Share

الفصل الخامس

last update publish date: 2026-10-11 01:31:14

في العتمة الخانقة لجناح "حسن البهنساوي"

، كان "كامل" يقف مطأطئ الرأس،

تتصارع في صدره أنفاس متقطعة كأن الهواء حُرم عليه.

السجاد الإيراني الثمين تحت قدميه الحافيتين

بدا كرمال متحركة تبتلعه ببطء

، والنجف الكريستالي الضخم المسكوب بضوء دافئ خافت

لم يزد المكان إلا رهبة وقسوة.

راح حسن البهنساوي يذرع الغرفة بجيئة وذهاب بخطوات بطيئة

ومتأنية، وأصوات كعبه الرخامي تطرق على الأرضية الخشبية

كمقصلة تنزل بالتتابع. كل دورة يدورها حسن حول جسد الخادم المنهك

كانت تزيد من ارتعاد الفرائص وتجمد الدماء في عروقه.

كسر حسن الصمت بنبرة هادئة لكنها مشحونة بسلطة لا تُرد:

"أنت تعلم يا كامل أنك تعمل في هذا القصر منذ أن أبصرت 'نور' النور...

وتعلم تمام العلم أنني رجل لا يصفح عن الخطأ،

ولا أسمح لمن هم تحت سقفي بالخروج عن طاعتي.. أليس كذلك؟"

بلع كامل ريقه بصعوبة،

وصوته المبحوح يخرج متلعثماً من بين شفتين جافتين:

"بالطبع يا حسن بيه... بالطبع أدرك ذلك

. لكن ابنتي شيماء مسكينة، لم تتجرأ يوماً على مخالفتكم..

هي لم تملك القوة لترفض طلب نور هانم،

ولهذا تصرفت بتهور أعمى.. صدقني يا سيدي

، لقد نالت من العذاب والتأديب ما لن تنساه طوال حياتها..."

توقف حسن فجأة خلف كامل، ثم وضع يده الثقيلة بقسوة على كتفه

المشدود. انتفض جسد الخادم انتفاضة ذعر مكتومة،

واستمع بآذان حذرة ونبضات قلب متسارعة إلى كل حرف

يخرج من فم سيده.

قال حسن بصوت حاسم يقطر جفاءً:..

"لقد اتخذتُ قراري النهائي.. سأطردك وأسرتك من القصر فوراً."

اتسعت عينا كامل برعب حقيقي،

والتفت بجسده كاملاً، مستجدياً بنظرات ذليلة تفيضان بالحسرة:

"وما ذنبنا نحن يا سيدي؟! لم نقصر في خدمتكم طوال هذه السنين..

كيف نلقى في الشارع هكذا بلا رحمة؟!"

رمقه حسن بنظرة باردة وهو يتجه بنعومة ونشوة

نحو مكتبه الأبنوسي الفاخر، واصل حديثه وهو يسحب أدراجه:

"نور قالت لي ذات الكلام.. بل إنها استعطفتني

واقنعتني أن أمنحكم مكافأة مالية قبل أن تغادروا."

أخرج حسن من درج المكتب ظرفاً ورقياً أصفر سميكاً،

كان مكتظاً بحزم الأوراق النقدية من الفئات الكبيرة.

تقدم خطوات نحو كامل، ومد يده بالظرف.

التقت عينا كامل بالظرف المنتفخ، فتألق بريق الجشع

الممتزج بالحاجة في حدقتيه، وهتف بصوت مرتعش:

"كل هذه الأموال... لنا يا حسن بيه؟!"

ابتسم حسن ابتسامة خبيثة لم تصل إلى عينيه المظلمتين وقال:

"نعم.. هي لك.. ولكن بشرط واحد لا ثاني له."

انحنى كامل بجسده كمن يقدم الولاء بالطبع:

"أنا تحت أمرك يا سيدي.. ما هو شرطك؟"

مال حسن البهنساوي بجسده قليلاً، وانخفض صوته إلى همس مريب

يكتنفه الغموض والشر

:

"أنا لا أريدك أنت.. أنا أريد ابنتك 'شيماء'."

تلعثم كامل، وسقطت ملامح الذل بذهول صاعق:

"ابنتي؟! ماذا.. ماذا تريد من ابنتي يا حسن بيه؟!

هل ستعاقبها بنفسك على ما فعلته؟!"

