Se connecterوحين أُسدل الستار على عامها الأول، كانت قد كسبت ثقة أساتذتها، وازدادت صداقتها بمنى وشيراز رسوخًا، وأصبحت الداخلية بيتًا ثانيًا بعد أن كانت تخيفها في أيامها الأولى.
ومع انقضاء العطلة الصيفية، عادت إلى المؤسسة لتبدأ عامها الثاني... دون أن تدري أن السنوات القادمة لن تشبه السنة التي مضت. وكان أول ما استقبلها عند مدخل الإدارة القوائم الجديدة المعلَّقة على الجدار. تقدمت تبحث عن اسمها، وما إن وجدته حتى اتسعت عيناها قليلًا. — شيراز معنا! اقتربت منى من القائمة، وألقت نظرة سريعة، ثم ابتسمت ابتسامة ممزوجة بالدهشة. — يبدو أنها أعادت السنة. لكن دهشتهما لم تتوقف عند ذلك. فكلما انتقلت أعينهما بين الأسماء، تعرفتا إلى وجه من الابتدائية، ثم آخر، ثم ثالث... حتى بدا لهما أن معظم الأسماء مألوفة. قطبت منى حاجبيها وقالت باستغراب: — أليس أغلبهم من أبناء القرى؟ في تلك اللحظة، مرّ عدد من التلاميذ يتبادلون الحديث بصوت خافت. — يبدو أنهم جمعونا كلنا في قسم واحد. — نعم... وأبناء المدينة وزعوهم على الأقسام الأخرى. — كأنهم يريدون أن يقولوا إن مكاننا مع بعضنا فقط. تبادلت سمارة ومنى نظرة صامتة، ولم تجدا ما تقولانه. كان الأمر غريبًا، لكنهما لم ترغبا في التسرع بالحكم، فغادرتا الإدارة متجهتين إلى الساحة، حيث بدأ التلاميذ يتجمعون استعدادًا لتحية العلم. وبينما كان التلاميذ مصطفين، مرّت مجموعة من أبناء المدينة بمحاذاة الصفوف. قال أحدهم بصوتٍ يكفي ليسمعه من حوله: — انظر... قسم الفلاحين وصل. ضحك آخر وأضاف: — لا... قل قسم الطين. وتعالت ضحكات متفرقة. تجمدت ملامح كثير من التلاميذ، وانخفضت بعض الرؤوس، بينما اشتعل الغضب في عيني شيراز. لم تنتظر لحظة. تقدمت خطوة، ونظرت إلى صاحب التعليق باحتقار، ثم قالت بصوت واضح: — أتظن أن المدينة هي الحي الذي تسكنه؟ ساد صمت قصير. تابعت وهي تبتسم بسخرية: — إذًا يبدو أنك لم ترَ مدينة حقيقية في حياتك. اختفت الضحكات من حوله، بينما ارتسم الارتباك على وجهه، قبل أن يشيح بنظره ويتمتم بكلمات غير مفهومة. أما سمارة، فلم يكن الغضب أول ما شعرت به، بل الدهشة. كانت تنظر إلى ما جرى وكأنها تسمعه للمرة الأولى. لم ترَ يومًا في الريف إلا بيتها، وطفولتها، والحقول التي حفظت أسماءها، ووجوه الجيران التي كانت تعرفها واحدًا واحدًا. لذلك عجزت عن أن تفهم كيف يمكن أن يتحول الانتماء إلى قرية إلى سببٍ للاحتقار. لكن تلك الكلمات، على قصرها، لم تكن عابرة. فقد ألقت بذرتها الأولى في نفوس كثير من أبناء القرى، ولم يكن أحد يدرك يومها أن أثرها سيكبر مع الأيام لم يكن القسم الجديد يشبه قسم العام الماضي. ففي السنة الأولى، كان معظم التلاميذ غرباء عن بعضهم، يطغى عليهم الحياء والترقب، فينصرف كل واحد منهم إلى مقعده ودفاتره. أما الآن، فقد اجتمع في القسم أبناء القرى الذين عرف كثير منهم بعضهم منذ سنوات