LOGINالفصل السادس عشر
– منتصف النهار – قاعة المؤتمر – مدريد دخلت فاليريا القاعة الواسعة، وسط أضواء الكاميرات التي تركزت عليها بشدة، وهمسات الحضور تتناقل اسمها بإعجاب: "مصممة الأزياء الشهيرة التي تحولت إلى شخصية سياسية بارزة..." أصوات الأسئلة تنهال من كل حدب وصوب، من الصحفيين، والضيوف، والمهتمين، يتساءلون عن سرّ تحوّلها، وعن رؤيتها المستقبلية. وسط ذلك الزخم، وقف رافـييل بجانبها، ممسكًا بيدها برقة، كأنه يرسل لها رسالة طمأنينة: "أنا هنا، لن تديري وجهك وحدك." سارت فاليريا بثبات أمام الحضور، تجاوبت مع الأسئلة بصوتٍ واضحٍ وواثق، مُظهرةً مزيجًا من الجمال والذكاء والصلابة. انتهى المؤتمر دون مفاجآت، وخرج الجميع إلى الهواء الطلق، توجهوا إلى السيارات التي كانت بانتظارهم. ⸻ في طريق العودة إلى الفندق جلسا في السيارة، والهدوء يلف المكان، كادت فاليريا تكسر الصمت، ثم قالت بنبرةٍ هادئة لكنها حازمة: ـ لا أشعر برغبة في العودة إلى الفندق الآن... التفت رافـييل إليها، متفهمًا، فأكملت: ـ أريد أن أتجول قليلاً في شوارع مدريد، أن أتنفس هواء المدينة، أن أرى الحياة... ابتسم وهو يقول: ـ سأجعل سيارات المرافقة تعود، ونبقى أنا وأنت فقط، لنستمتع بسلامنا الخاص. هزّت رأسها موافقة، وبدأت السيارة تستدير، ووراءها أربع عيون ساهرة تحرسهما، لكنها ابتعدت مع عودتها إلى المدينة – الساعة السادسة مساءً – أطراف مدريد كانت الشمس قد انسحبت بهدوء خلف الغيوم الرمادية، فيما كانت السيارة تعود ببطء عبر الشوارع القديمة للعاصمة الإسبانية. خمس ساعات مضت، جابت خلالها فاليريا نصف المدينة، من متجر إلى آخر، تحمل أكياسًا فاخرة، ووراءها رافـييل... بدورٍ لم يعهده: حارس شخصي مطيع، وساعي هادئ يحمل الأكياس دون اعتراض. كان يتبعها بصبر، يبتسم حين تضحك، ويكتفي بنظراتٍ طويلة حين تُشاكسه بنظرة أو لمسة خفيفة. ⸻ في طريق العودة السماء أرسلت أولى قطراتها، ثم فجأة... أمطرت السماء بكثافة، والشوارع أصبحت شبه خالية من المارّة، كأن مدريد كلها صمتت، لتمنحهما لحظة من الجنون الجميل. صرخت فاليريا بحماس مفاجئ: ـ رافي، توقف! أريد أن أتأمل المطر... نظر إليها، ثم أوقف السيارة على جانب الطريق، ترجلت بهدوء، رفعت وجهها للسماء، أغمضت عينيها، وابتسمت وهي تتلقى قطرات المطر كأنها تتلقى نعمة من السماء. ثم، فجأة، التفتت إليه، وعيناها تتلألآن بشيء لا يُقاوم، وقالت برقة مُدلّلة: ـ رافي... أرجوك... فلنرقص تحت المطر. رمقها رافـييل بنظرة فيها دهشة واستنكار، رفع حاجبه، وقال بنبرة هادئة، ثقيلة بالهيبة: ـ أنا؟ رافـييل دي فاليريو... أرقص تحت المطر؟ مستحيل. ضحكت، تقدّمت نحوه، أمسكت يده، وصارت تهزّها بحنان كالأطفال: ـ أرجوك، رافي... فقط هذه اللحظة... دعنا نكسر القاعدة. هزّ رأسه بالنفي، تمتم وهو يحاول الاحتفاظ بوقاره: ـ قلتُ لا، ولن أكررها. لكنها لم تستسلم... نظرت إليه بعينيها الواسعتين، وابتسامتها الصغيرة تشقّ الطريق إلى قلبه بصمت. والآن حان دور استخدام كلمتها الفتّاكة ⸻ بعد عشر دقائق... وإذا بهما... يقفان سويًا تحت المطر، والموسيقى تنبعث من السيارة بصوتٍ خافت: Sway صوت ناعم يملأ الشارع الفارغ، وفاليريا تدور حوله، تضحك، شعرها مبلل، وهو... واقف أمامها، يمد يده إليها، مستسلمًا بسحرٍ غريب. ضمّها بخفة من خصرها، وهمس وهو ينظر في عينيها: هل من المعقول أن يرفض لها طلبًا... بعد منادتها له (لطيفي) بكل هذا الدلال؟ ــ حتماً لا... ثم استدارا معًا في دورانٍ خفيف، خطوات راقصة، صوت المطر يختلط بصوت الموسيقى، وقلباهما يرقصان للمرة الأولى... من دون أي قناع. الساعة السابعة والنصف مساءً – طريق العودة إلى الفندق انتهت الرقصة... لكن المطر لم ينتهِ بعد، كأن السماء لا تريد أن تتركهما، أو أن تُطفئ لحظة الحب التي اشتعلت بين ضلوع المدينة. ركبا السيارة مجددًا، صامتَين... لكن الصمت كان أبلغ من أي كلام. كانت عينا فاليريا تنظر من النافذة، والشوارع تمرّ كسِرب من الذكريات، أما رافـييل، فكان يقود بهدوء، وملامحه مسترخية، كأنه خرج من نفسه للحظة، وعاد بشيءٍ جديد في قلبه. وصلوا إلى الفندق، تبادلا نظرة قصيرة قبل أن ينفصل كلٌّ منهما إلى جناحه الخاص. لا حاجة للكلام... فالعين قالت: إلى الغد... في روما. ⸻ داخل جناح فاليريا – بعد قليل دخلت، نزعت معطفها المبلل، اتجهت إلى الحمّام... ودوش الماء الدافئ بدأ يغسل عنها تعب اليوم... وضحكاته... وقطرات المطر العالقة بين خصلات شعرها. خرجت، ارتدت ملابس النوم الحريرية، سقطت على السرير كمن تُسلم جسدها للراحة دون مقاومة. وفي لحظة، كانت نائمة... كزهرة أغلقت أوراقها، بعد يومٍ امتلأت فيه شمسًا. ⸻ في الطابق الأعلى – جناح رافـييل الهدوء نفسه، والخطوات نفسها... حمّام، ثم بدلة نوم داكنة، ثم نظرة سريعة إلى شاشة الهاتف دون أن يكتب شيئًا. استلقى على السرير، عقله بدأ يخفت، وصوت المطر في الخلفية كأنّه تهويدة غامضة تُغرق كل فكرة. أغمض عينيه، وهمس داخله: غدًا نعود إلى إيطاليا... ولكن هل سأعود كما خرجت؟ ثم غرق في نومٍ عميق 12/2/2025 – الساعة 8:00 صباحًا – جناح فاليريا – مدريد استيقظت فاليريا على خيوط شمسٍ خفيفةٍ تتسلّل من بين ستائر الشرفة، نهضت بهدوء، كأنّها لا تزال تحاول سحب حلمٍ ناعمٍ من أطراف الليل. جمعت أمتعتها بترتيب دقيق، وضبّت فساتينها، أوراقها، الهدايا الصغيرة التي اشترتها أمس، ثم جلست إلى الطاولة الصغيرة قرب النافذة، تناولت فطورًا بسيطًا، كوبًا من القهوة الإسبانية السوداء، وقطعة توست بزيت الزيتون والجبن الأبيض. كل شيء كان هادئًا... ارتدت ثيابها والقليل من المجوهرات وارتدت ساعة الماسية كانت هدية من رافييل بمناسبة تخرجها وطلب منها ارتدائها دائماً وفجأة وصلتها رسالة أضاءت شاشة هاتفها: "فاليريا، أنا بانتظارك في الأسفل. حان وقت العودة." — رافـييل ابتسمت لنفسها دون أن تدري، وقبل أن تنهض، دوّى طرق خفيف على الباب. تقدّمت