LOGINبعد نحو ساعة، توقفت سيارة أحمد أمام منزل العبدالله، وترجل منها برفقة والدته نورة. كان ياسر قد أخبر الجميع بموعد وصولهما، لذلك اجتمع أفراد العائلة في غرفة الجلوس لاستقبالهما. كانت غادة تجلس إلى جانب ياسر، بينما جلست لمى بالقرب منهما، وبقي زين واقفًا للحظات قبل أن يتجه نحو الباب لاستقبال الضيوف. ما إن دخل أحمد ونورة حتى رحب بهما ياسر أهلًا بكما، تفضلوا. ابتسمت نورة أهلًا بك يا ياسر، نعتذر عن المجيء في هذا الوقت، لكننا أردنا أن نطمئن على لينا بأنفسنا. أجاب ياسر لا داعي للاعتذار، البيت بيتكم. صافح أحمد ياسر، ثم حيّا غادة ولمى وزين، قبل أن يجلس إلى جانب والدته، كانت الأجواء هادئة في ظاهرها، لكن ياسر كان يشعر بثقل الحديث الذي ينتظره. أما لمى، فكانت تراقب أحمد بين الحين والآخر، وكأنها تحاول معرفة اذا كان سبب مجيئه، بينما كانت غادة أكثر توترًا. قالت نورة بعد أن استقرت في مكانها أين لينا؟ كنت أتمنى أن أراها. نظر ياسر نحو الدرج،إنها في غرفتها. تدخل زين قائلًا منذ الصباح وهي منشغلة بأمر غرفتها، وبعدها بدأت تتسوق. ابتسمت نورة بخفة تتسوق؟ أومأ زين نعم، يبدو أنها قررت أن تبدأ حياتها م
لم تكد كلمات لينا الأخيرة تستقر في أرجاء غرفة الطعام حتى تبدلت ملامح غادة، وظهر الغضب واضحًا في عينيها. وضعت يدها على الطاولة وقالت بنبرة حادة، أظن أنك فقدتِ تربيتك خلال المدة التي غبتِ فيها، وتظنين الآن أن القرارات كلها يجب أن تسير وفق هواكِ. رفعت لينا عينيها إليها، لكنها لم تجب. أما لمى، فلم تفوت الفرصة، وقالت بسخرية وهي تنظر إلى لينا لا تستغلي خالي ياسر بسبب فقدانكِ للذاكرة. فقدان الذاكرة لا يعني أن كل شيء أصبح مسموحًا لكِ. ظلت لينا تنظر إليهما لثوانٍ، ثم ظهرت على شفتيها ابتسامة ساخرة ، وقالت بهدوء أعتقد أنني أتحدث مع والدي، وليس معكما. تجمدت غادة، أما لمى، ففتحت فمها محاولة الرد، لكن ياسر سبقها. قال بحزم يكفي يا لمى.التفتت إليه لمى مصدومة، تابع ياسر دون أن يرفع صوته، هذا الأمر بيني وبين لينا. لا أريد أن يتدخل أحد. كانت غادة تنظر إلى ياسر بعدم تصديق، بينما جلست لمى في مكانها وقد بدا عليها الانزعاج. أما زين، فكان يراقب لينا وفي داخله شعر بشيء يشبه الفخر. لم تهرب لينا ولم تسمح لأحد بأن يخيفها أو يجعلها تتراجع، لقد وقفت أمام غادة ولمى بكل هدوء، وقالت جملة واحدة فقط و
خرجت لينا مع سلمى، وتركت خلفها ثلاثة أشخاص عاجزين عن الكلام. ظل ياسر يحدق في الباب الذي أُغلق خلفها، وكأن عقله لا يزال يحاول استيعاب ما حدث. قالت غادة بصوت خافت لقد ألغت الخطبة… أما زين، فلم يجب كان ينظر إلى الباب نفسه، وفي داخله يقين واحد هذه لم تعد لينا التي كانوا يعرفونها، لقد بدأت تستعيد حقها في الاختيار، حتى قبل أن تستعيد ذاكرتها. وفي الجهة الأخرى من الممر، كانت لينا تسير بجانب سلمى، تسألها عن الألوان والتصاميم وكأنها لم تترك خلفها للتو عاصفة ستقلب المنزل بأكمله. قالت سلمى بتردد آنسة لينا… هل أنتِ متأكدة من قرارك؟ نظرت لينا إليها باستغراب بسيط، ثم قالت أي قرار؟ «أقصد… قرار الخطبة.» لم تستطع لينا منع نفسها من الضحك، وهزت كتفيها بلا مبالاة، ثم قالت آه، الخطبة. توقفت للحظة، ثم تابعت وهي تسير أنا لم أختر السيد أحمد، وهذا ما أنا متيقنة منه. نظرت إليها سلمى بصمت. قالت لينا ببساط إذن هذه ليست مشكلتي. رفعت سلمى حاجبيها بدهشة، بينما ابتسمت لينا وأضافت فليحلّوها هم. أنا لم أوافق عليها، ولن أوافق عليها الآن لمجرد أن الجميع اعتادوا على وجودها. ثم التفتت إلى سلمى وقا