زمجر حسن بقلة صبر، ونبرته تحولت إلى جمر مكتوم:

"كامل! لا تكثر من الأسئلة الغبية.

. هذه النقود الباهظة مقابل أن تبقى ابنتك معي هنا..

في جناحي الخاص!"

الجمت الصدمة لسان الخادم تماماً.

تسمر في مكانه كتمثال من صخر، وعيناه تترددان

بين الظرف المليء بالأموال وبين ملامح سيده

الخالية من أي ذرة إنسانية.

كانت الصدمة تعتصر شرفه الضائع،

بينما الشقاء والفقر يلوحان في أفق الشارع.

استغل حسن هذا التردد وقاطع ذهوله بنبرة استعلاء قاسية:

"أتفكر فيما أقول؟! كلامي ليس موضع نقاش..

إنه أمر! إن لم يعجبك كلامي، فلتأخذ أبناءك وزوجتك وارحلوا جياعاً

في هذه اللحظة!"

مسح كامل العرق البارد عن جبهته بيدين ترتجفان

، وقال بنبرة انكسار تدمي القلوب:

"أنا.. أنا فقط أفكر في شيماء.. لن تقبل بذلك مطلقا يا سيدي.

. أنا أعرف كبرياءها جيداً..."

سحب حسن الظرف قليلاً يغازل به طمع الخادم

، وقال بثقة مطلقة:

"خذ نقودك.. وأرسلها لي إلى هنا،

وأنا سأتكفل باقناعها وأجعلها توافق."

امتدت يد كامل المرتجفة كيد تتلقى سمّها المفضل،

واختطف الظرف بسرعة ودسه بلهفة داخل قميصه المتهالك

ليحتمي به من الفقر، ثم استدار بخطوات ثقيلة ومطأطأة،

وخرج من الغرفة تاركاً خلفه شرفه وثمن ابنته.

وقق حسن البهنساوي أمام المرآة الكبيرة المذهبة في منتصف الجناح.

شذّب شعره الأبيض المنسق بعناية

، وعدّل ياقة رداء نومه الحريري،

وانسابت على شفتيه ابتسامة ذئبية خبيثة.

منذ ليلة أمس.. منذ أن رآها مستلقية على السرير ومقيدة بالرباط

في الظلام، وصورتها العارية المكسورة وهي ترتجف

لم تفارق مخيلته لحظة واحدة.

لم تكن بالنسبة له مجرد خادمة، بل أضحت فريسة جامحة

أثارت غرائزه المريضة،

وسيجعل من هذا القصر سجناً لها ومذبحاً جديداً لاستعبادها!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • فتاة على مذبح الانتقام    الفصل ٢٢

    في سيارة زياد، ساد الصمت إلا من صوت المحرك الهادئ. تناوَل زياد هاتفه المحمول ووضعه على مكبر الصوت الخاص بالسيارة، وهو يتابع الطريق بنظرات حادة ومشتعلة بالتفكير. أتاه صوت اخيه "آسر" عبر مكبر الصوت متسائلاً بفضول واهتمام: "مرحباً يا زياد.. ماذا فعلت؟ هل ذهبتَ إلى بيت الأفعى بالفعل؟" رد زياد بنبرة يسودها التهكم والجمود: "نعم.. للتو خرجتُ من هناك. رجل غريب حقاً! طوال الوقت يدّعي الشرف والنزاهة، ويرتدي قناع الأب الحنون والملك الشريف أمام الجميع!" وقبل أن يكمل كلمته، تسرب إلى مسامعه صوت حركة مكتومة وسعلة خفيفة نابعة من خلف مقعده الخلفي... من حقيبة السيارة مباشرة! انعقد حاجبا زياد بذهول، وضغط سريعاً على فرامل السيارة لتتوقف على جانب الطريق المظلم بصوت احتكاك قوي مع الإسفلت. وقال زياد بنبرة حازمة ومفاجأة: "آسر.. أغلق الخط الآن، سأحدثك لاحقاً!" أغلق المكالمة فوراً دون أن ينتظر إجابة، ونزل من السيارة بخطوات متوثبة ومحاطة بالحذر. وفي هذه الأثناء، في فيلا حسن البهنساوي، كان الجو يغلي على جمر من نار! نزل حسن الدرج بخطوات كالهدر، وصوته يزلزل جدران القصر ا

