首頁 / المراهقة / عواصف مراهقة / بين الحب و الفقد

分享

بين الحب و الفقد

作者: إحداهن
last update publish date: 2026-07-30 23:56:33

تجمدت سمارة في مكانها.

لم تكن تتوقعها.

ولم يسبق لها أن هيأت قلبها لسماعها.

شعرت وكأن قلبها أخطأ نبضته الأولى، ثم اندفع يخفق بعنف حتى خافت أن يسمعه من يقف حولها.

ارتجفت أطراف أصابعها دون أن تشعر، وجف حلقها، ولم تعد تعرف أين تنظر.

كانت تحاول أن ترفع عينيها إليه...

لكن الخجل كان يسبقها في كل مرة، فيعيدهما إلى الأرض.

للمرة الأولى، شعرت أن وجهها لم يعد ملكها.

كانت حرارة الخجل تزحف إليه ببطء، حتى أحست أن وجنتيها تفضحان كل ما حاولت إخفاءه.

أرادت أن تقول شيئًا...

أي شيء.

أن ترفع عينيها إليه.

أن تبتسم دون أن يفضحها الخجل.

أن تخبره أن قلبها لم يعد كما كان قبل لحظات.

لكن الكلمات كلها بقيت حبيسة صدرها.

فقط...

ابتسامة صغيرة، خجولة، صادقة، ارتسمت على شفتيها دون استئذان.

ابتسامة قالت ما عجزت عنه الكلمات.

بقي عاطف ينظر إليها لحظات، وقد ارتخت ملامحه قليلًا، وكأنه وجد في تلك الابتسامة ما يكفي من الطمأنينة.

ثم ابتسم هو الآخر... دون أن يقول شيئًا.

---

طوال طريق العودة، لم تستطع أن تهدئ قلبها.

كانت كلما تذكرت صوته وهو يقول: "أنا أحبك." شعرت أن ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها دون إرادة منها.

لكن، في كل مرة كانت تلك الفرحة تلامس قلبها، كان كلام رؤوف يعود إليها من جديد.

"عاطف فقد والدته..."

منذ أن سمعت تلك الجملة، لم تستطع أن تنساها.

كانت تتساءل بين حين وآخر: كيف يستطيع إنسان أن يفقد أمه، ثم يواصل حياته وكأن شيئًا لم يحدث؟

والأغرب من ذلك كله... أنه لم يذكرها يومًا.

لم تتسلل والدته إلى حديثه ولو مرة واحدة، ولم يلمح إليها بكلمة، وكأنه ترك ذلك الوجع في مكان بعيد، وأغلق بابه بإحكام.

لم تكن تعرف لماذا شغلها الأمر إلى هذا الحد.

ربما لأن الإنسان لا يستطيع أن يتخيل حجم الألم الذي يحمله الآخرون وهم يبتسمون.

عادت إلى البيت، وما زالت مشاعرها متشابكة؛ فرحةٌ دافئة لأن قلبًا اختارها لأول مرة، وحزنٌ غامض من أجل وجع لم تره، لكنها شعرت بثقله.

وجدت أمها في المطبخ ترتب بعض الأواني.

جلست إلى جوارها في هدوء، وظلت تراقبها للحظات، قبل أن تقول:

— أمي... عندما توفي جدي... كيف كان شعورك؟

توقفت أمها عن الحركة.

رفعت رأسها ببطء، وكأن السؤال أعادها إلى سنوات بعيدة.

ثم قالت بصوت خافت:

— كنت في مثل عمرك تقريبًا...

وصمتت قليلًا.

— سمارة... إن أصعب ما في الفقد ليس لحظة سماع الخبر، مع أن تلك اللحظة شعرت فيها وكأن الحياة التي أعرفها انقسمت إلى نصفين؛ نصف كان فيه أبي... ونصف بدأت أعيشه من دونه.

تنهدت طويلًا.

— الأصعب... هو ما يأتي بعدها.

اغرورقت عيناها بالدموع.

— أن تستيقظي في الصباح، وتنسين للحظة أنه رحل... ثم تتذكرين فجأة أنه لن يوقظك مرة أخرى.

