FAZER LOGIN
هناك على أعلى قمة "جبل خنوقة" موطن معازف الجن بوادي نجد في بلاد الحجاز حيث شبه الجزيرة العربية، موطئ يتجنبه عرب وسكان هذه البلاد، عرف هذا الجبل بالمعازف لما يصدر في صحاريه من أصواتٍ ونواحٍ وصفيرٍ فسّره البعض بصوت الرياح على السواحل والكثبان الرملية.
ولكن عندما نتحرى ما يحدث هناك الآن سنعرف لِمَ سمي بمعازف الجن؟! ها قد أظلمت السماء وكأنها تشهد كسوفاٌ كلياً للشمس، وبعدها توهجت خيوط زرقاء تشبه ألسنة البرق ولكنها أشد قوة وأكثر عمقاً، لها صوت يحاكي الشرز الناري، وهذا المشهد إعلان عن حضور ملك عشيرة "الجن الضوئي"، فلتشهد سماء تلك البقعة من الأراضي الطاهرة أول لقاء ل"راكان" بعد تنحي والده الملك "الأشهب" عن كرسي المُلك لابنه الأصغر "راكان" ملك ملوك الجن. انبعاث الضوء شاهدة من شواهد وجوده، وهذا إذا غضب "راكان". والقوة هبة وهبها الله لهذه العشيرة، فهم أقوى أنواع الجان على الإطلاق، وبالرغم من قلة أعدادهم قياساً بالبقية إلا أن واحداً من الجن الضوئي يستطيع قتل مائة شيطان بضربة واحدة في المعارك والحروب التي شنها الشياطين ضدهم فهم نادراً ما يخضون الحروب لقلة أعدادهم. أما إذا أراد شيطان قتل جني ضوئي واحد فعليه بأقوى السحرة ليجمع؛ له الآلاف من أعتى الشياطين من مختلف العشائر. وقد تفشل حيلهم لقتله، لذا ينأى السحرة بأنفسهم عن مكائد الشياطين التي يحيكوها ضد الجن الضوئي؛ إذ في تلك المحاولات الفاشلة يصاب الساحر بالأعياء الشديد ولن يسلم الأمر من إصابته بجروح بالغة قد تودي بحياته التي وهبها للشيطان. فما بالك بملكهم حتى وإن كان من رحم إنسية!! "راكان" السرعة ملكته، والحكمة عنوانه، والهيئة تشبه هيئة البشر، فهو مختلف تمام عن هيئة محكوميه التي تتبدل كما يشاءون فمرراً يتهيئوا في شاكلة البشر وأحياناً أخرى في شكل حيوانات أو طيور. ولكن حتى وإن لم يستطيع تحويل الهيئة وبقى على شاكلته البشرية التي ولد عليها. فعن أي بشر نتحدث!! لو كان "راكان" بشري لحصل على لقب أوسم رجل في العالم بل أكثرهم جاذبية على الإطلاق. "راكان" صاحب البشرة البرونزية، عيناه!! يا لها من سحر، بلونها الأخضر الزاهي الذي يشبه زيتون "الأوليا" اليانع على أغصانه، ذو ذقن وشعر بني يلمع بوهجٍ ذهبي في ضوء الشمس. له طلة ملائكية يشوبها القوة والعظمة، في حضرته تُحْنى له الجباه وتسلب العقول، وفي غيبته تتغنى إناث عشيرته ويهيمن لسحره صريعات، وفي ثورته يشيب الوليد وتحبس الأنفاس. وهذا هو حاله الآن ثائر غاضب، فبات الماثل في حضرته راكعاً على ركبتيه، مطرقاً رأسه أرضاً في خنوع، يخشى خروج النفس؛ حتى لا يزيد غضب الملك "راكان" لرائحة فمه الكريهة. إنه "دهمان" قائد عشيرة "بني قيعان" من نسل جن الأبالسة الذي نقض عهده مع الملك "الأشهب" وظن أن خليفته سيكون أقل بئساً من أبيه، وراودته الأحلام بأن يتطلع إلى فرض سيطرته على أراضي مملكة الجن الضوئي. وذلك بعد تعرض مملكته في مثلث برمودا للمداهمة من قِبَل الرحلات الاستكشافية للإنس ،تلك المملكة التي استوطنها وبسط عليها سلطانه بالمكائد. وها هو الآن في خطر محدق يريد هجر تلك المنطقة هو وعشيرته وأتباعه إلى مأمن من هؤلاء الفضوليين على حد قوله. إذ أخذه غروره الغاشم بقوته الواهية على اختبار قوى "راكان" فالمتعارف