Share

3

last update publish date: 2026-08-27 06:18:22

**الفصل الثالث**

**أول ليلة في عالم الإناث**

في الليلة الأولى على كوكب إيفا، لم يستطع فهد أن ينام.

أُعطي جناحًا واسعًا في الطابق العلوي من القصر الكريستالي، غرفة جدرانها شفافة تطل على المدينة البنفسجية المضيئة. السرير كبير بما يكفي لثلاثة أشخاص، والأغطية ناعمة كالحرير لكنها أثقل قليلاً. في الزاوية كان هناك حوض استحمام دائري مملوء بماء يتغير لونه ببطء بين الأزرق والفضي. كل شيء حوله كان جميلاً ومتطورًا، لكنه شعر بأنه غريب في جسده نفسه.

جلس على حافة السرير وهو يمسك الميدالية بين يديه. كانت باردة الآن، والرموز عليها خامدة. حاول أن يقرأها من جديد، لكن شيئًا لم يحدث. أغلق أصابعه عليها بقوة ووضعها على الطاولة بجانب السرير. ثم نهض ووقف أمام المرآة الطويلة التي تغطي الجدار بأكمله.

رأى نفسه كما هو: الطول الفارع، الصدر العريض، العضلات البارزة تحت القميص الأسود، والوجه الذي يحمل ملامح رجل في السادسة والعشرين من عمره. لكنه الآن كان أكثر من ذلك. كان الرجل الوحيد على كوكب بأكمله. الرجل الذي اختفى جنسه منذ اثنين وأربعين عامًا.

طرقات خفيفة على الباب قطعته عن أفكاره.

فتح الباب فوجد ليلى واقفة. كانت قد خلعت زي الحرس الرسمي وارتدت ثوبًا فضفاضًا بلون بنفسجي داكن ينسدل على جسدها الرشيق. شعرها الأسود مرسل على كتفيها، وعيناها الخضراوان تلمعان في الضوء الخافت.

قالت بصوت هادئ:

«لم أستطع النوم. جئت أتأكد أنك بخير».

أدخلها فهد دون كلام. جلست على الكرسي المقابل للسرير، وهو وقف مستندًا إلى الجدار. صمت طويل ملأ الغرفة قبل أن تقول ليلى:

«طوال حياتي سمعت عن الرجال في الدروس التاريخية. رأيت صورهم في المتاحف، وشاهدت تسجيلات قديمة لأصواتهم. لكن أن أقف أمام واحد حقيقي... شيء مختلف تمامًا».

نظر إليها فهد وقال:

«وأنا طوال حياتي كنت أبحث عن امرأة تراني كما أنا، لا كجسد فقط. والآن أنا في عالم كله نساء... وأشعر أنني مجرد ظاهرة علمية».

ابتسمت ليلى ابتسامة صغيرة حزينة.

«أنت لست ظاهرة. أنت... تذكير بما فقدناه».

اقتربت منه ببطء. وقفت أمامه ورفعت يدها بتردد، ثم وضعتها على صدره فوق القميص. أحست بنبض قلبه القوي تحت راحة يدها، وبصلابة العضلات التي لم تلمس مثلها من قبل. رفعت عينيها إلى عينيه وقالت بصوت شبه همس:

«هل يمكنني... أن ألمسك؟»

لم يرد فهد بالكلام. أومأ برأسه فقط.

بدأت ليلى تفك أزرار قميصه ببطء شديد، كأنها تفتح صندوقًا ثمينًا. عندما انزلق القميص عن كتفيه العريضين، خرج صوت صغير من حلقها. راحت كفاها تتجولان على صدره، على عضلات بطنه، على خطوطه الحادة. كانت تلمسه بفضول طفولي ورغبة ناضجة في آن واحد. ثم اقتربت أكثر، ووضعت جبينها على كتفه للحظة، تستنشق رائحته.

قال فهد بصوت منخفض:

«ليلى...».

رفع رأسها وقبلته.