ابتسمت ابتسامة باهتة.

— أن تسمعي صوت خطوات في الممر، فيخفق قلبك، وتظنين أنه عاد... ثم تتذكرين أن صاحب تلك الخطوات لن يعود أبدًا.

سكتت قليلًا، ثم أردفت:

— بقي كرسيه في البيت مدة طويلة. كلما رأيته شعرت أنه سيجلس عليه بعد قليل، وأن كل ما حدث مجرد كابوس. لكن الكرسي ظل فارغًا... يومًا بعد يوم... حتى فهمت أن بعض الأماكن لا يملؤها أحد بعد أصحابها.

ابتلعت سمارة ريقها بصعوبة.

وتابعت أمها:

— كنت أدخل غرفته عندما لا يراني أحد. أجلس هناك بصمت... ألمس أشياءه، وأقرب ثوبه مني فقط لأن رائحته كانت لا تزال عالقة فيه. كنت أخاف من اليوم الذي تختفي فيه تلك الرائحة... لأنني كنت أشعر أن آخر شيء بقي منه سيغادرني أيضًا.

انزلقت دمعة على خدها.

ولم تمسحها.

— تعرفين ما الذي كسرني حقًا؟

هزت سمارة رأسها بصمت.

— أن الحياة لم تتوقف.

كنت أخرج إلى الشارع، فأرى الناس يضحكون، والمحلات تفتح أبوابها، والسيارات تمر، والأطفال يلعبون... فأقول في نفسي: كيف يستطيع العالم أن يستمر، بينما عالمي أنا توقف في ذلك اليوم؟

سكتت لحظة، ثم همست:

— وبعد سنوات... لا يبقى البكاء كما كان.

يبقى الفراغ.

يبقى ذلك الالتفات العفوي عندما يحدث أمر جميل، فتبحثين بعينيك عنه لتخبريه... ثم تتذكرين أنه ليس هنا

ويبقى الحنين إلى كلمة لم تُقل، وإلى عناق كنت تؤجلينه لأنك كنت تظنين أن الوقت لا يزال طويلًا.

مسحت دمعتها أخيرًا، وقالت:

— الناس يظنون أننا نتجاوز الفقد مع الأيام... لكن الحقيقة أننا لا نتجاوزه. نحن فقط نتعلم كيف نحمل ذلك المكان الفارغ داخلنا، ونواصل السير.

ساد الصمت بينهما.

ثم سألتها أمها برفق:

— لماذا سألتِني عن هذا؟

ترددت سمارة لحظة، ثم قالت 

 لدينا زميل في المؤسسة... توفيت والدته

تنهدت أمها بحزن، وقالت:

— رحمها الله...

ثم أضافت بصوت هادئ:

— مسكين... من يفقد أحد والديه في هذا العمر، لا يخسر أبًا أو أمًا فقط... بل يخسر جزءًا من الطمأنينة التي لا يدرك قيمتها إلا بعد أن تختفي.

أومأت سمارة بصمت.

ولم تخبر أمها أن ذلك الزميل كان أول شخص جعل قلبها يخفق بهذه الطريقة...

خرجت سمارة من ذلك الحديث وهي تشعر أن قلبها أصبح يحمل عاطف بطريقة مختلفة. لم تعد تراه فقط الفتى الذي قال لها "أحبك"... بل الإنسان الذي عاش فقدًا لم تستطع حتى أن تتخيل ثقله.

وصارت ترى خلف ابتسامة عاطف حكاية لم تعرف تفاصيلها، ولم تسأله عنها يوما

كانت تخشى أن تفتح بابًا اختار هو أن يبقيه مغلقًا.

اكتفت بأن تدعو في سرها أن يكون قد وجد من يخفف عنه ذلك الغياب، وأن تمنحه الأيام من الطمأنينة ما عجزت الحياة عن منحه يوم فقد والدته.

ومضت الأيام بعد ذلك بهدوء يشبههما معًا.

لم يكونا من أولئك العشاق الذين يملؤون العالم بالضجيج والوعود الكبيرة.