عليه أن نتاج خليط الأجناس لا يكون بقوة الصلب. أي أن الجني الذي أنجبته أنسية لا يمتلك كل هبات بني جنسه وإن أمتلك بعضاً من تلك الهبات لا تكون على نفس شاكلة الأصل. "راكان" بغضب جحيمي، وهو يسل سيفه، يثبت طرف نصله ما بين قرني هذا القميء الذي تجمدت أوصاله، عندما استمع إلى صليل السيف الذهبي المقوس الذي يزين غمده ومقبضه برصائع من الأحجار الكريمة: -ألن تكف عن نجاستك "دهمان"؟! "دهمان" بنبرة ذليلة: -العفو مولاي الملك "راكان". -صدقني أنا لم أرسل هؤلاء الخونة، هذه دسيسة يريد بها المتحالفون الإيقاع بيني وبين جلالتك. "راكان" بتحذير فهو لن يبدأ عهده بحرب كهذه، بعد العديد من الحروب التي خاضها أبيه من أجل الحفظ على حدود ملكه من أطماع هؤلاء المدنسون من الكفرة وأتباعهم: -"دهمان" إذا أردتها حرباً لا قِبَل لك بها، ففكر مرةً أخرى في تكرار فعلتك، وحينها لا شافع لك ولا منجاة من غضبي. رفع "دهمان" رأسه ينظر بعين يملؤها الخزي والمذلة المصطنعة، قائلاً باستعطاف: -مولاي الملك، أعفُ عني وسأكون بخدمتك كعبد تابع. "راكان" وهو يضرب على رأس راجيه بعرض السيف في قوة أجفلت هذا الخائن ليخفض الجاثم أرضاً رأسه: -أغلق فمك الكريهة هذا، فلا حاجة لي بعبد دميم مثلك، ولا أرغب برؤيتك مرة أخرى، لا أنت ولا من يسيروا بذيلك البغيض هذا. قالها "راكان" وهو يدعس على ذيل "دهمان" ساحقاً إياه أسفل حذائه المصنوع من الجلد الطبيعي لأحد الفهود الأسيوية التي سباها بإيران أثناء تلبيته لدعوة ملك الجن المائي "صهيب" إلى موكب زفافه من ابنة ملك الجن القمري الكبرى في رغبة من "صهيب" لعقد تحالف بين العشيرتين: عشيرة الجن المائي والضوئي. وقد أشار الملك "صهيب" على ملك الجن الضوئي "راكان" بالزواج من أختها الصغرى، فهو لا يعلم بعدم رغبة "راكان" في الزواج. إذ عانى "راكان" النبذ من تلك الأنسية التي أنجبته؛ وبات لا يأمن الإناث أياً كان جنسهن إلا إنه شارف على الاقتناع، وذلك بعد تجرأ هذا ال"دهمان" بإرساله لأتباعه من القردة والغيلان لاستكشاف ضواحي مملكة الجن الضوئي، يحثون عشيرة الملك حديث العهد "راكان" على التمرد عليه. يشيعون الفتن، فكيف للملك أن يولِ عليهم ابنه من الإنسية!! حبس "دهمان" أنفاسه، يطرق رأسه مرةً أخرى، قائلاً بامتثال ومهادنة: -سمعاً وطاعة يا ملك ملوك الجان. قالها "داهمان" وهو يسخر بداخله، فقرأ "راكان" التهكم بأفكاره، ولكنها ترددت برأس هذا العنيد وقد حاز هذا اللقب قبول واستحسان من قِبَلِه "راكان ملك ملوك الجان"، فأجاب "راكان": -ولِمَ لا؟! فهذا اللقب لا يليق سوى بالملك "راكان"، واستكمل بداخله: -ولنبدأ بمملكة الجن القمري.ألقى "دهمان" ال "جيتار" من يده بحدة بعد أن خلعه عن رقبته، وهو يتوجه صوب الصوت يعرف وجهته برغم العتمة السائدة، ممسك بتلابيب هذا الذي لا يتمكن من كشف كف يده من الدجنة التي حجبت الرؤية كلياً، ولا يعرف لدافعه هوية.ولكنه علم من صوت فحيحه مَن هو، وذلك عندما اقترب ممسكاً به وكأنه لصٌ ضبط بنهيبته تجاه خيال رجل يقف منزوياً بأحد أركان المسرح خلف الكواليس، يقول بانزعاجٍ:-القِ بهذا خارج المكان الذي أتواجد به، فلا عمل له معي.