Home / المراهقة / عواصف مراهقة / بداية التحول

Share

بداية التحول

Author: إحداهن
last update publish date: 2026-07-24 21:31:26

وحين أُسدل الستار على عامها الأول، كانت قد كسبت ثقة أساتذتها، وازدادت صداقتها بمنى وشيراز رسوخًا، وأصبحت الداخلية بيتًا ثانيًا بعد أن كانت تخيفها في أيامها الأولى.

ومع انقضاء العطلة الصيفية، عادت إلى المؤسسة لتبدأ عامها الثاني... دون أن تدري أن السنوات القادمة لن تشبه السنة التي مضت.

وكان أول ما استقبلها عند مدخل الإدارة القوائم الجديدة المعلَّقة على الجدار.

تقدمت تبحث عن اسمها، وما إن وجدته حتى اتسعت عيناها قليلًا.

— شيراز معنا!

اقتربت منى من القائمة، وألقت نظرة سريعة، ثم ابتسمت ابتسامة ممزوجة بالدهشة.

— يبدو أنها أعادت السنة.

لكن دهشتهما لم تتوقف عند ذلك. فكلما انتقلت أعينهما بين الأسماء، تعرفتا إلى وجه من الابتدائية، ثم آخر، ثم ثالث... حتى بدا لهما أن معظم الأسماء مألوفة.

قطبت منى حاجبيها وقالت باستغراب:

— أليس أغلبهم من أبناء القرى؟

في تلك اللحظة، مرّ عدد من التلاميذ يتبادلون الحديث بصوت خافت.

— يبدو أنهم جمعونا كلنا في قسم واحد.

— نعم... وأبناء المدينة وزعوهم على الأقسام الأخرى.

— كأنهم يريدون أن يقولوا إن مكاننا مع بعضنا فقط.

تبادلت سمارة ومنى نظرة صامتة، ولم تجدا ما تقولانه. كان الأمر غريبًا، لكنهما لم ترغبا في التسرع بالحكم، فغادرتا الإدارة متجهتين إلى الساحة، حيث بدأ التلاميذ يتجمعون استعدادًا لتحية العلم.

وبينما كان التلاميذ مصطفين، مرّت مجموعة من أبناء المدينة بمحاذاة الصفوف.

قال أحدهم بصوتٍ يكفي ليسمعه من حوله:

— انظر... قسم الفلاحين وصل.

ضحك آخر وأضاف:

— لا... قل قسم الطين.

وتعالت ضحكات متفرقة.

تجمدت ملامح كثير من التلاميذ، وانخفضت بعض الرؤوس، بينما اشتعل الغضب في عيني شيراز.

لم تنتظر لحظة.

تقدمت خطوة، ونظرت إلى صاحب التعليق باحتقار، ثم قالت بصوت واضح:

— أتظن أن المدينة هي الحي الذي تسكنه؟

ساد صمت قصير.

تابعت وهي تبتسم بسخرية:

— إذًا يبدو أنك لم ترَ مدينة حقيقية في حياتك.

اختفت الضحكات من حوله، بينما ارتسم الارتباك على وجهه، قبل أن يشيح بنظره ويتمتم بكلمات غير مفهومة.

أما سمارة، فلم يكن الغضب أول ما شعرت به، بل الدهشة. كانت تنظر إلى ما جرى وكأنها تسمعه للمرة الأولى. لم ترَ يومًا في الريف إلا بيتها، وطفولتها، والحقول التي حفظت أسماءها، ووجوه الجيران التي كانت تعرفها واحدًا واحدًا. لذلك عجزت عن أن تفهم كيف يمكن أن يتحول الانتماء إلى قرية إلى سببٍ للاحتقار.

لكن تلك الكلمات، على قصرها، لم تكن عابرة. فقد ألقت بذرتها الأولى في نفوس كثير من أبناء القرى، ولم يكن أحد يدرك يومها أن أثرها سيكبر مع الأيام

لم يكن القسم الجديد يشبه قسم العام الماضي.

ففي السنة الأولى، كان معظم التلاميذ غرباء عن بعضهم، يطغى عليهم الحياء والترقب، فينصرف كل واحد منهم إلى مقعده ودفاتره. أما الآن، فقد اجتمع في القسم أبناء القرى الذين عرف كثير منهم بعضهم منذ سنوات الابتدائية، فعادت بينهم الألفة منذ الأيام الأولى.

