LOGINغادر جاسر مبنى الشركة بخطوات متثاقلة متوجهًا نحو سيارته، وعيناه تحملان ملامح التعب وشتات الذكريات. كان عازمًا على العودة إلى القصر وشيئًا ما بداخله لم يكن يشعر بالراحة فقاد سيارته ببطء، وكأن الطريق انعكاس لبحر أفكاره المتلاطمة. كل زاوية وكل لحظة كانت تهمس له باسمٍ واحد تولين. تلك الصغيرة التي تسللت إلى قلبه دون استئذان، وأضاءت عتمته بكلمة، بنظرة، بحضور خجول لم يُدرك كم احتاجه. خنقته نيران الشوق لها وملأته آلم لا يُحتمل، وخياله لم يكُف عن رسم ملامحها. تردد في الاتصال بها أكثر من مرة. كان يُقنع نفسه أن الصمت أحيانًا أرحم من وضع الاحتمالات ومع كل لحظة، كانت يده تقود المقود لا شعوريًا بعيدًا عن الطريق المؤدي إلى القصر، حتى وجد نفسه أمام الشاليه الصغير المُطل على البحر. ملاذه السري الذي لم يعرفه سواه ومعتصم. ركن السيارة على مهل وجلس فيها لحظات يتأمل الأفق؛ حيث ترسم الأمواج خطوطًا خفية على صفحة الماء، وكأنها تكتب له رسائل لا يُحسن قراءتها.
كان هذا المكان دائمًا مهربه، ملاذه حين تضيق به الدنيا. بعيدًا عن صخبها. قريبًا من صمته الذي يفهمه وحده. ترجل بخطواتٍ مترددة، كأن قدميه تتقدمان وقلبه يعود إلى الخلف ودخل الشاليه بصمت مهيب. جلس على الأريكة يتفحص هاتفه بين يديه عالقًا بين عقل يطالبه بالنسيان، وقلب لا يعرف سوى الحنين. تولين كانت مركز هذا الصراع دون أن تدري. لم تفهم يومًا عشقها في قلبه، ولا كم من المرات أخفى عنها مشاعره خلف قناع الحزم والبرود. وأخيرًا بعد شدً وجذبٍ بين قلبه وروحه ضغط زر الاتصال. ورفع الهاتف إلى أذنه بيد ترتجف قليلاً، وعيناه تحدقان في الفراغ. لم تمضِ ثوانٍ، حتى جاءه صوتها ناعمًا، بسيطًا، كأنه نسمة تحمل وعدًا بالسلام. مرحبًا... تردد قليلًا قبل أن يجيب بصوت هادئ يختبئ خلفه شوق مكبوت: مساء الخير تولين. أتمنى ألا أكون قد أزعجتك. ردت بتردد وقلق واضح تُخفيه كلماتها الحذرة: لا بأس أبيه جاسر. هل حدث شيء أم هناك أمر مهم؟ ابتسم في صمت محاولًا كسر الجدار الذي بينهما بلمسة من الحنان: لا شيء محدد فقط أردت الاطمئنان عليكِ. شعرت تولين بحيرة تملأها فهي غير معتادة على كم هذا الإهتمام المفاجئ. أجابت بلطف صادق: أنا بخير. شكرًا لسؤالك. رد عليها بنبرة دافئة تنبع من عمق القلب: كل ما أريده هو أن تواصلي دراستك بدون هموم أو قلق وتشعري، كأنك ما زلتِ جزءًا منا. سألته بتردد تبحث عن سبب هذا الإهتمام المفاجئ: لماذا تهتم بي إلى هذا الحد دائمًا؟ صمت قليلًا؛ ثم تحدث بصدق لا يحتمل الزيف: لأنكِ دائمًا كنتِ جزءًا مهم من حياتي. وأردت فقط أن تشعري بالأمان، وأن تكونِ سعيدة. ارتبكت تولين ولم تستطيع إخفاء امتنانها وقالت بصوتٍ خافت: كنتُ دائمًا ممتنة لما فعلته من أجلي وما زلت. أجابها بهدوء حنون: ربما كنت صارمًا معكِ، فكان ذلك دائمًا من أجل حمايتك. أردت الأفضل لكِ دومًا. شعرت تولين بالراحة تغمر قلبها، فابتسمت بخفة: شكرًا لك على كل ما فعلته من