เข้าสู่ระบบفي الصباح الباكر، فتحت سمارة عينيها على وقع التصفيق الحاد، لتجد المشرفة تقف في وسط القاعة وهي تقول بصوت حازم:
— هيا يا بنات... استيقظن بسرعة. رتّبن الأسرة، وأغلقن الخزائن، ولا تدعنني أكرر الكلام. بعد دقائق ستتوجهن إلى المطعم لتناول الفطور، ولا أريد أن أرى سريرًا واحدًا غير مرتب. دبّت الحركة في المرقد دفعة واحدة، وقفزت الفتيات من أسرّتهن على عجل، وشرعن يرتبن أسرّتهن بالطريقة التي تعلمنها في اليوم السابق، بينما كانت المشرفة تمر بينهن تراقب كل تفصيل بعين لا يفوتها شيء. ألقت سمارة نظرة إلى منى، فابتسمتا في صمت، ثم عادتا إلى ترتيب سريرهما قبل أن تغلقا الخزانة وتتجها مع بقية الفتيات نحو المطعم. سارت الفتيات في صفوف هادئة حتى وصلن إلى المطعم. كان واسعًا، تتراص فيه الطاولات الطويلة والمقاعد المعدنية، بينما تعبق أرجاؤه برائحة الخبز الساخن والحليب. وقفت كل واحدة تحمل صينيتها، ثم تقدمت لتأخذ فطورها قبل أن تبحث عن مكان تجلس فيه. جلست سمارة إلى جانب منى، وأخذت تتأمل الوجوه من حولها. كانت بعض الفتيات يتحدثن بحماس وكأنهن يعرفن المكان منذ سنوات، بينما بدت أخريات صامتات، يكتفين بالنظر إلى أطباقهن بين الحين والآخر. همست منى وهي تمسك قطعة الخبز: — يبدو أننا سنعتاد هذا المكان أسرع مما نظن. ابتسمت سمارة ابتسامة خفيفة، لكنها لم تجب. كانت تدرك أن الاعتياد على نظام الداخلية قد يكون سهلًا، أما الاعتياد على البعد عن البيت فكان أمرًا آخر. مضى الأسبوع الأول بطيئًا وثقيلًا. بدأت سمارة تحفظ مواعيد الجرس، وأوقات الدراسة، وساعات الطعام، وموعد إطفاء الأنوار، حتى أصبحت أيامها تسير وفق نظام لا يترك مجالًا للعشوائية. لكن شيئًا واحدًا لم تستطع الاعتياد عليه... كان الحنين إلى البيت. وحين حلّ يوم الخميس أخيرًا، وصعدت إلى الحافلة العائدة إلى قريتها، شعرت وكأنها تعود من رحلة أطول بكثير من أسبوع واحد. وما إن فتحت أمها الباب واستقبلتها بين ذراعيها، حتى أدركت سمارة أن أصعب ما في حياتها الجديدة لم يكن الدراسة ولا الانضباط، بل أن تتعلم كيف تعيش بعيدًا عن بيتها. قضت يومي الجمعة والسبت بين أسرتها تستمتع بكل تفصيل صغير. جلست طويلًا إلى جوار أمها، وساعدتها في بعض أعمال البيت، وتناولت الطعام مع العائلة بمتعة لم تعهدها من قبل. وفي مساء الجمعة، جلست إلى جانب والدها تتابع مباراة لكرة القدم، تتبادل معه التعليقات والابتسامات، وقد ورثت عنه حب هذه الرياضة منذ صغرها. كانت تعيش تلك اللحظات ببساطة، لكنها للمرة الأولى أدركت قيمة اللحظات التي اعتادت وجودها. لكن عطلة نهاية الأسبوع كانت تمضي أسرع مما تتمنى. وفي صباح الأحد، ارتدت مئزرها المدرسي، وحملت حقيبتها، ثم ودعت أسرتها متجهة إلى الحافلة التي ستعيدها إلى المتوسطة. وما إن نزلت عند موقف الحافلات، حتى اشترت جريدة رياضية من الكشك القريب، ووضعتها في حقيبتها، قبل أن تتابع سيرها نحو بوابة المؤسسة لتبدأ أسبوعًا جديدًا. مرّ بهدوء أكبر من سابقه، أخذت الحياة في الداخلية تفقد شيئًا من غرابتها. أصبح نظامها اليومي مألوفًا؛ أجراس الحصص، وأوقات الطعام، وساعات المراجعة، وإطفاء