Share

الفصل السادس

last update publish date: 2026-10-11 01:31:19

وقفت "شيماء" عند أسفل السلم، تفرك يديها برعشة خائفة

وهي تنتظر خروج والدها لتطمئن عليه،

بعد أن رأته يدخل جناح "حسن بيه" بوجه شاحب كالموتى.

تنهدت براحة ظاهرة عندما رأت الباب يفتح أخيراً،

وتقدمت نحوه بابتسامة باهتة تحاول استجداء الأمل،

لكن والدها تجنب النظر في عينيها تماماً،

وشخص ببصره نحو الأرض.

همست بنبرة خافتة يملؤها التوجس:

"أبي.. هل سامحنا حسن بيه، أم سيطردنا إلى الشارع؟"

توقف كامل دون أن يرفع رأسه، وقال بصوت جاف خالٍ من المشاعر:

"الأمر كله متوقف عليكِ الآن.. إذا وافقتِ على ما يأمركِ به

سنبقى في أمان القصر،

ولكن إذا استمر عنادكِ كما هو، فسنُلقى في الشوارع مشردين؛

إخوتكِ الصغار يموتون جوعاً

، وأمكِ المريضة لن تجد ثمن الدواء!"

اتسعت عيناها برعب وتساءلت:

"ماذا يريد مني يا أبي؟!"

أجابها بجفاء وهو يبتعد عنها بخطوات متسارعة:

"ادخلي إليه الآن لتعرفي بنفسك.. أنا أعطيته موافقتي،

ولم يبقَ إلا أنتِ!"

انصرف مسرعاً ونزل السلم بخطى حثيثة كأنه يهرب من ذنبه،

بينما وقفت شيماء متسمرة في مكانها،

تجمدت الدماء في عروقها.

تحركت بخطوات خائفة، يجرها القدم تلو الآخر،

حتى وقفت أمام باب الجناح الضخم،

وطرقته بخفة شديدة.

أتتها نبرة حسن الصارمة من الداخل: "ادخلي!"

فتحت الباب وتسللت للداخل بخطوات وجلة

، وقالت بصوت يرتجف:

"حسن بيه.. أمرت برؤيتي؟"

التفت إليها حسن البهنساوي ببطء، وجال ببصره عليها يتفحصها

من الأعلى إلى الأسفل بنظرات حادة ومكشوفة،

ثم خطى نحوها بثبات جعلها تتراجع تلقائياً للورا.

نظر إلى ثيابها المتهالكة

مرر يده علي اكتافها وظهرها

وقال بنبرة استعلاء تهكمية:

"ما هذه الملابس البالية التي ترتدينها يا شيماء؟"

انتفض جسدها وابتعدت خطوة إضافية

محاولة الحفاظ على مسافة أمان، وقالت بصوت تحاول إظهار ثباته:

"ما بها ملابسي يا سيدي؟

في الأول والأخير أنا خادمة في هذا القصر،

وهذه الملابس هي ما تجود به نور هانم عليّ لأرتديه."

في تلك اللحظة، مرت أمام مخيلتها صورة نور وهي تمسك المقص

وتقص أطراف الفساتين بعشوائية ولؤم،

حتى تبدو قديمة ومبتذلة عندما تقوم شيماء بإصلاحها وارتدائها.

وقف حسن أمامها مباشرة، وسد بوجهه الضخم منفذ الهرب

، مرسلاً إليها نظرة يملؤها غرور السلطة والنفوذ،

وقال بنبرة منخفضة تحمل تهديداً صريحاً:

"لكن هذا الجسد وهذا الوجه يستحقان ما هو أفضل من بقايا ثياب

الخدم.. ألم يخبركِ والدكِ بما أريده منكِ بدقة؟"

هزت رأسها بالنفي، وصدرها يعلو ويهبط بنشيج مكتوم من شدة الخوف،

بينما احمرت وجنتاها من الصدمة والارتباك.

تابع حسن بابتسامة خبيثة، وهو يقترب منها أكثر

واضعا يديه بقوه علي كتفيها واقترب الي رقبتها ليلفحها بانفاسه الحاره

:

"أريدكِ أن تكوني رفيقتي الخاصة في هذا الجناح.