الابتدائية، فعادت بينهم الألفة منذ الأيام الأولى. ولم يلبث أثر تلك الألفة أن ظهر داخل القسم. فما إن يبدأ الأستاذ شرحه، حتى تتسلل الهمسات بين المقاعد، ويتبعها تعليق هنا أو مزحة هناك، فتتعالى الضحكات، ويضطر بعض الأساتذة إلى مقاطعة الدرس أكثر من مرة لاستعادة الهدوء. وكانت شيراز أكثر من يترك بصمته على ذلك الجو. فما إن تسنح لها الفرصة حتى تطلق تعليقًا ساخرًا أو موقفًا طريفًا، فتنتشر الضحكات في القسم كله. أما سمارة، التي كانت تقضي عامها الأول بين الكتب والدفاتر، فقد بدأت تجد نفسها تضحك مع زميلاتها أكثر، وتشارك في الأحاديث الجانبية، وتلتفت أحيانًا أثناء الشرح لتبادل تعليق سريع مع من حولها. ومع مرور الأيام، لم يعد مقعد سمارة يعرف ذلك الهدوء الذي كان يميزه سابقًا. وفي أكثر من حصة، وجدت نفسها تتلقى تنبيهًا من الأستاذ بعد أن كانت بالكاد يُذكر اسمها داخل القسم. — سمارة... انتبهي إلى الدرس. كانت تبتسم بخجل، وتعتذر، ثم لا تلبث بعد دقائق أن تنخرط من جديد في همسات شيراز أو تعليق عابر من منى، وكأن أجواء القسم الجديدة كانت تجذبها إليها شيئًا فشيئًا. ولم يبق أثر ذلك داخل القسم وحده، بل تسلل إلى الداخلية أيضًا. فبعد أن كانت ساعات المراجعة تمر عليها في هدوء، أصبحت الغرفة تمتلئ بالأحاديث والضحكات، وتتأخر الكتب في الانفتاح حتى تضطر المشرفة إلى تنبيههن أكثر من مرة. وكانت شيراز، بطبيعتها المرحة والمشاكسة، لا تدع ليلة تمر دون أن تبتكر موقفًا يثير ضحك الفتيات، فتنساق سمارة مع الجميع، وتنسى أحيانًا أن أمامها دروسًا تنتظرها. عادت سمارة إلى بيتها في نهاية الأسبوع، وبينما كانت تساعد أمها في إعداد العشاء، قالت على غير عادتها: — أمي... هذا العام جمعوا أبناء القرى كلهم في قسم واحد. رفعت أمها رأسها قليلًا، ثم واصلت تقطيع الخضار وهي تقول بهدوء: — ربما هو مجرد تنظيم من الإدارة. هزت سمارة رأسها. — لو كان كذلك، لما صار أبناء المدينة ينادوننا بقسم الفلاحين... وقسم الطين. توقفت يد أمها لحظة، ثم تنهدت تنهدًا خفيفًا. — أحيانًا يتخذ الكبار قرارًا يظنونه عاديًا، ولا ينتبهون إلى ما قد يتركه في نفوس الصغار. ثم نظرت إليها وقالت: — لا تسمحي لأحد أن يجعلك تخجلين من المكان الذي جئتِ منه. الإنسان يُعرَف بأخلاقه وعمله، لا باسم قريته ولا مدينته. ابتسمت سمارة ابتسامة خفيفة، وأومأت برأسها، ثم عادتا إلى إعداد العشاء وفي مساء اليوم التالي، جلست سمارة إلى جانب والدها كعادتها تتابع مباراة المنتخب الوطني. كانت المباراة حاسمة، لكن صافرة النهاية أعلنت خسارةً مريرة تركت خيبة واضحة على وجهيهما. ظل النقاش حول أسباب الهزيمة يتردد في البيت حتى بعد انتهاء المباراة، وكانت سمارة تشارك والدها رأيها بين الحين والآخر، قبل أن يخلد الجميع إلى النوم. وفي صباح الأحد، عادت سمارة إلى المؤسسة كعادتها. وبعد انتهاء الحصص الأولى، اجتمع التلاميذ في الساحة استعدادًا لحصة التربية البدنية.