الأنوار. كما بدأت تستمتع بالدروس، وتتعرّف أكثر إلى أساتذتها وزميلاتها، حتى صار التنقل بين الأقسام والمرافق أمرًا طبيعيًا بعد أن كان يملؤها التردد في أيامها الأولى. ومع ذلك، لم يكن هذا النظام الصارم يخلو من لحظات ينتظرها الجميع بشغف. ففي صباح أحد أيام الثلاثاء، وبينما كانت التلميذات يتناولن الغداء، همست إحدى فتيات السنة الثانية: — لا تنسين... بعد الظهر سنجتمع في المدرج. نظرت إليها سمارة باستغراب. — لماذا؟ ابتسمت الفتاة وكأنها تخفي مفاجأة. — ستعرفين بعد قليل. ازداد فضول سمارة، لكنها لم تجد جوابًا حتى انتهت فترة الراحة، حين طلبت المشرفة من التلميذات التوجه إلى المدرج. جلست الفتيات في أماكنهن، ثم دخل أحد العمال يحمل جهاز تلفاز صغيرًا ووضعه في مقدمة القاعة. اتسعت عينا سمارة بدهشة، وهمست لمنى: — سيجعلوننا نشاهد التلفاز؟ ضحكت منى بخفة. — يبدو ذلك. ثم أضافت وهي تبتسم: — لا أظن أنهم، مع كل هذا الانضباط، يسمحون لنا بمشاهدة مسلسل! سمعت إحداهن من الصف الأمامي كلامها، فالتفتت إليهما وقالت مازحة: — لا تفرحا كثيرًا... ليس عندهم إلا القناة الأرضية! انفجرت الفتيات ضاحكات، حتى ابتسمت المشرفة رغم محاولتها إخفاء ذلك. وبعد لحظات، بدأ عرض المسلسل المكسيكي الذي كانت معظم تلميذات الداخلية يتابعنه بشغف. لم تفهم سمارة في البداية تفاصيل الأحداث، لكنها سرعان ما انسجمت مع حماس الفتيات وتعليقاتهن، حتى أصبحت تنتظر يوم الثلاثاء كما تنتظره زميلاتها. كان ذلك اليوم يمثل استراحة من روتين الدراسة والانضباط؛ يجتمعن في المدرج لمتابعة الحلقة الجديدة، ثم يقضين بقية الأسبوع يتحدثن عما جرى فيها، لأنهن لم يكنّ يشاهدن سوى حلقة الثلاثاء. ومرت الأسابيع، إلى أن جاءت الحلقة التي انتظرتها جميع الفتيات. كان موعد زفاف بطلي المسلسل. امتلأ المدرج منذ وقت مبكر، وما إن ظهرت العروس بفستانها الأبيض، حتى تعالى التصفيق، وارتفعت أصوات الزغاريد والضحكات. ضحكت سمارة ومنى مع الجميع، وقد نسيتا تمامًا أنهما داخل مؤسسة تخضع لقوانين صارمة. وحين اقترب العروسان من بعضهما، تعالت الهتافات من كل جانب: — قبلة!... قبلة!... قبلة! وتحوّل المدرج في لحظات إلى سيل من التصفيق والضحك، حتى اضطرت المشرفة إلى مطالبة الجميع بالهدوء، لكن أحدًا لم يكن يصغي. انتهت الحلقة، ومعها انتهى المرح. وفي مساء ذلك اليوم، أُبلغت جميع التلميذات بحرمانهن من مشاهدة المسلسل خلال الأسابيع التالية بسبب الفوضى التي أحدثنها. ساد التذمر بين الفتيات بعد إعلان العقوبة، لكن أحدًا لم يندم. فقد ظل ذلك الثلاثاء، بما حمله من ضحكات وزغاريد وفوضى بريئة، واحدًا من أجمل الذكريات التي احتفظت بها سمارة عن سنواتها في الداخلية.كانت القاعة الكبرى في معهد علم النفس تضج بأصوات الطلبة. حقائب تستقر فوق المقاعد، وصفحات تُقلَّب على عجل، وأحاديث متداخلة عن المواد والأساتذة. في الصفوف الخلفية، ارتفعت ضحكة أعقبتها همسة مكتومة، بينما ظل بعض الطلبة يتلفتون نحو المنصة، مترقبين ظهور أستاذهم الأول.اختارت سمارة مقعدًا يتوسط القاعة، ووضعت حقيبتها إلى جوارها. أخرجت دفترها وقلمها، ومررت أصابعها على حافة الغلاف قبل أن تفتحه.