كانت لقاءاتهما قليلة، ومكالماتهما قصيرة ومتباعدة، لكن ذلك كان كافيًا بالنسبة لسمارة.

لأنها لم تكن تقيس الحب بعدد اللقاءات، بل بذلك الشعور الهادئ الذي يتركه شخص واحد داخل القلب.

كان يكفيها أن تراه أحيانًا وسط الحشود، أو تسمع صوته للحظات، أو تتذكر الطريقة التي ينظر بها إليها وكأنها الشيء الوحيد الواضح وسط العالم.

فبعض القصص لا تعيش بالكثرة...

بل بتلك اللحظات الصغيرة التي تمر سريعًا، ثم تبقى عالقة في القلب طويلًا.

ولم تمضِ أيام كثيرة حتى اقتربت امتحانات شهادة التعليم المتوسط.

في إحدى الاستراحات، كانت منى تقلب كراسة المراجعة بسرعة، بينما جلس رؤوف إلى جوارها يتذمر:

— هذه السنة لن تنفعنا أي محاولة للغش. سمعت أن الحراسة ستكون مشددة جدًا.

رفعت شيراز حاجبيها وقالت:

— لهذا أراجع منذ أسبوعين. لا أريد أن أعيد السنة بسبب إهمالي.

التفتت منى إلى سمارة.

— وأنتِ؟ إلى أين وصلتِ في الرياضيات؟

رفعت سمارة رأسها عن النافذة، كأنها عادت من مكان بعيد.

— ماذا؟

ضحكت منى.

— أسألك عن المراجعة.

ابتسمت سمارة بخفة.

— لم أبدأ بعد.

اتسعت عينا منى.

— لم تبدئي؟

— ما زال الوقت مبكرًا.

وقبل أن تضيف منى شيئًا، سحبت سمارة شيراز برفق إلى جانب الممر.

نظرت إليها شيراز باستغراب.

— ماذا هناك؟

قالت سمارة بخجل وهي تمد يدها:

— أعطيني هاتفك دقيقة... أريد أن أجري اتصالًا.

رفعت شيراز حاجبًا وهي تبتسم بمكر.

— بعاطف؟

احمر وجه سمارة، واكتفت بابتسامة صغيرة.

فضحكت شيراز، وأخرجت الهاتف من جيبها.

خذي... لكن بسرعة، سيُقرع الجرس بعد قليل.

أخذت سمارة الهاتف، واتجهت بخطوات سريعة نحو الممر المؤدي إلى مراحيض الفتيات، حيث كان المكان أكثر هدوءًا.

أمسكت الهاتف بكلتا يديها، وأخذت تضغط الأرقام التي حفظتها منذ زمن.

ما إن ضغطت آخر رقم، حتى شعرت بقلبها يخفق من جديد.

رن الهاتف مرة...

ثم مرة ثانية…

ثم جاءها صوته:

— ألو؟

ابتسمت دون أن تشعر.

— مساء الخير...

ساد صمت قصير.

ثم قال بسرعة، وقد غلبت الدهشة على صوته:

— سمارة؟

ضحكت بخفة.

— نعم.

تنهد مبتسمًا.

— سبحان الله... كنت أفكر فيك قبل قليل.

ثم أضاف بمشاكسة:

— هل شعرتِ بذلك فاتصلتِ بي؟

ضحكت وهي تخفض رأسها.

— لا...

قال بصوت دافئ:

— لكنك أسعدتِني.

شعرت بالخجل، ولم تعرف ماذا تقول.

ثم قال:

— اشتقت إلى صوتك.

وسكت لحظة قبل أن يضيف:

— هل أخبرك بشيء؟

— ماذا؟

ابتسم وقال بهدوء:

— صوتك جميل...

ثم أردف، وكأنه يبحث عن الكلمات:

— لا أعرف كيف أصفه... لكنه يصل إلى قلبي قبل أن يصل إلى أذني.

ارتبكت سمارة، وأخذت تلف خصلةً من شعرها حول إصبعها دون أن تشعر، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة.

ثم همست:

— عاطف...

ضحك برفق.

— ماذا أفعل؟ هذه هي الحقيقة.

