LOGINوجهة نظر زهراء
طاخ!
كان صوت الارتطام مثيراً للغثيان. وتبع ذلك ألمٌ فوري؛ وميضٌ أبيض ساخن من الوجع انطلق من ذراعي مباشرة إلى أحشائي. تخدرت ذراعي بالكامل لثانية، ثم اشتعلت بألمٍ نابض وعميق سرق الأنفاس من رئتيّ. صرختُ وأنا أترنح، وبدأ العالم يميل من حولي.
"ماما!" كانت صرخة نواف رعباً محضاً.
نظرتُ للأسفل. كانت كدمة أرجوانية داكنة بشعة تزهو بالفعل فوق بشرتي الشاحبة، زهرة قبيحة من الوجع.
وقبل أن أتمكن من استجماع أنفاسي، تحول نواف إلى كتلة من الحركة. اختفى كل تحكمه الهادئ، وحل محله غضبٌ وحشي وحمائي. اندفع نحو وليد بصوتٍ يشبه الزمجرة.
"نواف، لا!" اندفعتُ نحوه، وصرخت ذراعي المصابة احتجاجاً. لمست أطراف أصابعي ظهر قميصه.
لكنني كنتُ بطيئة جداً.
وقف وليد متجمداً، مذهولاً مما فعله ومن صرختي. انهال نواف بقبضتيه الصغيرتين على صدره؛ ثلاث ضربات سريعة وقوية مدفوعة بالأدرينالين الخالص.
استغرق الأمر ثلاث ثوانٍ فقط.
ثم ظهرت هي. تجسدت مريم وكأنها خرجت من العدم، بملابسها الرياضية الفاخرة وقبعة بيسبول ونظارات شمسية ضخمة تخفي وجهها. انزلقت بينهما، وجذبت وليد نحوها، وكانت يداها ترفرفان فوقه وكأنها تتفقد مزهرية لا تقدر بثمن بحثاً عن شقوق.
"زهراء!" صرخت بنبرة مسرحية حادة، مدروسة بعناية لتصل لأسماع الجميع. نزعت نظارتها، وكانت عيناها متسعتين برعبٍ مصطنع. "يا إلهي! إنه مجرد طفل! إنه قطعة من كبدك! أي مشكلة لديكِ معي، صبّي غضبكِ عليّ أنا!" احتضنت رأس وليد وهو يدفن وجهه في خصرها با كياً. "انظري ماذا سمحتِ بحدوثه! كيف أمكنكِ الوقوف هناك وترك هذا.. هذا الطفل الآخر يهاجمه؟"
ثم وجهت أداءها نحو الحاضرين في المكان، وانخفض صوتها إلى همسٍ مرتجف ومسموع: "هل لديكم أدنى فكرة عما يمكن أن تفعله صورة واحدة لهذا المشهد؟ 'وريث عائلة فايز يتعرض للاعتداء في عراك بمقهى'؟ أنتِ لستِ قاسية فحسب يا زهراء، بل تحاولين تدمير مستقبل ابنكِ!"
كان سمّاً نُفث ببراعة. رأيتُ اللحظة التي تغلغل فيها داخل وليد. تراجع عنها، ورفع وجهه الملطخ بالدموع لينظر إليّ. كانت الحيرة والألم في عينيه تُمحى، ويحل محلها رواية جديدة وبشعة: هي من فعلت هذا. هي اختارته هو. هي تريد إيذائي.
تعثرت أنفاسي. تذكرتُ صبياً مختلفاً؛ يداً صغيرة محمومة تتشبث بإصبعي فوق سرير المستشفى، وهمساً يقول: "لا تحزني يا ماما.. سأكبر وأحميـكِ".
أين ذهب ذلك الصبي؟
كان الألم في ذراعي لا يقارن بوجع تلك الذكرى.
قلتُ بصوتٍ منخفض لكنه اخترق تمثيلها: "لم أسمح بحدوث شيء يا مريم". كنتُ أسند ذراعي النابضة بالألم. "كنتُ بطيئة فحسب.. لقد فقدتُ الكثير من الدماء مؤخراً، وفقدتُ معها سرعة بديهتي". كلفني هذا الاعتراف الكثير، فقد كشف عن ضعفي أمام الجميع.
كان نواف بجانبي مرة أخرى، ينفخ برقة على الكدمة، ودموعه تسيل بصمت. "هل تؤلمكِ؟ أنا آسف.. أنا آسف.. لم يكن يجب عليّ أن.."
حطم اعتذاره الهامس قلبي. وضعتُ يدي السليمة على رأسه: "لا بأس. كنتَ شجاعاً. لكننا لا نضرب أحداً.. أبداً". نظرتُ إلى وليد، وكان التعب يتغلغل في نخاع عظامي. "لم أعد بحاجة لاعتذار يا وليد. لنرحل فحسب".