كانت قبلتها في البداية مترددة، ثم ازدادت جرأة. يداه الكبيرتان أمسكتا بخصرها وسحبتها إليه. شعر جسدها الناعم يلتصق بجسده الصلب، ورائحة شعرها تملأ أنفه. استمرت القبلة طويلاً، حتى شعر كلاهما بأن الهواء في الغرفة قد نفد.

عندما انفصلا، كانت ليلى تتنفس بسرعة. قالت وهمسها يرتعش:

«لا أعرف كيف أتصرف. لم يعلّمنا أحد كيف نتعامل مع رجل حقيقي».

فهد رفع يده ومسح شعرة عن وجهها.

«وأنا لم أتعامل مع امرأة بهذا الفضول من قبل».

جلسا معًا على السرير. ليلى راحت تروي له عن حياتها: كيف نشأت في جيل لا يعرف الرجال إلا من الكتب، كيف دربت لتكون قائدة حرس، كيف كانت تشاهد التسجيلات القديمة أحيانًا وتتساءل عن صوت الرجل وملمسه ووجوده. أما فهد فروى لها عن الرياض، عن وحدته، عن هوايته في جمع التحف، عن الميدالية التي نقلته إلى هنا. تحدثا ساعات طويلة حتى بدأ الفجر البنفسجي يطل من النوافذ الشفافة.

في الصباح التالي، اقتيد فهد إلى المختبر المركزي.

كان المكان أبيض تمامًا، مليئًا بأجهزة طافية وشاشات ثلاثية الأبعاد. استقبلته نورا، العالمة الشابة المسؤولة عن بنوك الأجنة. كانت في أواخر العشرينيات، شعرها البني مقصوص بعناية، ووجهها يحمل ملامح ذكاء حاد. عندما رأته، توقفت للحظة ثم قالت بموضوعية علمية تخفي تحتها ارتباكًا واضحًا:

«نحتاج إلى فحوصات كاملة. دم، خلايا، حمض نووي، كل شيء. أنت فرصة لا تتكرر».

خضع فهد للفحوصات بصبر. جلس عاري الصدر بينما كانت الأجهزة تمسح جسده بدقة متناهية. نورا كانت تقترب منه أكثر مما يقتضيه العمل أحيانًا، تلمس جلده بحجة أخذ عينة، أو ت لتفحص عضلة معينة. في لحظة ما، بينما كانت تأخذ عينة دم من ذراعه، قالت بصوت خافت:

«عضلة هذا الذراع... أقوى مما سجلناه في أي محاكاة قديمة».

ابتسم فهد ابتسامة صغيرة وقال:

«أنا لست محاكاة».

رفعت نورا عينيها إليه وابتسمت هي الأخرى لأول مرة.

«أعرف. ولهذا أنا مرتعبة ومبهورة في الوقت نفسه».

بعد الفحوصات، أُخذ فهد في جولة في المدينة. سار مع ليلى في الشوارع الزجاجية، والناس يتوقفون وينظرون. بعض النساء كن يغطين أفواههن بأيديهن، وبعضهن يبتسمن، وبعضهن يبكين بصمت. في أحد الميادين الكبيرة، تجمعت حشود كبيرة فقط لرؤيته يمر. شعر فهد بثقل النظرات كلها عليه، لكنه تمالك نفسه ومشى بثبات.

في المساء، استدعته الملكة زارا إلى جناحها الخاص.

كان الجناح فسيحًا ومزينًا بذوق ملكي هادئ. جلست الملكة على أريكة طويلة ودعته للجلوس مقابلها. ارتدت ثوبًا أسود بسيطًا يبرز قامتها الأنيقة. قالت بعد صمت قصير:

«وجودك يثير أسئلة كثيرة، فهد. بعضها علمي، وبعضها سياسي، وبعضها... شخصي جدًا».

نظر إليها فهد منتظرًا.

«العالم هنا انقسم بالفعل منذ أن ظهرت. هناك من يرين فيك الأمل في إعادة التوازن البيولوجي، وهناك من يخفن من عودة الرجال وما قد يعنيه ذلك من تغيير في السلطة. وأنا... أرى فيك شيئًا آخر».

اقتربت الملكة منه ووضعت يدها على ركبته.