  • فتاة على مذبح الانتقام    الفصل ٢١

    تجهزت نور بكامل أناقتها لاستقبال الدكتور زياد؛ ارتدت فستاناً أنيقاً يُبرز جمالها، وضعت عطراً ناعماً، وحرصت على الظهور بملامح رزينة وهادئة تحاول بها لفت انتباهه وكسب احترامه. في الجناح العلوي، التفت حسن إلى شيماء بنظرات حادة لا ترحم، وأخرج لها قميصاً حريرياً مكشوفاً ، ثم ألقاه على السرير وقال بلهجة آمرة قاطعة: "سترتدين هذا وتنتظرينني هنا... اليوم لن يمنعني عنكِ أي شيء في هذا العالم!" نزل حسن إلى الأسفل لاستقبال ضيفه ، بينما بكت شيماء وانقبضت معدتها بشدة تحت تأثير الصدمة والاشمئزاز من لمسته وتقبيله القسري لها. أسرعت نحو الحمام ودخلت تتقيأ بحرارة ودوار يعصف برأسها. كانت تتألم وتنتحب بصوت مكتوم وهي تُحدث نفسها بهستيرية: (لا... لن أستطيع البقاء في هذا المكان لحظة واحدة أخرى! لا بد أن أهرب اليوم قبل غد... لن يلمسني هذا الرجل رغماً عني، الموت ألف مرة أفضل بكثير من هذا الجحيم!) في البهو الفسيح، استقبل حسن الدكتور زياد بحفاوة وترحيب حار، ودعاه إلى طاولة الضيافة الفاخرة. وقفت نور إلى جوار أبيها بإطلالتها الساحرة ، تحاول إظهار النضج والرزانة في حديثها مع زياد. خلال

  • فتاة على مذبح الانتقام    الفصل ٢٠

    على مائدة الإفطار في اليوم المنتظر لمجيء الدكتور "زياد" ، كان التوتر يسري تحت السطح كتيار كهربائي خفي. جلس حسن البهنساوي على رأس الطاولة بوقاره المعهود ، وإلى جواره تجلس "شيماء" بعد أن فرض حضورها قسراً ، بينما كانت "نور" تجلس في الناحية المقابلة وعيناها تلمعان بتخطيط خبيث. تطلعت نور إلى أبيها بنظرات رجاء متقنة، ثم قالت بصوت ناعم يحمل غاية مبيّتة: "أبي.. هل يمكنني أن أطلب منك طلباً واحداً اليوم؟" ابتسم حسن برفق أبوي وهو يقطع قطعة من الفطير: "حبيبتي.. اطلبي ما شئتِ، أنتِ تعرفين أن طلباتكِ مجابة." تنحنحت نور وألقت بنظرة خاطفة حادة نحو شيماء، قبل أن تعود بصرها لأبيها: "أنت تعلم أن الدكتور زياد سيطأ بيتنا لأول مرة اليوم.. هل يمكن لشيماء أن تبقى في جناحها طوال اليوم ولا تظهر أمامنا؟" تجمعت نظرات حسن القاسية وسكنت على وجه شيماء التي شعرت بارتباك شديد وانقباض في أضلعها . عقد حسن حاجبيه وسأل ببرود حاد: "ولماذا هذا الطلب يا نور؟! هل سأخاف من انطباع أحد في بيتي؟ أنا أتصرف كما أشاء في ملكي!" ردت نور بذكاء وهي تحاول الاقتراب من كبرياء أبيها: "بالطب

  • فتاة على مذبح الانتقام    الفصل ١٩

    صرّت شيماء على أسنانها وارتضت تحمّل البرد والتشنج وشل حركة أطرافها، في سبيل ألّا تُسلم نفسها له رغماً عنها ؛ فالمساس بكرامتها وروحها كان أشد إيلاماً من أي ألم جسدي. وظلت تقاوم النعاس والإنهاك حتى بزغ الفجر. بعد ساعات، شعر حسن بحركتها واضطراب خطواطها الخفيفة وهو يتقلب على فراشه، ففتح عينيه نصف فتحة وتساءل بنبرة مثقلة بالنوم: "إلى أين ستذهبين في هذا الوقت؟" ثبتت شيماء مكانها وهمست بصوت خائر: "هل يمكن أن أذهب إلى الحمام يا سيدي؟" أشار بيده بلامبالاة: "حسناً.. اذهبي." أغلق عينيه مجدداً واكتملت نومته ، لكن مع مرور أكثر من ساعة، استيقظ حسن وتطلع إلى المكان الفارغ. استغرب غيابها الطويل، وتساءل في سره إن كانت ما تزال في الداخل، أم أن مكروهاً قد أصابها نتيجة الإنهاك والتعب. تسلل القلق إلى صدره، فنهض مسرعاً وتوجه نحو الحمام ، وفتح الباب بفضول حذر. كان المشهد أمامه كفيلاً بقطع أنفاسه لبرهة؛ كانت شيماء تلف المنشفة حول جسدها الشاحب ، وقد انكمشت على نفسها داخل حوض الاستحمام (البانيو)، غارقة في إغماءة نوم قسرية وهي ترتجف من شدة البرد! مد يده نحو صنبور