. أن تبقي تحت طوعي وإشارتي."

تراجعت شيماء بكل قوتها إلى الخلف غير مصدقة ما تسمعه،

ونظرت إليه بذهول يمتزج بالاشمئزاز:

"حسن بيه! أنا في عمر ابنتك نور.. ماذا تقول أنت?!"

استمرت في التراجع بذعر حتى اصطدمت بحافة السرير العريض خلفها،

ففقدت توازنها وسقطت عليه

. أسرع حسن وجلس بجوارها على الحافة

، ومال بجسده نحوها ليحاصرها تماماً،

مسنداً يده على السرير بجانب رأسها ليمتعها من الحركة

، والتقت أعينهما على مسافة أنشط قليلة.

بينما يده الاخري تتحرك علي فخذها صعودا لأعلي،

قال بنبرة حادة ويملؤها الإصرار:

"أنتِ بالفعل في عمر ابنتي.

. لكن هل يمنع ذلك أنكِ تفوقين من في سنكِ حسناً وجمالاًو انوثه؟

كلمتي هي القانون هنا يا شيماء..

إما أن تطيعيني وتعيشي ملكة في هذا القصر،

أو تخرجي الآن لترمي عائلتكِ في الجحيم!"

رفعت يدها المرتجفة في وجهه تحاول دفع حصاره

عندما وصلت يده الي منطقتها الحساسه

، وقالت بدموع حارقة تتفجر من عينيها:

"أرجوك يا سيدي.. لا تفعل بي هذا! ارحمني وارحم عائلتي!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • فتاة على مذبح الانتقام    الفصل ٢٢

    في سيارة زياد، ساد الصمت إلا من صوت المحرك الهادئ. تناوَل زياد هاتفه المحمول ووضعه على مكبر الصوت الخاص بالسيارة، وهو يتابع الطريق بنظرات حادة ومشتعلة بالتفكير. أتاه صوت اخيه "آسر" عبر مكبر الصوت متسائلاً بفضول واهتمام: "مرحباً يا زياد.. ماذا فعلت؟ هل ذهبتَ إلى بيت الأفعى بالفعل؟" رد زياد بنبرة يسودها التهكم والجمود: "نعم.. للتو خرجتُ من هناك. رجل غريب حقاً! طوال الوقت يدّعي الشرف والنزاهة، ويرتدي قناع الأب الحنون والملك الشريف أمام الجميع!" وقبل أن يكمل كلمته، تسرب إلى مسامعه صوت حركة مكتومة وسعلة خفيفة نابعة من خلف مقعده الخلفي... من حقيبة السيارة مباشرة! انعقد حاجبا زياد بذهول، وضغط سريعاً على فرامل السيارة لتتوقف على جانب الطريق المظلم بصوت احتكاك قوي مع الإسفلت. وقال زياد بنبرة حازمة ومفاجأة: "آسر.. أغلق الخط الآن، سأحدثك لاحقاً!" أغلق المكالمة فوراً دون أن ينتظر إجابة، ونزل من السيارة بخطوات متوثبة ومحاطة بالحذر. وفي هذه الأثناء، في فيلا حسن البهنساوي، كان الجو يغلي على جمر من نار! نزل حسن الدرج بخطوات كالهدر، وصوته يزلزل جدران القصر ا