ثم سألها:

— بالمناسبة... من أي رقم تتصلين؟

— من هاتف شيراز.

بدت الدهشة في صوته.

— هاتف شيراز؟ إذًا كان بإمكانك أن تتصلي بي من قبل؟

ابتسمت بخجل.

— لم يخطر ببالي.

تنهد ضاحكًا.

— وأنا الذي كنت أعد الأيام حتى أسمع هذا الصوت.

ثم سألها:

— وهل أستطيع أن أتصل بك على هذا الرقم؟

أجابت سريعًا:

— لا... هذا هاتف شيراز، وهي ستبقيه مغلقًا أغلب الوقت لأنها تراجع للامتحانات.

قال مبتسمًا:

— حسنًا...

إذا وجدتِ فرصة، فاتصلي بي.

ولا تدعيني أشتاق إلى صوتك كثيرًا.

وفي تلك اللحظة، دوى جرس نهاية الاستراحة.

ارتبكت سمارة.

— يجب أن أذهب...

قال بصوت هادئ:

— إلى اللقاء يا سمارة.

ابتسمت، وقالت بخجل:

— إلى اللقاء.

أعادت الهاتف إلى شيراز، ومشت نحو القسم، بينما كانت أصابعها لا تزال تحتفظ بحرارة الهاتف، وكأن صوته بقي عالقًا فيه.

نظرت إليها منى مبتسمة وقالت:

— يبدو أن المراجعة ستنتظر اليوم أيضًا.

ارتبكت سمارة، وأخفت ابتسامتها بصعوبة، ثم هزت رأسها دون أن تجد جوابًا.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • عواصف مراهقة   بين الحب و الفقد

    تجمدت سمارة في مكانها.لم تكن تتوقعها.ولم يسبق لها أن هيأت قلبها لسماعها.شعرت وكأن قلبها أخطأ نبضته الأولى، ثم اندفع يخفق بعنف حتى خافت أن يسمعه من يقف حولها.ارتجفت أطراف أصابعها دون أن تشعر، وجف حلقها، ولم تعد تعرف أين تنظر.كانت تحاول أن ترفع عينيها إليه...لكن الخجل كان يسبقها في كل مرة، فيعيدهما إلى الأرض.للمرة الأولى، شعرت أن وجهها لم يعد ملكها.كانت حرارة الخجل تزحف إليه ببطء، حتى أحست أن وجنتيها تفضحان كل ما حاولت إخفاءه.أرادت أن تقول شيئًا...أي شيء.أن ترفع عينيها إليه.أن تبتسم دون أن يفضحها الخجل.أن تخبره أن قلبها لم يعد كما كان قبل لحظات.لكن الكلمات كلها بقيت حبيسة صدرها.فقط...ابتسامة صغيرة، خجولة، صادقة، ارتسمت على شفتيها دون استئذان.ابتسامة قالت ما عجزت عنه الكلمات.بقي عاطف ينظر إليها لحظات، وقد ارتخت ملامحه قليلًا، وكأنه وجد في تلك الابتسامة ما يكفي من الطمأنينة.ثم ابتسم هو الآخر... دون أن يقول شيئًا.---طوال طريق العودة، لم تستطع أن تهدئ قلبها.كانت كلما تذكرت صوته وهو يقول: "أنا أحبك." شعرت أن ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها دون إرادة منها.لكن، في كل مرة