  • فتاة على مذبح الانتقام    الفصل ١٨

    استند حسن إلى ظهر كرسيه الخشبي الفاخر ، وتطلع إلى نور بنبرة هادئة يُغلفها الحزم والوقار: "ليس عليّ تبرير تصرفاتي لأحد يا نور.. ولكن لأنكِ أغلى شيء في حياتي، سأشرح لكِ الأمر." سألت نور بنبرة عتاب تخالطها الرغبة في الاطمئنان: "هل ما زلتُ أغلى شيء حقاً يا أبي؟" رد حسن بابتسامة أبوبة واثقة: "بالطبع.. ولن يأخذ مكانتكِ أي شخص آخر أبداً. لقد كرستُ حياتي كلياً لأجلكِ ولأخيكِ منذ وفاة والدتكِ ، لكنني لستُ مُجبراً على قضائها وحيداً حتى نهاية العمر." اعتدلت نور في جلستها وقالت بجفاء: "أنا لا أمانع زواجك إطلاقاً يا أبي.. ولكن لو كنا اخترنا سيدة راقية تليق باسم البهنساوي ومكانتك، وليس مجرد خادمة!" قاطعها حسن بنبرة حادة تحذيرية: "نور! لا أريد سماع كلامٍ جارح.. ثم إنني كبير بما يكفي لأعرف كيف أختار. ثانياً، لن نتزوج.. إنها رفيقتي." على الجانب الآخر من المكتب، كانت شيماء تقف هادئة الظاهر ، بينما كانت تضغط على أصابعها بقوة حتى أوشكت أظافرها أن تغرس في كفها من شدة الغيظ والاهانة. دارت في ذهنها كلمات حارقة تمتمت بها في سرها: (لا أريد أن أكون أي شيء لك.. أ

  • فتاة على مذبح الانتقام    الفصل ١٧

    حين انتهت ، نظر إليها حسن بإعجاب صريح تلمع به عيناه، ورفع ذقنها بأصابعه لتلتقي عيناهما، ثم مدّ ذراعه إليها بوقار: "ضعِ يدكِ هنا." وضعت يدها المرتعشة فوق ذراعه، وتحركت بجواره بشموخ مستعار، رغم الاضطراب العارم الذي كان يعصف بقلبها تحت نظرات الخدم المذهولة وهم يرون الخادمة البسيطة تمشي بجانب سيد القصر كأميرة يتوجها بنفوذه. جلس حسن على رأس طاولة الطعام الفخمة ، وأشار لشيماء لتجلس على كرسيه الأيمن، ثم التفت إلى إحدى الخادمات وسألها ببرود: "أين نور؟" انحنت الخادمة بتوتر: "لم تُرد النزول يا سيدي.. وقالت إنها ستتناول عشاءها في غرفتها." انعقدت حواجب حسن بنبرة آمرة حازمة: " اذهبي وأبلغيها فوراً.. إن لم تنزل إلى العشاء الآن، فستبقى حبيسة غرفتها أسبوعاً كاملاً لن تطأ قدمها خارجها!" صعدت الخادمة مسرعة وأبلغتها بالرسالة، فصرخت فيها نور بغضب عارم: "أغربي عن وجهي الآن!" وقفت نور في منتصف غرفتها والشرر يتطاير من عينيها، وقالت لنفسها بغيظ: (أسبوع كامل؟! ولكن دكتور زياد معزوم مع أبي في القصر بعد أيام قليلة.. لن أسمح لهذه الخادمة الحقيرة أن تحرمني من فرصة التو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status