LOGINالفصل السابع والعشرون: لحظة الاختيار
لم تكن ليان تتوقع أن لحظة الاختيار ستأتي بهذا الشكل المفاجئ، ولا بهذا الثقل الذي شعرت به وهي تمتد بيدها نحو إحدى النسخ الواقفة أمامها. كل نسخة كانت تنظر إليها بطريقة مختلفة، وكأن كل واحدة تحمل جزءًا من حياتها التي لا تتذكرها. لحظة اقتراب يدها من إحدى النسخ جعلت الهواء نفسه يتوقف، وكأن الكون كله ينتظر القرار. وقبل أن تلمسها مباشرة، سمع آسر صوته يصرخ: ـ ليان! توقفي! لكن الصوت كان بعيدًا، كأنه يأتي من خلف جدار من الزمن. يدها توقفت في المنتصف. نظرت إلى النسخة التي اختارتها، فوجدت عينيها مليئتين بشيء غريب، شيء يشبه الحنين والخوف في نفس الوقت. قالت النسخة بهدوء: ـ لو لمستيني… هتفتكري كل حاجة مرة واحدة. ـ وأنا عايزة أفتكر! صرخت ليان. لكن صوتها نفسه لم يكن ثابتًا. المرأة كانت تقف على مسافة، تراقب دون تدخل، وكأنها تعرف أن ما سيحدث ليس بحاجة إلى دفع، بل فقط إلى قرار. آسر حاول الاقتراب، لكن الأرض بينه وبين ليان بدأت تتشقق، وكأن الواقع نفسه يمنعه من الوصول إليها. ـ ليان اسمعيني! أي اختيار دلوقتي مش هيرجع زي الأول! قالها بصوت متوتر. لكنها لم تعد قادرة على التراجع. مدت يدها ولمست النسخة. في اللحظة نفسها، انفجر الضوء من حولها. لم يعد هناك أرض. ولا مدينة. ولا أصوات. فقط تدفق هائل من الصور داخل عقلها. رأت نفسها طفلة، لكنها ليست طفلة عادية. كانت تقف أمام بوابة ضخمة من الضوء، وبجانبها رجال لا ترى وجوههم، يتحدثون عن “إعادة التوازن”. ثم رأت نفسها أكبر قليلًا، تقف أمام المرأة لأول مرة، لكن المرأة كانت مختلفة، أصغر، وكأنها كانت في بداية وجودها. ثم صوتها هي. لكن ليس صوتها الحالي. ـ لو استمرينا كده… العالم كله هينكسر. وضعت ليان يدها على رأسها وهي تصرخ داخل المشهد: ـ كفاية… أنا مش عايزة ده! لكن الصور لم تتوقف. بل أصبحت أسرع. رأت آسر. لكن هذه المرة كان يقف أمامها وهو يختار الصمت، كأنه يعرف شيئًا لا يريد قوله. ثم مشهد آخر. هي تنقسم أمام بوابة الضوء. ليس مجازًا. بل حرفيًا. نسختان منها. واحدة تسقط في الضوء. والأخرى تبقى واقفة. صرخت ليان: ـ لأ! وفجأة، عادت إلى الفراغ الأبيض مرة أخرى. لكنها لم تكن كما كانت. كانت واقفة، تتنفس بصعوبة، وعيونها مفتوحة على اتساعها. النسخة التي لمستها لم تعد موجودة. لكن الإحساس بها كان بداخلها. آسر ركض نحوها بسرعة. ـ ليان! مسكها من كتفيها. ـ إنتي كويسة؟ لكنها لم تجبه فورًا. كانت تنظر إلى يديها وكأنها لا تخصها بالكامل. همست: ـ أنا شفت كل حاجة… المرأة اقتربت ببطء. ـ أخيرًا. نظرت ليان إليها. ـ إنتي عايزة إيه مني بالظبط؟ أجابت المرأة بهدوء: ـ عايزة الرجوع الكامل. ـ رجوع إيه؟ ـ رجوعكِ كـ “واحدة”. سكتت ليان. ثم قالت: ـ يعني أرجع ليان؟ ابتسمت المرأة. ـ أو ليانا… الحقيقة إن الاتنين كانوا محاولة واحدة. آسر تدخل بسرعة: ـ ده مش لازم يحصل. لكن المرأة رفعت يدها، فتجمد صوته لحظة. وقالت: ـ كل مرة بتكسر فيها نفسها… العالم بيحاول يتصلح، بس بيكسر أكتر. نظرت إلى ليان. ـ وإنتي السبب في ده. ارتجفت ليان. ـ أنا مش فاهمة حاجة. لكن فجأة بدأ الفراغ يهتز مرة أخرى. هذه المرة أقوى. الشق ظهر في كل الاتجاهات، وليس اتجاه واحد فقط. وكأن الواقع نفسه لم يعد قادرًا على الاحتفاظ بثباته. آسر أمسك يدها بقوة. ـ لازم نخرج من هنا دلوقتي! لكن المرأة قالت: ـ مفيش خروج من المرحلة دي من غير قرار. ـ قرار إيه؟ صرخ آسر. ـ إما تكتمل… أو تختفي. ساد صمت ثقيل. ثم همست ليان: ـ لو كملت… إيه اللي هيحصل؟ اقتربت المرأة منها. ـ هتفتكري كل شيء… وهتفقدي كل شيء في نفس اللحظة. تراجعت ليان خطوة. ـ ده مش اختيار… ده حكم! لكن المرأة ردت بهدوء: ـ دي الحقيقة من البداية. بدأت الأرض تختفي تحت أقدامهم. والشق يبتلع المكان. آسر شدها نحوه أكثر. ـ ما تخافيش. نظرت إليه. ولأول مرة، كان في عينيه شيء مختلف. ليس خوفًا. بل قرار. همست: ـ إنت عارف الحقيقة صح؟ صمت لحظة طويلة. ثم قال: ـ عارف جزء منها. قبل أن تسأله، انفجر الضوء من حولهم مرة أخرى. وصوت واحد فقط تردد في كل الاتجاهات: ـ الاختيار الأخير. ليان وقفت في المنتصف. المرأة على جهة. آسر على جهة. والشق مفتوح بالكامل خلفهما. كل شيء ينتظر لحظة واحدة فقط. تنفسها أصبح ثقيلًا. ثم أغلقت عينيها للحظة. وعندما فتحتها… كانت يدها تتحرك نحو الاتجاه الثاني. لكن هذه المرة… لم تكن متأكدة هي اختارت إيه فعلًا.الفصل الثلاثون: الحقيقة التي لا تُقالعندما فتحت ليان عينيها، لم تكن متأكدة إن كانت قد عادت فعلًا… أم أنها مجرد نسخة أخرى داخل نفس الدائرة التي لا تنتهي.الغرفة حولها كانت صامتة، لكن الصمت هذه المرة مختلف. لم يكن هدوءًا، بل كان أشبه بانتظار طويل لشيء لم يحدث بعد.رفعت يدها ببطء.كل شيء يبدو طبيعيًا… لكن إحساسها الداخلي كان يقول العكس.شيء ما تغيّر.شيء كبير.وقفت من السرير وهي تنظر حولها بقلق، تبحث عن أي علامة تدلها أين هي الآن.وفجأة…سمعت صوت الباب يُفتح.تجمدت في مكانها.دخل آسر.لكن ملامحه هذه المرة كانت مختلفة.لم يكن متوترًا فقط… بل كان مثقلًا بشيء أعمق.كأن الحقيقة نفسها أصبحت على كتفيه.أغلق الباب خلفه ببطء، ثم قال بصوت منخفض:ـ رجعتي.لم يكن سؤالًا.كان تأكيدًا ثقيلًا.نظرت إليه ليان بحذر. ـ أنا رجعت فين بالظبط؟اقترب خطوة واحدة فقط.ـ رجعتي لنقطة البداية اللي كنتِ فاكرة إنك خرجتي منها.تجمدت.ـ يعني إيه نقطة البداية؟صمت لحظة طويلة.ثم قال: ـ يعني كل اللي حصل قبل كده… كان محاولة لفهمك مش لتغييرك.شعرت ليان أن قلبها ينقبض. ـ فهمني إيه؟ أنا أصلاً مش فاهمة نفسي!نظر إليها بعمق.