أجلي، وجودك كان دعمًا لا يقدر بثمن. أنهى جاسر المكالمة بابتسامة دافئة، وعاد إلى تأملاته العميقة. شعر جاسر وكأنه اقترب خطوة نحو كسر الحاجز بينهما، وأن تولين بدأت ترى جانبه الحقيقي بعيدًا عن القناع الذي لطالما أخفى به مشاعره. تحدث إلى نفسه بإصرار متجدد: حان الوقت لأن أكون أكثر وضوحًا. لن أترك الأمور تسير على ما هي عليه. سأقترب منها أكثر، وأجعلها ترى مكانتها الحقيقية في حياتي، وفي قلبي. ❈-❈-❈ كانت تولين غارقة في أفكارها تستعيد كلماته ونبرته الهادئة. تلك النبرة الدافئة التي لطالما خصها بها، وكأنها وحدها من تستحق هذا الوجه الآخر منه، المختلف عن صلابته المعتادة. شعرت بامتنان يتسلل إلى قلبها، أما داخلها كان هناك شعور آخر. شيء غامض، خافت لا تملك له اسمًا. نظرت حولها بشرود وهمست لنفسها بصوت بالكاد يُسمع: لماذا يبدو جاسر مختلفًا دائمًا معي؟ لماذا أشعر وكأني الشخص الأهم في عالمه؟ تأملت سقف الغرفة، كأنها تبحث عن إجابة في الفراغ وتابعت حديثها الداخلي: دائمًا ما كان صارمًا، مُغلقًا على نفسه. شخصيته وحدها كانت كفيلة بإبعادي عن أي اقتراب. اليوم كان هناك شيئًا ما مختلفًا، نبرته وكلماته، حتى صمته. وضعت يدها على قلبها تتحسس أثرًا لم تفهمه بعد وأكملت بصوتٍ خافت: هل كل هذا الاهتمام فقط من أجل راحتي؟ لمجرد أنني ابنة عمه اليتيمة؟ المسؤولية وحدها لا تصنع هذا الدفء والاهتمام. اليوم كان هناك شيء آخر في صوته. شيء لم أعهده من قبل. سكتت لحظة؛ ثم تساءلت بعينين متسعتين بالحيرة: هل يُعقل أن يكون بدأ يشعر بشيء تجاهي؟ لا. لا أظن أنه يحبني ربما فقط أصبح يراعيني بطريقة مختلفة. ضحكت بخفة ورفعت حاجبيها باستغراب من أفكارها: مجنونة. أنا فعلاً مجنونة. كيف لي أن أظن شيئًا كهذا؟ ربما هي مجرد أوهام ....... توقفت لحظة؛ ثم ابتسمت بخجل وهمست: لا أستطيع إنكار إنه تغير بشكل يُعجبني. قطع رنين الهاتف أفكار تولين المتشابكة فنظرت إلى الشاشة فرأت اسم دارين يضيء في مكالمة فيديو عبر الماسنجر. ابتسمت بخفة، وكأنها وجدت أخيرًا من تفتح له قلبها وتفك شيفرة مشاعرها المتداخلة. رفعت الهاتف وأجابت بصوت دافئ: دارين توقيتكِ ممتاز كالعادة يا فتاة. كنت أفكر فيكِ للتو. انفجر صوت دارين ضاحكًا من الطرف الآخر: وهل تفكرين في بدون سبب؟ يبدو أن هناك شيئًا يملأ رأسكِ وتحتاجين لمن تنفجرين معه بالكلام. ترددت تولين لوهلة؛ ثم همست بنبرة خافتة وصلت بوضوح: في الحقيقة نعم. كنت أتحدث مع أبيه جاسر للتو وبدا مختلفًا. قهقهت دارين بحماس: هل تقولين إنه أخيرًا خلع درعه الحديدي؟! أجابت تولين بحيرة وهدوء: لا أقول إنه تخلى عنه بشكل كامل. فقد كان لطيفًا بطريقة لم أعتدها منه. أشعر أحيانًا إنه يهتم بي أكثر من اللازم. لا أعرف ربما أتوهم. ضحكت دارين بسخرية مرحة: لا تستهيني بالقلوب يا تولين. ربما بدأ يكشف لكِ وجهًا آخر من شخصيته. وربما هناك أكثر مما تعتقدين. تولين بتنهيدة خفيفة وابتسامة خجولة تنم عن الحيرة: ربما فالوقت