LOGINوقف عند الباب يبصّ لها، زعلان عليها…
رجله كانت متحركة بشوية صعوبة، كأنه كل خطوة تقربه منها كانت تقيله على قلبه. لفّت عينيها وبصّت له. سكوتها وجّع قلبه، حسّ بداخلها كل الحزن اللي مكتوم جواها، كل الألم اللي كانت بتحاول تخفيه طول الأيام اللي فاتت. عينيها اتملت دموع، كأنها كانت مستنية وجوده يطمنها… وتضعف قدّامه هو وبس. دخل، وقعد على ركبته قدّامها، بيتأمّل ملامحها الحزينة بعناية كأن كل خط في وشها بيحكي له قصة وجع. قال بهدوء، وحاول يخبيه، بس صوته مش قادر يخفي القلق: «نور… أنا هنا خلاص، اطمني.» نور بصّت لملامحه، والدموع بدأت تنزل من عينيها واحدة واحدة، من غير ما تحاول تمنعهم. كانت محتاجة تحس بالأمان، محتاجة حد يقبض على قلبها المكسور للحظة واحدة. عمر حضنها. «آه… آه…» صوتها كان بيعلى من كتر الوجع. انهارت نور بين إيديه من كتر العياط، وظهر لها فجأة إن في حضن ده فيه السلام اللي كانت محتاجاه من زمان. عمر كان حضنها كأنه بيعتذر إنه ما كانش معاها في وقت زي ده، كأنه بيقول لها من غير كلام: «أنا موجود دلوقتي… ومش هسيبك.» كان بيحاول يهديها. «اهدي… أنا جنبك.» مسك إيديها بين كفوفه الحنينة. «مش هسيبك تاني أبدًا… عشان خاطري، اهدي.» اللي حصل كان صدمة لكل اللي موجودين حواليهم. إزاي؟ وإمتى؟ حبّوا بعض؟ كانوا بيبصّوا لبعض، عيونهم مليانة تساؤلات واستغراب. حتى ريم كانت متفاجئة من الموقف كله. نور كانت دايمًا هادية، ومبتتكلمش كتير. وبحكم إنها كانت وحيدة مامتها وباباها، كانت ريم أقرب واحدة لها. ومع ذلك، عمرها ما حكَت لها عن عمر. نور كانت عايشة مع مامتها لوحدهم. باباها سابها وهي عندها ١١ سنة. كل اللي عدّى في حياتها خلّاها وحيدة، ومش بتفتح قلبها لحد… حتى لأقرب الناس. المكان كان مليان نظرات وأسئلة. بس حاولوا يعدّوا الموقف، فيه اللي كان مبسوط إن في حد قدر يطلّع إحساسها وحزنها، وفيه اللي ما كانش مرتاح… بس لا الوقت ولا المكان كانوا مناسبين لأي سؤال. قعدوا معاها شوية، ولما مشيوا لقوا عمر لسه قاعد. داليا سألته: «إنت مش هتمشي؟» قال بهدوء: «لا… هستنى مع نور شوية.» داليا رفعت دقنها، وعدّلت حجابها: «متأكد إنك هتقعد؟» عمر قال من غير ما يبصلها: «امشي… وبعدين نتكلم.» بصّت له داليا بغيظ، وعينيها كأنها شرار. «تمام يا عمر.» خرجت من البيت وهي بتضغط على سنانها من العصبية. عمر كان جنب نور، بيطبطب على ضهرها. وفجأة… صوت جاي من تليفون عمر. رسالة… طلع التليفون من جيبه، فتحه، لقَى رسالة من داليا. قفله بسرعة وحطه في جيبه تاني، كأنه بيهرب من أي حاجة ممكن تشده بعيد عنها… أو يبوّظ اللحظة اللي هو فيها. نور كانت قاعدة جوا حضنه، ساكتة، مبتتكلمش. دموعها مبتقفش، بس جواها كان في سكون غريب… كأنها أخيرًا لقيت مكان تستخبى فيه من الدنيا، من وجعها، من خسارتها، من فراق مامتها. عمر كان بيطبطب على ظهرها بكفه الحنين، ولا كلمة، بس حضنه كان كفاية. كان سرحان، كأن في جبل على ضهره محتاج يتشال، بس مش دلوقتي… مش وهي بالشكل ده. نور كانت شايفة ذكرياتها مع مامتها، ملامحها، ضحكتها، صوتها، حضن قديم… والدموع كانت بتسبق أي إحساس جواها. لحد ما التعب غلبها ونامت بين إيديه. غطّاها بهدوء، وباسها على جبينها، وإيده لسه بتمر على شعرها كأنه خايف يسيبها. طلب من ريم تاخد بالها منها، وقالها إنه