ولم يلبث أثر تلك الألفة أن ظهر داخل القسم. فما إن يبدأ الأستاذ شرحه، حتى تتسلل الهمسات بين المقاعد، ويتبعها تعليق هنا أو مزحة هناك، فتتعالى الضحكات، ويضطر بعض الأساتذة إلى مقاطعة الدرس أكثر من مرة لاستعادة الهدوء.

وكانت شيراز أكثر من يترك بصمته على ذلك الجو. فما إن تسنح لها الفرصة حتى تطلق تعليقًا ساخرًا أو موقفًا طريفًا، فتنتشر الضحكات في القسم كله.

أما سمارة، التي كانت تقضي عامها الأول بين الكتب والدفاتر، فقد بدأت تجد نفسها تضحك مع زميلاتها أكثر، وتشارك في الأحاديث الجانبية، وتلتفت أحيانًا أثناء الشرح لتبادل تعليق سريع مع من حولها.

ومع مرور الأيام، لم يعد مقعد سمارة يعرف ذلك الهدوء الذي كان يميزه سابقًا.

وفي أكثر من حصة، وجدت نفسها تتلقى تنبيهًا من الأستاذ بعد أن كانت بالكاد يُذكر اسمها داخل القسم.

— سمارة... انتبهي إلى الدرس.

كانت تبتسم بخجل، وتعتذر، ثم لا تلبث بعد دقائق أن تنخرط من جديد في همسات شيراز أو تعليق عابر من منى، وكأن أجواء القسم الجديدة كانت تجذبها إليها شيئًا فشيئًا.

ولم يبق أثر ذلك داخل القسم وحده، بل تسلل إلى الداخلية أيضًا. فبعد أن كانت ساعات المراجعة تمر عليها في هدوء، أصبحت الغرفة تمتلئ بالأحاديث والضحكات، وتتأخر الكتب في الانفتاح حتى تضطر المشرفة إلى تنبيههن أكثر من مرة.

وكانت شيراز، بطبيعتها المرحة والمشاكسة، لا تدع ليلة تمر دون أن تبتكر موقفًا يثير ضحك الفتيات، فتنساق سمارة مع الجميع، وتنسى أحيانًا أن أمامها دروسًا تنتظرها.

عادت سمارة إلى بيتها في نهاية الأسبوع، وبينما كانت تساعد أمها في إعداد العشاء، قالت على غير عادتها:

— أمي... هذا العام جمعوا أبناء القرى كلهم في قسم واحد.

رفعت أمها رأسها قليلًا، ثم واصلت تقطيع الخضار وهي تقول بهدوء:

— ربما هو مجرد تنظيم من الإدارة.

هزت سمارة رأسها.

— لو كان كذلك، لما صار أبناء المدينة ينادوننا بقسم الفلاحين... وقسم الطين.

توقفت يد أمها لحظة، ثم تنهدت تنهدًا خفيفًا.

— أحيانًا يتخذ الكبار قرارًا يظنونه عاديًا، ولا ينتبهون إلى ما قد يتركه في نفوس الصغار.

ثم نظرت إليها وقالت:

— لا تسمحي لأحد أن يجعلك تخجلين من المكان الذي جئتِ منه. الإنسان يُعرَف بأخلاقه وعمله، لا باسم قريته ولا مدينته.

ابتسمت سمارة ابتسامة خفيفة، وأومأت برأسها، ثم عادتا إلى إعداد العشاء 

وفي مساء اليوم التالي، جلست سمارة إلى جانب والدها كعادتها تتابع مباراة المنتخب الوطني. كانت المباراة حاسمة، لكن صافرة النهاية أعلنت خسارةً مريرة تركت خيبة واضحة على وجهيهما.

ظل النقاش حول أسباب الهزيمة يتردد في البيت حتى بعد انتهاء المباراة، وكانت سمارة تشارك والدها رأيها بين الحين والآخر، قبل أن يخلد الجميع إلى النوم.

وفي صباح الأحد، عادت سمارة إلى المؤسسة كعادتها. وبعد انتهاء الحصص الأولى، اجتمع التلاميذ في الساحة استعدادًا لحصة التربية البدنية.لكن الأستاذ لم يعطِ إشارة الانطلاق مباشرة.

