登入مضت الأيام، وعادت الحياة إلى روتينها المعتاد، حتى خُيِّل لسمارة أنها عرفت كل ما يمكن أن يميّز هذا المكان. لكنها لم تكن تدرك أن الداخلية، كما تجمع الضحكات والذكريات الجميلة، تخفي أيضًا مواقف تكشف وجوهًا أخرى للحياة، وتضع ساكنيها أمام اختبارات لا علاقة لها بالكتب والدفاتر.
في إحدى الأمسيات، وقبل موعد المراجعة، علت فجأة أصوات متوترة داخل المرقد. — نقودي ليست هنا! التفتت الفتيات نحو صاحبة الصوت، وكانت تقلب خزانتها بعصبية، ثم تفتش حقيبتها وملابسها مرة بعد أخرى، وهي تؤكد أن المال كان في مكانه في البداية ظنت بعض التلميذات أنها أضاعته، لكن مع مرور الدقائق بدأت الهمسات تنتشر بين الأسرة. — لا يمكن أن يختفي وحده... — لا بد أن أحدًا أخذه. ساد صمت ثقيل لم تعهده الفتيات من قبل. جلست سمارة تراقب المشهد، تنتقل بعينيها بين الوجوه، بينما بدت منى شاردة على غير عادتها، كأن شيئًا يثقل صدرها. وفي صباح اليوم التالي، دخلت المشرفة إلى المرقد بوجه جاد. — لن يغادر أحد قبل أن نعرف الحقيقة. فتشت الخزائن، وسألت الفتيات واحدة تلو الأخرى، لكن أحدًا لم يعترف بشيء. ومع ازدياد التوتر، طلبت من الجميع أن يقسمن على براءتهن. وقفت الفتيات تباعًا، وأقسمت كل واحدة أنها لم تأخذ شيئًا. أما منى، فكانت تتابع المشهد وقلبها يخفق بقوة؛ فمنذ الليلة الماضية وهي تحمل سرًا لم تخبر به أحدًا. كانت قد استيقظت على حركة خافتة، ورأت إحدى التلميذات تفتح خزانة زميلتها في الظلام، لكنها ظنت أنها أخطأت في الرؤية... حتى جاء خبر السرقة في الصباح. وصل الدور إلى تلك الفتاة. رفعت يدها، وأقسمت هي الأخرى أنها بريئة. في تلك اللحظة، انهمرت دموع منى دون أن تشعر. التفتت إليها الأنظار. اقتربت منها المشرفة. — لماذا تبكين؟ هزت منى رأسها محاولةً التماسك، لكن بكاءها ازداد. ظنت المشرفة أنها تخفي الحقيقة، فاصطحبتها إلى غرفة مجاورة. جلست أمامها بهدوء وقالت: — يا منى... إن كنتِ تعرفين شيئًا، فقولي الحقيقة. لن أسمح أن يُظلم أحد، ولن أسمح أيضًا أن يبقى الخطأ مخفيًا. ساد صمت قصير، ثم قالت منى بصوت متقطع: — لم أرد أن أفضحها أمام البنات... وروت للمشرفة ما رأته تلك الليلة. استمعت إليها حتى النهاية، ثم شكرتها على صدقها، وطلبت منها أن تعود إلى المرقد. وبعد دقائق، استدعت التلميذة بهدوء إلى الغرفة نفسها، وأغلقت الباب خلفهما. وقفت الفتاة صامتة تحاول أن تبدو متماسكة. نظرت إليها المشرفة طويلًا، ثم قالت بهدوء: — أعيدي المال. ارتبكت الفتاة وهزت رأسها. — لم آخذ شيئًا. قالت المشرفة بالنبرة نفسها: — لا تنكري. هناك من رآك، ولا أريد أن