تسجيل الدخولوما هي إلا أيام قليلة، حتى أعلن الأساتذة اقتراب أول الاختبارات الفصلية، فتبدلت ملامح المؤسسة بأكملها. اختفت الأحاديث الطويلة في المرقد، وأصبحت الدفاتر مفتوحة في كل زاوية، وتحولت ساعات المراجعة إلى لحظات يسودها الصمت، لا يقطعه إلا تقليب الصفحات أو همسات سريعة بين تلميذتين تتأكدان من إجابة.
اجتازت سمارة الاختبارات بهدوء وثقة. لم تكن تفكر في العلامات أو في ترتيبها بين زملائها، ولم يشغلها يومًا أن تكون الأولى بقدر ما كان يشغلها أن تكتب الإجابة التي تؤمن أنها صحيحة، وأن تؤدي ما عليها بأفضل ما تستطيع. وحين سلّمت آخر ورقة امتحان، شعرت، مثل بقية التلميذات، وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن كتفيها. وما إن أقبل المساء، حتى عاد المرقد إلى ضجيجه الذي غاب عنه أيامًا؛ ارتفعت الضحكات، وتشابكت الأحاديث، وكأن الفتيات أردن أن يعوضن في ليلة واحدة كل الصمت الذي فرضته عليهن أيام المراجعة. حتى اضطرت المشرفة إلى الدخول أكثر من مرة مطالبة الجميع بالهدوء… وكانت ترتدي يومها معطفًا أسود طويلًا تركته مفتوحًا، فكانت أطرافه تتحرك خلفها كلما دخلت أو خرجت بخطوات سريعة. وما إن أغلقت الباب خلفها هذه المرة، حتى عمّ الصمت لثوانٍ. فجأة، تقدمت تلميذة من السنة الثانية، طويلة القامة، ممتلئة الجسم، ذات وجه دائري وعينين صغيرتين لا تفارقهما الابتسامة. أمسكت طرفي مئزرها، وفتحتهما كما كانت المشرفة تفعل بمعطفها، ثم راحت تمشي في المرقد ذهابًا وإيابًا، مقلدة مشيتها بكل جدية. انفجرت بعض الفتيات بالضحك، لكنها رفعت يدها فجأة وقالت: — لحظة... بماذا يذكركن هذا المنظر؟ ساد صمت قصير، وأخذت الفتيات يتبادلن النظرات. ابتسمت التلميذة ابتسامة عريضة، ثم بدأت تغني بصوت طفولي: — ضوءٌ لمع وسط المدينة... ترك نداءً لمنادينا... حينًا يختفي ويظهر حينًا... تلك إشارة... ولم تكد تتوقف حتى دوّت عشرات الأصوات في وقت واحد: — باتمان! وما إن صدحت الكلمة في أرجاء المرقد، حتى انفجر المكان كله بالضحكات والتصفيق، واضطرت بعض الفتيات إلى كتم ضحكاتهن بأيديهن خوفًا من أن تسمعهن المشرفة فتعود مرة أخرى. وما إن هدأت الضحكات شيئًا فشيئًا، حتى مرت التلميذة من أمام سرير سمارة ومنى. ابتسمت سمارة وهي ما تزال تمسح دموع الضحك من عينيها، وقالت: — أنتِ فتاة مجنونة! توقفت التلميذة، واتسعت ابتسامتها. — هذا ما يقولونه جميعًا. ثم مدت يدها نحو سمارة قائلة: — أنا شيراز. صافحتها سمارة، ثم صافحت منى. قالت شيراز وهي تضحك: — وإذا كنتما تحبان الضحك، فأعدكما أن تضحكا معي كثيرًا. نظرت منى إلى سمارة، ثم انفجرتا ضاحكتين من جديد. ابتسمت شيراز وجلست إلى جوارهما، وسرعان ما تحول الحديث إلى مواقف طريفة عاشتها التلميذات في الداخلية، حتى مضى جزء كبير من تلك الليلة وهن يتبادلن الضحكات والقصص. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت شيراز ثالثتهما، وبدأت بين الفتيات الثلاث صداقة سترافقهن سنوات طويلة. ومضت بقية ذلك الأسبوع سريعًا. انشغلت الفتيات بالراحة والضحك بعد عناء الامتحانات، بينما كان الأساتذة، في الجهة الأخرى من المؤسسة، يفرغون من تصحيح الأوراق ورصد المعدلات. ثم عادت كل واحدة إلى بيتها مع عطلة نهاية الأسبوع، في انتظار إعلان النتائج ومع إشراقة صباح الأحد، عادت سمارة إلى المتوسطة كعادتها، ولم يخطر ببالها وهي تخطو نحو الساحة أن هذا الصباح سيختلف عن كل ما سبقه.. اصطف