كانت آثار الليلة الماضية لا تزال حاضرة في ذهنها؛ ضجيج الممرات الذي حرمها النوم، والأصوات التي لم تهدأ إلا بعد وقت طويل، والوجوه الجديدة التي لم تعرف بعد كيف تتعامل معها. ومع ذلك، خفّ عنها شيء من الضيق حين استقرت في مقعدها. هنا، لم تكن مضطرة إلى التكيف مع حياة اختارها الآخرون لها. لقد وصلت إلى المكان الذي أرادته بنفسها، وإلى التخصص الذي طالما رغبت في دراسته.لم يكن علم النفس بالنسبة إليها مجرد شهادة تسعى إلى نيلها. لطالما شغلتها تناقضات الإنسان، والفجوة التي قد تفصل بين ما يشعر به وما يفعله، وبين ما يقوله لنفسه وما يعجز عن الاعتراف به. وكانت تجربتها قد علمتها أن الإنسان قد يسيء فهم نفسه، حتى حين يظن أنه يع
كانت الشمس تجرّ ذيولها الأخيرة، مسلّمة السماء لغسق هادئ، حين غادرت سمارة مبنى المعهد متجهة إلى الإقامة الجامعية. أثقلتها ساعات المحاضرات والتنقل بين القاعات، وكانت حقيبتها تتأرجح على كتفها مع كل خطوة، بينما راحت تفكر في الغرفة التي ستقضي فيها ليلتها.وصلت إلى الطابق الثاني، وسارت في الممر حتى نهايته، ثم انعطفت يمينًا. توقفت أمام الباب الذي يحمل الرقم 42، وأخرجت المفتاح الذي تسلمته عند التسجيل.أدارت المفتاح، ودفعت الباب.استقبلتها ثلاثة أسرّة حديدية، وثلاث خزائن خشبية، وطاولة صغيرة تحت النافذة. أما الغبار، فقد استقر فوق الأسطح وفي الزوايا، وامتدت خيوط العنكبوت عند أطراف السقف، شاهدة على أن الغرفة لم تعرف يدًا تنظفها منذ مدة.تقدمت سمارة إلى الداخل، ووضعت حقيبتها فوق أحد الأسرّة، ثم ألقت نظرة شاملة على المكان.لم تكن تحمل معها الكثير؛ فقد علمتها سنوات الإقامة منذ المرحلة المتوسطة أن تميز بين ما تحتاج إليه فعلًا وما يمكنها الاستغناء عنه. لم تعد من الفتيات اللواتي يملأن الحقائب بأشياء لا يستعملن نصفها، ولا اللواتي يضطربن أمام مكان جديد لا يعرفن كيف يرتبنه. كانت تعرف كيف تدبر أمورها، وكيف
مرت الأيام التالية بهدوء.لم تفتح الكتاب.ومع انشغالها بالمرحلة القادمة، بدأت الأسئلة التي أثارتها حكايته تبتعد شيئًا فشيئًا، لا لأنها وجدت لها إجابات، بل لأن شيئًا آخر كان يطرق باب حياتها بإلحاح أكبر.الجامعة.كانت الكلمة وحدها كافية لتوقظ في داخلها شعورًا يصعب عليها تسميته.منذ أن عرفت أنها ستغادر الثانوية، راحت تتخيل اليوم الذي ستدخل فيه الحرم الجامعي للمرة الأولى. أحيانًا كانت تتساءل عن شكل المكان، وعن القاعات، والأساتذة، والطلبة الذين ستلتقيهم، وعن الحياة التي تنتظرها هناك.لكنها كلما حاولت أن ترسمها في خيالها، بقيت الصورة ناقصة.وفي مساء اليوم الذي سبق انطلاقها، كانت تقف أمام حقيبتها المفتوحة، تحاول أن تقرر للمرة الأخيرة ما الذي ستأخذه معها.وضعت دفاترها، ثم أخرجت بعضها.أضافت كتابًا، ثم ترددت وأعادته إلى مكانه.كانت تستعد لبداية لا تعرف عنها إلا القليل.وحين طرق والدها الباب ودخل، كان يحمل علبة صغيرة.وضعها أمامها على السرير.— هذه لك.رفعت سمارة عينيها إليه.— لي؟— افتحيها.فتحت العلبة، فتوقفت حين رأت الهاتف.— هاتف؟أومأ والدها.— نعم.حملته بين يديها، ثم نظرت إليه باستفهام.