وقف وسط الساحة، يبادل بعض التلاميذ الحديث عن المباراة التي خاضها المنتخب الوطني في الليلة الماضية، والتي انتهت بخسارة أثارت غضب الجميع.

قال أحد التلاميذ:

— لو سجل المهاجم تلك الفرصة لانتهت المباراة.

رد آخر بسرعة:

— لا... الدفاع هو سبب الخسارة.

وأضاف ثالث:

— الحارس أيضًا يتحمل جزءًا من المسؤولية.

توالت الآراء، وكل واحد يلقي اللوم على لاعب مختلف.

كانت سمارة تقف مع زميلاتها تستمع بصمت، حتى لم تستطع كتمان رأيها.

رفعت صوتها قليلًا وقالت بهدوء:

— ليس هذا ولا ذاك.

التفتت إليها الأنظار.

تابعت بثقة:

— ما ذنب اللاعب إذا طُلب منه أن يلعب في مركز لا يجيده؟ المشكلة كانت تكتيكية. المدرب غيّر مراكز بعض اللاعبين، ولم يكن ذلك موفقًا أبدًا. عندما تغيّر مكان لاعب اعتاد التحرك بطريقة معينة، فمن الطبيعي أن يتراجع مستواه، ويختل توازن الفريق كله.

ساد صمت قصير.

نظر الأستاذ إليها بدهشة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

— يبدو أن بيننا محللة كروية.

ضحك بعض التلاميذ، بينما احمرّ وجه سمارة قليلًا، لكنها لم تتراجع عن نظرتها الواثقة.

هز الأستاذ رأسه وأضاف:

— في الحقيقة... كلامك منطقي. كثير من الناس يحمّلون اللاعبين المسؤولية مباشرة، وينسون أن المدرب هو من يحدد طريقة اللعب وتوزيع المراكز.

ابتسمت سمارة ابتسامة صغيرة، بينما تبادل بعض زملائها النظرات باستغراب؛ فلم يكونوا يتوقعون أن تكون أكثر فتاة هدوءًا في القسم تمتلك هذا القدر من المعرفة بكرة القدم.

صفق الأستاذ بيديه وقال:

— حسنًا... انتهى نقاش الكرة. لنرَ الآن من يثبت مهارته في الملعب.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عواصف مراهقة   قاعة المحاضرات

    كانت القاعة الكبرى في معهد علم النفس تضج بأصوات الطلبة. حقائب تستقر فوق المقاعد، وصفحات تُقلَّب على عجل، وأحاديث متداخلة عن المواد والأساتذة. في الصفوف الخلفية، ارتفعت ضحكة أعقبتها همسة مكتومة، بينما ظل بعض الطلبة يتلفتون نحو المنصة، مترقبين ظهور أستاذهم الأول.اختارت سمارة مقعدًا يتوسط القاعة، ووضعت حقيبتها إلى جوارها. أخرجت دفترها وقلمها، ومررت أصابعها على حافة الغلاف قبل أن تفتحه.كانت آثار الليلة الماضية لا تزال حاضرة في ذهنها؛ ضجيج الممرات الذي حرمها النوم، والأصوات التي لم تهدأ إلا بعد وقت طويل، والوجوه الجديدة التي لم تعرف بعد كيف تتعامل معها. ومع ذلك، خفّ عنها شيء من الضيق حين استقرت في مقعدها. هنا، لم تكن مضطرة إلى التكيف مع حياة اختارها الآخرون لها. لقد وصلت إلى المكان الذي أرادته بنفسها، وإلى التخصص الذي طالما رغبت في دراسته.لم يكن علم النفس بالنسبة إليها مجرد شهادة تسعى إلى نيلها. لطالما شغلتها تناقضات الإنسان، والفجوة التي قد تفصل بين ما يشعر به وما يفعله، وبين ما يقوله لنفسه وما يعجز عن الاعتراف به. وكانت تجربتها قد علمتها أن الإنسان قد يسيء فهم نفسه، حتى حين يظن أنه يع

