LOGINأنا الوحيدة التي ترى ملاك الأحد لم تكن ليان تؤمن بالمعجزات، ولا بالأسرار التي تتحدث عنها الحكايات القديمة. كانت تعيش حياة عادية، تحاول تجاوز أيامها بهدوء، حتى جاء ذلك الأحد الذي غيّر كل شيء. في لحظة غامضة لا تستطيع تفسيرها، بدأت ترى شابًا لا يراه أحد غيرها. يظهر فجأة ثم يختفي بلا أثر، وكأنه لم يكن موجودًا من الأساس. لم يكن مجرد شخص غريب؛ كان يعرف عنها تفاصيل لم تخبر بها أحدًا، ويتحدث أحيانًا وكأنه يرى ما لا يراه الآخرون. ومع كل لقاء جديد، كانت الأسئلة تتضاعف، بينما تزداد الحقيقة غموضًا. من يكون؟ ولماذا هي وحدها القادرة على رؤيته؟ كلما حاولت الابتعاد عنه، وجدت نفسها تنجذب أكثر إلى عالم مليء بالأسرار والخفايا، عالم تتداخل فيه الحقائق مع المستحيل، وتصبح فيه الإجابات أخطر من الأسئلة نفسها. لكن أكثر ما أخافها لم يكن ما تكتشفه عن ذلك الشاب الغامض، بل ما بدأت تشعر به تجاهه. فما الذي قد يحدث عندما تقع فتاة عادية في حب شخص لا تعرف حقيقته؟ شخص قد لا ينتمي إلى عالمها أصلًا؟ بين الغموض والرومانسية والخطر، تخوض ليان رحلة ستجبرها على مواجهة أسرار لم تكن تتخيل وجودها، واختيار قد يغير حياتها إلى الأبد. فبعض الأبواب لا يجب أن تُفتح، وبعض الحقائق يكون ثمن معرفتها أكبر مما نتوقع. لكن القلب لا يعترف بالخوف، ولا يهتم بالقوانين التي تحاول منعه. وعندما يصبح المستحيل حقيقة، ستكتشف ليان أن أخطر الأسرار ليست تلك التي يخفيها العالم عنها... بل تلك التي يخفيها ملاك الأحد نفسه.
View Moreالفصل الأول: الرجل الذي لم يكن موجودًا
كانت ليان تكره أيام الأحد. ليس لسبب واضح تستطيع شرحه للآخرين، بل لأنه كان يحمل ذلك الشعور الغريب الذي يسبق العاصفة. شعور بأن شيئًا ما ينتظرها خلف زاوية لم تصل إليها بعد. منذ سنوات طويلة، وربما منذ طفولتها، كانت تستيقظ كل يوم أحد بإحساس ثقيل لا يشبه بقية الأيام. لم يكن خوفًا حقيقيًا، ولم يكن حزنًا واضحًا، بل شعورًا غامضًا يشبه الوقوف أمام باب مغلق وأنت متأكد أن خلفه شيئًا مهمًا، لكنك لا تعرف ماهيته. في الليلة السابقة لم تنم جيدًا. تقلبت فوق فراشها مرات كثيرة وهي تحاول طرد ذلك الحلم الذي ظل يطاردها منذ أسابيع. الحلم نفسه. سماء واسعة بلون رمادي غريب. ريش أبيض يتساقط ببطء. وصوت بعيد ينادي اسمها. في كل مرة كانت تحاول الاقتراب من مصدر الصوت تستيقظ قبل أن تراه. لم تخبر أحدًا بذلك. حتى صديقتها المقربة لم تكن تعرف شيئًا عن تلك الأحلام. كانت تعتبرها مجرد أوهام ناتجة عن الضغط والدراسة والإرهاق. في ذلك الصباح استيقظت على صوت المنبه للمرة الثالثة. مدت يدها بتكاسل وأغلقته قبل أن تدفن وجهها داخل الوسادة. لكن والدتها لم تمنحها فرصة للعودة إلى النوم. ـ ليان! ستتأخرين مرة أخرى! أغمضت عينيها بقوة. ثم أطلقت زفرة طويلة وهي تدرك أن لا مهرب من الاستيقاظ. ـ حاضر يا أمي. قالتها بصوت متعب وهي تنهض من السرير. غسلت وجهها بسرعة ونظرت إلى انعكاسها في المرآة. شعر أسود طويل لم تهتم بترتيبه جيدًا. عينان بنيتان تحملان إرهاقًا أكبر من عمرها. ووجه هادئ يخفي الكثير مما لا تقوله لأحد. كانت في الحادية والعشرين من عمرها، لكن كثيرين كانوا يعتقدون أنها أكبر من ذلك بسبب نظراتها الهادئة وطريقتها الجادة في التعامل مع الحياة. ارتدت ملابسها على عجل ثم خرجت من غرفتها. كانت رائحة الشاي الساخن تملأ المنزل. وجدت والدتها ترتب الأطباق فوق المائدة. ـ نامت الأميرة أخيرًا؟ قالتها والدتها مبتسمة. ابتسمت ليان بخفة وجلست. ـ لو كان الأمر بيدي لكنت نمت أسبوعًا كاملًا. ضحكت والدتها. ـ وعندها ستفوتك الجامعة. ـ لن تكون خسارة كبيرة. هزت والدتها رأسها بيأس مصطنع. كان هذا الحوار يتكرر كثيرًا بينهما. لكن ليان كانت تحبه. الأحاديث البسيطة التي تمنح الحياة إحساسًا بالاستقرار. إحساسًا بأنها ما تزال تعيش حياة طبيعية. بعد دقائق أنهت فطورها. أخذت حقيبتها. ثم ودعت والدتها وغادرت المنزل. كان الهواء الصباحي لطيفًا. والشمس بدأت تتسلل بين المباني القديمة. سارت بخطوات هادئة وهي تضع سماعات الأذن. لكنها لم تشغل أي موسيقى. كانت تحب أحيانًا أن تراقب الناس فقط. رجل يركض للحاق بالحافلة. امرأة تسحب طفلها المتذمر نحو المدرسة. بائع جرائد يرتب بضاعته. مشاهد يومية عادية. ومع ذلك كانت تشعر اليوم بأن شيئًا مختلفًا يختبئ بين تلك التفاصيل المألوفة. حاولت تجاهل الإحساس. أخبرت نفسها أنها تبالغ كعادتها. لم تكن تظن أن هذا اليوم سيختلف عن أي يوم آخر. ولو أخبرها أحد أن حياتها ستنقلب رأسًا على عقب خلال ساعات، لضحكت وسخرت منه. بعد أقل من ساعة كانت تسير في الشارع المزدحم متجهة إلى الجامعة. المدينة تعج بالحركة. أبواق السيارات. صوت الباعة. الناس المسرعون نحو أعمالهم. كل شيء يبدو طبيعيًا. حتى حدث الأمر. توقفت فجأة. دون سبب مفهوم. شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها. وكأن شخصًا ما يراقبها. استدارت ببطء. نظرت خلفها. لا أحد. عبست وهي تلتفت من جديد. لكن الشعور لم يختفِ. بل ازداد قوة. شعرت وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل. وكأن العالم من حولها تباطأ للحظة قصيرة. ثم رفعت رأسها. وهنا تجمدت في مكانها. على الرصيف المقابل وقف شاب غريب. كان طويل القامة. يرتدي ملابس بسيطة بلون أبيض ناصع. بدا مختلفًا عن الجميع. ليس بسبب مظهره فقط. بل لأن شيئًا فيه كان... غير طبيعي. كأن وجوده لا ينتمي إلى هذا المكان. كانت عيناه ثابتتين عليها. هادئتين بصورة أربكتها. لم يكن يحدق بطريقة مخيفة. بل بطريقة شخص وجد شيئًا كان يبحث عنه منذ زمن طويل. والأغرب من ذلك كله... أنه كان ينظر إليها مباشرة. شعرت ليان بانقباض في صدرها. لم تعرفه. ولم تره من قبل. ومع ذلك بدا وكأنه يعرفها جيدًا. قطبت حاجبيها. ثم نظرت حولها. لم ينتبه إليه أحد. كانت النساء والرجال يمرون بجواره دون أن يلتفتوا نحوه. حتى إن أحد المارة عبر من أمامه مباشرة وكأنه غير موجود. ارتفع نبض قلبها. عادت تنظر إليه. فوجدته ما يزال في مكانه. ينظر إليها فقط. ثم حدث ما جعل الدم يتجمد في عروقها. ابتسم. ابتسامة هادئة. وكأنه سعيد لأنها رأته أخيرًا. تراجعت خطوة إلى الخلف. ثم خطوتين. حاولت إقناع نفسها بأنها تتوهم. ربما بسبب قلة النوم. ربما بسبب الإرهاق. أي تفسير سيكون أفضل من الاعتراف بما تراه. لكن حين رمشت بعينيها... كان الشاب قد اختفى. اختفى تمامًا. كأنه لم يكن هناك من الأساس. شهقت بخفوت. أخذت تدور بعينيها في كل الاتجاهات. لا أثر له. لا أثر لأي شيء. فقط الشارع المعتاد والناس المعتادون. وقفت لثوانٍ تحاول استيعاب ما حدث. ثم هزت رأسها بقوة. ـ أنا أتخيل. قالتها لنفسها وهي تتابع السير. لكنها لم تكن تعرف أن ما رأته لم يكن وهمًا. وأن ذلك الشاب الغامض لم يختفِ حقًا. بل كان يقف فوق سطح المبنى المقابل. يراقبها بصمت. وعيناه تحملان مزيجًا من الدهشة والقلق. همس لنفسه بصوت خافت: ـ مستحيل... ثم ساد الصمت للحظات. قبل أن يكمل: ـ كيف استطاعت رؤيتي؟ وفي مكان بعيد عن أعين البشر... كان سؤال واحد فقط يتردد للمرة الأولى منذ قرون طويلة. لماذا استطاعت فتاة بشرية رؤية ملاك الاحدالفصل الثاني والستونظل الجميع ينظر إلى الصورة في صمت.أخذ آسر الصورة من يد جلال مرة أخرى، وقرّبها من الضوء.كان انعكاس زجاج النافذة ضعيفًا، لكن الشخص الذي يقف بالخارج كانت ملامحه غير واضحة، بينما العصا الخشبية التي يحملها ظهرت بشكل واضح.قالت ليان وهي تعقد حاجبيها:ـ إحنا مينفعش نبني شكوك على انعكاس صورة قديمة.أومأ شريف موافقًا.ـ عندها حق.الصورة دي ممكن تدل على وجود شخص كان بيراقب الاجتماع، لكن متثبتش هو مين.تنهد جلال وقال:ـ يمكن خوفي خلاني أربط بين الحاجات بسرعة.رد آسر بهدوء:ـ ودي أكبر غلطة ممكن نقع فيها.إحنا مش بندور على متهم...إحنا بندور على الحقيقة.ارتاحت ليان قليلًا بعدما سمعته.كانت لا تريد أن يتحول بحثهم إلى اتهام أي شخص بلا دليل.في المخزن...كان فريد ما يزال جالسًا على الأرض، وعيناه لا تفارقان المفتاح الصغير الذي سقط من أحد الرجال.المشكلة أن المفتاح كان يبعد عنه أكثر من متر.بدأ يتحرك ببطء شديد، مستعينًا بقدميه المقيدتين.كل حركة كانت تصدر صوتًا خفيفًا.فتوقف.استمع.لا أحد بالخارج.حاول مرة أخرى.وبعد دقائق طويلة...نجح في تقريب جسده من المفتاح.انحنى بصعوبة، وأم
الفصل الواحد والستون.ظل آسر ممسكًا بهاتفه، وعيناه ثابتتان على الرسالة الأخيرة."متدوروش عليا... أنقذوا الخريطة."ساد صمت ثقيل داخل السيارة.كانت ليان أول من تكلم، وصوتها خرج مرتجفًا:ـ مستحيل... فريد عمره ما يسيبنا بالشكل ده.أغلق آسر شاشة الهاتف وهو يهز رأسه.ـ وأنا كمان مش مصدق.فريد لو كان بخير، كان رد على التليفون.قال شريف بجدية:ـ الرسالة دي ممكن تكون مكتوبة تحت ضغط.أو حد أجبره يبعتها.شعرت ليان بانقباض في قلبها.ـ يعني... ممكن يكون اتخطف؟لم يجب أحد.لكن الصمت كان كافيًا.في اللحظة نفسها...كان فريد يفتح عينيه ببطء.رأسه كان يؤلمه بشدة.حاول يتحرك، لكنه اكتشف أن يديه مربوطتان بحبل بلاستيكي.نظر حوله.وجد نفسه داخل مخزن قديم، تدخله إضاءة خافتة من نافذة صغيرة مرتفعة.كان المكان مليئًا بصناديق خشبية وأرفف صدئة.حاول يتذكر ما حدث.آخر شيء يتذكره...أنه كان يتبع الرجل الذي خرج من أمام المبنى.ثم توقفت سيارة بجواره.وشعر بضربة قوية على رأسه.بعدها...لا شيء.أخذ نفسًا عميقًا، وحاول يهدأ.كان يعرف أن الذعر لن يساعده.وبينما يحاول فك الحبل، سمع صوت باب حديدي يُفتح.دخل رجلان.أحدهما