«أنا في الثانية والأربعين. عشت حياتي كلها دون أن ألمس رجلاً. رأيت صورهم، درست تاريخهم، لكنني لم أعرف ملمس الجلد الذكوري ولا صوت التنفس العميق بجانبي في الليل. هل تسمح لي أن أكون صادقة معك؟»

فهد أومأ.

«أنا أريد أن أعرفك. لا كملكة، بل كامرأة».

في تلك الليلة، بقي فهد في جناح الملكة حتى ساعة متأخرة. تحدثا طويلاً، ثم اقتربا أكثر. كانت زارا أكثر خبرة وهدوءًا من ليلى، لكنها كانت أيضًا أكثر جوعًا للملامسة. عندما خلعت ثوبها ووقفت أمامه، شعر فهد بشيء يتحرك في داخله بقوة. أخذها بين ذراعيه الكبيرتين وحملها إلى السرير الواسع. كانت الليلة طويلة، مليئة بالاكتشاف المتبادل، وبالصمت الذي يقطعه التنفس السريع، وباللحظات التي كانت زارا تهمس فيها باسمه كأنها تتأكد أنه حقيقي.

في الأيام التالية، أصبح وجود فهد جزءًا من حياة القصر.

كان يقضي الصباحات مع نورا في المختبر، حيث كانت الفحوصات تتحول تدريجيًا إلى أحاديث طويلة وملامسات أكثر جرأة. في إحدى المرات، بعد أن انتهيا من أخذ عينة، أغلقت نورا الباب واقتربت منه وقالت:

«الجميع يتحدث عنك في المختبرات. يقولون إن خلاياك قد تكون مفتاحًا لإعادة إنتاج الذكور بطريقة آمنة. لكنني... لا أفكر في الخلايا الآن».

قبلته قبل أن يرد. كانت قبلتها مختلفة عن ليلى وعن زارا: أكثر مباشرة وإلحاحًا. انتهت اللحظة على طاولة الفحص الباردة، وسط الأجهزة التي كانت ما زالت تعمل حولهما.

أما ليلى فكانت تعود إليه كل ليلة تقريبًا. لم تكن تطلب شيئًا في البداية، فقط تجلس وتتكلم. لكن مع مرور الليالي، أصبحت الملامسات أطول، والقبلات أعمق، والجسدان أقرب. في الليلة الخامسة، بعد أن تعانقا طويلاً، همست ليلى وهو يمسكها من الخلف:

«أخاف أن أعتاد عليك. وأخاف أكثر أن تعود إلى زمنك وتتركني».

فهد قبل رقبتها وقال:

«أنا نفسي لا أعرف إن كنت سأتمكن من العودة... أو إن كنت أريد ذلك».

في اليوم السابع، أقيم حفل صغير في القصر بمناسبة وجوده. حضرته عشرات النساء من مختلف القطاعات. كانت سارة، الراقصة الشهيرة في المدينة، من بين الحاضرات. اقتربت منه في نهاية الحفل، بجسدها المرن وثوبها الشفاف، وقالت بابتسامة واثقة:

«سمعت أنك تجمع القطع النادرة. هل تسمح لي أن أكون واحدة منها الليلة؟»

أخذته إلى قاعة المرايا الخاصة بها. هناك، بين مئات الانعكاسات، رقصت له أولاً، ثم انحنت أمامه، ثم استسلمت لذراعيه القويتين. كانت الليلة صاخبة بالأصوات والصور المتكررة في المرايا، وبإحساس فهد بأنه لم يعد الرجل الوحيد المنسي، بل الرجل الذي يكتشفه عالم بأكمله.

مع مرور الأيام، بدأ فهد يشعر بتحول داخلي.

لم يعد يفكر في وحدته القديمة بالطريقة نفسها. لم يعد يرى في المرآة جسدًا جميلاً بلا معنى. هنا، على كوكب إيفا، كان جسده مطلوبًا، وصوته مسموعًا، ووجوده ذا قيمة. لكنه كان يعرف أيضًا أن هذا الاهتمام كله قد يكون بسبب ندرته فقط. وكان يخشى أن يفيق يومًا ليكتشف أنه عاد إلى كونه مجرد قطعة نادرة في خزانة زمنية.