هيكلمها الصبح. وهو واقف مع ريم، تليفونه رن… طلّعه، قفل الصوت بسرعة، ورجّعه تاني في جيبه. رجع بص لنور، كانت نايمة شبه الملائكة. عينيه قالت من غير صوت: «متزعليش مني…» طول الطريق وهو راجع بيته، التليفون كان بيرن، مرة ورا مرة. بس هو تجاهله تمامًا، قفله، ونام. تاني يوم الصبح، أول حاجة عملها إنه فتح التليفون. كان عاوز يطمن على نور. الرسايل من داليا كانت كتير… قوي. جاب رقم نور، حاول يكلمها… تليفونها مقفول. قلقه زاد… غير هدومه بسرعة وراح لها، طول الطريق وهو حاسس بالذنب، محتار: يكلمها دلوقتي ولا يستنى لما تهدى؟ أول ما الباب اتفتح… عمر اتجمد مكانه، عنيه وسعت، وقلبه وقع. داليا وقفت جمبه، وهي شايلة حاجياتها. نور… كانت واقفة ساكتة، عيونها حزينة، مش محتاجة كلام… بس كل الحركة بتاعتها كانت بتقوله: أنا محتاجة حضنك دلوقتي. عمر خد نفس طويل، وقرب منها شوية، وحس إن كل العالم حواليه اختفى، كأنهم الاتنين بس موجودين، مش غيرهم. مد إيده بحذر، نور رفعت إيديها شويه… كل لمس كان فيه كهربا، وكل ثانية بين التلامس والحضن كانت مأخوذة من قلبه وعقله. «نور…» همس، صوته واطي، فيه حنية كبيرة… «أنا هنا… ومش هسيبك… أبدًا.» نور ابتسمت ابتسامة ضعيفة، دموعها لسه موجودة، بس الملامح اتغيرت شوية… حسّت بالراحة لأول مرة من أيام. وعمر… حس إن كل اللي فات من أيام الغياب، كل اللي فات من صمتها، خلاص اتحلّ… للحظة واحدة.الصبح كان مختلف كل حاجة فيه كانت حلوة وهادية.. مش مجرد يوم عادي… ولا حتى يوم جميل وخلاص… كان فيه حاجة في الهوا نفسه مخلية كل حاجة أهدى، أروق، كأن الدنيا أخيرًا قررت تديهم فرصة يتنفسوا. نور فتحت عينيها بهدوء، الشمس داخلة من الشباك على وشها، بس المرة دي ما ضايقتهاش… بالعكس، ابتسمت وهي بتغمض عينيها تاني لحظة، كأنها عايزة تعيش الإحساس ده أكتر. مدّت إيدها جنبهـا على السرير… مفيش موبايل. افتكرت. ابتسمت أكتر. "ااة اكيد آسر هنا وأكيد هو اللي واخد الموبايل…" قعدت ببطء، لفت شعرها ورا ودنها، وقامت من السرير وهي حاسة بخفة غريبة جواها… الإحساس اللي بقالها كتير مستنياه… الأمان والهدوء. خرجت من أوضتها، وقبل ما تنادي— شمّت ريحته المميزة ولما قربت من المطبخ شمت ريحة قهوة. وقفت مكانها لحظة… قلبها دق بهدوء. قربت اكتر ناحية المطبخ… ولقته اول ما شافته ابتسمت على طول كأنه شيء لا ارادي.. آسر. واقف، ضهره ليها، لابس قميص أبيض بسيط، وإيده بتقلب في الفنجان، كأنه مركز جدًا في حاجة صغيرة… بس هي عارفة إنه واخد باله منها. "دة واضح انه صباح الخير…" قالتها بهدوء. لفّ ناحيتها، وابتسم…
الموبايل كان لسه في إيد نور… بس هي مش حاسة بيه. كلمة واحدة بس هي اللي فضلت ترن في ودنها: "جريمة قتل." مش قادرة تستوعب… مش قادرة تربط الصورة اللي في دماغها بعمر اللي كانت تعرفه… حتى لو كان مؤذي، حتى لو كسرها، حتى لو خوّفها… بس توصل لكده؟ إيديها بدأت تترعش، والموبايل وقع منها فعلًا على الأرض بصوت خفيف. الناس حواليها بدأت تاخد بالها. "نور؟ مالك؟" ريم قربت منها بسرعة، بس نور كانت واقفة مكانها، عينيها مفتوحة بس مش شايفة حاجة. "قتلها…" قالتها بصوت واطي جدًا. "مين؟!" ريم سألت بقلق. نور بصت لها ببطء، وشفايفها بتترعش: "عمر… قتل داليا." الصمت وقع. الصوت في المكان كله اختفى بالنسبة لها، كأنها دخلت في فقاعة لوحدها. قلبها بدأ يدق بسرعة غريبة… مش خوف بس… صدمة… إحساس متلخبط. افتكرت رسالته… "وحشتيني." إحساس تقيل نزل على صدرها. "طب لو… لو أنا رديت؟" الفكرة خبطتها فجأة. لو كانت كلمته… لو كانت ادته فرصة… لو… "نور!" صوت ريم شدها، "اقعدي… انتي وشك أبيض خالص." قعدت بالعافية، إيديها لسه بتترعش. في اللحظة دي— باب المكتب اتفتح بعنف. آسر. دخل بسرعة، عينه دور