الفصل التاسع والعشرون اكتمال ما لا يكتمللم يكن الضوء هذه المرة يشبه أي شيء رأته ليان من قبل.لم يكن أبيض بالكامل، ولا أسود، ولا حتى مزيجًا بينهما. كان أقرب إلى إحساس… كأنه يلتف حولها من الداخل قبل الخارج، كأنه لا يضيء المكان بل يعيد تشكيله.وقفت في المنتصف، لا تعرف هل ما زالت على أرض حقيقية أم داخل لحظة انفجار جديدة من الوعي.لكنها كانت تشعر بشيء مختلف.لم تعد تتشقق كما كانت من قبل.لم تعد تتقسم إلى صور متناقضة داخل عقلها.هذه المرة… كان هناك انتظام غريب.كأن شيء ما بدأ يعود إلى مكانه الصحيح.لكن هذا “الصحيح” لم يكن مريحًا.رفعت نظرها ببطء.كان آسر أمامها.لكن هذه المرة لم يكن متجمدًا.ولم يكن يتحرك.كان ينظر إليها فقط.نظرة طويلة… ثقيلة… كأنه يراها لأول مرة بشكل كامل.ـ ليان… قالها بصوت منخفض.لكن الاسم خرج منه وكأنه يحمل معنى مختلفًا هذه المرة.تقدمت خطوة نحوه. ـ إيه اللي بيحصل؟لم يجب مباشرة.بدلًا من ذلك، نظر حوله، كأن المكان نفسه أصبح غير آمن للكلام.ثم قال: ـ مش كل اللي شوفتيه كان كذب… ومش كله كان حقيقة.تجمدت. ـ يعني إيه؟اقترب خطوة. ـ يعني إنكِ طول الوقت كنتِ بتحاولي تبقي واح
لم يكن هناك صوت عندما عادت ليان.لكن الصمت هذه المرة لم يكن هادئًا… بل كان مثقلًا بشيء غير مفهوم، كأن العالم نفسه يحبس أنفاسه قبل أن يقرر ماذا يفعل بها.فتحت عينيها ببطء.كانت الأرض تحتها صلبة.لكنها لم تتعرف على المكان فورًا.الغرفة كانت موجودة… لكنها مختلفة. الجدران كأنها مشدودة من الداخل، والإضاءة ليست طبيعية، بل أقرب إلى ضوء يتردد بين الوجود والاختفاء.نهضت ببطء شديد.يدها ما زالت ترتجف.نظرت حولها.لا شقوق.لا بوابة.لا فراغ أبيض.فقط غرفة.لكن الإحساس لم يكن مطمئنًا.ـ آسر…خرج الاسم من فمها قبل أن تفكر.وفجأة سمعته.لكن ليس من أمامها.بل خلفها.ـ أنا هنا.التفتت بسرعة.آسر كان واقفًا عند الباب.لكن ملامحه لم تكن كما كانت دائمًا.كان هناك شيء مختلف في عينيه… شيء أثقل من الخوف.ـ حصل إيه؟ همست ليان.لم يجب مباشرة.اقترب ببطء.ثم قال: ـ إنتي اخترتي.تجمدت.ـ اخترت إيه؟صمت لحظة طويلة.ثم قال: ـ اللي حصل مش بيرجع بسهولة.شعرت أن صدرها يضيق. ـ أنا مش فاكرة أنا عملت إيه بالظبط.نظر إليها بعمق.ـ وده أخطر جزء.اقترب أكثر.ـ لأنكِ مش بس لمستي الاختيار… إنتي بدأتِ تفصلي بين النسختين.تر
الفصل السابع والعشرون: لحظة الاختيارلم تكن ليان تتوقع أن لحظة الاختيار ستأتي بهذا الشكل المفاجئ، ولا بهذا الثقل الذي شعرت به وهي تمتد بيدها نحو إحدى النسخ الواقفة أمامها.كل نسخة كانت تنظر إليها بطريقة مختلفة، وكأن كل واحدة تحمل جزءًا من حياتها التي لا تتذكرها. لحظة اقتراب يدها من إحدى النسخ جعلت الهواء نفسه يتوقف، وكأن الكون كله ينتظر القرار.وقبل أن تلمسها مباشرة، سمع آسر صوته يصرخ: ـ ليان! توقفي!لكن الصوت كان بعيدًا، كأنه يأتي من خلف جدار من الزمن.يدها توقفت في المنتصف.نظرت إلى النسخة التي اختارتها، فوجدت عينيها مليئتين بشيء غريب، شيء يشبه الحنين والخوف في نفس الوقت.قالت النسخة بهدوء: ـ لو لمستيني… هتفتكري كل حاجة مرة واحدة.ـ وأنا عايزة أفتكر! صرخت ليان.لكن صوتها نفسه لم يكن ثابتًا.المرأة كانت تقف على مسافة، تراقب دون تدخل، وكأنها تعرف أن ما سيحدث ليس بحاجة إلى دفع، بل فقط إلى قرار.آسر حاول الاقتراب، لكن الأرض بينه وبين ليان بدأت تتشقق، وكأن الواقع نفسه يمنعه من الوصول إليها.ـ ليان اسمعيني! أي اختيار دلوقتي مش هيرجع زي الأول! قالها بصوت متوتر.لكنها لم تعد قادرة على الترا