وحده سيكشف كل شيء. أما دارين فلم تمنحها فرصة الغوص أكثر في تحليل شخصية شقيقها فقفزت مكانها تكمل الحديث: دعكِ من جاسر الآن اسمعي ما حدث أمس. لقد بدأت قصة بفعل بريء. كانت على وشك أن تتحول إلى فيلم من أفلام الأكشن. ابتسمت تولين بمكر: أوه لا تُبقي الأمر غامضًا أريد التفاصيل فورًا. أعرفكِ لا بد أنه تصرف مجنون جديد. ضحكت دارين وضربت بخفة على الطاولة، كأنها محققة محترفة: كما تعلمين أنا فضولية بطبعي. وأعتقد أنني لو كنت محققة كنت الآن حديث الجرائد. المهم قررت أمس أن أراقب يوسف حبيبي العزيز. رفعت تولين حاجبها بدهشة: أنتِ راقبتِ ضابط شرطة؟ يا فتاة أنتِ تلعبين بالنار!! أجابت دارين بمزاح مشاكس: أوه لم تكن مراقبة بالمعنى الكامل يعني فقط تبعته بهدوء بعد أن غادر منزله. شعرت كأنني بطلة في فيلم تجسس رخيص. ثم تابعت بخفة: وصل إلى عمله؛ ثم خرج بعد دقائق فقلت في نفسي: بالتأكيد هناك شيء مريب! فتبعته، حتى وصل إلى منطقة نائية بها مبانٍ مهجورة، وأجواء مريبة وفجأة وظهرت فتاة غريبة!! شهقت تولين: فتاة! كيف كانت تبدو؟ أجابت دارين بجدية غير معتادة: كانت جميلة جدًا، أنما مريبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. شعرها فوضوي، وملابسها غريبة، ونظراتها، كأنها تخترق الروح. أعطته شيئًا صغيرًا لم أتمكن من تمييزه. بدا على تولين التوتر فقالت بهدوء: دارين ما فعلتِه خطير. يوسف ضابط من المحتمل أن يكون في مهمة سرية. حاولت دارين التبرير: كنت قلقة أردت معرفة ما يدور حولي أن أفهم. فقد شعرت بشيء غير مريح. قاطعتها تولين بجدية أكبر: ما فعلتِه قد يعرض حياته للخطر، بل ويضعكِ في موقف لا يُحمد عقباه. هل رأكِ؟ ترددت دارين: لا. لا أظن كنت حذرة. تولين بنبرة صارمة: لا مجال للظن. إن كان شك في شيء فقد تكونين مراقبة الآن. دارين هذه ليست لعبة. ساد الصمت للحظة؛ ثم نطقت دارين بصوت مختنق: أنا أحبه بصدق. وأشعر أنه يحبني، إلا أنه لا يملك الشجاعة للاعتراف. أحيانًا أشعر أنني وحدي من يحارب. نظرت تولين إليها بعينين هادئتين وقالت برقة: الحب ليس حربًا يا دارين. الحب يحتاج ثقة وصبر لا ملاحقة وظنون. إذا كان صادقًا سيأتي إليكِ حين يكون مستعدًا. تنهدت دارين وهمست: أحيانًا الانتظار مؤلم. ردت تولين بابتسامة مطمئنة: الطريق الوحيد للحب الحقيقي. لا تجعلي الخوف يقودكِ لتدمير ما يمكن أن يكون جميلًا. قهقهت دارين فجأة وتحدثت بمكر يشع من عينيها: أنتِ تتحدثين، وكأنكِ لم تراقبي أحدًا يومًا! لا تتظاهري بالبراءة، الفضول يسري في عروقنا كما يسري الدم. ابتسمت تولين وهزت رأسها وهي تضحك: صحيح، لكن هناك فرق كبير بين الفضول البريء والتجسس الذي قد يورطكِ في قضية أمنية. ضحكت دارين بحرارة: حسنًا، سأحاول تهدئة المحققة التي تسكنني، لكني لا أعدكِ. ردّت تولين بمرح وهي ترفع حاجبيها ممازحة: فقط تأكدي ألا يتحول حبكِ إلى فيلم بوليسي طويل الحلقات. انفجرتا بالضحك معًا وتبددت بين ضحكاتهما بقايا القلق التي