها كأن لا مفر، وكأن كل ما عداها سراب. رفع عينيه نحو السماء ينشد من بريق النجوم إجابة تشفي حيرته وهمس في صمت الليل: لماذا تعذب نفسك بعشقها؟ ولمَ هي من بين كل النساء تسكنك، حتى النخاع؟ صدى السؤال لم يجب والنجوم اكتفت بالصمت، كأنها تشفق علي

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"   𖥸༄ الفصل الرابع ༄𖥸

    في مكان آخر وفي عالم رسمه هو لنفسه دلفت تولين إلى غرفة المكتب بهدوء فوجدته يجلس على مقعده خلف مكتبه الخاص يمسك بيده بعض الأوراق ويعمل بتركيز شديد فانتبه عليها من رائحة عطرها الخلاب الذي ملأ الأجواء. نظر جاسر لها مبتسمًا وهو يترك ما بيده ويعتدل في جلسته. يُشير لها فابتسمت وذهبت إليه فجذبها برقة يجلسها على قدمه يحتويها بداخل حضنه الدافئ، ويقترب منها بحميمية يقبل ثغرها بعشق فيستنشق عبق أنفاسها العطر. ثواني مرت ليبتعد عنها قليلًا يمنح لكلاهما فرصة لالتقاط أنفاسهما. عينيه بقيت متعلقة بعينيها، وكأنها العالم بأسره فمسد على وجنتها برقة وهمس بصوت مبحوح: لا أستطيع أن أبتعد عنكِ طويلًا أنتِ لي كالهواء الذي أتنفسه حبيبتي. شعرت بحرارة كلماته تذيب كل ما تبقى من مقاومتها. تمالكت نفسها وابتسمت بخجل فحاولت أن تبتعد بنظرها كي تكسر حدة اللحظة، بينما هو لم يسمح لها بذلك وأمسك وجهها برفق ينظر داخل عينيها بعشق وتمتم بحزم ممزوج بالحب: لا تهربي بنظراتك مني تولين فأنتِ مأواي الوحيد والأخير. نظرت إليه بعينيها اللتان فضحتا كل ما عجزت الكلمات عن التعبير عنه، وكأنها سلمت له مفاتيح قلبها دون تردد واقتربت منه أ

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"                 𖥸༄ الفصل الثالث ༄𖥸

    كان حمزة مستلقيًا في السرير عاري الصدر وفي أحضانه داليا تشع نيران الرغبة في أعماق أعينهما. يحمل داخله روحًا ملوثة بالعبث والشهوة، والأخرى بالجشع والطمع. في لحظة من الإثارة اللحظية المشبعة بعبق سيجاره النفاذ ورائحة الكحول المسيطرة على الجو لامست أصابعه بلطف وجهها، ونظراته تعبر عن الرغبة الجريئة فكل تلك النسوة بالنسبة له ما هنّ إلا قضاء وقت ورغبة مغلفة فقط بالمصالح والتنافس بين عائلته ومنافسيهم. سارت أصابع يده على وجنتيها وعلى تفاصيلها والذي بدا مستلقيًا بلذة شهوانية عارمة بتوقيعه هو كازانوفا العاشق زير نساء عائلة الشاذلي ومعشوق النساء. فبرز مشهدهم ذلك، كأنه فيلم مهترئ من القبح بالرغم من اكتشاف حمزة للعديد من الأمور التي كشفتها له داليا عن صفقات مدحت زهران الجديدة وجميع أسرار شركته. استدارت تخاطبه بابتسامة حالمة، نابعة من جروحها العاطفية العميقة العاشقة له تاركة لحظات من الصمت تملأ المكان. فأخذت تداعب شعره بأناملها، والهمسات التي تنطقها تسلب عقل أعتى الرجال المتلاعبين وتثير في داخل أوردتهم الإثارة التي تتدفق عبر أجسادهم بشكل متلاحق، لكن ليس هو! فهو من علمهم أصول التلاعب، والخداع وهو من

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"   𖥸༄ الفصل الثاني ༄𖥸

    كانت الحفلة مازالت مستمرة، بينما بداخل القصر كانت نهاد وتولين تكملان جمع الأغراض المتبقية وعلى وشك الانتهاء ودموع نهاد تنساب على وجنتيها لا تتوقف حزنًا على فراق أبنتها الوحيدة. قالت وهي تمسك يد تولين وتجلس معها على السرير تنظر إلى عينيها اللتان تترقبان حديث أمها: أنتِ عشتِ سنوات طويلة في انتظاره. تراقبين في صمت وخفاء حبًا يبدو مستحيلًا. حبيبتي أنتِ تعيشين في منزل هادئ مع عائلة تحبك، وتدرسين في أفضل المدارس وقد منَّ الله عليكِ نتيجة اجتهادك طوال تلك السنوات بفرصة إكمال دراستك خارج البلاد. هناك ستكتسبين خبرات حياتية عظيمة وستتعرفين إلى أشخاص جدد وستدركين مع الوقت أن مشاعر المراهقة تلك كانت مجرد مرحلة عابرة. نظرت تولين إلى الأرض وصوتها يحمل مزيجًا من التردد والحزن: أعرف أمي كل هذا وأدرك أن السفر الآن قد يكون فرصة جيدة لي، وإن لم تتغير مشاعري؟ شعرت نهاد بالحزن على حالها وقررت أن تتحدث معها بحكمة وهدوء: تولين أنتِ تحبين من طرف واحد، والطرف الآخر لا يهتم ولا يكترث إلى مشاعرك تلك. بكت تولين فاحتضنتها نهاد بحنان دافئ تربت على ظهرها بحب محاولة أن تواسيها وتوقظها من وهمها: حبيبتي لم أقصد

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"          𖥸༄ الفصل الأول ༄𖥸 

    الموسيقى الصاخبة تتراقص في أرجاء المكان تختلط بالضحكات، والهمسات السرية، وأحاديث جانبية متشابكة، وكأنها سيمفونية فوضوية. عبير العطور الفرنسية النسائية الراقية يتمازج مع نفحات العطور الرجالية الفاخرة يطغى عليهما عبق السيجار الكوبي الفاخر فتشعر كأنك غادرت الواقع إلى عالم أسطوري وليالٍ ملكية مترفة. الجدران تروي حكايات من الفخامة، والزخارف الهندسية البديعة في المكان تحاكي الخيال، بينما تتراقص الأضواء بألوانها الباهرة، كأنها انعكاس لحلم يوشك أن يتجسد. كانت تلك الحفلة الفاخرة تقام في أحد القصور الشاهقة الواقعة في منطقة راقية والمملوكة لعائلة الشاذلي العريقة التي يزخر تاريخها برجال السياسة والاقتصاد والأعمال يحرسهم طابور من الحرس المزودين بالهيبة والانضباط. الجميع يعمل في القصر كخلية نحل لا تعرف الراحة.وفي ركن هادئ بعيد عن ضجيج الحاضرين وبهرجة الحفل وقفت فتاة في ربيعها الثامن عشر، وكأنها تنتمي لعالم آخر. كانت من الجمال بحيث يصعب وصفها فكانت ناعمة كنسمة صيف لا تُلمس، وعطرة كزهرة ياسمين تبعث بأريجها في كل إتجاه وتظل عالقة في الذاكرة طويلًا. شعرها الحريري مرفوع دومًا في كعكة كبيرة تخفي طوله ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status