التلاميذ في صفوف منتظمة استعدادًا لتحية العلم، بينما وقفت سمارة بين زميلاتها تتابع المشهد كأي صباح عادي. تقدمت المشرفة إلى مقدمة الساحة، ثم نادت بصوت واضح: — سمارة بن يوسف! التفتت سمارة حولها في دهشة، ثم خرجت من الصف عندما أشارت إليها المشرفة. قالت لها بهدوء: — تفضلي... ارفعي العلم. اتسعت عيناها باستغراب، لكنها لم تسأل شيئًا. أمسكت بحبل السارية، وفي تلك اللحظة بدأت همسات خافتة تتردد بين صفوف التلاميذ. — يبدو أنها صاحبة أعلى معدل. — نعم... انها الاولى لم تكن سمارة تسمع سوى كلمات متفرقة، ولم تفهم تمامًا ما يقصدونه. وما إن بدأت تسحب الحبل، حتى دوّت كلمات النشيد الوطني في أرجاء الساحة. أخذ العلم يرتفع رويدًا رويدًا، بينما كانت مئات الأصوات تردد النشيد في صوت واحد. وظلت عيناها معلقتين براية الوطن وهي تصعد نحو أعلى السارية، حتى استقرت مرفرفة مع انتهاء آخر كلمة من النشيد. ساد السكون لحظة، ثم تقدمت المشرفة خطوة إلى الأمام وقالت: — جرت العادة في مؤسستنا، مع نهاية كل فصل، أن يُمنح شرف رفع العلم للتلميذ المتحصل على أعلى معدل في المتوسطة، تشجيعًا له وتقديرًا لاجتهاده. ثم أشارت إلى سمارة، وقالت: — وقد كانت صاحبة هذا الشرف في الفصل الدراسي الأول... التلميذة سمارة بن يوسف. وما إن أنهت كلماتها، حتى دوّى التصفيق في أرجاء الساحة.. شعرت سمارة بحرارة تتسلل إلى وجهها، وتسارعت دقات قلبها حتى خُيّل إليها أن من حولها يسمعونها. راحت نظراتها تنتقل بخجل بين الصفوف، ولم تعرف أين تستقر عيناها أمام مئات الوجوه التي كانت تنظر إليها. لم تكن تنتظر هذا التكريم، ولم تدرس يومًا من أجل أن تقف في واجهة الساحة، لكنها شعرت، للمرة الأولى، أن اجتهادها الصامت قد رآه الجميع. ومن بين الصفوف، التقت عيناها بعيني منى، التي كانت تصفق لها بحماس وابتسامة عريضة، فبادلتها سمارة ابتسامة خجولة، ثم عادت إلى مكانها، بينما ظل التصفيق يرافقها حتى وقفت من جديد بين زميلاتها. ولم يكن ذلك التكريم الأخير. فقد واصلت سمارة عامها الأول بالاجتهاد نفسه، وحافظت على تفوقها في الفصلين التاليين أيضًا، حتى أصبح اسمها يتردد في ساحة المؤسسة مع نهاية كل فصل، وأصبح رفع العلم طقسًا اعتادت عليه أكثر مما اعتادته دهشتها الأولى.وفي صباح أحد الأيام، وبينما كانت الحافلات تستعد للمغادرة، توقفت دراجة نارية غير بعيد عنهن.ترجل منها شاب بدا أكبر من طلاب المؤسسة، واتجه نحو سمارة.مد إليها ورقة صغيرة مطوية وقال باقتضاب:— اتصلي به.ثم استدار وغادر.فتحت الورقة ببطء.رقم هاتف.وتحته اسم واحد...عاطف.طوتها بهدوء، وأخفتها في جيب مئزرها.مضى ذلك الأسبوع مثقلًا بالتردد.كانت تخرج الورقة أحيانًا، تتأمل الرقم لحظات، ثم تعيد طيها سريعًا كلما سمعت وقع خطوات في الممر أو نداء إحدى زميلاتها.وفي القسم، كانت تحاول أن تركز في الدرس، غير أن اسمه كان يمر بخاطرها بين الحين والآخر، فتطرده وتعود إلى دفترها.ولما جاء صباح الخميس، كانت الورقة لا تزال في جيب مئزرها.وعندما وصلت إلى المحطة، وقعت عيناها على الهاتف العمومي.تجاوزته...ثم توقفت.التفتت إليه مرة أخرى.أخرجت الورقة ببطء، وظلت تحدق في الرقم طويلًا.لم تكن تعرف إن كان ما يدفعها إلى الاتصال فضولًا، أم رغبة في أن تعرف لماذا اختفى فجأة.أخذت نفسًا هادئًا، ثم رفعت السماعة.بدأت تضغط الأرقام، رقمًا بعد آخر.رن الهاتف مرتين...ثم جاءها صوته:ألو؟انعقد لسانها. لم تستطع أن تنطق بكلمة.