  • عواصف مراهقة   اعتراف

    في المرقد، كانت الحياة تمضي كما اعتادت دائمًا.مع حلول الليل، تبدأ الهواتف المخفية بالخروج من أماكنها السرية، وتضيء الشاشات الصغيرة تحت الأغطية، بينما تتعالى الهمسات والضحكات المكتومة. كانت كل واحدة تجد شخصًا تتحدث إليه، أو رسالة تنتظرها، أو حكاية ترويها قبل النوم.أما سمارة، فكانت تراقب ذلك العالم بصمت.كثيرًا ما وقعت عيناها على هواتف زميلاتها، ثم سرعان ما تشيح بنظرها، كأنها تخشى أن يفضحها مجرد التفكير.كانت تستطيع أن تطلب هاتفًا من أي واحدة منهن، وتعرف أنها لن تُرفض.لكنها لم تفعل.كل ليلة كانت تؤجل الأمر إلى الليلة التي تليها، حتى أصبحت تؤمن أن الصمت أسهل من سؤال واحد قد يغيّر كل شيء.ومع ذلك، كانت الحياة داخل المرقد لا تتوقف.عقوبات جماعية بسبب ضحكة في وقت النوم، وأحاديث طويلة لا تنتهي، ومقالب بريئة، وأسرار تنتقل من سرير إلى آخر، ودموع تمسحها بقية الفتيات قبل أن تجف وحدها.كان ذلك المكان عالمًا كاملًا، بعيدًا عن الأهل، صنعته قلوب مراهقات يتعلمن الحياة للمرة الأولى.أما سمارة... فكانت تعيش بينهم بجسدها، بينما بقي جزء من قلبها عالقًا خارج أسوار المؤسسةوجاء يوم الخميس أخيرًا.ومنذ ا

  • عواصف مراهقة   ندبة لا ترى

    اقترب رؤوف منها مباشرة، وعلى وجهه تلك الابتسامة المستفزة التي لا تكاد تفارقه.قال وهو يرمقها بنظرة ماكرة:— عاطف إذًا...رفعت سمارة رأسها إليه بسرعة، وقد ارتبكت للحظة.— ماذا؟ابتسم بخبث، ثم سألها:— هل تعرفينه؟نظرت إليه ببرود متعمد وقالت:— وهل تعرفه أنت؟ضحك رؤوف وهز رأسه.— طبعًا أعرفه. كان يدرس هنا العام الماضي.ثم مال قليلًا نحوهـا وأضاف:— لا تقولي إنك لم تريه مع ابنة رئيس البلدية!ظلت تنظر إليه دون أن تجيب.اتسعت ابتسامته وقال ساخرًا:— من أي كوكب أنتِ يا سمارة؟لكن الحقيقة أنها فعلًا لم تره من قبل.ورغم أنها كانت تعرف هاجر معرفة عابرة، فإنها لم تكن يومًا تهتم بالأحاديث التي تشغل معظم التلاميذ. كانت تعيش في عالمها الخاص؛ الدراسة، والضحكات، والأصدقاء، وتفاصيل أيامها البسيطة.ولهذا بدا لها الأمر الآن غريبًا ومؤلمًا في الوقت نفسه.كأنها دخلت حكاية بدأت قبل وصولها بوقت طويل...حكاية تحمل فصولًا لم تعشها، وأسرارًا لم يخبرها بها أحد.مرّت الحصص ببطء ذلك اليوم.كان الأستاذ يشرح، والطباشير يرسم سطوره على السبورة، لكن الكلمات كانت تعبر أذن سمارة دون أن تستقر في ذهنها.كانت تحاول أن ترك

  • عواصف مراهقة   النظرة التي اربكته

    كان يوم الاثنين غارقًا في الضجيج والمرح، كما اعتادت المجموعة دائمًا. جلست سمارة مع رؤوف وشيراز ومنى قرب الساحة، يراقبون التلاميذ الخارجين من الأقسام أثناء الاستراحة، بينما كان الهواء البارد يحرّك أوراق الأشجار المتناثرة على الأرض. وكعادته، كان رؤوف يحوّل أي موقف إلى مسرحية كاملة. وقف يقلّد أستاذة اللغة العربية بعد أن طردته صباحًا من الحصة، ثم شبك يديه خلف ظهره وراح يمشي بخطواتها نفسها وهو يقول بنبرة صارمة: — يا رؤوف... إذا كان الكلام يُمنح عليه علامات، لكنتَ الأول في المؤسسة! وفي وسط ذلك الدفء العابر، توقفت منى فجأة عن الضحك، ثم همست: — سمارة... انظري من أتى. رفعت سمارة رأسها دون تفكير. كان عاطف يدخل من الباب الخلفي للمؤسسة. توقفت أنفاسها لوهلة. ورغم كل الأسئلة التي ملأت قلبها منذ أن سمعت باسم هاجر... ورغم كل محاولاتها لإقناع نفسها بأن تبتعد عنه... إلا أن شيئًا داخلها فرح لرؤيته. فرحٌ عفوي، سبق عقلها، ولم يستأذن كبرياءها. أطرقت برأسها سريعًا، كأنها تحاول أن تخفي ذلك الشعور حتى عن نفسها. وأزعجها أنها لم تستطع. كيف يمكن لقلبها أن يشتاق إلى شخص أصبح يشككها في كل شيء؟ وكيف