التفتُّ للمغادرة، ويد نواف في يدي بإحكام.
لكن صوته أوقفني. لم تكن صرخة طفل، بل كانت مِبضعاً شحذته همسات مريم.
"أنتِ كاذبة!"
تجمدتُ في مكاني.
صرخ وهو يشير إليّ بإصبع يرتجف: "الخالة مريوم قالت إنكِ كنتِ في عطلة فقط! وأن هناك أناساً يعتنون بكِ! أنتِ لم تحاولي الموت! أنتِ تقولين ذلك فقط لتجعليني أشعر بالذنب!"
تقدم خطوة للأمام، وجسده الصغير كله يهتز بقوة حقيقته الجديدة. "أنا ابنك الحقيقي! وأنتِ اخترتيه هو! تركتيه يضربني! أنتِ لئيمة! أنا أكرهكِ!"
استنشق نفساً متقطعاً، ووجه الضربة القاضية بكل ما أوتِيَ من قلبه المحطم:
"ليتكِ مِتِّ فعلاً!"
علقت الكلمات في الهواء. شفطت كل صوت، وكل ذرة أكسجين من العالم.
لم أعد أشعر بالألم في ذراعي. لم أعد أشعر بأي شيء. مجرد فراغ هائل، وبرد عاصف وعواء حيث كان قلبي يوماً ما.
وفوق كتف وليد، خرج سامي من بين الحشود ووجهه كعاصفة رعدية وشيكة.
لقد رأى كل شيء.
وفي عينيه، لم أرَ سوى تأكيدٍ لكل شيء فظيع آمن به يوماً تجاهي.
من منظور زهراء:بقيتُ واقفة مكاني وقد عقدت الصدمة لساني.والحق يُقال، إن أمير قد كبر ونضج كثيراً؛ وتحت رعاية والدته وتوجيهاتها، نجح في ارتقاء السلم واكتساب مكانة رفيعة. وفي أوساط المال والأعمال، بدأ يفرض وجوده بقوة، واكتسب ثقة طاغية وجرأة تمكنه من فرض هيبته على الآخرين. لكن المفارقة العجيبة أنه بمجرد أن يختلي بي وينفرد بجلسة معي، يعود فوراً إلى سابق عهده؛ ذلك الفتى الاندفاعي، الذي تكاد تصرفاته تقترب من طيش الأطفال.دلكتُ صدغي بأطرافي محاولة التخفيف من حدة الصداع وسألتُه بقلة حيلة:— «هل جعلتني آتي إلى هنا وألغي مواعيدي فقط لتخبرني بهذا الكلام الوجداني؟»ثم حاولتُ جاهدة سحب أطراف الحديث وإعادة الحوار إلى أرضية أكثر جدية ومهنية وتابعتُ:— «اسمعني جيداً، دعنا ننتقل إلى الشؤون الأكثر أهمية؛ إن ما يثير اهتمامك ويجذبك في هذا التوقيت هو المشروع الثقافي الجديد، أليس كذلك؟ هل تضع عينيك على هذا العقد وترغب في اقتناصه؟»تلقى أمير الكلمات وكأنها صفعة مباغتة، وبدت عليه علامات الذهول التام والاضطراب وهو يهتف بأسى:— «زهراء... هل تعتقدين حقاً أنني عندما أدعوكِ لتناول وجبة العشاء، أكون مدفوعاً فقط بر
من منظور زهراء:بعد يومين من تلك الأحداث العاصفة.دبّت الحياة والنشاط في موقع البناء من جديد. وكنتُ أقف هناك، في وسط صخب الآلات وضجيج العمال، أراقب الركائز الخرسانية الجديدة والأعمدة الحديدية وهي تُثبّت وتُنزل في التربة بشكل صحيح وآمن أخيراً. ومع دوران المعدات الثقيلة بانتظام، شعرتُ وكأن جبلًا جاثمًا على صدري قد انزاح وتبدد؛ لقد مرّت العاصفة، وانتهى الجزء الأصعب، وباتت الخديعة والمكيدة خلف ظهري.— «زهراء!»التفتُّ فإذ بها ليلى تتقدم نحوي مسرعة، وهي تحمِل ملفاً هندسياً بين يديها:— «لقد ظهرت نتائج الفحوصات الفنية والاختبارات لتوها؛ أساسات البناء وقواعده سليمة تماماً ومطابقة للمواصفات. يمكننا البدء في تشييد الطوابق تحت الأرضية وبناء القبو في أي وقت تشائين.»اكتفيتُ بالإيماء برأسي حاسمة لتأكيد الأمر، لكنني في أعماق روحي تنفستُ الصعداء شعوراً بالراحة والحرية أخيراً.وكان كاسبيان متواجداً في الموقع هو الآخر؛ ويبدو أن كل تلك المكائد والاضطرابات التي عصفت بنا قد أثارت حماسه ودفعته للمغامرة، لدرجة أنه قرر ضخ المزيد من الأموال والاستثمار مجدداً في هذا المشروع.وقال وعلامات الإعجاب تكسو وجهه: —