رد عليه "ديڤيد" مدير أعماله، يحاول تهدأته؛ ليتبين من آمره ما فعل المقصود بطرده أو يتقصى عن شخصه على الأقل حتى ما إذا عاد الضوء يعرف مَن عليه إقصاءه من فريق العمل، فالكل متخبط ولا أحد يمكنه التمييز في ظل الوضع الحالي."ديڤيد" بمهادنة:-اهدأ "دي"، واعلمني ماذا صدر منه، أو تمهل لحين يعمل الشباب على إصلاح عطل المولد الكهربائي؛ كي أعرف مَن المعني بالطرد.هدر به "دهمان" بنبرةٍ غير قابلة للنقاش:-لا جدال، ولست ملزماً بإبداء أسبابي، ولن يمكث هذا هنا لحظة أخرى.-شغل كشاف هاتفك، وخذه من أمامي الآن حتى لا اضطر لطرد كلاكما.ثوانٍ وكان كل مَن بالمحيط يُفَعِّلون إضاءة هواتفهم حتى اتضحت ا
تناقضٌ كلي يشوب هذه العشيرة من المخلوقات بين ما يفعلوه وما يؤمنوا به، إذ أن إبليس كبير الشياطين كان واحد من الجان العابدين لله، ولتوحيده وعبادته الخالصة لجلال وجهه العظيم كرمه الله بأن رفعه إلى الملأ الأعلى، وهذا ما نص عليه القرآن الكريم "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه".لحظة إدراك!! ففي الآية السابقة جملة خبرية ألا وهي "إذ قلنا للملائكة" !!أي أن الله سبحانه وتعالى يخاطب فئة من خلقه ألا وهم الملائكة وإبليس مَعْنيٌّ معهم بالقول، وأعطى جلاله الأمر لهم بالسجود لأبو البشر سيدنا" آدم" عليه السلام، فكانت الطاعة واجبة على الملائكة الذين تلقوا الأمر والجان العابد الناسك من بينهم إبليس، ولكن الكل لبى إلا إبليس، فسق عن أمر ربه أي امتنع عن التنفيذ وإبداء الولاء والطاعة.وما نعنيه هنا أن من يوسوس لنسل آدم لا يسلك مسلكهم فهو لا ينكر الألوهية بل كان عابد في منزلة الملائكة، كل عداوته موجهة إلى مَن جعلوه منبوذاً من رحمة الله، ألا وهم نحن البشر.وها نحن أمام أكثرهم شراً، فالنساء لعبته، ودمار قلوبهن شاغلته، كل أنثى مهما كان جنسها حشرة وأقل شأنٍ من هذا الكائن
أناملُ فنانٍ بارع تتلاعب بأوتار آلة موسيقية، وصوتٍ كرواني يصدح صداه بالأرجاء، الجميع في حالة سُبات وكأنما على رؤسهم الطير أو كمن سُلِبت عقولهم على الأخير.تلك النغمات الرنانة تُضْرب بحرفية وإتقان على نمارق الحرمان، وكلمات الغنوة المؤداة تُجسد ما بناشدها من عذابٍ ومعاناة، والمؤدي قد تفوق على أقرانه في إيصال إحساسه النابع من مأساةٍ حقيقية عايشها بالفعل.الحزن مخيم على ملامح وجهه ببشرته الحنطية، والأنين يطل من عينين سوادهما أشد حلكة من سماء ليل قمرها غاب عنها في خسوف كلي.هذا الألم المتمثل بوضوح على هيئته وعمق صوته المؤثر شاع وَجْدَه على جميع الحاضرين بل على الأجواء أكملها، وذلك بالرغم من حالة اللاوعي التي هو عليها الآن.إلا أن ما يبثه تواً لمتابعيه لا غبارٌ عليه، فمَن يتغنى بتلك الكلمات التي تقشعر لعمقها الأبدان وترتجف لمكنوناتها الأفئدة والأوصال وبهذا الصوت الشجي، قطعاً فنانٌ مرهف.إنه "دي إتش مان" هذا الوسيم ذو الجسد الرياضي المُعضل بتناسقٍ غير مهيب.في البداية كان لحن أغنيته الحزينة يتهادى برتمٍ ونغماتٍ منخفضةٍ ناعمة، وهو يتمايل بوقارٍ مع اللحن، وانسجام جمهوره أصبح حافزاً له؛ كي يمنح