  • عواصف مراهقة   الغرفة الثانية و الاربعون

    كانت الشمس تجرّ ذيولها الأخيرة، مسلّمة السماء لغسق هادئ، حين غادرت سمارة مبنى المعهد متجهة إلى الإقامة الجامعية. أثقلتها ساعات المحاضرات والتنقل بين القاعات، وكانت حقيبتها تتأرجح على كتفها مع كل خطوة، بينما راحت تفكر في الغرفة التي ستقضي فيها ليلتها.وصلت إلى الطابق الثاني، وسارت في الممر حتى نهايته، ثم انعطفت يمينًا. توقفت أمام الباب الذي يحمل الرقم 42، وأخرجت المفتاح الذي تسلمته عند التسجيل.أدارت المفتاح، ودفعت الباب.استقبلتها ثلاثة أسرّة حديدية، وثلاث خزائن خشبية، وطاولة صغيرة تحت النافذة. أما الغبار، فقد استقر فوق الأسطح وفي الزوايا، وامتدت خيوط العنكبوت عند أطراف السقف، شاهدة على أن الغرفة لم تعرف يدًا تنظفها منذ مدة.تقدمت سمارة إلى الداخل، ووضعت حقيبتها فوق أحد الأسرّة، ثم ألقت نظرة شاملة على المكان.لم تكن تحمل معها الكثير؛ فقد علمتها سنوات الإقامة منذ المرحلة المتوسطة أن تميز بين ما تحتاج إليه فعلًا وما يمكنها الاستغناء عنه. لم تعد من الفتيات اللواتي يملأن الحقائب بأشياء لا يستعملن نصفها، ولا اللواتي يضطربن أمام مكان جديد لا يعرفن كيف يرتبنه. كانت تعرف كيف تدبر أمورها، وكيف

  • عواصف مراهقة   الجامعة

    مرت الأيام التالية بهدوء.لم تفتح الكتاب.ومع انشغالها بالمرحلة القادمة، بدأت الأسئلة التي أثارتها حكايته تبتعد شيئًا فشيئًا، لا لأنها وجدت لها إجابات، بل لأن شيئًا آخر كان يطرق باب حياتها بإلحاح أكبر.الجامعة.كانت الكلمة وحدها كافية لتوقظ في داخلها شعورًا يصعب عليها تسميته.منذ أن عرفت أنها ستغادر الثانوية، راحت تتخيل اليوم الذي ستدخل فيه الحرم الجامعي للمرة الأولى. أحيانًا كانت تتساءل عن شكل المكان، وعن القاعات، والأساتذة، والطلبة الذين ستلتقيهم، وعن الحياة التي تنتظرها هناك.لكنها كلما حاولت أن ترسمها في خيالها، بقيت الصورة ناقصة.وفي مساء اليوم الذي سبق انطلاقها، كانت تقف أمام حقيبتها المفتوحة، تحاول أن تقرر للمرة الأخيرة ما الذي ستأخذه معها.وضعت دفاترها، ثم أخرجت بعضها.أضافت كتابًا، ثم ترددت وأعادته إلى مكانه.كانت تستعد لبداية لا تعرف عنها إلا القليل.وحين طرق والدها الباب ودخل، كان يحمل علبة صغيرة.وضعها أمامها على السرير.— هذه لك.رفعت سمارة عينيها إليه.— لي؟— افتحيها.فتحت العلبة، فتوقفت حين رأت الهاتف.— هاتف؟أومأ والدها.— نعم.حملته بين يديها، ثم نظرت إليه باستفهام.

  • عواصف مراهقة   حين يصبح الحب معضلة

    ثم مرت بها لحظة إدراك... مهلًا... هل قال أبي «رماح الصغيرة»؟! اسمها رماح؟ حقًا؟ لا، لا بد أنك فقدت صوابك يا مطر! أين أمل؟ أريد أن أراها! علت وجه مطر ملامح الألم، ورسمت شفتاه ابتسامة مريرة منكسرة. — تمهلي يا رماح... اتركي لي مجالًا لأستوعب وجودك معنا، وسأشرح لك كل شيء رويدًا رويدًا، وسأنصت إلى تفاصيل غيابك أيضًا. أريد أن أعرف كل شيء، التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. كانت رماح الصغيرة تبدو في نحو عامها الأول. مدّها مطر نحو رماح كي تحملها، فترددت ثم رفضت. خافت. خافت كثيرًا أن تحمل بين ذراعيها براءة الطفولة ونعومتها، بينما يداها ملطختان بالدماء، حتى وإن كانت دماء العدو. كانت تلك واحدة من الهواجس التي تضرب جدران كيانها كلما هدأت الضوضاء من حولها. هو لا يعلم. لا أحد يعلم. لكن يكفي أن تعلم هي أنها خطيرة. جلسا على مقعد في الحديقة، ووضع مطر طفلته في حجره، وأخذ يلاعبها، بينما راحت الصغيرة تمسك بذقنه وتضحك. كانت لحظة لم تظن رماح أنها ستعيشها يومًا، وهي تحاول النجاة من براثن الحرب؛ النجاة من الأرض التي احتوتها وعلّمتها معنى الحب والموت. وعفويًا، دون أن تشعر، وجدت نفسها