أضطر إلى كشف الأمر أمام الجميع. ما زال بإمكانك أن تصححي خطأك. انكسرت ملامح الفتاة، واغرورقت عيناها بالدموع. — أرجوكِ... لا تخبري أحدًا... لن أكررها أبدًا. أطرقت المشرفة لحظة. — أعيدي المال أولًا. أخرجت الفتاة المبلغ من بين أغراضها وسلمته بيد مرتجفة. أخذته المشرفة، ثم قالت: — عودي الآن ، وتصرفي كالمعتاد. خرجت الفتاة بتوتر. وانتظرت المشرفة حتى انتهت وجبة العشاء، ثم استدعت صاحبة المال وأعادت إليها المبلغ. — نقودك عادت إليك. وأكرر على الجميع: حافظن على مقتنياتكن جيدًا، ولا تتركنها دون مراقبة. لم تسأل أي تلميذة عن اسم الفاعلة، ولم تذكره المشرفة لأحد، فانتهى الأمر كما بدأ... في صمت. وفي صباح اليوم التالي، وبينما كانت التلميذات يتوجهن إلى أقسامهن، استدعت المشرفة تلك الفتاة على انفراد، وسلمتها ورقة خروج. قالت بحزم: — بعد انتهاء الحصة الأولى، ستذهبين إلى مكتب الأستاذة ريم. أخذت الفتاة الورقة بصمت، وأومأت برأسها. وبعد انتهاء الحصة الأولى، أبرزت ورقة الخروج للحارس، ثم اتجهت نحو المبنى الصغير المجاور للثانوية، حيث يقع مكتب المستشارة النفسية. توقفت أمام الباب، وطرقت بخفة. — تفضلي. دخلت بخطوات مترددة. رفعت الأستاذة ريم رأسها. — صباح الخير. — صباح الخير... أشارت إلى الكرسي المقابل. — اجلسي. جلست الفتاة مطرقة الرأس. ساد بينهما صمت قصير، ثم قالت ريم: — أخبرتني المشرفة بما حدث، لكنني أفضل أن أسمع منك أنت. تنهدت الفتاة وهمست: — أنا التي أخذت المال. أومأت ريم. — أشكرك على صراحتك. ثم سألتها بهدوء: — أريد أن أسألك سؤالًا، وأرجو أن تجيبي بصدق. هل هذه أول مرة تأخذين فيها شيئًا ليس لك؟ ترددت طويلًا، ثم هزت رأسها بالنفي. — لا... لم يتغير وجه ريم. — وهل كنتِ تحتاجين إلى تلك الأشياء؟ — لا... — وهل احتفظتِ بها؟ — بعضها... وبعضها رميته بعد أيام. نظرت إليها ريم لحظة. — وعندما تأخذين الشيء... ماذا تشعرين؟ صمتت الفتاة طويلًا. — بالحماس... وكأنني لا أستطيع أن أمنع نفسي. — وبعدها؟ — أخاف... وأندم... وأتمنى لو لم أفعل. ابتسمت ريم ابتسامة خفيفة. — إذن أنتِ لا تسرقين لأنك محتاجة إلى المال. رفعت الفتاة رأسها. — لا... — أنتِ تستسلمين لرغبة مفاجئة، ثم تكتشفين بعدها أنها كانت أقوى منك. سالت دمعة على خد الفتاة. — نعم... قالت ريم برفق: — هذه الرغبة لا تعني أنك فتاة سيئة، لكنها تعني أنك تحتاجين إلى أن تتعلمي كيف توقفين نفسك قبل أن تتحول الفكرة إلى فعل. وهذا شيء يمكن العمل عليه، لكنه يحتاج إلى صدق وصبر. … — سنلتقي مرة أخرى. ليس لأنني أريد أن أعاقبك، بل لأنني أريد أن أتأكد من أنك لن تبقي