لكن الأستاذ لم يعطِ إشارة الانطلاق مباشرة. وقف وسط الساحة، يبادل بعض التلاميذ الحديث عن المباراة التي خاضها المنتخب الوطني في الليلة الماضية، والتي انتهت بخسارة أثارت غضب الجميع. قال أحد التلاميذ: — لو سجل المهاجم تلك الفرصة لانتهت المباراة. رد آخر بسرعة: — لا... الدفاع هو سبب الخسارة. وأضاف ثالث: — الحارس أيضًا يتحمل جزءًا من المسؤولية. توالت الآراء، وكل واحد يلقي اللوم على لاعب مختلف. كانت سمارة تقف مع زميلاتها تستمع بصمت، حتى لم تستطع كتمان رأيها. رفعت صوتها قليلًا وقالت بهدوء: — ليس هذا ولا ذاك. التفتت إليها الأنظار. تابعت بثقة: — ما ذنب اللاعب إذا طُلب منه أن يلعب في مركز لا يجيده؟ المشكلة كانت تكتيكية. المدرب غيّر مراكز بعض اللاعبين، ولم يكن ذلك موفقًا أبدًا. عندما تغيّر مكان لاعب اعتاد التحرك بطريقة معينة، فمن الطبيعي أن يتراجع مستواه، ويختل توازن الفريق كله. ساد صمت قصير. نظر الأستاذ إليها بدهشة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: — يبدو أن بيننا محللة كروية. ضحك بعض التلاميذ، بينما احمرّ وجه سمارة قليلًا، لكنها لم تتراجع عن نظرتها الواثقة. هز الأستاذ رأسه وأضاف: — في الحقيقة... كلامك منطقي. كثير من الناس يحمّلون اللاعبين المسؤولية مباشرة، وينسون أن المدرب هو من يحدد طريقة اللعب وتوزيع المراكز. ابتسمت سمارة ابتسامة صغيرة، بينما تبادل بعض زملائها النظرات باستغراب؛ فلم يكونوا يتوقعون أن تكون أكثر فتاة هدوءًا في القسم تمتلك هذا القدر من المعرفة بكرة القدم. صفق الأستاذ بيديه وقال: — حسنًا... انتهى نقاش الكرة. لنرَ الآن من يثبت مهارته في الملعب.وفي صباح أحد الأيام، وبينما كانت الحافلات تستعد للمغادرة، توقفت دراجة نارية غير بعيد عنهن.ترجل منها شاب بدا أكبر من طلاب المؤسسة، واتجه نحو سمارة.مد إليها ورقة صغيرة مطوية وقال باقتضاب:— اتصلي به.ثم استدار وغادر.فتحت الورقة ببطء.رقم هاتف.وتحته اسم واحد...عاطف.طوتها بهدوء، وأخفتها في جيب مئزرها.مضى ذلك الأسبوع مثقلًا بالتردد.كانت تخرج الورقة أحيانًا، تتأمل الرقم لحظات، ثم تعيد طيها سريعًا كلما سمعت وقع خطوات في الممر أو نداء إحدى زميلاتها.وفي القسم، كانت تحاول أن تركز في الدرس، غير أن اسمه كان يمر بخاطرها بين الحين والآخر، فتطرده وتعود إلى دفترها.ولما جاء صباح الخميس، كانت الورقة لا تزال في جيب مئزرها.وعندما وصلت إلى المحطة، وقعت عيناها على الهاتف العمومي.تجاوزته...ثم توقفت.التفتت إليه مرة أخرى.أخرجت الورقة ببطء، وظلت تحدق في الرقم طويلًا.لم تكن تعرف إن كان ما يدفعها إلى الاتصال فضولًا، أم رغبة في أن تعرف لماذا اختفى فجأة.أخذت نفسًا هادئًا، ثم رفعت السماعة.بدأت تضغط الأرقام، رقمًا بعد آخر.رن الهاتف مرتين...ثم جاءها صوته:ألو؟انعقد لسانها. لم تستطع أن تنطق بكلمة.