  • عواصف مراهقة   العودة

    أغلقت سمارة الكتاب. ضغطت بإصبعَيها على عينيها لحظات، ثم وضعته تحت وسادتها واستلقت بصمت. كانت الكلمات الأخيرة لا تزال عالقة في ذهنها، وصورة رماح وهي تعود إلى الجزائر، تحمل في أحشائها طفل قاسم، أثقلت قلبها بشيء لم تستطع أن تسميه. وضعت الكتاب جانبًا. قالت في نفسها إنها ستعود إليه لاحقًا. لكن «لاحقًا» لم تكن في اليوم التالي، ولا بعد يومين. مرّ أسبوع كامل قبل أن تفتحه من جديد. طوال ذلك الأسبوع، ظل شيء من الحكاية يرافقها في صمت؛ مقاطع تتسلل إلى ذاكرتها دون استئذان، ووجوه لم ترها إلا بين صفحات كتاب، لكنها تركت فيها أثرًا يصعب تجاهله. وحين عادت إليه، كانت مستعدة لمواصلة الحكاية. عادت رماح إلى الجزائر... بعد أن كانت قد غادرتها مسبقاً بإصرار وإرادة صلبة، رغبةً منها في إحداث الفارق وترك بصمة لا تمحى. لكنها اليوم تتساءل في سرها: هل كان ذلك قراراً صائباً حقاً أم أنه كان مجرد عناد أحمق؟ لقد تحدت والدها، وأبكت والدتها، وهربت من مشاعر "مطر" التي كانت تزن على قلبها كعبء ثقيل، لتعود أخيراً وهي تحمل في أعماقها ألم لا ينتهي. ما الذي حققته؟ وما الذي جنته؟ وجدت رماح نفسها تغرق في دوامة من ا

  • عواصف مراهقة   تختلف الحكايات و تتشابه المشاعر

    خلال أسبوع واحد فقط، تزوج قاسم وأنفاس (رماح) وأقام لها عرساً صغيراً. أنكرت رماح فكرة الاحتفال في البداية، إلا أنه قال إن العرس ضروري وإن الحرب ليست مانعاً للفرح؛ ففي فلسطين الحرب لا تنتهي، فهل يعني هذا أن يعيشوا في حداد مستمر؟ فرح بها أهل المنطقة وحضر الأطفال زفافها وشاركوها فرحتها، ليس كرماح الجزائري الصحافية، ولكن كأنفاس طه غزاوي. استمرت الحياة وطوى الزمن صفحة القصف الذي أودى بحياة رفقاء رماح، ومات معهم اسمها، لتعيش أنفاس مع قاسمها وتشاركه حياته وأيامه. لم تتوقع أبداً أن تعيش تلك السعادة الغامرة؛ كان يعاملها كالملكة على عرش روحه، حتى كادت تجزم أنه يهيم بها عشقاً ويحبها أكثر مما تحبه. لم يبح لها بمشاعره لساناً، لكن حبه كان يترجم إلى أفعال حيث لا حاجة للكلام؛ فنظراته الدافئة كانت تكفي لتحس أنها تملك جزءاً كبيراً من قلبه. لم تكن تطمع أن تملك كل فؤاده، فقد كانت تعلم أن فلسطين هي المعشوقة التي لا تستطيع منافستها، وإن كان الخيار بينها وبين القضية، فحتماً سيختار أرض الزيتون وأرض المسجد الأقصى دون تردد ودون أن يرف له جفن. مر عام آخر سريعاً،وبهذا قضت رماح —أو أنفاس حالياً— تقريباً ثلاث سنوا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status