كانت تخيم على الأجواء. كأنما الحديث الطريف نجح في إذابة التوتر وأعاد إلى نبراتهما دفئًا غائبًا ولو إلى حين. ❈-❈-❈ داخل مكتب الرائد يوسف المحمدي ساد الهدوء بينما انعكست أضواء المصابيح على رفوف مليئة بالملفات والوثائق المبعثرة كشاهد على يوم عمل طويل. يوسف الذ جسّد مزيجًا من النضج والقوة في آنٍ واحد كضابط شرطة في مديرية أمن القاهرة. أما في الخارج فسيطر التوتر وارتفعت الأصوات فيما بقي مكتب يوسف واحة من العزلة عن فوضى العالم الخارجي. جلس خلف مكتبه مرتديًا بدلته الرسمية التي أضافت له مزيدًا من الهيبة والوقار. عيناه الحازمتان مثبتتان على تقرير خطير أمامه، بينما انشغلت يداه بترتيب الأوراق وكأن المكتب هو حصنه الآمن وعالمه الخاص. تحت ضوء المكتب البارد استغرق في العمل متجاهلًا أي مؤثرات خارجية. خلفه ترك المكالمات الشخصية والمشاعر الخاصة ووضع كل طاقته في قضية بالغة الأهمية. كسر صوت طرقات متسارعة على الباب صمت المكتب فرفع نظره ببطء. وجد صديقه وزميله الرائد هاشم يدخل بخطى سريعة ووجه يكسوه القلق. قال هاشم بصوت متوتر يوسف التحقيق بدأ. ثم اقترب من المكتب ووضع ملفًا ضخمًا أمام يوسف بينما واضح التوتر في عينيه. رفع يوسف حاجبيه قليلًا وظل مركزًا على التقرير وسأل بهدوء شديد: منذ متى بدأ التحقيق؟ أجاب هاشم بسرعة: الآن الشخص الذي كنت تتابعه في القضية يخضع للتحقيق حاليًا. نظر يوسف إلى الملف نظرة سريعة ورفع عينيه نحو هاشم وقال بجدية: هل جمعتم كل الأدلة الكافية؟ رد هاشم بقلق: هناك تفاصيل جديدة، غير أن الصورة لم تكتمل بعد. الأمور أكثر تعقيدًا مما توقعنا والوقت ليس في صالحنا يا يوسف. وقف يوسف بخطوات ثابتة وقال بحزم: سأكون هناك يجب الضغط عليه أكثر لمعرفة الحقيقة قبل أن تتشابك الخيوط. في طريقهما نحو غرفة التحقيق ساد بينهما صمت مشحون بالتوتر. كانت المديرية تعج بالحركة بينما عيون يوسف ظلت حادة تعكس ما بداخله. عند باب غرفة التحقيق توقف يوسف للحظة يأخذ نفسًا عميقًا. القضية أمامه كانت أكثر من مجرد تحقيق، بل تحديًا قد يغير حياته المهنية بالكامل. دخل الغرفة بهدوء فالأضواء الساطعة أظهرت جدرانًا عارية، ورائحة هواء خانق. جلس المشتبه به مكبل اليدين على كرسي مقابل للطاولة ونظراته تحمل ارتباكًا. قال يوسف بصوت جاد: أنت الآن بين أيدينا. إن كان لديك ما تقوله فمن الأفضل أن تبدأ به الآن. رفع الرجل رأسه ببطء محاولًا التظاهر بالهدوء. وضع يوسف بعض الملفات على الطاولة وأضاف: الأدلة واضحة والصمت لن يفيدك في شيء. الاعتراف قد يكون في صالحك. وإلا فستُحمل وحدك تبعات القضية بأكملها وقد يُحكم عليك بالإعدام بسببها. بعد لحظة صمت بدأ الرجل يتحدث بتردد ورعب: أنا لا علاقة لي بالأمر، لم أفعل شيئًا من تلقاء نفسي. كنت مجرد عبدٍ مأمور ولا شأن لي بأعمالهم الكبيرة. دوري كان يقتصر على الترهيب أو سرقة بعض الأوراق أو الاعتداء على أي من رجال الأعمال الذين يقفون في طريق مصالحهم. أنا مجرد أداة بين يديهم لم أكن أعرف ما يجري بالكامل. سأله يوسف بحزم: حسنًا من الذي كان يعطي لك تلك الأوامر لتنفيذها؟ لابد أنك تعرف اسمه وشكلة أليس كذلك؟ تردد الرجل قليلًا قبل أن يقول: أجل رأيته مرارًا. يُدعى عوني من بلاد الشام وليس مصريًا. رجل داهية، شديد المكر ومن الصعب التغلب عليه. ضيق يوسف عينيه بتركيز وقد تلبدت أفكاره حين سمع اسم عوني يتردد على لسان المشتبه به. لم يكن الاسم غريبًا عليه، بل له وزنه في سجل التحقيقات فهو الذراع اليمنى لأحد أخطر عناصر المنظمة. استدار نحو هاشم وقال بصوت خافت: الأمر تجاوز توقعاتنا يا هاشم نحن لا نواجه مجموعة من رجال الأعمال الفاسدين فحسب، بل نواجه منظومة كاملة تُحركها مصالح خفية وشبكة معقدة من النفوذ والسلطة. رد هاشم بنبرة حذرة: يجب التأكد من صحة المعلومات قبل التحرك بأي خطوة. أجاب يوسف بحزم: لم يعد لدينا متسع من الوقت لا بد أن نبدأ بالتحرك بجدية وسرعة، وبمنتهى السرية فتحركاتهم أصبحت أكثر تسارعًا، وتسليم شحنة المخدرات وتهريب الفتيات للخارج قد بدأ بالفعل منذ عدة أيام. وقف يوسف وقال للرجل الماثل أمامه في محالة لأرهابه: إن كنتَ صادقًا فيما قولت فتعاون معنا؛ فالوقت ليس في صالحك وعوني لا توجد أدلة كافية للقبض عليه هو ومن معه. وكما قلتُ لك ستُحمل وحدك تبعات القضية وهذا بالضبط ما يريدونه أن تكون كبش فداء لهم. خرج يوسف وهاشم من الغرفة غارقين كل في دوامة أفكاره. تعقدت خيوط القضية بشكل يزداد خطورة، وفي عيون يوسف تأججت نار العزيمة والإصرار. بنبرة حازمة ومليئة بالقوة قال: لا شيء سيوقفنا الآن لقد بدأ التحدي الحقيقي يا هاشم ونحن على أعتاب كشف الحقيقة مهما كلفنا ذلك.غادر جاسر مبنى الشركة بخطوات متثاقلة متوجهًا نحو سيارته، وعيناه تحملان ملامح التعب وشتات الذكريات. كان عازمًا على العودة إلى القصر وشيئًا ما بداخله لم يكن يشعر بالراحة فقاد سيارته ببطء، وكأن الطريق انعكاس لبحر أفكاره المتلاطمة. كل زاوية وكل لحظة كانت تهمس له باسمٍ واحد تولين. تلك الصغيرة التي تسللت إلى قلبه دون استئذان، وأضاءت عتمته بكلمة، بنظرة، بحضور خجول لم يُدرك كم احتاجه. خنقته نيران الشوق لها وملأته آلم لا يُحتمل، وخياله لم يكُف عن رسم ملامحها. تردد في الاتصال بها أكثر من مرة. كان يُقنع نفسه أن الصمت أحيانًا أرحم من وضع الاحتمالات ومع كل لحظة، كانت يده تقود المقود لا شعوريًا بعيدًا عن الطريق المؤدي إلى القصر، حتى وجد نفسه أمام الشاليه الصغير المُطل على البحر. ملاذه السري الذي لم يعرفه سواه ومعتصم. ركن السيارة على مهل وجلس فيها لحظات يتأمل الأفق؛ حيث ترسم الأمواج خطوطًا خفية على صفحة الماء، وكأنها تكتب له رسائل لا يُحسن قراءتها. كان هذا المكان دائمًا مهربه، ملاذه حين تضيق به الدنيا. بعيدًا عن صخبها. قريبًا من صمته الذي يفهمه وحده. ترجل بخطواتٍ مترددة، كأن قدميه تتقدمان وقلبه يع