أسيرة هذا السلوك. "ثم دوّنت ملاحظة صغيرة في ملفها، وقد بدأت تتشكل لديها صورة أوضح عن الحالة، لكنها كانت تعلم أن جلسة واحدة لا تكفي لفهم كل شيء." انتهى الأمر بهدوء، وعادت الحياة في الداخلية إلى مجراها، لكن أثر الحادثة ظل عالقًا في نفوس بعض الفتيات. وفي تلك الليلة، تمددت سمارة على سريرها العلوي، بينما جلست منى أسفله. تنهدت منى وقالت: — والله يا سمارة... لو أخبرني أحد قبل شهر أنني سأعيش في مكان تُسرق فيه النقود، لما صدقته. ابتسمت سمارة. — وأنا كنت أظن أن أصعب ما سنواجهه هو الاشتياق إلى البيت. ضحكت منى وقالت: — بقي فقط أن يظهر شبح في المرقد، ويكتمل الفيلم! انفجرت سمارة ضاحكة، حتى اضطرت أن تضع يدها على فمها كي لا توقظ بقية الفتيات. ابتسمت منى وهي تنظر إليها، ثم سكتت قليلًا قبل أن تقول بصوت خافت: — لكن... تعرفين ما الذي أزعجني أكثر من السرقة؟ نظرت إليها سمارة. — ماذا؟ تنهدت منى. — عندما رفعت تلك الفتاة يدها وأقسمت بالله أنها بريئة... كنت أنظر إليها، وأعرف أنها تكذب. ساد صمت قصير. ثم قالت منى: — لم أكن أتصور أن إنسانًا يستطيع أن يحلف بالله كذبا بقيت سمارة صامتة لحظات، ثم قالت بهدوء: — ربما عندما يخطئ الإنسان، يخاف من عواقب خطئه أكثر مما يفكر في الخطأ نفسه. هزت منى رأسها ببطء. — مع ذلك... أشعر أنني منذ ذلك اليوم أصبحت أنظر إلى الناس بطريقة مختلفة. رفعت سمارة بصرها نحو السقف، ثم قالت: — ليس كل الناس سواء... لكن يبدو أننا بدأنا نتعلم أن الحياة ليست بسيطة كما كنا نظن. ساد الصمت بينهما، ولم يعد يُسمع في المرقد إلا أنفاس الفتيات النائمات، بينما انسدل الليل بهدوء من جديد.كانت القاعة الكبرى في معهد علم النفس تضج بأصوات الطلبة. حقائب تستقر فوق المقاعد، وصفحات تُقلَّب على عجل، وأحاديث متداخلة عن المواد والأساتذة. في الصفوف الخلفية، ارتفعت ضحكة أعقبتها همسة مكتومة، بينما ظل بعض الطلبة يتلفتون نحو المنصة، مترقبين ظهور أستاذهم الأول.اختارت سمارة مقعدًا يتوسط القاعة، ووضعت حقيبتها إلى جوارها. أخرجت دفترها وقلمها، ومررت أصابعها على حافة الغلاف قبل أن تفتحه.كانت آثار الليلة الماضية لا تزال حاضرة في ذهنها؛ ضجيج الممرات الذي حرمها النوم، والأصوات التي لم تهدأ إلا بعد وقت طويل، والوجوه الجديدة التي لم تعرف بعد كيف تتعامل معها. ومع ذلك، خفّ عنها شيء من الضيق حين استقرت في مقعدها. هنا، لم تكن مضطرة إلى التكيف مع حياة اختارها الآخرون لها. لقد وصلت إلى المكان الذي أرادته بنفسها، وإلى التخصص الذي طالما رغبت في دراسته.لم يكن علم النفس بالنسبة إليها مجرد شهادة تسعى إلى نيلها. لطالما شغلتها تناقضات الإنسان، والفجوة التي قد تفصل بين ما يشعر به وما يفعله، وبين ما يقوله لنفسه وما يعجز عن الاعتراف به. وكانت تجربتها قد علمتها أن الإنسان قد يسيء فهم نفسه، حتى حين يظن أنه يع