  • فتاة على مذبح الانتقام    الفصل ٢١

    تجهزت نور بكامل أناقتها لاستقبال الدكتور زياد؛ ارتدت فستاناً أنيقاً يُبرز جمالها، وضعت عطراً ناعماً، وحرصت على الظهور بملامح رزينة وهادئة تحاول بها لفت انتباهه وكسب احترامه. في الجناح العلوي، التفت حسن إلى شيماء بنظرات حادة لا ترحم، وأخرج لها قميصاً حريرياً مكشوفاً ، ثم ألقاه على السرير وقال بلهجة آمرة قاطعة: "سترتدين هذا وتنتظرينني هنا... اليوم لن يمنعني عنكِ أي شيء في هذا العالم!" نزل حسن إلى الأسفل لاستقبال ضيفه ، بينما بكت شيماء وانقبضت معدتها بشدة تحت تأثير الصدمة والاشمئزاز من لمسته وتقبيله القسري لها. أسرعت نحو الحمام ودخلت تتقيأ بحرارة ودوار يعصف برأسها. كانت تتألم وتنتحب بصوت مكتوم وهي تُحدث نفسها بهستيرية: (لا... لن أستطيع البقاء في هذا المكان لحظة واحدة أخرى! لا بد أن أهرب اليوم قبل غد... لن يلمسني هذا الرجل رغماً عني، الموت ألف مرة أفضل بكثير من هذا الجحيم!) في البهو الفسيح، استقبل حسن الدكتور زياد بحفاوة وترحيب حار، ودعاه إلى طاولة الضيافة الفاخرة. وقفت نور إلى جوار أبيها بإطلالتها الساحرة ، تحاول إظهار النضج والرزانة في حديثها مع زياد. خلال

  • فتاة على مذبح الانتقام    الفصل ٢٠

    على مائدة الإفطار في اليوم المنتظر لمجيء الدكتور "زياد" ، كان التوتر يسري تحت السطح كتيار كهربائي خفي. جلس حسن البهنساوي على رأس الطاولة بوقاره المعهود ، وإلى جواره تجلس "شيماء" بعد أن فرض حضورها قسراً ، بينما كانت "نور" تجلس في الناحية المقابلة وعيناها تلمعان بتخطيط خبيث. تطلعت نور إلى أبيها بنظرات رجاء متقنة، ثم قالت بصوت ناعم يحمل غاية مبيّتة: "أبي.. هل يمكنني أن أطلب منك طلباً واحداً اليوم؟" ابتسم حسن برفق أبوي وهو يقطع قطعة من الفطير: "حبيبتي.. اطلبي ما شئتِ، أنتِ تعرفين أن طلباتكِ مجابة." تنحنحت نور وألقت بنظرة خاطفة حادة نحو شيماء، قبل أن تعود بصرها لأبيها: "أنت تعلم أن الدكتور زياد سيطأ بيتنا لأول مرة اليوم.. هل يمكن لشيماء أن تبقى في جناحها طوال اليوم ولا تظهر أمامنا؟" تجمعت نظرات حسن القاسية وسكنت على وجه شيماء التي شعرت بارتباك شديد وانقباض في أضلعها . عقد حسن حاجبيه وسأل ببرود حاد: "ولماذا هذا الطلب يا نور؟! هل سأخاف من انطباع أحد في بيتي؟ أنا أتصرف كما أشاء في ملكي!" ردت نور بذكاء وهي تحاول الاقتراب من كبرياء أبيها: "بالطب

  • فتاة على مذبح الانتقام    الفصل ١٩

    صرّت شيماء على أسنانها وارتضت تحمّل البرد والتشنج وشل حركة أطرافها، في سبيل ألّا تُسلم نفسها له رغماً عنها ؛ فالمساس بكرامتها وروحها كان أشد إيلاماً من أي ألم جسدي. وظلت تقاوم النعاس والإنهاك حتى بزغ الفجر. بعد ساعات، شعر حسن بحركتها واضطراب خطواطها الخفيفة وهو يتقلب على فراشه، ففتح عينيه نصف فتحة وتساءل بنبرة مثقلة بالنوم: "إلى أين ستذهبين في هذا الوقت؟" ثبتت شيماء مكانها وهمست بصوت خائر: "هل يمكن أن أذهب إلى الحمام يا سيدي؟" أشار بيده بلامبالاة: "حسناً.. اذهبي." أغلق عينيه مجدداً واكتملت نومته ، لكن مع مرور أكثر من ساعة، استيقظ حسن وتطلع إلى المكان الفارغ. استغرب غيابها الطويل، وتساءل في سره إن كانت ما تزال في الداخل، أم أن مكروهاً قد أصابها نتيجة الإنهاك والتعب. تسلل القلق إلى صدره، فنهض مسرعاً وتوجه نحو الحمام ، وفتح الباب بفضول حذر. كان المشهد أمامه كفيلاً بقطع أنفاسه لبرهة؛ كانت شيماء تلف المنشفة حول جسدها الشاحب ، وقد انكمشت على نفسها داخل حوض الاستحمام (البانيو)، غارقة في إغماءة نوم قسرية وهي ترتجف من شدة البرد! مد يده نحو صنبور