تحت الضوء الخافت الذي تسلل بالكاد عبر النافذة المظلمة بدا المشهد وكأنه لوحة قديمة تحمل ذكريات، ووجوهًا باهتة تنعكس بوميض شاحب على عينيه المحمّلتين بالهموم. أشعل جاسر سيجارة أخرى بعدما انتهى من الأولى ينفث دخانها ببطء، وكأنه يحاول طرد الأفكار التي تتسلل إلى ذهنه بلا استئذان ولم يستطيع التخلص من صورة تولين ابنة عمه الطفلة الصغيرة التي دخلت منزلهم ذات يوم خجولة ومفعمة بالبراءة لتصبح الآن شابة رائعة تحتل كل جزء من حياته. همس باسمها بصوت خافت: تولين…. تغلغل في كيانه صدى اسمها الدافئ وكأن حروفه تلامس روحه بلذة تختلط بالحب، والحنين، والخوف. حاول إقناع نفسه بأنها مجرد فرد من العائلة. جزء من حياته التي اعتاد عليها، أما عقله فكان يرفض ذلك. كان يعلم جيدًا أن مشاعره اتجاهها تجاوزت كل حدودٍ رسمها بعقله، وكل الأسوار التي شيدها حول قلبه ورغم ذلك ظل قلبه يركض خلفها كأن لا مفر، وكأن كل ما عداها سراب. رفع عينيه نحو السماء ينشد من بريق النجوم إجابة تشفي حيرته وهمس في صمت الليل: لماذا تعذب نفسك بعشقها؟ ولمَ هي من بين كل النساء تسكنك، حتى النخاع؟ صدى السؤال لم يجب والنجوم اكتفت بالصمت، كأنها تشفق علي
في مكان آخر وفي عالم رسمه هو لنفسه دلفت تولين إلى غرفة المكتب بهدوء فوجدته يجلس على مقعده خلف مكتبه الخاص يمسك بيده بعض الأوراق ويعمل بتركيز شديد فانتبه عليها من رائحة عطرها الخلاب الذي ملأ الأجواء. نظر جاسر لها مبتسمًا وهو يترك ما بيده ويعتدل في جلسته. يُشير لها فابتسمت وذهبت إليه فجذبها برقة يجلسها على قدمه يحتويها بداخل حضنه الدافئ، ويقترب منها بحميمية يقبل ثغرها بعشق فيستنشق عبق أنفاسها العطر. ثواني مرت ليبتعد عنها قليلًا يمنح لكلاهما فرصة لالتقاط أنفاسهما. عينيه بقيت متعلقة بعينيها، وكأنها العالم بأسره فمسد على وجنتها برقة وهمس بصوت مبحوح: لا أستطيع أن أبتعد عنكِ طويلًا أنتِ لي كالهواء الذي أتنفسه حبيبتي. شعرت بحرارة كلماته تذيب كل ما تبقى من مقاومتها. تمالكت نفسها وابتسمت بخجل فحاولت أن تبتعد بنظرها كي تكسر حدة اللحظة، بينما هو لم يسمح لها بذلك وأمسك وجهها برفق ينظر داخل عينيها بعشق وتمتم بحزم ممزوج بالحب: لا تهربي بنظراتك مني تولين فأنتِ مأواي الوحيد والأخير. نظرت إليه بعينيها اللتان فضحتا كل ما عجزت الكلمات عن التعبير عنه، وكأنها سلمت له مفاتيح قلبها دون تردد واقتربت منه أ
كان حمزة مستلقيًا في السرير عاري الصدر وفي أحضانه داليا تشع نيران الرغبة في أعماق أعينهما. يحمل داخله روحًا ملوثة بالعبث والشهوة، والأخرى بالجشع والطمع. في لحظة من الإثارة اللحظية المشبعة بعبق سيجاره النفاذ ورائحة الكحول المسيطرة على الجو لامست أصابعه بلطف وجهها، ونظراته تعبر عن الرغبة الجريئة فكل تلك النسوة بالنسبة له ما هنّ إلا قضاء وقت ورغبة مغلفة فقط بالمصالح والتنافس بين عائلته ومنافسيهم. سارت أصابع يده على وجنتيها وعلى تفاصيلها والذي بدا مستلقيًا بلذة شهوانية عارمة بتوقيعه هو كازانوفا العاشق زير نساء عائلة الشاذلي ومعشوق