كانت الشمس تجرّ ذيولها الأخيرة، مسلّمة السماء لغسق هادئ، حين غادرت سمارة مبنى المعهد متجهة إلى الإقامة الجامعية. أثقلتها ساعات المحاضرات والتنقل بين القاعات، وكانت حقيبتها تتأرجح على كتفها مع كل خطوة، بينما راحت تفكر في الغرفة التي ستقضي فيها ليلتها.وصلت إلى الطابق الثاني، وسارت في الممر حتى نهايته، ثم انعطفت يمينًا. توقفت أمام الباب الذي يحمل الرقم 42، وأخرجت المفتاح الذي تسلمته عند التسجيل.أدارت المفتاح، ودفعت الباب.استقبلتها ثلاثة أسرّة حديدية، وثلاث خزائن خشبية، وطاولة صغيرة تحت النافذة. أما الغبار، فقد استقر فوق الأسطح وفي الزوايا، وامتدت خيوط العنكبوت عند أطراف السقف، شاهدة على أن الغرفة لم تعرف يدًا تنظفها منذ مدة.تقدمت سمارة إلى الداخل، ووضعت حقيبتها فوق أحد الأسرّة، ثم ألقت نظرة شاملة على المكان.لم تكن تحمل معها الكثير؛ فقد علمتها سنوات الإقامة منذ المرحلة المتوسطة أن تميز بين ما تحتاج إليه فعلًا وما يمكنها الاستغناء عنه. لم تعد من الفتيات اللواتي يملأن الحقائب بأشياء لا يستعملن نصفها، ولا اللواتي يضطربن أمام مكان جديد لا يعرفن كيف يرتبنه. كانت تعرف كيف تدبر أمورها، وكيف
مرت الأيام التالية بهدوء.لم تفتح الكتاب.ومع انشغالها بالمرحلة القادمة، بدأت الأسئلة التي أثارتها حكايته تبتعد شيئًا فشيئًا، لا لأنها وجدت لها إجابات، بل لأن شيئًا آخر كان يطرق باب حياتها بإلحاح أكبر.الجامعة.كانت الكلمة وحدها كافية لتوقظ في داخلها شعورًا يصعب عليها تسميته.منذ أن عرفت أنها ستغادر الثانوية، راحت تتخيل اليوم الذي ستدخل فيه الحرم الجامعي للمرة الأولى. أحيانًا كانت تتساءل عن شكل المكان، وعن القاعات، والأساتذة، والطلبة الذين ستلتقيهم، وعن الحياة التي تنتظرها هناك.لكنها كلما حاولت أن ترسمها في خيالها، بقيت الصورة ناقصة.وفي مساء اليوم الذي سبق انطلاقها، كانت تقف أمام حقيبتها المفتوحة، تحاول أن تقرر للمرة الأخيرة ما الذي ستأخذه معها.وضعت دفاترها، ثم أخرجت بعضها.أضافت كتابًا، ثم ترددت وأعادته إلى مكانه.كانت تستعد لبداية لا تعرف عنها إلا القليل.وحين طرق والدها الباب ودخل، كان يحمل علبة صغيرة.وضعها أمامها على السرير.— هذه لك.رفعت سمارة عينيها إليه.— لي؟— افتحيها.فتحت العلبة، فتوقفت حين رأت الهاتف.— هاتف؟أومأ والدها.— نعم.حملته بين يديها، ثم نظرت إليه باستفهام.