الفصل الستون.ساد صمت ثقيل داخل مكتب شريف.كل واحد كان غارقًا في أفكاره بعد خبر اختفاء إبراهيم السعدني. لم يعد الأمر مجرد البحث عن أدلة قديمة، بل أصبح واضحًا أن هناك من يسبقهم بخطوة في كل مرة.اقتربت ليان من النافذة، وأخذت تنظر إلى الشارع في الأسفل.السيارات تمر بشكل طبيعي...والناس تمارس حياتها وكأن شيئًا لم يحدث.لكن بالنسبة لها، العالم كله أصبح مختلفًا.اقترب منها آسر بهدوء.ـ سرحانة؟ابتسمت ابتسامة باهتة.ـ كل ما نوصل لطرف الخيط... حد يقطعه.وقف بجوارها.ـ بس إحنا لسه ماسكين الخيط.وده أهم حاجة.نظرت إليه وقالت:ـ لو كنا اتأخرنا شوية في المحطة، كنا خسرنا جلال.رد بثقة:ـ بس محصلش.وده معناه إن لسه عندنا فرصة.كانت كلماته دائمًا تمنحها إحساسًا بالأمان، حتى في أصعب اللحظات.على الجانب الآخر من الغرفة، كان جلال يقلب الملف الأزرق مرة أخرى.توقف فجأة عند جيب صغير داخل الغلاف.أدخل يده وأخرج ورقة مطوية بعناية.عقد حاجبيه.ـ غريبة...أنا أول مرة أشوف الورقة دي.اقترب الجميع منه.فتحها ببطء.كانت عبارة عن إيصال استلام قديم صادر من أحد البنوك.قرأ شريف البيانات بسرعة.ـ صندوق أمانات...فرع
الفصل التاسع والخمسون لم يتحرك أحد لعدة ثوانٍ بعد اختفاء السيارة البيضاء من آخر الشارع.كان صوت الاحتكاك الذي تركته إطاراتها على الأسفلت لا يزال عالقًا في آذانهم.وقف شريف أمام باب المقهى يراقب الطريق، ثم عاد إليهم وهو يزفر بضيق.ـ هرب.قال فريد:ـ حاولت أشوف رقم العربية... بس ملحقتش.رد شريف:ـ حتى لو شوفته، غالبًا العربية مش باسم اللي كان سايقها.الناس دي عمرها ما بتسيب وراها حاجة بسهولة.كانت ليان ما تزال تنظر إلى نصف الخريطة الموجود في يد جلال.شعرت أن هذا الورق القديم أصبح أهم من أي شيء آخر.سألته بهدوء:ـ حضرتك قلت إني قابلت الشخص اللي معاه النص التاني...إزاي متعرفش تقولي اسمه؟نظر إليها جلال بأسف.ـ لأني مش متأكد.وأنا مش مستعد أظلم حد.رفع آسر عينيه إليه.ـ وضح أكتر.تنهد جلال وقال:ـ قبل ما محمود يختفي، قالي إنه هيقسم الخريطة لنصين.واحد هيفضل معايا...والتاني هيسلمه لشخص بيثق فيه.لكن رفض يقولي اسمه.كل اللي قاله..."لو بنتي وصلت للحقيقة، الشخص ده هيقرر بنفسه يظهر."عقد فريد حاجبيه.ـ يعني إحنا بندور على حد يمكن يكون متابعنا من البداية؟أومأ جلال.ـ وارد جدًا.قال شريف وهو
الفصل الرابع والعشرون: ما قبل الاستيقاظلم تكن ليان تعرف منذ متى وهي واقفة في ذلك الفراغ الأبيض.لا أرض تحتها.ولا سماء فوقها.فقط امتداد لا نهاية له، كأن العالم كله تم محوه وتركها وحدها في المنتصف.لكن الأسوأ لم يكن الفراغ.بل الإحساس بأنها ليست وحدها فعلًا.كان هناك شيء يراقبها.ليس بعينين.بل كو
الفصل الثالث والعشرون: بوابة الضوءلم تعد تعرف ليان أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الوهم.كل ما حدث في الليلة الماضية لم يكن مجرد حلم… لكنه لم يكن واقعًا كاملًا أيضًا. كانت عالقة في منطقة رمادية بين الاثنين، وكأن عقلها نفسه لم يعد يثق بما يراه.جلست على طرف السرير، والهدوء في الغرفة كان مخيفًا أكثر من
الفصل الرابع عشر: الاسم الحقيقي الذي لا يُقالساد الصمت في القاعة تحت الأرض.صمت ثقيل لدرجة أن ليان شعرت أنه يضغط على صدرها.الرجل العجوز ما يزال واقفًا عند المدخل.عينيه مثبتتان عليها.كأن العالم كله اختفى ولم يتبقَ إلا هي.ثم قال جملته مجددًا، لكن هذه المرة أبطأ:ـ قبل أن ينفتح هذا الشيء... يجب أ
الفصل العاشر: ليلة ما قبل الأحدتجمدت ليان أمام النافذة.عيناها معلقتان بالصورة التي عثرت عليها فوق وسادتها.كانت تشعر بأن قلبها ينبض بقوة حتى كاد يؤلمها.الصورة لم تكن قديمة.لم تكن من طفولتها.بل التُقطت قبل ساعات فقط.كانت هي نفسها ترتدي الملابس ذاتها التي ارتدتها في الجامعة ذلك اليوم.وهذا يعني
Ratings
reviewsMore