وفتحته، فوجدت أدريانو واقفًا بوقاره المعتاد، يبتسم بلطف: ـ صباح الخير، آنسة فاليريا. جئت لأحمل الحقائب. أومأت له بالشكر، وسلّمته الحقيبتين، ثم أخذت حقيبة يدها وتأكدت من كل أوراق السفر، ونزلت برفقٍ برفق، خطواتها تسبقها، وقلبها ينبض بإحساسٍ غريب... كأن مدريد ستشتاق إليها. في بهو الفندق – مدخل السيارة كان رافـييل واقفًا بجانب السيارة السوداء، يرتدي بدلة داكنة ونظارات شمسية، ملامحه هادئة لكن صارمة. وحين رأى فاليريا تقترب، أزال النظارات بيده اليمنى، وفتح لها الباب بنفسه. ـ صباح الخير. ـ صباح النور، رافـييل. دخلت السيارة، تبعها أدريانو، ثم انطلقت القافلة. خلفهم، ثلاث سيارات مرافقة، وأمامهم طريق إلى مطار مدريد الدولي... حيث تنتظرهم رحلة العودة إلى روما. إلى الوطن... لكن هل سيكون هو ذاته كما تركوه؟ أم أن شيئًا هناك، في قلب العاصمة، بدأ يتحرّك ببطء، في انتظار لحظة الانفجار؟ 12/2/2025 – الساعة 10:30 صباحًا – مطار مدريد الدولي وصل الموكب إلى المطار وسط إجراءات دقيقة وسريعة. رافـييل ترجل أولًا، تفقد المكان بنظرة سريعة، ثم أشار لفاليريا كي تتبعه. أدريانو أنهى الترتيبات مع الفريق الأمني، وانتقل الثلاثة بسلاسة إلى صالة الشخصيات المهمة. بعد دقائق... استقلوا الطائرة الخاصة، وبدأت الرحلة نحو روما. كانت الأجواء هادئة، جلست فاليريا إلى جوار النافذة، تتأمل السحب التي تنزلق ببطء، في حين انشغل رافـييل بتقارير على جهازه اللوحي، أما أدريانو، فكان في الخلف يتابع الاتصالات المشفرة، كالعادة، بصمتٍ ثقيل.الفصل السابع عشر 12:45 ظهرًا – روما – مطار تشامبينو العسكري حطّت الطائرة بهدوء، فتح الباب الخارجي، وهبّت نسمة باردة من شتاء العاصمة الإيطالية. ترجل رافـييل من الطائرة أولًا، لكن ما إن وطأت قدماه الأرض، حتى رنّ هاتفه. تفحّص الشاشة، ثم أجاب فورًا: ـ دي فاليريو يتكلم... صوت جافّ على الطرف الآخر: ـ يجب أن تتوجه إلى السفارة حالًا، هناك تطوّر عاجل... لم يرد، فقط أغلق الهاتف ونظر إلى فاليريا. اقترب منها، وقال بصوت هادئ لكنه حازم: ـ لن أستطيع إيصالك إلى المنزل، يجب أن أذهب مباشرة إلى السفارة. ثم أشار إلى إحدى السيارات السوداء خلفه: ـ المرافقة ستأخذك بأمان، لا تقلقي. نظرت إليه، ملامحها تشي بالقلق، ثم تمتمت: ـ انتبه على نفسك، رافـي. أومأ برأسه دون أن يضيف كلمة، كلٌّ منهما استدار نحو سيارته الخاصة، وافترقا... ⸻ في مكانٍ بعيد – موقع مجهول – الساعة 1:00 ظهرًا في غرفة قاتمة الإضاءة، جلس رجلٌ بملامح غامضة، أمسك هاتفًا قديم الطراز، وضغط على زر الاتصال. انتظر ثانية أو اثنتين، ثم قال بصوتٍ باردٍ كالسُم: ـ "حان وقت تنفيذ الخطة." ثم انقطع الاتصال. وفي