ثم مرت بها لحظة إدراك... مهلًا... هل قال أبي «رماح الصغيرة»؟! اسمها رماح؟ حقًا؟ لا، لا بد أنك فقدت صوابك يا مطر! أين أمل؟ أريد أن أراها! علت وجه مطر ملامح الألم، ورسمت شفتاه ابتسامة مريرة منكسرة. — تمهلي يا رماح... اتركي لي مجالًا لأستوعب وجودك معنا، وسأشرح لك كل شيء رويدًا رويدًا، وسأنصت إلى تفاصيل غيابك أيضًا. أريد أن أعرف كل شيء، التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. كانت رماح الصغيرة تبدو في نحو عامها الأول. مدّها مطر نحو رماح كي تحملها، فترددت ثم رفضت. خافت. خافت كثيرًا أن تحمل بين ذراعيها براءة الطفولة ونعومتها، بينما يداها ملطختان بالدماء، حتى وإن كانت دماء العدو. كانت تلك واحدة من الهواجس التي تضرب جدران كيانها كلما هدأت الضوضاء من حولها. هو لا يعلم. لا أحد يعلم. لكن يكفي أن تعلم هي أنها خطيرة. جلسا على مقعد في الحديقة، ووضع مطر طفلته في حجره، وأخذ يلاعبها، بينما راحت الصغيرة تمسك بذقنه وتضحك. كانت لحظة لم تظن رماح أنها ستعيشها يومًا، وهي تحاول النجاة من براثن الحرب؛ النجاة من الأرض التي احتوتها وعلّمتها معنى الحب والموت. وعفويًا، دون أن تشعر، وجدت نفسها
أغلقت سمارة الكتاب. ضغطت بإصبعَيها على عينيها لحظات، ثم وضعته تحت وسادتها واستلقت بصمت. كانت الكلمات الأخيرة لا تزال عالقة في ذهنها، وصورة رماح وهي تعود إلى الجزائر، تحمل في أحشائها طفل قاسم، أثقلت قلبها بشيء لم تستطع أن تسميه. وضعت الكتاب جانبًا. قالت في نفسها إنها ستعود إليه لاحقًا. لكن «لاحقًا» لم تكن في اليوم التالي، ولا بعد يومين. مرّ أسبوع كامل قبل أن تفتحه من جديد. طوال ذلك الأسبوع، ظل شيء من الحكاية يرافقها في صمت؛ مقاطع تتسلل إلى ذاكرتها دون استئذان، ووجوه لم ترها إلا بين صفحات كتاب، لكنها تركت فيها أثرًا يصعب تجاهله. وحين عادت إليه، كانت مستعدة لمواصلة الحكاية. عادت رماح إلى الجزائر... بعد أن كانت قد غادرتها مسبقاً بإصرار وإرادة صلبة، رغبةً منها في إحداث الفارق وترك بصمة لا تمحى. لكنها اليوم تتساءل في سرها: هل كان ذلك قراراً صائباً حقاً أم أنه كان مجرد عناد أحمق؟ لقد تحدت والدها، وأبكت والدتها، وهربت من مشاعر "مطر" التي كانت تزن على قلبها كعبء ثقيل، لتعود أخيراً وهي تحمل في أعماقها ألم لا ينتهي. ما الذي حققته؟ وما الذي جنته؟ وجدت رماح نفسها تغرق في دوامة من ا
خلال أسبوع واحد فقط، تزوج قاسم وأنفاس (رماح) وأقام لها عرساً صغيراً. أنكرت رماح فكرة الاحتفال في البداية، إلا أنه قال إن العرس ضروري وإن الحرب ليست مانعاً للفرح؛ ففي فلسطين الحرب لا تنتهي، فهل يعني هذا أن يعيشوا في حداد مستمر؟ فرح بها أهل المنطقة وحضر الأطفال زفافها وشاركوها فرحتها، ليس كرماح الجزائري الصحافية، ولكن كأنفاس طه غزاوي. استمرت الحياة وطوى الزمن صفحة القصف الذي أودى بحياة رفقاء رماح، ومات معهم اسمها، لتعيش أنفاس مع قاسمها وتشاركه حياته وأيامه. لم تتوقع أبداً أن تعيش تلك السعادة الغامرة؛ كان يعاملها كالملكة على عرش روحه، حتى كادت تجزم أنه يهيم بها عشقاً ويحبها أكثر مما تحبه. لم يبح لها بمشاعره لساناً، لكن حبه كان يترجم إلى أفعال حيث لا حاجة للكلام؛ فنظراته الدافئة كانت تكفي لتحس أنها تملك جزءاً كبيراً من قلبه. لم تكن تطمع أن تملك كل فؤاده، فقد كانت تعلم أن فلسطين هي المعشوقة التي لا تستطيع منافستها، وإن كان الخيار بينها وبين القضية، فحتماً سيختار أرض الزيتون وأرض المسجد الأقصى دون تردد ودون أن يرف له جفن. مر عام آخر سريعاً،وبهذا قضت رماح —أو أنفاس حالياً— تقريباً ثلاث سنوا