LOGINبعد أسبوع…كانت السماء فوق قلعة الصيادين كثيفة بالغيوم، التي ابتلعت ضوء النهار، والريح الباردة صفعت الرايات المعلقة فوق الأبراج الحجرية، حتى بدا المكان كقلعة تستعد للحرب لا للاجتماع.داخل القاعة الكبرى…ساد التوتر كالدخان.طاولة طويلة من الخشب امتدت في قلب القاعة، تحيط بها وجوه رجال اعتادوا رؤية الدم أكثر من النوم.كان الصيادين من أخطر الرجال.لكن رغم قسوتهم…كان الصمت يبتلعهم كلما رفعوا أعينهم إلى نوح.جلس بهدوء مرعب، مرتديًا معطفه الأسود الطويل، بينما انعكاس النار الراقصة في المواقد جعل ملامحه تبدو أكثر ظلمة.يداه متشابكتان أمامه.ظهره مستقيم.وعيناه باردتان لدرجة مخيفة.لكن شيئًا فيه لم يكن طبيعيًا.شحوبه أصبح واضحًا.الظلال تحت عينيه أعمق.وأنفاسه… أبطأ من المعتاد.راقبه الجميع بحذر دون أن يعلق أحد.لأن القاعة بأكملها تعلم شيئًا واحدًا:حين يبدو نوح هادئًا هكذا…فهذا يعني أن الجحيم قريب.ضرب أحد الصيادين الطاولة بقبضته أخيرًا وقال بغضب:— نحن نخسر الحدود الشرقية واحدة تلو الأخرى! مصاصو الدماء المتوحشون يتحركون ليلًا وكأنهم يعرفون مواقعنا مسبقًا!رد آخر بحدة:— يوجد خائن بيننا.ساد
حلّ الصباح على القصر ثقيلًا، كأنه لم يأتِ ليبدأ يومًا جديدًا… بل ليكشف ما أخفاه الليل بصعوبة.الضوء الرمادي انسلّ من النوافذ العالية ببطء، باهتًا وباردًا، حتى الثريات الذهبية فقدت بريقها تحت ذلك الفجر الكئيب.الجدران الحجرية بدت أكثر قسوة، والممرات الطويلة أكثر صمتًا، والهواء نفسه يحمل شيئًا خانقًا… شيئًا لا يُرى، لكنه يجعل الصدر أثقل مع كل نفس.في الجناح العلوي، استيقظ نوح بلا حركة.فتح عينيه ببطء شديد، وكأن جسده يرفض العودة إلى الوعي.ظل مستلقيًا للحظات، يحدق في سقف الغرفة المعتم، بينما ذلك الألم الخافت يعود مجددًا داخل صدره.ليس ألمًا حادًا.بل شيء أخطر.ثقل بطيء… كأن السم لا يقتله بسرعة، بل يتلذ بإضعافه تدريجيًا.شدّ فكه فورًا.يده تحركت نحو صدره بلا وعي، ثم توقف قبل أن يلمس نفسه حتى.وكأن الاعتراف بالألم جريمة.أغمض عينيه ثانية وهمس بصوت خشن:— ليس الآن.كلمة واحدة فقط.لكنها خرجت كأمر عسكري موجه لجسده نفسه.جلس على طرف السرير، وانحنى قليلًا للأمام، بينما أنفاسه تباطأت بشكل مزعج.لثوانٍ قصيرة… شعر بدوار خفيف.شيء لم يحدث له منذ سنوات.قبض أصابعه بقوة حتى برزت عروق يده.لا.لن يسم
الممرات التي مرّ بها داميان قبل قليل بدت الآن أطول، أكثر ضيقًا، كأن القصر نفسه يراقبه وهو يحاول ألا ينفجر.حتى وصل إلى جناحه.أغلق الباب خلفه.ثانية واحدة من الصمت.ثم… انفجر كل شيء.قبضته اصطدمت بالطاولة الخشبية في منتصف الغرفة.تشقق السطح تحت القوة، وانقلبت الشموع المزخرفة على الأرض، لتنطفئ واحدة تلو الأخرى كأنها تتخلى عن الحياة."امرأة تُختار لي؟"صوته خرج منخفضًا، لكنه كان مشبعًا بشيء لا يقرأ.التفت فجأة، فأسقط رفًّا كاملًا من الكتب القديمة.تساقطت الأوراق كأنها جثث بيضاء."كأنني… قطعة شطرنج."لم يكن غضبًا عشوائيًا، بل موجة منظمة من الانهيار، كأن كل شيء حوله يجب أن يدفع ثمن ما قيل في القاعة.توقف لحظة.تنفّس بسرعة... بعصبية.صدره لم يهدأ.كانت صورتها هي التي لا تغادره."لا."همس لنفسه."ليس الآن... لن تبعدني عنها."لكن الغضب عاد أقوى.دفع الطاولة مرة أخرى، فانقلبت بالكامل.تكسرت الزجاجات الفاخرة للنبيذ، وانسكب السائل الداكن على الأرض كأنه دم قديم.ثم ساد الصمت فجأة.صمت ثقيل… غير مريح.داميان وقف في وسط الدمار، صدره يعلو ويهبط، وعيناه ثابتتان على الفراغ.لم يكن يهدأ.بل كان يجمع ن
