LOGINتبقى سيندي جالسة أمام الصندوق المفتوح، والوثيقة بين يديها، بينما تتكرر الجملة الأخيرة في ذهنها: «وهو أيضًا الرجل الذي يعرف ما حدث لجوليان.» لم تعد قادرة على التعامل مع الأوراق باعتبارها مجرد جزء من إرث والدتها، فقد تحولت كل صفحة إلى احتمال جديد يجعل السنوات التي عاشتها وهي تصدق رواية واحدة عن وفاة والدها تبدو أقل وضوحًا. تضع يدها على بطنها عندما تشعر بحركة حنين، ثم تأخذ نفسًا عميقًا وتحاول أن تستعيد هدوءها. «أريد أن أعرف كل شيء.» تنظر إيلين إليها بصمت، ثم تجيب: «إذن لا تبحثي عن الحقيقة في الأوراق فقط، بل انتبهي إلى التواريخ أيضًا.» تجمع سيندي المستندات وتبدأ بترتيبها على الطاولة. تضع الوثيقة التي تحمل توقيع والدتها في جهة، ومستند جوليان في جهة أخرى، ثم ملفات جيرالد التي أحضرها معها. بعد دقائق تلاحظ شيئًا لم تنتبه إليه من قبل؛ هناك فجوة زمنية بين آخر اتفاق وقعه والدها وبين أول وثيقة ظهر فيها اسم جيرالد، وكأن شخصًا تعمد إخفاء جزء كامل من القصة. «هنا.» تشير إلى التاريخ. «أربع سنوات مفقودة.» تقترب إيلين وتنظر إلى الأوراق. «كانت تلك أكثر فترة غامضة في حياة والدتك.» «ماذا حدث خلاله
تظل سيندي واقفة في الغرفة السفلية وهي تمسك بالصورة القديمة بين أصابعها، بينما يتردد صوت إيلين في رأسها منذ لحظات: «هذا الرجل يعرف الحقيقة عن والدك... وعن جيرالد.» تعيد النظر إلى وجه الرجل في الصورة، ثم إلى الكتابة الموجودة خلفها، وتحاول أن تستخرج من ذاكرتها أي شيء قد يساعدها على التعرف إليه، لكن ملامحه لا تعني لها شيئًا. كان شابًا في الصورة، يرتدي معطفًا أنيقًا ويقف إلى جانب والدتها أمام الورشة القديمة، وكانت والدتها تنظر إلى الكاميرا بابتسامة مختلفة تمامًا عن الصور التي تحتفظ بها سيندي من طفولتها. تسألها بهدوء: «إذا كنت تعرفين أنه مهم إلى هذه الدرجة، فلماذا لم تخبريني عنه من البداية؟» تقترب إيلين من الطاولة وتنظر إلى الصورة، ثم تجيب بعد لحظة تردد: «لأن والدتك طلبت مني ألا أذكر اسمه أمامك إلا إذا وصلتِ بنفسك إلى هذه الغرفة.» «وماذا كانت تعرف عنه؟» «أكثر مما كنت أظن.» تجلس سيندي وتضع الصورة أمامها، ثم تفتح الملف من جديد وتبدأ في ترتيب الأوراق بحسب تواريخها. معظم المستندات تتعلق بملكية الورشة وحقوق العائلة، لكن بين الصفحات تظهر وثيقة مختلفة تمامًا، تحمل ختمًا قديمًا وتاريخًا يعود إ
تتبع سيندي إيلين عبر الممر الطويل المؤدي إلى الجناح القديم، بينما تمسك بالدفتر الجلدي بيد وتضع اليد الأخرى فوق بطنها بين لحظة وأخرى. الطريق هادئ، والبيت الذي بدا لها واسعًا منذ وصولها أصبح الآن يبدو أكبر بكثير، وكأن كل باب فيه يخفي جزءًا من حياة والدتها لم تكن مستعدة لمعرفته من قبل. تتوقف إيلين أمام جدار حجري في نهاية الممر، ثم ترفع لوحة قديمة معلقة عليه، فتظهر فتحة صغيرة في الجدار. «ضعي المفتاح هنا.» تنظر سيندي إلى المفتاح الموجود في يدها، ثم إلى الفتحة. «كنتِ تعرفين مكانها طوال الوقت؟» «كنت أعرف أين توجد، لكنني لم أملك الحق في فتحها.» تدخل سيندي المفتاح وتديره ببطء. تسمع صوت آلية قديمة تتحرك داخل الجدار، ثم ينفتح جزء من الحجر إلى الداخل، كاشفًا عن درج ضيق ينزل إلى أسفل. تنظر سيندي إلى إيلين بدهشة. «هناك غرفة تحت البيت؟» «كانت تستخدم لحفظ الأشياء التي لا يجب أن يراها أحد.» تنزل سيندي أولى الدرجات، لكن إيلين تمسك بذراعها. «ببطء. أنت حامل.» تبتسم سيندي. «بني انه بخير.» وكأن الطفل سمع اسمه، تتحرك بطنها تحت يدها بركلة صغيرة. تضحك. «رأيتِ؟ إنه يوافقني.» تنزل الدرج حتى تصل