النساء. فبرز مشهدهم ذلك، كأنه فيلم مهترئ من القبح بالرغم من اكتشاف حمزة للعديد من الأمور التي كشفتها له داليا عن صفقات مدحت زهران الجديدة وجميع أسرار شركته. استدارت تخاطبه بابتسامة حالمة، نابعة من جروحها العاطفية العميقة العاشقة له تاركة لحظات من الصمت تملأ المكان. فأخذت تداعب شعره بأناملها، والهمسات التي تنطقها تسلب عقل أعتى الرجال المتلاعبين وتثير في داخل أوردتهم الإثارة التي تتدفق عبر أجسادهم بشكل متلاحق، لكن ليس هو! فهو من علمهم أصول التلاعب، والخداع وهو من
كانت الحفلة مازالت مستمرة، بينما بداخل القصر كانت نهاد وتولين تكملان جمع الأغراض المتبقية وعلى وشك الانتهاء ودموع نهاد تنساب على وجنتيها لا تتوقف حزنًا على فراق أبنتها الوحيدة. قالت وهي تمسك يد تولين وتجلس معها على السرير تنظر إلى عينيها اللتان تترقبان حديث أمها: أنتِ عشتِ سنوات طويلة في انتظاره. تراقبين في صمت وخفاء حبًا يبدو مستحيلًا. حبيبتي أنتِ تعيشين في منزل هادئ مع عائلة تحبك، وتدرسين في أفضل المدارس وقد منَّ الله عليكِ نتيجة اجتهادك طوال تلك السنوات بفرصة إكمال دراستك خارج البلاد. هناك ستكتسبين خبرات حياتية عظيمة وستتعرفين إلى أشخاص جدد وستدركين مع الوقت أن مشاعر المراهقة تلك كانت مجرد مرحلة عابرة. نظرت تولين إلى الأرض وصوتها يحمل مزيجًا من التردد والحزن: أعرف أمي كل هذا وأدرك أن السفر الآن قد يكون فرصة جيدة لي، وإن لم تتغير مشاعري؟ شعرت نهاد بالحزن على حالها وقررت أن تتحدث معها بحكمة وهدوء: تولين أنتِ تحبين من طرف واحد، والطرف الآخر لا يهتم ولا يكترث إلى مشاعرك تلك. بكت تولين فاحتضنتها نهاد بحنان دافئ تربت على ظهرها بحب محاولة أن تواسيها وتوقظها من وهمها: حبيبتي لم أقصد
الموسيقى الصاخبة تتراقص في أرجاء المكان تختلط بالضحكات، والهمسات السرية، وأحاديث جانبية متشابكة، وكأنها سيمفونية فوضوية. عبير العطور الفرنسية النسائية الراقية يتمازج مع نفحات العطور الرجالية الفاخرة يطغى عليهما عبق السيجار الكوبي الفاخر فتشعر كأنك غادرت الواقع إلى عالم أسطوري وليالٍ ملكية مترفة. الجدران تروي حكايات من الفخامة، والزخارف الهندسية البديعة في المكان تحاكي الخيال، بينما تتراقص الأضواء بألوانها الباهرة، كأنها انعكاس لحلم يوشك أن يتجسد. كانت تلك الحفلة الفاخرة تقام في أحد القصور الشاهقة الواقعة في منطقة راقية والمملوكة لعائلة الشاذلي العريقة التي يزخر تاريخها برجال السياسة والاقتصاد والأعمال يحرسهم طابور من الحرس المزودين بالهيبة والانضباط. الجميع يعمل في القصر كخلية نحل لا تعرف الراحة.وفي ركن هادئ بعيد عن ضجيج الحاضرين وبهرجة الحفل وقفت فتاة في ربيعها الثامن عشر، وكأنها تنتمي لعالم آخر. كانت من الجمال بحيث يصعب وصفها فكانت ناعمة كنسمة صيف لا تُلمس، وعطرة كزهرة ياسمين تبعث بأريجها في كل إتجاه وتظل عالقة في الذاكرة طويلًا. شعرها الحريري مرفوع دومًا في كعكة كبيرة تخفي طوله ال