ثم مرت بها لحظة إدراك... مهلًا... هل قال أبي «رماح الصغيرة»؟! اسمها رماح؟ حقًا؟ لا، لا بد أنك فقدت صوابك يا مطر! أين أمل؟ أريد أن أراها! علت وجه مطر ملامح الألم، ورسمت شفتاه ابتسامة مريرة منكسرة. — تمهلي يا رماح... اتركي لي مجالًا لأستوعب وجودك معنا، وسأشرح لك كل شيء رويدًا رويدًا، وسأنصت إلى تفاصيل غيابك أيضًا. أريد أن أعرف كل شيء، التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. كانت رماح الصغيرة تبدو في نحو عامها الأول. مدّها مطر نحو رماح كي تحملها، فترددت ثم رفضت. خافت. خافت كثيرًا أن تحمل بين ذراعيها براءة الطفولة ونعومتها، بينما يداها ملطختان بالدماء، حتى وإن كانت دماء العدو. كانت تلك واحدة من الهواجس التي تضرب جدران كيانها كلما هدأت الضوضاء من حولها. هو لا يعلم. لا أحد يعلم. لكن يكفي أن تعلم هي أنها خطيرة. جلسا على مقعد في الحديقة، ووضع مطر طفلته في حجره، وأخذ يلاعبها، بينما راحت الصغيرة تمسك بذقنه وتضحك. كانت لحظة لم تظن رماح أنها ستعيشها يومًا، وهي تحاول النجاة من براثن الحرب؛ النجاة من الأرض التي احتوتها وعلّمتها معنى الحب والموت. وعفويًا، دون أن تشعر، وجدت نفسها
أغلقت سمارة الكتاب. ضغطت بإصبعَيها على عينيها لحظات، ثم وضعته تحت وسادتها واستلقت بصمت. كانت الكلمات الأخيرة لا تزال عالقة في ذهنها، وصورة رماح وهي تعود إلى الجزائر، تحمل في أحشائها طفل قاسم، أثقلت قلبها بشيء لم تستطع أن تسميه. وضعت الكتاب جانبًا. قالت في نفسها إنها ستعود إليه لاحقًا. لكن «لاحقًا» لم تكن في اليوم التالي، ولا بعد يومين. مرّ أسبوع كامل قبل أن تفتحه من جديد. طوال ذلك الأسبوع، ظل شيء من الحكاية يرافقها في صمت؛ مقاطع تتسلل إلى ذاكرتها دون استئذان، ووجوه لم ترها إلا بين صفحات كتاب، لكنها تركت فيها أثرًا يصعب تجاهله. وحين عادت إليه، كانت مستعدة لمواصلة الحكاية. عادت رماح إلى الجزائر... بعد أن كانت قد غادرتها مسبقاً بإصرار وإرادة صلبة، رغبةً منها في إحداث الفارق وترك بصمة لا تمحى. لكنها اليوم تتساءل في سرها: هل كان ذلك قراراً صائباً حقاً أم أنه كان مجرد عناد أحمق؟ لقد تحدت والدها، وأبكت والدتها، وهربت من مشاعر "مطر" التي كانت تزن على قلبها كعبء ثقيل، لتعود أخيراً وهي تحمل في أعماقها ألم لا ينتهي. ما الذي حققته؟ وما الذي جنته؟ وجدت رماح نفسها تغرق في دوامة من ا
خلال أسبوع واحد فقط، تزوج قاسم وأنفاس (رماح) وأقام لها عرساً صغيراً. أنكرت رماح فكرة الاحتفال في البداية، إلا أنه قال إن العرس ضروري وإن الحرب ليست مانعاً للفرح؛ ففي فلسطين الحرب لا تنتهي، فهل يعني هذا أن يعيشوا في حداد مستمر؟ فرح بها أهل المنطقة وحضر الأطفال زفافها وشاركوها فرحتها، ليس كرماح الجزائري الصحافية، ولكن كأنفاس طه غزاوي. استمرت الحياة وطوى الزمن صفحة القصف الذي أودى بحياة رفقاء رماح، ومات معهم اسمها، لتعيش أنفاس مع قاسمها وتشاركه حياته وأيامه. لم تتوقع أبداً أن تعيش تلك السعادة الغامرة؛ كان يعاملها كالملكة على عرش روحه، حتى كادت تجزم أنه يهيم بها عشقاً ويحبها أكثر مما تحبه. لم يبح لها بمشاعره لساناً، لكن حبه كان يترجم إلى أفعال حيث لا حاجة للكلام؛ فنظراته الدافئة كانت تكفي لتحس أنها تملك جزءاً كبيراً من قلبه. لم تكن تطمع أن تملك كل فؤاده، فقد كانت تعلم أن فلسطين هي المعشوقة التي لا تستطيع منافستها، وإن كان الخيار بينها وبين القضية، فحتماً سيختار أرض الزيتون وأرض المسجد الأقصى دون تردد ودون أن يرف له جفن. مر عام آخر سريعاً،وبهذا قضت رماح —أو أنفاس حالياً— تقريباً ثلاث سنوا