في صباح اليوم التالي، تستيقظ سيندي وهي تشعر بثقل خفيف في جسدها. تمد يدها نحو بطنها قبل أن تفتح عينيها تمامًا، فتجد جنينها يتحرك بهدوء تحت راحة يدها. تبتسم، ثم تتمتم: «صباح الخير أيها المشاغب.» تأتي ركلة صغيرة كأنها إجابة، فتضحك وحدها وتجلس على السرير. منذ أن بدأت تشعر بحركته بوضوح، أصبحت أيامها مختلفة. لم تعد تستيقظ وهي تفكر فقط في الماضي أو في جورج أو في السنوات التي ضاعت منها. أصبح هناك شخص صغير ينتظرها في نهاية هذه الرحلة، وهذا وحده يمنحها سببًا للاستمرار. بعد الإفطار، تعود سيندي إلى الورشة القديمة. تحمل معها ملف والدتها والمفتاح الذي أعطتها إياه إيلين، ثم تقف أمام الباب الموجود في آخر الممر. الباب خشبي قديم، لونه أغمق من بقية الأبواب، والمقبض المعدني عليه طبقة خفيفة من الغبار. تضع يدها عليه، لكنها تتردد للحظة. «ماذا كنت تخفين هنا يا أمي؟» تدخل المفتاح في القفل وتديره ببطء. يصدر صوت طقطقة خافت، ثم ينفتح الباب. تدخل سيندي بحذر، فتجد نفسها أمام غرفة واسعة لم تشبه بقية أجزاء الورشة. الرفوف تمتد على الجدران، وعلى بعضها عشرات القوارير الزجاجية القديمة، بينما توجد في المنتصف طاولة خ
تستيقظ سيندي قبل شروق الشمس بقليل، لا بسبب صوت أو حلم، بل بسبب حركة خفيفة تحت يدها. تفتح عينيها ببطء وتبقى ساكنة للحظات، ثم تضع كفها على بطنها المنتفخ وتبتسم عندما تشعر بالحركة مرة أخرى.«صباح الخير يا حبيبي .»تخرج الكلمات منها هامسة، وكأنها تخشى أن توقظ الطفل الذي يقضي معظم وقته هادئًا داخلها. تمرر أصابعها فوق بطنها برفق، ثم تستلقي على جانبها وتتنفس بعمق. منذ أيام بدأت تشعر بركلات واضحة، لكنها في كل مرة تشعر بها تتوقف عن أي شيء تفعله وكأن العالم كله يمكنه الانتظار.تضحك عندما تأتي ركلة أخرى أقوى من سابقتها.«أنت مستعجل جدًا، أليس كذلك؟»تجلس على طرف السرير، وتضع يدها على ظهرها قبل أن تنهض. الحمل جعل أبسط الحركات تحتاج إلى لحظة تفكير، لكن سيندي لم تسمح لذلك بأن يوقفها. منذ أن وصلت إلى فرنسا، وهي تحاول ترتيب حياتها من جديد، خطوة بعد أخرى. أمامها بيت العائلة القديم، وملفات والدتها، وإرث العطر الذي اكتشفت أنه كان ينتظرها طوال هذه السنوات، وفوق كل ذلك طفل سيأتي إلى حياتها قريبًا.تدخل الحمام وتغسل وجهها، ثم تقف أمام المرآة للحظات. تنظر إلى انعكاسها وإلى بطنها الواضح تحت قميص النوم، فتضع
تتوقف سيارة الأجرة أمام الطريق الحجري المؤدي إلى أطراف القرية، فتنزل سيندي وهي تحمل حقيبتها والصندوق الخشبي الذي أصبح منذ الأمس أثمن ما تملكه. تدفع للسائق، ثم تبقى للحظات تنظر إلى الطريق الممتد أمامها. المكان أكثر هدوءًا مما تخيلت، والبيوت القديمة تنتشر بين الأشجار، بينما يظهر في نهاية الطريق مبنى حجري ضخم تحيط به حديقة واسعة وسياج حديدي قديم. تخرج الورقة من حقيبتها مرة أخرى وتتأكد من العنوان، ثم تبدأ بالسير. كلما اقتربت، تشعر بشيء غريب في داخلها. لا تعرف المكان، ومع ذلك تشعر أن هناك شيئًا مألوفًا فيه. ربما الرائحة القادمة من الحديقة، أو شكل الأشجار القديمة، أو ذلك الهدوء الذي يحيط بالمبنى. تتوقف أمام البوابة، وتجد العلامة المعدنية نفسها التي رأتها على الزجاجة القديمة؛ وردة محفورة داخل دائرة. تمد يدها وتلمسها بأطراف أصابعها. «إذن أنت هنا.» تسمع صوتًا خلفها، فتلتفت بسرعة. إنها امرأة في الخمسينيات تقف قرب المنزل وتحمل مجموعة من المفاتيح. تنظر إليها للحظات قبل أن تسأل: «هل أنت سيندي؟» تتردد سيندي. «نعم.» تتقدم المرأة ببطء. «اسمي إيلين. كنت أعمل مع عائلتك منذ سنوات، ثم بقيت هنا بع