في الليلة العاشرة، جلس وحيدًا في جناحه وهو يمسك الميدالية من جديد.

حاول أن يقرأ الرموز، لكن شيئًا لم يحدث. وضعها جانبًا ونظر من النافذة إلى المدينة البنفسجية. في الأسفل، كانت الأضواء تلمع، والنساء يتحركن في حياتهن اليومية، وهو في الأعلى يحمل سرًا قد يغير مصيرهن جميعًا... أو يتركهن كما كن.

طرق الباب مرة أخرى.

فتحه فوجد ليلى. هذه المرة لم تكن تبتسم. دخلت وأغلقت الباب خلفها وقالت ببساطة:

«الملكة استدعتك غدًا في اجتماع طارئ. هناك انقسام في المجلس. بعضهم يريد استخدامك لإعادة الرجال، وبعضهم يريد إبقاءك تحت الحراسة المشددة إلى الأبد. وأنا... جئت لأخبرك قبل أن يخبرك أحد غيري».

جلس فهد على السرير ودعاه إليها. جلست بجانبه واستندت إلى كتفه العريض. ظلّا صامتين وقتًا طويلاً، يستمعان إلى صوت المدينة البعيد خلف الزجاج.

أخيرًا قالت ليلى بصوت خافت:

«مهما حدث غدًا، أريدك أن تعرف شيئًا. أنا لم أقترب منك لأنك الرجل الوحيد. اقتربت لأنك أنت».

فهد وضع ذراعه حول كتفيها وسحبها إليه. قبل جبينها ثم همس:

«وأنا بدأت أخشى أن أعتاد عليكِ أكثر مما ينبغي».

في تلك الليلة لم يفعلا شيئًا سوى أن ناما بجانب بعضهما، جسده الصلب يحيط بجسدها الناعم، وقلباهما يدقان بإيقاع مختلف لأول مرة منذ وصوله.

خارج النافذة، كانت سماء إيفا البنفسجية تحمل نجومًا لا يعرفها فهد، ووعدًا بمستقبل لم يعد يملكه وحده.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • فهد وكوكب الاناث    17

    **الفصل السابع عشر** **عودة الرجال**انتشر الخبر في كوكب إيفا أسرع من أي شيء حدث منذ ظهور فهد لأول مرة.خلال أقل من عشر دقائق كانت السيارات الطائرة تحلق فوق المكان من كل اتجاه. الروبوتات الخادمة توقفت عن أعمالها واصطفت في صفوف منتظمة كأن أمرًا مركزيًا صدر إليها. الشاشات الكبيرة في الساحات العامة بدأت تعرض صور المجموعة الجديدة مباشرة: فهد، وليلى الحامل ببطنها الواضح، وسبعة رجال أقوياء يقفون خلفهما بوجوه مشدوهة.نورا وصلت أولاً بسيارة طائرة صغيرة. نزلت بسرعة وركضت نحو فهد دون أن تلتفت إلى الآخرين في البداية. عانقته بقوة ثم نظرت إلى بطن ليلى وقالت بصوت مرتجف: «عدتِ... والحمل ما زال بخير؟».ليلى أومأت برأسها وهي تمسك بطنها. «بخير حتى الآن».ثم التفتت نورا إلى الرجال السبعة وراحت تحدق فيهم واحدًا تلو الآخر كمن يرى أشباحًا. الزهرتان لديها ارتفعتا وانخفضتا بسرعة مع تنفسها المتقطع. همست: «رجال... حقيقيون... أكثر من واحد».خلفها بدأت الحشود تتجمع. نساء من كل الأعمار يخرجن من المباني الزجاجية ويسرن نحو الساحة. بعضهن يغطين أفواههن بأيديهن، وبعضهن يبكين من الفرحة، وبعضهن يقفن صامتات وهن ي