  • فتاة على مذبح الانتقام    الفصل ١٨

    استند حسن إلى ظهر كرسيه الخشبي الفاخر ، وتطلع إلى نور بنبرة هادئة يُغلفها الحزم والوقار: "ليس عليّ تبرير تصرفاتي لأحد يا نور.. ولكن لأنكِ أغلى شيء في حياتي، سأشرح لكِ الأمر." سألت نور بنبرة عتاب تخالطها الرغبة في الاطمئنان: "هل ما زلتُ أغلى شيء حقاً يا أبي؟" رد حسن بابتسامة أبوبة واثقة: "بالطبع.. ولن يأخذ مكانتكِ أي شخص آخر أبداً. لقد كرستُ حياتي كلياً لأجلكِ ولأخيكِ منذ وفاة والدتكِ ، لكنني لستُ مُجبراً على قضائها وحيداً حتى نهاية العمر." اعتدلت نور في جلستها وقالت بجفاء: "أنا لا أمانع زواجك إطلاقاً يا أبي.. ولكن لو كنا اخترنا سيدة راقية تليق باسم البهنساوي ومكانتك، وليس مجرد خادمة!" قاطعها حسن بنبرة حادة تحذيرية: "نور! لا أريد سماع كلامٍ جارح.. ثم إنني كبير بما يكفي لأعرف كيف أختار. ثانياً، لن نتزوج.. إنها رفيقتي." على الجانب الآخر من المكتب، كانت شيماء تقف هادئة الظاهر ، بينما كانت تضغط على أصابعها بقوة حتى أوشكت أظافرها أن تغرس في كفها من شدة الغيظ والاهانة. دارت في ذهنها كلمات حارقة تمتمت بها في سرها: (لا أريد أن أكون أي شيء لك.. أ

  • فتاة على مذبح الانتقام    الفصل ١٧

    حين انتهت ، نظر إليها حسن بإعجاب صريح تلمع به عيناه، ورفع ذقنها بأصابعه لتلتقي عيناهما، ثم مدّ ذراعه إليها بوقار: "ضعِ يدكِ هنا." وضعت يدها المرتعشة فوق ذراعه، وتحركت بجواره بشموخ مستعار، رغم الاضطراب العارم الذي كان يعصف بقلبها تحت نظرات الخدم المذهولة وهم يرون الخادمة البسيطة تمشي بجانب سيد القصر كأميرة يتوجها بنفوذه. جلس حسن على رأس طاولة الطعام الفخمة ، وأشار لشيماء لتجلس على كرسيه الأيمن، ثم التفت إلى إحدى الخادمات وسألها ببرود: "أين نور؟" انحنت الخادمة بتوتر: "لم تُرد النزول يا سيدي.. وقالت إنها ستتناول عشاءها في غرفتها." انعقدت حواجب حسن بنبرة آمرة حازمة: " اذهبي وأبلغيها فوراً.. إن لم تنزل إلى العشاء الآن، فستبقى حبيسة غرفتها أسبوعاً كاملاً لن تطأ قدمها خارجها!" صعدت الخادمة مسرعة وأبلغتها بالرسالة، فصرخت فيها نور بغضب عارم: "أغربي عن وجهي الآن!" وقفت نور في منتصف غرفتها والشرر يتطاير من عينيها، وقالت لنفسها بغيظ: (أسبوع كامل؟! ولكن دكتور زياد معزوم مع أبي في القصر بعد أيام قليلة.. لن أسمح لهذه الخادمة الحقيرة أن تحرمني من فرصة التو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status