لم تمضِ سوى لحظات على خروج سلمى من الغرفة حتى وصلت أصوات خطوات متسارعة إلى الطابق الثاني. كان ياسر أول من ظهر في الممر، تتبعه غادة وزين، وقد بدت على وجوههم علامات القلق والاستغراب . توقف ياسر أمام باب الغرفة، ثم طرق عليه طرقًا خفيفًا قبل أن يفتحه دون انتظار طويل، وجد لينا واقفة في منتصف الغرفة، بينما كان الدفتر الأسود لا يزال فوق المكتب خلفها. اقترب منها بسرعة، وقد ارتسم القلق واضحًا في عينيه، قال بصوت متوتر ابنتي، ماذا حدث؟ هل كل شيء على ما يرام؟» التفتت لينا إليه، ونظرت إلى وجهه لثوانٍ طويلة، ثم ابتسمت بهدوء وقالت أجل، كل شيء سيصبح على ما يرام، لا تقلق. تنفس ياسر قليلًا، لكنه لم يطمئن تمامًا، سألها إذن لماذا استدعيتِ سلمى؟ هل شعرتِ بتعب أو ألم؟ هزت رأسها نافية، ثم قالت ببساطة لا، ليس الأمر كذلك. أردت فقط أن أجري بعض التغييرات. «تغييرات؟» تدخلت غادة دون أن تخفي ارتباكها. أشارت لينا إلى الغرفة من حولها، وقالت بابتسامة هادئة سأغير الأثاث، والستائر، والسجاد… كل شيء تقريبًا. أريد أن تبدو الغرفة مختلفة. ساد الصمت. لم تكن كلماتها مخيفة في حد ذاتها، لكن الطريقة التي قا
أن يخبرها أن الأمر لم يكن قرارًا حرًا كما سيحاولون تصويره لها.أن يخبرها أن ياسر ضغط عليها، وأنها لم تكن تملك حينها رفاهية الرفض. لكن الكلمات توقفت في حلقه، لم يستطع أن يكون هو من يعيد إليها كل ذلك الألم وهي بالكاد بدأت تستعيد وعيها بحياتها. قال أخيرًا بصوت هادئ أحيانًا يا لينا… لا يكون الإنسان قادرًا على اختيار كل شيء في حياته. رفعت عينيها إليه هل تقصد أنني لم أكن قادرة على الاختيار؟ صمت زين، كانت الإجابة واضحة في عينيه قبل أن ينطق بها. اقتربت لينا منه أكثر،إذن كان هناك شيء لم يخبرني به أحد. ابتلع زين ريقه، هناك أشياء كثيرة ستعرفينها مع الوقت. «ومن سيخبرني؟» نظر إليها زين مطولًا، الحقيقة نفسها، وبعدها نهض ببطء، أنتِ لستِ مطالبة بأن تعرفي كل شيء اليوم. نظرت إليه، لكنني سأعرف، سأعرف من كنت، وماذا حدث لي، ولماذا وافقت على هذا الزواج… أو بالأحرى، لماذا انتهى بي الأمر فيه. توقف زين عند الباب، ونظر إليها بصمت، كانت لينا التي أمامه مختلفة. قال وهو يحاول أن يخفي الاضطراب الذي ظهر في عينيه حسنًا،… ارتاحي الآن، لقد مررتِ بيوم طويل، وكل هذه الأسئلة لن تجد إجاباتها الليلة.
كانت لينا لا تزال جالسة في غرفة الجلوس، وملامحها هادئة رغم أن داخلها كان ممتلئًا بالأسئلة. كانت تنظر بين الحين والآخر إلى الوجوه المحيطة بها، وكأنها تحاول أن تجمع أجزاء حياة لا تعرف عنها شيئًا. وبعد لحظات، رفعت عينيها نحو ياسر وقالت بهدوء أريد أن أذهب إلى غرفتي. ما إن أنهت كلماتها حتى نهض زين من مكانه بسرعة، وكأنه كان ينتظر فرصة ليكون بالقرب منها أنا سأخذك إليها. نظر ياسر إليه، ثم أومأ برأسه، بينما وقفت لينا بهدوء وتبعت زين. صعدا الدرج وسط صمت ثقيل. كان زين يسير أمامها بخطوات بطيئة، يلتفت بين حين وآخر ليتأكد أنها ما زالت خلفه. أما لينا فكانت تنظر حولها باهتمام، تحاول أن تحفظ تفاصيل المكان الذي يفترض أنه كان منزلها يومًا. توقف زين أمام أحد الأبواب، ثم فتحه هذه غرفتك. دخلت لينا إلى الداخل، لكنها توقفت فجأة نظرت حولها بصمت. كانت الغرفة صغيرة بشكل لافت، مقارنة بفخامة المنزل واتساع بقية أجزائه. سرير بسيط، خزانة صغيرة، مكتب متواضع، وبعض الأغراض القليلة التي بدت وكأنها تنتمي إلى شخص يعيش في مكان مؤقت، لا إلى ابنة العائلة التي يتحدث الجميع عنها. تقدمت بضع خطوات، ثم مررت يدها على طرف ا