  • عواصف مراهقة   ظل فتاة اخرى

    صباح الأحد، عادت سمارة إلى المتوسطة.ترجلت من الحافلة بخطوات بطيئة، كأنها تؤجل لحظة الوصول عمدًا. كانت عيناها تسبقانها، تبحثان بين الوجوه عن شخص واحد.عاطف.ومنذ اللحظة الأولى، انقسم العالم من حولها إلى نصفين؛ ضجيج التلاميذ في الساحة، وصمتها في الداخل.ثم رأته.كان قادمًا من الجهة المقابلة، بخطوات هادئة، لا تعرف الاستعجال ولا التباطؤ، كأنه غارق في أفكاره أكثر من انشغاله بالطريق.وفي تلك اللحظة، شعرت أن الزمن تباطأ.تدافعت الأسئلة داخلها دون استئذان.هل سيتوقف؟هل سينظر إليّ؟هل سيتحدث معي؟لكن الواقع كان أبسط بكثير مما رسمه خيالها.اقترب منها، ومر بجوارها دون أن يتوقف.وحين أصبح بمحاذاتها تمامًا، قال بصوت هادئ، كأنه يلقي تحية عابرة:— صباح الخير يا حبيبتي.ثم تابع طريقه، دون أن يلتفت.أما هي، فبقيت واقفة في مكانها.كانت الكلمة تتردد داخلها بإلحاح."يا حبيبتي..."لم تكن غاضبة...ولم تكن سعيدة كما توقعت أيضًا.شيء ما في داخلها ارتبك.لقد اعتادت عاطف الصامت، البعيد، الذي يكتفي بالنظر من مسافة، ويترك للصمت أن يقول ما يعجز عنه الكلام.أما هذا العاطف، الذي ينطق بكلمة كبيرة بهذه السهولة، فقد

  • عواصف مراهقة   الاتصال الاول

    وفي صباح أحد الأيام، وبينما كانت الحافلات تستعد للمغادرة، توقفت دراجة نارية غير بعيد عنهن.ترجل منها شاب بدا أكبر من طلاب المؤسسة، واتجه نحو سمارة.مد إليها ورقة صغيرة مطوية وقال باقتضاب:— اتصلي به.ثم استدار وغادر.فتحت الورقة ببطء.رقم هاتف.وتحته اسم واحد...عاطف.طوتها بهدوء، وأخفتها في جيب مئزرها.مضى ذلك الأسبوع مثقلًا بالتردد.كانت تخرج الورقة أحيانًا، تتأمل الرقم لحظات، ثم تعيد طيها سريعًا كلما سمعت وقع خطوات في الممر أو نداء إحدى زميلاتها.وفي القسم، كانت تحاول أن تركز في الدرس، غير أن اسمه كان يمر بخاطرها بين الحين والآخر، فتطرده وتعود إلى دفترها.ولما جاء صباح الخميس، كانت الورقة لا تزال في جيب مئزرها.وعندما وصلت إلى المحطة، وقعت عيناها على الهاتف العمومي.تجاوزته...ثم توقفت.التفتت إليه مرة أخرى.أخرجت الورقة ببطء، وظلت تحدق في الرقم طويلًا.لم تكن تعرف إن كان ما يدفعها إلى الاتصال فضولًا، أم رغبة في أن تعرف لماذا اختفى فجأة.أخذت نفسًا هادئًا، ثم رفعت السماعة.بدأت تضغط الأرقام، رقمًا بعد آخر.رن الهاتف مرتين...ثم جاءها صوته:ألو؟انعقد لسانها. لم تستطع أن تنطق بكلمة.

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status