العيون ضائعة ما بين معالم وتيه، وقلبه يهدر بعنف حتى بلغ نبضه من به صمم.فما بالنا بمن التحم جسدها بصدره يضمها إليه بعشقٍ عارم، تمتمت باسمه، أو كان ينقصه ذلك!! فقربها وحده متاهة:-"صفوان".هبطت نظراته إلى شفتيها، مسبلاً أهدابه يتأمل دقة الرسمة ولمعانهما بما طلتهما به ولا يفقه ما هو ولكنه أعطاهما مظهراً أكثر إغواء، فهمهم مغيباً:-امممم، ما به "صفوان"؟!"ألورا" محاولة فض أسر ذراعه من حولها، إذ بدأت تنجذب لتأثير اللحظة ولا تريد أن تتمادى كما حدث في الطائرة فما كان وما من الممكن أن يكون لا يجب وقوعه.فهناك الآلاف من الموانع أولهما حبيبته الخفية وتعففها كأميرة وكبريائها كأنثى يمليان عليها الترفع فإذا كان الحب داء فدواءها لابد وأن يكن خصيصاً لها.وكذلك رفضها للارتباط مانعٌ لا نقاش فيه وحتى وإن مالت لتلك الفكرة، قطعاً لن يكن "صفوان".نزعت حالها من أحضانه نزعاً، فاستفاق من نشوته، مطرقاً رأسه يقول بأسفٍ:-أعتذر منكِ مولاتي، فأنا لم أفكر عندما وجدت المياه موشكة على سحبك إلى العمق، لا تؤاخذيني."ألورا" بارتباكِ، فلِم عساها أن تلُمه، وقد ضعفت هي الأخرى، بل وكادت أن تنصاع لتلك الهالة لولا أنها انتب
أغمض عينيه عندما حمل الماء إليه رسائل انضمامها مع موجه الملامس لهما، وداخله يتسائل أجائت تنهره مستهجنة أم.......ابتسامة تهكمية لاحت على شفاهه عندما مر بخاطره فكرة أنها تبعته؛ لتستقصَ عما به، منذ متى وهي تهتم؟!عقد ذراعيه أمام صدره، يستعد لعريضة استنكارية يتغضن بها لسانها، تلقي عليه دفعاتٍ متواليةً بشأن اندفاعه الذي دوماً ما ذكرت أنه عيب به، لكن أتُراه العيب الوحيد الذي استرعى انتباهها؟!أم أن هناك تحفظاتٌ أخرى بخصوص الشيطان "صفوان"؟!خنجرٌ ذو حدين أُدير بضراوة وقسوة مخترقاً ضلوعه، يشق نابضه مغموساً بسُمٍ جفائها له، ومع كل استنكار تترك بشقه النازف وجعاٌ لا يعلمه إلا المولى عز وجل.تركت بدورها نعليها على الشاطئ إلى جوار خاصته، تتبعه إلى خلوته، ولا تعلم ما الذي جعلها تشعر بالذنب حياله، ربما كونها قَبِلت بصحبته لها، فهي تدرك تماماً مدى تقديسه لعزلته وتستشف ذلك من رفضه للاختلاط بغير العشيرة.حتى هناك لم يكن "صفوان" بمن يرغب الجميع في رفقته، إنهم يخشونه، ورهبتهم منه تجعلهم يتجنبوه؛ لذا قررت إعفاءه من هذه المهمة الشاقة، وستخبره برغبتها في العودة، لاعنةً تَعجُلها، فلِم لَم تنتظر أن يفرغ أخيه
أسرع "صفوان" يستميلها فهو لا يرغب أبداً في مضايقتها أو تنغيص عليها متعة الاستجمام ولا فرحتها بهذه السفرة، فهو أكثر منها استمتاعاً أنها أجمل لحظات عايشها طوال حياته، راغباً مثلها تماماً لو تتلاشى ذكريات الماضي السحيق، تاركين خلفهما أصلهما وقوانين عشيرتهما، ويعيشا سوياً على هذه الجزيرة في سلامٍ بمنأى عن أية خلافات ونزاعات بين قبائل الجن وشياطين الأبالسة."صفوان" بتلعثمٍ فتلك أول مرةٍ يقولها:-ل..لا "أ.. لورا"، أنا لست مجبوراً بل على العكس، أنا... أنا سعيد.قال الأخيرة ومن ثم أطرق رأسه على استحياء، فطربت مسامعه عندما وصل إليها صوت ضحكتها العذبة، وهي تعاود سؤاله:-"صفوان"!! ماذا قلت الآن؟! أنا لا أصدق أذني، عدها بالله عليك؛ حتى أتأكد.لم يقوَ على رفع بصره إليها بل ظل كما هو، ولكنه تمتم قائلاً:-قلت أني سعيد لأجلكِ.أجفل عندما أحس بملمس أناملها أسفل ذقنه، ترفع رأسه، فتقابلت الأعين وأفصحت النظرات وذلك عندما ألحت عليه بالسؤال:-لأجل مَن، "صفوان"؟ابتلع، وها قد بدأ جبينه بالتعرق، وذلك الذي بين ضلوعه لا يكف عن الهدر، لاعناً إياه فحتماً سيفتضح أمره."صفوان" مجيباً بصدقٍ وعينيه تبثها يقين ما سير