وصلت ديان إلى المقر الرئيسي لمجموعة "سنكلير" العالمية، ويداها محملتان بصناديق الهدايا الفاخرة والمقتنيات الثمينة.في الآونة الأخيرة، كانت سيرينا تغرق في بحر من الضغوط والملفات المتراكمة، وقد باتت مهووسة بفكرة واحدة لا تفارق مخيلتها: العثور على ثغرة أو طريقة حاسمة لسحق زهراء وتدميرها. لذلك، أصابتها الدهشة والغرابة عندما رأت ديان تقتحم مكتبها فجأة، خاصة وأن الأخيرة لم تأتِ خالية الوفاض؛ بل جلبت معها كمية هائلة من العطايا ذات القيمة المالية الباهظة.وقالت سيرينا بنبرة هادئة وهي تأمر مساعدتها بتقديم كوب من الشاي الفاخر لضيفتها: — «ما كان ينبغي عليكِ تكبد كل هذا العناء وإحضار هذه الهدايا الثمينة يا سيدة ديان.»لكن ديان، التي كانت تعيش حالة من الحماس الشديد والاندفاع، دخلت في صلب الموضوع مباشرة دون مقدمات:— «سيادة المديرة... أو بالأحرى، سأسمح لنفسي بالتحدث معكِ بأسلوب الأيام الخوالي؛ هل يزعجكِ إن ناديتكِ باسمكِ المجرد، سيرينا؟»انقبضت حاجبَا سيرينا في لمح البصر؛ فقد كانت تمقت بشدة أن يناديها أحد باسمها مجرداً، باستثناء المقربين جداً من دائرتها الضيقة. ولكن أمام هذا السيل العارم من الهدايا
من منظور زهراء:بدت كلوي وكأنها عاجزة عن التقاط أنفاسها؛ كانت تحدق فيّ وعيناها متسعتان من فرط الذهول، وكأنها تأمل في أعماقها أن يتبخر المشهد الحاصل أمامها وتستيقظ من هذا الكابوس.هتفت بنبرة متلعثمة: — «هذا مستحيل! كيف تمكنتِ من إحكام الخناق وإغلاق هذه الصفقة في هذا الوقت القياسي قصير المدى؟»وفجأة، لمحتُ لمعة من الفهم والإدراك تخترق نظراتها، وسرعان ما حلت محلها موجة عارمة من الغضب الخالص والجنون.وتابعت صارخة: — «أنتِ كنتِ تعلمين... كنتِ على دراية بمؤامرة الأخوين ميرسر منذ البداية، أليس كذلك؟ زهراء، أنتِ من نصبتِ لي هذا الفخ! هل تدركين حجم الخسائر المالية الفادحة التي ستضطر الشركة لتحملها وسدادها بسبب خطتكِ هذه؟»رمقتها بنظرة تفيض بالبرود المطلق وقررت وضع حد لها:— «أحياناً يا كلوي، يتطلب الأمر استخدام المشرط والبتر بقسوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جسد الشركة. وكان الأجدر بكِ أن تفهمي هذا المبدأ الإداري جيداً؛ إن خسارة بعض الأموال والسيولة في سبيل اقتلاعكِ واقتلاع الأخوين ميرسر من جذوركم وإقصائكم نهائياً، هي الاستثمار الأكثر ربحية وفائدة قمتُ به طوال هذا العام.»جزت على أسنانها بقوة وعن
من منظور زهراء:لا داعي لإضاعة وقتي في نقاشات عقيمة وجدال لا طائل منه؛ إذ كانت نظرة واحدة صارمة وثاقبة كافية لإنهاء الحديث وإغلاق الفم. استدرتُ على عقبي مغادرة الغرفة، تاركة خلفي غاري الذي بدأت ابتسامته تتلاشى وتنهار بشكل متسارع. وتابعتُ خطاي خلف ليلى التي كانت قد غادرت المكتب بالفعل ونصف جسدها في الممر، ووجهها يحمل لوناً شاحباً كالموت.في حقيقة الأمر، إن كانوا يظنون أنني سأقع في فخاخهم كالمبتدئات، فقد أخطأوا الهدف تماماً وأساؤوا تقدير من تقف أمامهم.