كانت أبواب القصر الإمبراطوري ترتفع ببطء، كأنها لا تفتح للداخلين بسهولة بل تختبرهم أولًا.دخل داميان دون أن يبطئ خطوته.الممرات الرخامية الطويلة امتدت أمامه كأنها بلا نهاية، أعمدة شاهقة تحرسها نقوش قديمة لأسماء حكّام سقطوا ولم يبقَ منهم سوى الصدى. كان القصر هادئًا… لكن هذا النوع من الهدوء الذي لا يعني السلام، بل الترقب.الحراس لم يرفعوا أعينهم.لم يجرؤ أحد أصلًا.كانوا يعرفون أن مرور داميان هنا لا يشبه مرور أي شخص آخر. كأنه ظلٌّ مُرسَل من حرب لم تبدأ بعد.توقّف عند نهاية الممر.باب القاعة الإمبراطورية."ادخل."صوت الإمبراطور خرج من الداخل، ثابتًا، بلا انفعال. لكن فيه تلك النبرة التي لا تحتاج إلى تكرار.دفع داميان الباب ببطء.القاعة كانت أوسع من أن تُرى دفعة واحدة. سقفها المرتفع يختبئ في العتمة، وثريات الذهب معلّقة كنجوم ميتة. وعلى العرش، جلس الإمبراطور.لم يكن ينظر إليه مباشرة.كان يقرأ شيئًا في يده، كأنه يريد أن يجعل العالم ينتظر حتى يقرر هو اللحظة المناسبة للغضب."تأخرت."قالها دون رفع عينيه.أغلق داميان الباب خلفه بهدوء."لم أكن أعلم أنه علي السرعة."رفع الإمبراطور نظره أخيرًا.نظرة
انتهى العشاء متأخرًا، لكن القصر لم يستعد هدوءه الحقيقي أبدًا.كان هناك شيء ثقيل يزحف داخل الجدران الحجرية العتيقة، شيء لا يُرى بالعين… لكنه يُشعر الجميع بأن الليل ما زال يخفي أنيابه.الثريات الذهبية انعكست فوق الطاولة الطويلة، فوق الكؤوس الكريستالية، فوق السكاكين الذهبية المصطفة بدقة مفرطة… نهض فيكتور أولًا، متكئًا بكسل على حافة الطاولة وهو يطلق زفرة طويلة."إذا بقيت دقيقة إضافية معكما سأصاب بالسكري من هذا التوتر الرومانسي بينكما."رفعت سيسيليا حاجبًا وهي تنظر إليه ببرود متعمد."أنت تبالغ.""أنا؟" وضع يده فوق صدره بصدمة مصطنعة، ثم أشار إلى نوح. "هذا الرجل أخطر صياد بالمملكة، ينظر إليكِ وكأنه مستعد لإحراق إمبراطورية كاملة إذا شعرتِ بالبرد."توقفت يد سيسيليا فوق كأسها للحظة.أما نوح… فلم ينكر.لم يسخر.لم يرمق فيكتور حتى.فقط بقي جالسًا بصمته البارد، يدير كأس النبيذ بين أصابعه ببطء قاتل، وعيناه ثابتتان على سيسيليا بطريقة جعلت الهواء يكاد يختفي.وهذا وحده جعل ابتسامة فيكتور تتسع.لأن نوح الذي يعرفه منذ سنوات… كان سيطلق تهديدًا فورًا.أما الصمت؟فالصمت مع نوح لم يكن فراغًا أبدًا.بل اعتر
خطوات نوح ابتعدت في الممر المؤدي للحمام، وصدى الباب وهو يُغلق خلفه جعل سيسيليا تفيق من شرودها.الغرفة كانت صامتة بشكل مريب، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها وتراقب ما حدث قبل لحظات.لم تتحرك من مكانها.فقط رفعت يدها ببطء إلى شفتيها.ما زال دفء قبلته عالقًا هناك، كأثرٍ لا يُمحى مهما حاولت تجاهله.ضحكت ضحكة قصيرة مرتبكة، متقطعة، كمن يُوبّخ نفسه... لأنها بدت كالمراهقة."توقفي يا سيسيليا." همست لنفسها، وكأنها تخاطب جزءًا فيها خرج عن السيطرة.لكن قلبها لم يستجب.كان مشغولًا بشيء أكثر إزعاجًا… بسماع نبضاته التي لم تعد تعرف كيف تهدأ، وكأنها فقدت إيقاعها الطبيعي منذ لحظة واحدة فقط.في الجهة الأخرى من القصر، وقف فيكتور أمام النافذة في الرواق الطويل.المطر كان قد خفّ قليلًا، لكن السماء ما زالت مثقلة بغيوم داكنة كأنها ترفض المغادرة.انعكس الضوء الخافت للممرات على الزجاج، بينما كان العالم خلفه يبدو ساكنًا بشكل غير مريح، كهدوء يسبق شيئًا لا يُفهم.مرّ ماركوس بجانبه بخطى هادئة، يحمل مذكرة صغيرة لا يتخلى عنها، أصبحت جزء من روتينه الذي لا يتغير أبدًا."لم أرك بهذا الصمت منذ زمن، سيد فيكتور." قال بابتسا