أما عاطف، فقد وصله الرد دون أن يحاول الجدال أو الإلحاح.كان واضحًا له أن سمارة لا تريد الحديث معه، ولا تريد أن تفتح بابًا لأي علاقة بينهما.ظل صامتًا لحظات، وهو يحاول استيعاب الأمر.لأسابيع طويلة، كان يظن أن تلك النظرات العابرة بينهما تعني شيئًا. كان يراها أحيانًا تلتقي بعينيه للحظات قبل أن تصرف نظرها سريعًا، وكان ذلك يكفي ليمنحه أملًا صغيرًا.لم يكن يملك دليلًا سوى تلك اللحظات القصيرة، لكنه كان يعتقد أنها بداية لشيء يمكن أن ينمو مع الوقت.لذلك لم يتوقع أن يكون ردها حاسمًا إلى هذا الحد.ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها شيء من الخيبة.يبدو أن سمارة كانت أكثر عنادًا مما تخيل.لم تكن من النوع الذي يغير رأيه بسهولة، ولا من النوع الذي يسمح لأحد بالاقتراب منها لمجرد أنه حاول.ومع ذلك، لم يشعر بالرغبة في الاستسلام.كان يعرف أنه لا يستطيع إجبارها على شيء لا تريده، لكنه كان يؤمن أن فرصة واحدة قد تغير نظرتها إليه.ولهذا قرر ألا يضغط عليها... فقط ألا يختفي.فربما يأتي يوم تمنحه فيه تلك الفرصة التي كان ينتظرها.وبعد أيام قليلة، عاد إلى مكانه المعتاد عند الرصيف المقابل للمتوسطة.أما سمارة، فظنت أن الأمر
لم يمرّ العام الرابع على سمارة كما مرّت الأعوام السابقة.كانت قد أصبحت أكثر حضورًا وثقة بنفسها، ولم يعد ذلك الخجل الطفولي الذي لازمها في بداياتها واضحًا كما كان. اعتادت أن تلاحظ النظرات التي تتبعها أحيانًا، وأن تتعامل مع محاولات التقرب منها بالهدوء نفسه الذي اعتادته.لم تكن ترى في تلك الأمور ما يستحق أن يشغلها. فقد رسمت حدودها بوضوح، واعتادت أن تحافظ على المسافة التي تجعلها مرتاحة، مقتنعة بأن لا أحد يستطيع أن يغير قناعاتها بسهولة.لكنها لم تكن تعلم أن بعض التفاصيل الصغيرة قد تترك أثرًا أكبر مما نتوقع.كان صباح الأحد هادئًا على غير العادة. امتلأت الطرقات المؤدية إلى المؤسسة بالتلاميذ العائدين من عطلة نهاية الأسبوع، بخطوات بطيئة ووجوه لم تتخلص بعد من راحة البيت.كانت سمارة تمشي وسط صديقاتها كعادتها، تحمل حقيبتها على كتف واحد، وتشاركهن الحديث والضحك دون أن تلقي بالًا لما يدور حولها.وفي أثناء سيرها، وقع بصرها مصادفة على شاب يقف قرب مدخل الثانوية المجاورة. بدا وكأنه ينتظر أحدًا. لم تهتم في البداية، وأكملت طريقها بصورة طبيعية.لكنها، قبل أن تدخل بوابة المؤسسة، رفعت رأسها مرة أخرى دون قصد،
انقضى العام الدراسي على الوتيرة نفسها. تعاقبت الدروس والاختبارات، وتوالت الأسابيع سريعًا، وكبرت صداقات، وأصبحت الحياة في الداخلية جزءًا من يوميات لم تعد تثير دهشة أحد. صار لكل شيء إيقاعه المألوف؛ أجراس الحصص، وساعات المراجعة، وضحكات المساء في المرقد، ورحلات نهاية الأسبوع إلى البيت ثم العودة من جديد مع صباح الأحد.