أما عاطف، فقد وصله الرد دون أن يحاول الجدال أو الإلحاح.كان واضحًا له أن سمارة لا تريد الحديث معه، ولا تريد أن تفتح بابًا لأي علاقة بينهما.ظل صامتًا لحظات، وهو يحاول استيعاب الأمر.لأسابيع طويلة، كان يظن أن تلك النظرات العابرة بينهما تعني شيئًا. كان يراها أحيانًا تلتقي بعينيه للحظات قبل أن تصرف نظرها سريعًا، وكان ذلك يكفي ليمنحه أملًا صغيرًا.لم يكن يملك دليلًا سوى تلك اللحظات القصيرة، لكنه كان يعتقد أنها بداية لشيء يمكن أن ينمو مع الوقت.لذلك لم يتوقع أن يكون ردها حاسمًا إلى هذا الحد.ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها شيء من الخيبة.يبدو أن سمارة كانت أكثر عنادًا مما تخيل.لم تكن من النوع الذي يغير رأيه بسهولة، ولا من النوع الذي يسمح لأحد بالاقتراب منها لمجرد أنه حاول.ومع ذلك، لم يشعر بالرغبة في الاستسلام.كان يعرف أنه لا يستطيع إجبارها على شيء لا تريده، لكنه كان يؤمن أن فرصة واحدة قد تغير نظرتها إليه.ولهذا قرر ألا يضغط عليها... فقط ألا يختفي.فربما يأتي يوم تمنحه فيه تلك الفرصة التي كان ينتظرها.وبعد أيام قليلة، عاد إلى مكانه المعتاد عند الرصيف المقابل للمتوسطة.أما سمارة، فظنت أن الأمر
لم يمرّ العام الرابع على سمارة كما مرّت الأعوام السابقة.كانت قد أصبحت أكثر حضورًا وثقة بنفسها، ولم يعد ذلك الخجل الطفولي الذي لازمها في بداياتها واضحًا كما كان. اعتادت أن تلاحظ النظرات التي تتبعها أحيانًا، وأن تتعامل مع محاولات التقرب منها بالهدوء نفسه الذي اعتادته.لم تكن ترى في تلك الأمور ما يستحق أن يشغلها. فقد رسمت حدودها بوضوح، واعتادت أن تحافظ على المسافة التي تجعلها مرتاحة، مقتنعة بأن لا أحد يستطيع أن يغير قناعاتها بسهولة.لكنها لم تكن تعلم أن بعض التفاصيل الصغيرة قد تترك أثرًا أكبر مما نتوقع.كان صباح الأحد هادئًا على غير العادة. امتلأت الطرقات المؤدية إلى المؤسسة بالتلاميذ العائدين من عطلة نهاية الأسبوع، بخطوات بطيئة ووجوه لم تتخلص بعد من راحة البيت.كانت سمارة تمشي وسط صديقاتها كعادتها، تحمل حقيبتها على كتف واحد، وتشاركهن الحديث والضحك دون أن تلقي بالًا لما يدور حولها.وفي أثناء سيرها، وقع بصرها مصادفة على شاب يقف قرب مدخل الثانوية المجاورة. بدا وكأنه ينتظر أحدًا. لم تهتم في البداية، وأكملت طريقها بصورة طبيعية.لكنها، قبل أن تدخل بوابة المؤسسة، رفعت رأسها مرة أخرى دون قصد،
انقضى العام الدراسي على الوتيرة نفسها. تعاقبت الدروس والاختبارات، وتوالت الأسابيع سريعًا، وكبرت صداقات، وأصبحت الحياة في الداخلية جزءًا من يوميات لم تعد تثير دهشة أحد. صار لكل شيء إيقاعه المألوف؛ أجراس الحصص، وساعات المراجعة، وضحكات المساء في المرقد، ورحلات نهاية الأسبوع إلى البيت ثم العودة من جديد مع صباح الأحد.