  • فهد وكوكب الاناث    16

    **الفصل السادس عشر** **سر الميدالية والاختيار السري**في الليلة السابعة على أرض الرجال الأحرار، بينما كانت ليلى نائمة على الفرو الثقيل وبطنها المستدير يرتفع وينخفض بانتظام، جلس فهد وحيدًا أمام النار الصغيرة داخل الخيمة.الميدالية كانت بين كفيه الكبيرتين. الرموز التي خمدت منذ وصولهما بدأت تلمع من جديد، هذه المرة ببطء ووضوح أكبر مما سبق. وضعها على راحة يده وركز كل انتباهه فيها. مع مرور الدقائق بدأ يفهم ما لم يفهمه من قبل.الميدالية ليست أداة عشوائية تنقله إلى أي زمن. هي مفتاح محدد يربط بين ثلاثة عوالم فقط: عالمه الأصلي في الرياض، كوكب إيفا عالم النساء الكامل، وأرض الرجال الأحرار التي يقف عليها الآن. كل قراءة واعية للرموز مع نية واضحة في الذهن كافية لنقله إلى العالم الذي يختاره. كان الأمر أمامه طوال الوقت، لكنه لم يكن يراه.ابتسم في الظلام ابتسامة بطيئة وعميقة. لأول مرة منذ بدأت هذه الرحلة المجنونة شعر أنه يملك زمام الأمور لا أنه مجرد ورقة تتقاذفها الرياح.في الصباح التالي، بينما كانت ليلى تتمشى ببطء خارج الخيمة تحت أعين الحراس الأربعة، استدعى فهد راكان على انفراد. مشيا معًا بعيدًا نحو

  • فهد وكوكب الاناث    15

    **الفصل الخامس عشر** **الحراسة والرغبات الدفينة**في اليوم الثالث على أرض الرجال الأحرار، أصبح وجود ليلى حديث كل لسان في المخيم.منذ أن أشرقت الشمس كانت العيون لا تفارق خيمتهما. كلما رفعت ليلى طرف الغطاء الجلدي لتتنفس الهواء النقي، كان عشرات الرجال يتوقفون عن أعمالهم وينظرون. بعضهم يبتسم ابتسامة غامضة، وبعضهم يغض بصره بسرعة كأن المشهد يحرجه، وبعضهم يقف محدقًا دون خجل. الرداء الرقيق الذي ترتديه لم يعد يستر جسدها كما يجب. الزهرتان الكبيرتان الممتلئتان بسبب الحمل ترتجفان مع كل حركة، وقطعتا الفراولة الداكنتان واضحتان تحت القماش، وبطنها المستدير يبرز بوضوح، وشقها يكاد يظهر كلما جلست أو مشت بضع خطوات.راكان كان قد وفى بوعده وضاعف الحراسة. أربعة رجال مسلحون بالرماح يقفون في الزوايا الأربع حول الخيمة ليل نهار، يتبدلون كل ست ساعات في نظام صارم. لكن فهد، بعينيه الثاقبتين، لاحظ أن بعض هؤلاء الحراس أنفسهم يطيلون النظر أكثر من اللازم كلما خرجت ليلى لتمشي قليلاً بجانبه. كان يضع يده على كتفها أو حول خصرها في كل مرة، كأنه يرسم حدودًا لا يجوز لأحد تجاوزها.في ساعة الظهيرة جاء الشيخ الأبيض برفقة اثني

  • فهد وكوكب الاناث    14

    **الفصل الرابع عشر** **نار المخيم وأعين الرجال**في صباح اليوم التالي على أرض الرجال الأحرار، استيقظ فهد على صوت قرع طبول خشبية بعيدة.فتح عينيها ليلى ببطء، يده ما زالت على بطنها المستدير. الزهرتان الكبيرتان كانتا أكثر حساسية من الليلة السابقة، وقطعتا الفراولة داكنتان ومنتفختان. الرداء الرقيق الذي ترتديه لم يعد يستر شيئًا تقريبًا تحت ضوء الشمس الذي يتسلل من فتحة الخيمة.خارج الخيمة كان المخيم قد دبّت فيه الحياة. رجال يقطعون الحطب، آخرون يسلخون طرائد، ومجموعات صغيرة تتدرب على الرماح والأقواس. كلما مر أحدهم بالقرب من خيمتهما كان يبطئ خطاه وينظر إلى الداخل بفضول لا يخفيه.بعد ساعة جاء القائد الملتحي واسمه «راكان» برفقة الشيخ الأبيض. جلسا على الأرض أمام الخيمة وقال راكان مباشرة: «مجلس الشيوخ اجتمع في الفجر. قررنا أن تبقي المرأة تحت حماية مشددة. أما أنت يا فهد فستُستجوب اليوم أمام الجميع. نريد أن نعرف كل شيء عن عالم النساء... وعن كيف حملت هذه المرأة منك».سار فهد معهما إلى وسط المخيم تاركًا ليلى مع حارسين عند باب الخيمة. تجمهر عشرات الرجال حول منصة خشبية مرتفعة. وقف فهد عليها وروى قصته