وحين دوّى جرس آخر يوم دراسي، لم تشعر سمارة بأن عامًا دراسيًا آخر قد انتهى فحسب، بل أحست أنها ودّعت مرحلة كاملة من حياتها. كانت قد خرجت من عامها الثاني أكثر نضجًا، وأكثر جرأة، وأقل انطواءً مما كانت عليه يوم دخلت تلك المؤسسة لأول مرة. أما الطفلة الخجولة التي كانت تتردد قبل أن تنطق بكلمة أمام زميلاتها، فقد بدأت تفسح مكانها لفتاة واثقة تعرف نفسها أكثر، دون أن تفقد هدوءها أو بساطتها.ومع بداية السنة الثالثة، أصبحت سمارة أكثر حضورًا وثقة بنفسها. نضجت ملامحها، وازدادت ابتسامتها إشراقًا، حتى بدأت تلفت أنظار بعض التلاميذ. صارت بعض النظرات تتبعها في الساحة والممرات، ووصلتها أكثر من مرة محاولات خجولة للتقرب منها، سواء بكلمة عابرة أو برسالة تحملها إحدى الزميلات.كانت تمرّ ذات صباح في الم
بعد حصة التربية البدنية، انصرف حديث المباراة سريعًا، وحلّ مكانه حديث آخر كان يشغل القسم كله.لم يبقَ على الاختبارات سوى أيام قليلة، ومع أن الضحكات والهمسات لم تغادر القسم، فإن القلق بدأ يتسلل إلى كثير من التلاميذ كلما ذُكرت المواد الأساسية.وفي إحدى فترات الاستراحة، تجمع عدد منهم في مؤخرة القسم يتبادلون الحديث.قال أحدهم وهو يقلب كراسه بضجر:— الرياضيات ستقضي علينا.ضحكت شيراز وقالت:— ومن قال إننا سنتركها تفعل؟وفي تلك اللحظة، تقدّم تلميذ طويل القامة، ذو بنية رياضية، وبشرة قمحية، وعينين بنيتين هادئتين. كان اسمه رؤوف.ابتسم ابتسامة هادئة وقال:— ولماذا لا نساعد بعضنا؟التفتت إليه الأنظار.وأضاف وهو يشير إلى زملائه:— كل واحد منا يتميز في مادة. من يتقن الرياضيات يساعد غيره، ومن يحفظ التاريخ يساعد البقية... المهم ألا يخرج أحد منا من الامتحان وحده.ساد صمت قصير، قبل أن تبتسم شيراز قائلة:— أعجبتني الفكرة.وقال أحد التلاميذ:— المهم ألا يسبقنا قسم أبناء المدينة.أومأ رؤوف برأسه وقال بثقة:— لن يسبقونا.لم يكن ذلك مجرد تحدٍّ دراسي. فمنذ أن بدأ أبناء المدينة يطلقون عليهم لقب "قسم الفلاحين"،
وحين أُسدل الستار على عامها الأول، كانت قد كسبت ثقة أساتذتها، وازدادت صداقتها بمنى وشيراز رسوخًا، وأصبحت الداخلية بيتًا ثانيًا بعد أن كانت تخيفها في أيامها الأولى.ومع انقضاء العطلة الصيفية، عادت إلى المؤسسة لتبدأ عامها الثاني... دون أن تدري أن السنوات القادمة لن تشبه السنة التي مضت.وكان أول ما استقبلها عند مدخل الإدارة القوائم الجديدة المعلَّقة على الجدار.تقدمت تبحث عن اسمها، وما إن وجدته حتى اتسعت عيناها قليلًا.— شيراز معنا!اقتربت منى من القائمة، وألقت نظرة سريعة، ثم ابتسمت ابتسامة ممزوجة بالدهشة.— يبدو أنها أعادت السنة.لكن دهشتهما لم تتوقف عند ذلك. فكلما انتقلت أعينهما بين الأسماء، تعرفتا إلى وجه من الابتدائية، ثم آخر، ثم ثالث... حتى بدا لهما أن معظم الأسماء مألوفة.قطبت منى حاجبيها وقالت باستغراب:— أليس أغلبهم من أبناء القرى؟في تلك اللحظة، مرّ عدد من التلاميذ يتبادلون الحديث بصوت خافت.— يبدو أنهم جمعونا كلنا في قسم واحد.— نعم... وأبناء المدينة وزعوهم على الأقسام الأخرى.— كأنهم يريدون أن يقولوا إن مكاننا مع بعضنا فقط.تبادلت سمارة ومنى نظرة صامتة، ولم تجدا ما تقولانه. كا