— «لقد بدأوا عمليات حفر وتركيب الركائز الخرسانية في أولى ساعات الصباح الباكر»، قالتها ليلى بنبرة لاهثة بمجرد دخولنا إلى المصعد.كانت الصدمة عنيفة ومباغتة: — «دون الحصول على موافقتي الرسمية؟ هل فقدوا عقولهم تماماً وأصيبوا بالجنون، أم ماذا؟»لقد كان هذا هجوماً علنياً ومواجهة سافرة؛ فلم يعد هدفهم يقتصر على إقصائي وتنحيتي من الشركة فحسب، بل باتوا مستعدين لتدمير وتخريب المشروع الأكثر فخامة وأهمية لهذا العام، حتى لو انهار المعبد فوق رؤوس الجميع، بما فيهم هم أنفسهم.وتابعت ليلى وهي تحدق بذعر وهلع في شاشة جهازها اللوحي: — «الوضع أسوأ من ذلك بكثير
من منظور زهراء:أعلنت اللجنة فوز شركة "شمال حقيقي" بالعطاء والمناقصة رسمياً.دوى الإعلان في أرجاء القاعة، ولثانية واحدة، شعرتُ وكأن الأرض تهتز وتنسحب من تحت قدميّ. ورغم كل استعداداتي المسبقة، سرت دفقات الأدرينالين العنيفة في جسدي لتوجع معدتي وتشد عصبي. لقد فعلناها؛ كان نصراً ساحقاً، نعم، ولكنه نصر يشبه تماماً قفزة انتحارية في وادٍ سحيق مجهول القاع.لم ترمش عيناي؛ بل أدرتُ رأسي ببطء شديد نحو كلوي. لم تعد بحاجة للتصنع أو التمثيل الآن؛ كانت تحدق فيّ بتلك النظرة المتعالية والمتغطرسة التي تخص امرأة نجحت لتوها في نصب فخ محكم، وتجلس الآن بدم بارد لترقب فريستها وهي تخترق وتتمزق بداخلها. وعلى بعد خطوات قليلة منها، وجهت إليّ سيرينا ابتسامة ماكرة من طرف شفتيها؛ ابتسامة ملكة تجلس على عرشها وترقب سجيناً محكوماً بالإعدام وهو يتذوق وجبته الأخيرة بنشاط زائف.كانتا تظنان أنهما حاصرتاني في عقد انتحاري سيقضي عليّ، وتتخيلان من الآن خزائن الشركة وهي تجف وتتأكل بالكامل لتسديد نفقات هذا الموقع المستحيل.إذا كانتا ترغبان في خوض حرب استنزاف طويلة وقذرة، فستنالان ما تطلبانه وزيادة؛ لكنني لم أكن أملك أدنى نية ل
وجهة نظر زهراءبينما انخرطت سيارة الأوبر في زحام الطريق، وصلتني آخر شظايا عالمهم المنهار.علا صوت وليد ببهجة متكلفة: "لقد رحلت! هل يمكننا تناول الفطائر الآن يا خالة مريوم؟"تنهدت مريم بندم زائف يقطر مَكراً: "أوه، يا سامي.. أشعر بضيق شديد. كل هذا الفوضى..."وجاء رد سامي، بارداً وقاطعاً ككلمة أخيرة ل
وجهة نظر زهراءقطعت تلك البحّة الصغيرة، الواضحة والجميلة، حبال التوتر المشدودة بيننا."ماما! لقد أحضرتُ لكِ شيئاً!"تجمّد الثلاثة في أماكنهم عند سماع ذلك الصوت العذب وغير المتوقع. التفت رأس سامي بسرعة نحو أبواب مركز الاحتجاز، وتصدع قناع الهدوء المثالي على وجه مريم لثانية واحدة. أما وليد، فقد تلاشت
وجهة نظر زهراءاستدعى ابني الشرطة لي.. والسبب "كلب".خمسة عشر يوماً خلف القضبان كفيلة بأن تغيرك للأبد. عندما انغلق باب الزنزانة المعدني خلفي أخيراً، لم يكن صوت الارتطام هو ما يطاردني، بل صرخة طفلي ذي السنوات الست وهو يستجدي الضباط أن يأخذوا أمه بعيداً.كانت الشمس ساطعة لدرجة مؤلمة. وقفتُ هناك، أشعر
وجهة نظر زهراءلم تكن الضوضاء القادمة من منطقة الألعاب أصوات أطفال يلعبون، بل كان صوتاً حاداً، وحشياً؛ ذلك النوع من الأصوات الذي يخترق موسيقى "الجاز" في المقهى والأحاديث المهذبة كالسِّكين.حاول قلبي أن يقفز من حنجرتي. نواف.دفعتُ جداراً من البالغين —المندهشين، المتهامسين، المتشبثين بأطفالهم الثميني