  • فهد وكوكب الاناث    13

    **الفصل الثالث عشر** **أرض الرجال الأحرار**وقف فهد أمام الرجال الخمسة وهو يشد ليلى إلى جانبه بذراعه القوية. بطنها الحامل كان واضحًا تحت الرداء الرقيق، والزهرتان الكبيرتان ترتجفان مع كل نفس سريع تأخذه من الخوف. الرجال كانوا يحدقون إليها بدهشة لم يخفوها، كأنهم يرون كائنًا أسطوريًا خرج من الحكايات القديمة.الرجل الملتحي، الذي بدا أكبرهم سنًا وقائدهم، خفض رمحه قليلاً وقال بصوت أجش: «امرأة... حامل. هذا لم يحدث منذ قرنين. من أين جئتما بهذا الجسد الأنثوي إلى غاباتنا؟».فهد رد بصوته العميق الهادئ، وهو يحافظ على مسافة آمنة: «جئنا من عالم آخر عبر هذه». رفع الميدالية الفضية التي كانت ما زالت في يده. «أنا فهد، وهي ليلى. لا نريد أذى لأحد، ونطلب فقط مكانًا آمنًا حتى نفهم أين نحن».همس الرجال بينهم بكلمات سريعة غير مفهومة. أحدهم، شاب أطول من الباقين بشعر أشقر مربوط، تقدم خطوة وقال: «العالم الآخر؟ تقصد عالم النساء الذي تتحدث عنه الأساطير؟ قالوا إن فيروسًا قضى على الرجال هناك منذ زمن بعيد... وإن النساء يعشن وحدهن».ليلى رفعت رأسها أخيرًا وتكلمت بصوت مرتجف لكنه واضح: «نعم. أنا من كوكب إيفا.

  • فهد وكوكب الاناث    12

    **الفصل الثاني عشر** **القرار تحت الضوء**في الليلة التالية، لم ينم فهد لحظة واحدة.جلس على حافة السرير الواسع في الجناح الملكي، والميدالية الفضية بين كفيه الكبيرتين. الضوء الأزرق كان يدور حولها ببطء منتظم، كأنه نبض حي ينتظر أمرًا. الغرفة كانت هادئة إلا من صوت تنفس ليلى العميق إلى جانبه. كانت نائمة على جنبها، يدها اليمنى موضوعة برفق على بطنها الذي بدأ يستدير بوضوح، والزهرتان الكبيرتان ترتفعان وتنخفضان مع كل شهيق. قطعتا الفراولة لديهما أصبحتا داكنتين وأكثر امتلاءً بسبب الحمل، والشق الذي كان قد ملأه قبل ساعات ما زال رطبًا تحت الغطاء الحريري.خارج النافذة الشفافة امتدت مدينة إيفا البنفسجية في سكونها الليلي. السيارات الطائرة قليلة في هذه الساعة، تتحرك ببطء كأن سائقيها نصف نائمين. الروبوتات في الشوارع تواصل عملها الصامت: تكنس المسارات الضوئية، تصلح الإضاءة، وتعيد ترتيب الحدائق المعلقة بأوامر ريموت مركزية لا تحتاج إلى تدخل بشري.فهد رفع الميدالية أقرب إلى عينيه. الرموز التي كانت خامدة لأسابيع طويلة عادت تلمع الآن بقوة أكبر من الليلة التي نقلته من الرياض. تذكر سوق الخردة، والحر، والوحدة، و

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status