وحين دوّى جرس آخر يوم دراسي، لم تشعر سمارة بأن عامًا دراسيًا آخر قد انتهى فحسب، بل أحست أنها ودّعت مرحلة كاملة من حياتها. كانت قد خرجت من عامها الثاني أكثر نضجًا، وأكثر جرأة، وأقل انطواءً مما كانت عليه يوم دخلت تلك المؤسسة لأول مرة. أما الطفلة الخجولة التي كانت تتردد قبل أن تنطق بكلمة أمام زميلاتها، فقد بدأت تفسح مكانها لفتاة واثقة تعرف نفسها أكثر، دون أن تفقد هدوءها أو بساطتها.ومع بداية السنة الثالثة، أصبحت سمارة أكثر حضورًا وثقة بنفسها. نضجت ملامحها، وازدادت ابتسامتها إشراقًا، حتى بدأت تلفت أنظار بعض التلاميذ. صارت بعض النظرات تتبعها في الساحة والممرات، ووصلتها أكثر من مرة محاولات خجولة للتقرب منها، سواء بكلمة عابرة أو برسالة تحملها إحدى الزميلات.كانت تمرّ ذات صباح في الم
بعد حصة التربية البدنية، انصرف حديث المباراة سريعًا، وحلّ مكانه حديث آخر كان يشغل القسم كله.لم يبقَ على الاختبارات سوى أيام قليلة، ومع أن الضحكات والهمسات لم تغادر القسم، فإن القلق بدأ يتسلل إلى كثير من التلاميذ كلما ذُكرت المواد الأساسية.وفي إحدى فترات الاستراحة، تجمع عدد منهم في مؤخرة القسم يتبادلون الحديث.قال أحدهم وهو يقلب كراسه بضجر:— الرياضيات ستقضي علينا.ضحكت شيراز وقالت:— ومن قال إننا سنتركها تفعل؟وفي تلك اللحظة، تقدّم تلميذ طويل القامة، ذو بنية رياضية، وبشرة قمحية، وعينين بنيتين هادئتين. كان اسمه رؤوف.ابتسم ابتسامة هادئة وقال:— ولماذا لا نساعد بعضنا؟التفتت إليه الأنظار.وأضاف وهو يشير إلى زملائه:— كل واحد منا يتميز في مادة. من يتقن الرياضيات يساعد غيره، ومن يحفظ التاريخ يساعد البقية... المهم ألا يخرج أحد منا من الامتحان وحده.ساد صمت قصير، قبل أن تبتسم شيراز قائلة:— أعجبتني الفكرة.وقال أحد التلاميذ:— المهم ألا يسبقنا قسم أبناء المدينة.أومأ رؤوف برأسه وقال بثقة:— لن يسبقونا.لم يكن ذلك مجرد تحدٍّ دراسي. فمنذ أن بدأ أبناء المدينة يطلقون عليهم لقب "قسم الفلاحين"،
وحين أُسدل الستار على عامها الأول، كانت قد كسبت ثقة أساتذتها، وازدادت صداقتها بمنى وشيراز رسوخًا، وأصبحت الداخلية بيتًا ثانيًا بعد أن كانت تخيفها في أيامها الأولى.ومع انقضاء العطلة الصيفية، عادت إلى المؤسسة لتبدأ عامها الثاني... دون أن تدري أن السنوات القادمة لن تشبه السنة التي مضت.وكان أول ما استقبلها عند مدخل الإدارة القوائم الجديدة المعلَّقة على الجدار.تقدمت تبحث عن اسمها، وما إن وجدته حتى اتسعت عيناها قليلًا.— شيراز معنا!اقتربت منى من القائمة، وألقت نظرة سريعة، ثم ابتسمت ابتسامة ممزوجة بالدهشة.— يبدو أنها أعادت السنة.لكن دهشتهما لم تتوقف عند ذلك. فكلما انتقلت أعينهما بين الأسماء، تعرفتا إلى وجه من الابتدائية، ثم آخر، ثم ثالث... حتى بدا لهما أن معظم الأسماء مألوفة.قطبت منى حاجبيها وقالت باستغراب:— أليس أغلبهم من أبناء القرى؟في تلك اللحظة، مرّ عدد من التلاميذ يتبادلون الحديث بصوت خافت.— يبدو أنهم جمعونا كلنا في قسم واحد.— نعم... وأبناء المدينة وزعوهم على الأقسام الأخرى.— كأنهم يريدون أن يقولوا إن مكاننا مع بعضنا فقط.تبادلت سمارة ومنى نظرة صامتة، ولم تجدا ما تقولانه. كا