الفصل السابع والعشرون: كسر الدائرةسقطت ليان داخل الضوء، لكنها لم تشعر بالسقوط هذه المرة كحدث مفاجئ. كان الأمر أشبه بانزلاق بطيء داخل شيء يعرف طريقه إليها منذ زمن طويل.عندما فتحت عينيها، لم تكن في الفراغ الأبيض كما اعتادت. كانت في مكان مختلف تمامًا.مدينة.لكن ليست مدينة عادية.الأبنية كانت من نور متجمد، والشوارع تمتد بلا نهاية واضحة، والسماء فوقها تشبه مرآة ضخمة تعكس أشياء لا تحدث في الواقع.وقفت ببطء، تنظر حولها بذهول.ـ أنا فين دلوقتي… همست.لم يكن هناك رد مباشر، لكن الإحساس بالوجود لم يكن وحده هذه المرة. كانت تشعر بآسر قريبًا منها، حتى لو لم تراه.ثم ظهر أمامها.كان واقفًا على بعد خطوات.لكن شيئًا ما فيه كان مختلفًا.ملامحه كانت هادئة بشكل غير طبيعي، وكأنه فقد جزءًا من مقاومته الداخلية.ـ آسر… قالت بسرعة.نظر إليها، لكن عينيه لم تكن مثل السابق.ـ إنتي دخلتي المرحلة الثالثة… قالها بهدوء.ـ مرحلة إيه؟ أنا مش فاهمة أي حاجة!اقترب خطوة واحدة فقط.ـ هنا مفيش رجوع بسهولة.نظرت حولها. ـ المكان ده حقيقي؟ـ حقيقي بالنسبة للي جواكي.سكتت.ثم قالت: ـ جوايا إيه بالظبط؟قبل أن يجيب، بدأ الهوا
الفصل السادس والعشرون: انكسار الضوءلم يكن الصمت هذه المرة مجرد غياب للصوت، بل كان وجودًا قائمًا بذاته. ليان شعرت وكأن العالم كله توقف ليتنفس معها في اللحظة نفسها، ثم ينتظر ما ستفعله بعد ذلك.الفراغ الأبيض الذي كانت تقف فيه لم يعد ساكنًا كما اعتادت. شيء ما تغيّر. هناك اهتزاز خفيف في الهواء، كأن المكان نفسه لم يعد متأكدًا من شكله. نظرت حولها بسرعة، لكنها لم تجد آسر. هذه المرة، اختفاؤه لم يكن مجرد غياب، بل كان وكأنه لم يكن موجودًا منذ البداية.ـ آسر… همست بصوت مرتجف.لم يأتِ الرد. لكن الاسم نفسه ارتد إليها بشكل غريب، كأنه اصطدم بجدار غير مرئي ثم عاد إليها مشوهًا.خطت خطوة إلى الأمام، ثم توقفت فجأة عندما لاحظت أن الأرض تحتها لم تعد أرضًا. كانت أقرب إلى سطح من الضوء المتماسك، يتنفس ببطء، ويستجيب لحركتها.وفجأة، انشق الفراغ أمامها.ليس شقًا صغيرًا كما في المرات السابقة، بل فتحه واسعة، كأن الواقع نفسه يتمزق من المنتصف. ومن داخله بدأ الضوء يتسرب بشكل غير منتظم، يتشكل ثم ينهار ثم يعود.ثم ظهر الصوت.ليس صوتًا واحدًا.بل أصوات كثيرة تتداخل مع بعضها.ـ ليان…ـ ليانا…ـ اختاري…وضعت يديها على أذ
الفصل الخامس والعشرون: عندما ينهار الحاجزاستيقظت ليان على صوت يشبه الصدى البعيد داخل رأسها، كأنه يأتي من مكان لا ينتمي لهذا العالم. فتحت عينيها ببطء، لكنها لم تكن متأكدة إن كانت ما زالت في نفس الواقع الذي نامت فيه.الغرفة حولها كانت ساكنة، لكن السكون نفسه كان غير طبيعي. الضوء خافت أكثر من اللازم،
الفصل الرابع والعشرون: ما قبل الاستيقاظلم تكن ليان تعرف منذ متى وهي واقفة في ذلك الفراغ الأبيض.لا أرض تحتها.ولا سماء فوقها.فقط امتداد لا نهاية له، كأن العالم كله تم محوه وتركها وحدها في المنتصف.لكن الأسوأ لم يكن الفراغ.بل الإحساس بأنها ليست وحدها فعلًا.كان هناك شيء يراقبها.ليس بعينين.بل كو
الفصل الثالث والعشرون: بوابة الضوءلم تعد تعرف ليان أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الوهم.كل ما حدث في الليلة الماضية لم يكن مجرد حلم… لكنه لم يكن واقعًا كاملًا أيضًا. كانت عالقة في منطقة رمادية بين الاثنين، وكأن عقلها نفسه لم يعد يثق بما يراه.جلست على طرف السرير، والهدوء في الغرفة كان مخيفًا أكثر من
الفصل الثاني والعشرون: الزائر ذو العينين الفضيتينتجمدت ليان فوق سريرها.لم تستطع الحركة.ولم تستطع حتى أن تصرخ.كان الظلام يملأ الغرفة، لكن ذلك لم يمنعها من رؤية الرجل الواقف قرب النافذة.عيناه الفضيتان كانتا تلمعان بوضوح وسط العتمة.هدوءه أخافها أكثر من أي شيء آخر.لم يكن يشبه الظلال التي واجهتها