آسر كان سايق بسرعة، عينه على الطريق… بس تركيزه كله في جملة واحدة بتلف في دماغه:"وحشتيني."إيده شدت على الدركسيون لدرجة إن مفاصله بانت، ونفسه بقى واضح. مش غيرة بس… ده إحساس أخطر… إحساس إن في حد بيقرب منها تاني، بيحاول يرجع لنفس النقطة اللي كسرها منها قبل كده... وكمان عمر دة اذاها بكل الطرق خانها ووجع قلبها واتهجم عليها وكان ممكن يتسبب في موتها. "دي هتبقى نهايته…" قالها لنفسه وهو بيزود السرعة أكتر.وصل تحت العمارة في وقت قياسي، نزل من العربية من غير حتى ما يبص حواليه، عينه طلعت على الشقة اللي النور فيها مولع. مفيش تفكير… مفيش تردد… طلع السلم بسرعة وخطواته بتخبط في الأرض بقوة.وقف قدام الباب… لحظة واحدة بس خد فيها نفس عميق… وبعدين خبط.خبطه قوية.مفيش رد.خبط تاني… أقوى.جوه الشقة…داليا كانت واقفة في نص الصالة، باين عليها توتر واضح، بصت ناحية الباب وبعدين لعمر اللي كان واقف جنب الشباك، ساند بإيده وبيبص برة بهدوء مستفز."مين؟" سألت وهي ملامحها مش مرتاحة.عمر ابتسم ابتسامة خفيفة، من النوع اللي بيستفز أكتر ما بيطمن، وقال: "واضح إنه وصل."داليا اتشدت: "مين اللى وصل انت هتجبلي مشاكلك لغاية
نور كانت قاعدة على سريرها، ضهرها مسنود على المخدة، والموبايل في إيديها، بس عينيها مش عليه. كانت سرحانة في كل حاجة حصلت النهاردة… في قرب آسر منها، في صوته، في نظراته اللي كانت بتقول كلام كتير من غير ما يتكلم.افتكرت اللحظة اللي كان قريب منها وهو بيلبسها السلسلة…صوت أنفاسه اللي كانت قريبة منها جدا ، ووجوده كان محيط بيها بشكل خلى قلبها يتلخبط. حطت إيدها على رقبتها من غير ما تاخد بالها، كأنها لسه حاسة بلمسته.اتنفست ببطء، وقالت لنفسها بصوت واطي:"مالك يا نور …"بس هي عارفة مالها كويس.نزلت المخدة ونامت عليها وهي ماسكة الموبايل بتعها. فتحت الموبايل، ودخلت على الشات بتاعه. فضلت تقلب في الرسايل القديمة، اه مفيش كلام حب بينهم ولا اى حاجة بس كانت رسايله كلها اهتمام.. كل رسالة كانت بترجع لها إحساس، موقف، لحظة بينهم. وقفت عند رسالة: "خلي بالك من نفسك." وابتسمت من غير ما تحس.إيديها اتحركت وكتبت:"آسر…"وقفت. فضلت باصة للكلمة شوية، كأنها مستنية تكمل… بس ما كملتش. مسحتها.كتبت تاني:"كنت عايزة أقولك حاجة…"وبرضو مسحتها.اتنهدت بضيق، ورمت الموبايل جنبها:"أنا البنت مينفعش ابدأ باي كلام من دة هو لو
نور كانت واقفة مكانها، ماسكة العلبة، وعينيها على آسر. ملامحه اتغيرت في لحظة، وكأن في حاجة ضغطت جواه فجأة. قبل ما تستوعب، اتحرك ناحية الأوفس بوي بسرعة، صوته خرج هادي بس فيه حدّة واضحة: "مين اللي إدالك العلبة؟"الأوفس بوي اتلخبط شوية، وبص حواليه كأنه بيفتكر، وبعدين قال بسرعة: "واحد يا مستر آسر … كان واقف تحت عند باب الشركة وانا داخل الصبح … إداني العلبة وقال أديها للأستاذة نور ومشي على طول."آسر عينه ضاقت، وسأله تاني بنبرة أقوى: "شكله كان عامل إزاي؟"الأوفس بوي حاول يركز: "هو… كان لابس كاب كده… ومش باين وشه أوي… بس…""بس إيه؟" آسر قالها بسرعة."بس حسيت إنه مستعجل… يعني مداني الحاجة ومشي بسرعة."ثانية واحدة عدت، وآسر خد القرار.لف وخرج بسرعة من غير ما يقول كلمة تانية، خطواته كانت سريعة وغاضبة، كأنه بيجري ورا حاجة هتختفي لو اتأخر ثانية. نور اتفاجئت، عينيها راحت وراه، وقلبها بدأ يدق بسرعة."آسر…"قالتها واطية، بس هو كان خلاص نزل.وقفت مكانها ثواني، مش عارفة تعمل إيه. تبص على العلبة… ولا تجري وراه… ولا تسأل حد؟ إحساس غريب شد صدرها، إحساس إن الموضوع أكبر من مجرد هدية.قربت ريم منها بسرعة وه
لصبح كان لسه مجاش، بس نور كانت قاعدة على سريرها، ضهرها مسنود على المخدة، والموبايل في إيديها. الشاشة منورة قدامها… بس هي مش شايفة حاجة فيها. عينيها كانت تايهة، وعقلها رايح لنفس اللحظة… نفس النظرة… نفس صوته وهو بيقول لها ببرود: "نخلص الشغل الأول وبعدين نتكلم."زفرت ببطء، وغمضت عينيها لحظة. "هو زعلان… وحقه يزعل." همست بيها لنفسها، بس الكلمة نفسها كانت بتضايقها. كانت متعودة على هدوءه، على اهتمامه اللي بيبان من غير كلام، على وجوده اللي دايمًا مطمّنها… مش على البُعد ده.بصت للموبايل تاني، وفتحت الشات بتاعه. إيديها وقفت فوق الكيبورد، كتبت "آسر…" ومسحتها. كتبت "ممكن نتكلم؟" ومسحتها برضو. فضلت كده شوية، تكتب وتمسح، لحد ما رمت الموبايل جنبها وقالت بضيق خفيف: "أنا حاولت بما فيه الكفاية."سكتت لحظة، وبعدين ضحكت بسخرية خفيفة: "براحته انا مش هاجري وراه بقى هو اللى خسران"وقبل ما تكمل الجملة، الموبايل رن فجأة في إيديها. اتخضت لدرجة إنها سابته يقع على السرير. قلبها دق بسرعة وهي بتبص له، الاسم ظاهر قدامها… "آسر".سحبت نفس بسرعة، ومدت إيدها تمسكه، وردت بسرعة: "ألو؟"صمت.ثانية… اتنين… صمت من الناحية ا
كان الممر قدام أوضة العناية هادي بشكل يخوّف، الهدوء اللي بيخلّي أي صوت بسيط يبان عالي زيادة عن اللزوم، والوقت فيه ما بيمشيش طبيعي… كأن كل دقيقة بتعدي بتسحب من روح اللي مستني.نور كانت قاعدة على الكرسي، ضهرها متني شوية لقدام، وإيديها متشبكة في بعض بقوة، لدرجة إن صوابعها بقت بيضا من كتر ما بتضغط عليه
عمر دخل الغرفة ولقى داليا على السرير، لابسة لبس البيت الخفيف اللي كان محتفظ بنعومة جسمها وشكلها اللي عمر متعود عليه.وقف جمبها بهدوء، وراسه يميل شوية:— أخيراً جيت…؟داليا رفعت عينيها، ابتسامة خفيفة على شفايفها، وفيها لعب وخفة:— تعبانة أوي يا عمر… خليك جمبي…عمر قرب براحة، حاسس بحاجة غلط في الجو،
نور مسكت إيد عمر وقربت منه بهدوء، كأنها عايزة توصل له إحساسها قبل الكلام، وكانت عيونها مليانة حنين وارتباك مع بعض.عمر قرّب ودنه منها، مستعد يسمع أي كلمة من شفتها.وقالت له بصوت واطي، خافت شوية لكنه حنون:— ممكن نمشي؟نظراتهم اتقابلت، وصمت قصير ملأ الجو بالتوتر والدفء في نفس الوقت.عمر ابتسم بحنية
بعد ساعات طويلة من الانتظار اللي ما كانش ليها شكل ولا معنى، خرج الدكتور تاني، بس المرة دي خطواته كانت أهدى، وملامحه أخف شوية من قبل كده، كأن فيه حاجة اتغيرت ولو بنسبة بسيطة، كلهم وقفوا في نفس اللحظة تقريبًا، كأنهم مربوطين بخيط واحد، آسر اتحرك أول واحد ناحيته، قلبه بيدق بعنف وهو مستني يسمع كلمة تطمن