الفصل السادس عشر – منتصف النهار – قاعة المؤتمر – مدريد دخلت فاليريا القاعة الواسعة، وسط أضواء الكاميرات التي تركزت عليها بشدة، وهمسات الحضور تتناقل اسمها بإعجاب: "مصممة الأزياء الشهيرة التي تحولت إلى شخصية سياسية بارزة..." أصوات الأسئلة تنهال من كل حدب وصوب، من الصحفيين، والضيوف، والمهتمين، يتساءلون عن سرّ تحوّلها، وعن رؤيتها المستقبلية. وسط ذلك الزخم، وقف رافـييل بجانبها، ممسكًا بيدها برقة، كأنه يرسل لها رسالة طمأنينة: "أنا هنا، لن تديري وجهك وحدك." سارت فاليريا بثبات أمام الحضور، تجاوبت مع الأسئلة بصوتٍ واضحٍ وواثق، مُظهرةً مزيجًا من الجمال والذكاء والصلابة. انتهى المؤتمر دون مفاجآت، وخرج الجميع إلى الهواء الطلق، توجهوا إلى السيارات التي كانت بانتظارهم. ⸻ في طريق العودة إلى الفندق جلسا في السيارة، والهدوء يلف المكان، كادت فاليريا تكسر الصمت، ثم قالت بنبرةٍ هادئة لكنها حازمة: ـ لا أشعر برغبة في العودة إلى الفندق الآن... التفت رافـييل إليها، متفهمًا، فأكملت: ـ أريد أن أتجول قليلاً في شوارع مدريد، أن أتنفس هوا
الفصل الخامس عشر ناظرتهم الموظفة باحترام، ثم سلّمت فاليريا بطاقة معدنية ذهبية وقالت بلطف: ـ جناح 327، الطابق الثالث. نرجو لكِ إقامة هانئة. مدّت فاليريا يدها وأخذت البطاقة، وعيناها لم تزل معلّقتين على رافـييل، الذي قال بهدوء: ـ إن احتجتِ شيئًا، أنا في الطابق الخامس. ردّت بابتسامة قصيرة، ثم التفتت نحو المصعد دون أن تنبس بكلمة. في اللحظة التي أغلقت فيها أبواب المصعد خلفها، نظر رافـييل إلى أدريانو وقال بصوت خافت: ـ هل لاحظتَ ذلك؟ أجابه أدريانو وهو يرفع حاجبًا واحدًا: ـ أن الخلل لم يكن عشوائيًا؟ نعم... لاحظت ______ الساعة 10:15 مساءً – جناح 327 – دخلت فاليريا جناحها بخطى هادئة. الإضاءة دافئة، والجناح فخم بألوانه الكريمية والذهبية، والأرضية من الخشب المصقول تعكس صدى خطواتها الناعمة. وضعت حقيبتها جانبًا، ثم اتجهت مباشرة نحو الحمام، خلعت فستان السفر الطويل ودخلت تحت دوش الماء الدافئ... كأنها تُزيل عن روحها تعب الرحلة وتلك اللحظة المربكة عند الاستقبال. خرجت بعد دقائق، لُفّت بمنشفة بيضاء ناعمة، قطرات الماء ما زالت تتدلّى من خصلات شعرها. ارتدت كنزة قطنية ناعمة ب
الفصل الرابع عشر وقفت فاليريا تستوعب وقع هذه الكلمات، كأنها وقفت على عتبة حياة جديدة، رحلة لا تعرف مدى صعوبتها لكنها لا يمكنها إلا أن تخوضها خرجت فاليريا من مكتب رافـييل بخطوات متسارعة، والقلق يلوح في عينيها، ينبض قلبها بإيقاع متسارع كأنه يشدو لحن الوداع المؤقت. توجهت نحو مكتب إدواردو، حيث كان جالسًا يراقب النوافذ المطلة على المدينة، كأنه يحاول استيعاب لحظة ما. وقفت أمامه، ونظرت إليه بعينين تختلج فيهما مشاعر متضاربة، قالت بصوتٍ يكاد يهمس: — "رافـييل أخبرني عن الرحلة إلى إسبانيا غدًا." التفت إليها وابتسم ابتسامة دافئة، قال: — "أنا سعيد جدًّا بتقدمك، وفخور بأنك تخطين خطوات ثابتة في عملك. هذا النجاح الذي تبنينه هو مصدر فرحي الحقيقي." تنهدت ثم همست، والصوت يختلط فيه الحزن: — "لكنني أخشى أن تبعدني المسافات عنك." اقترب منها وأمسك يدها برقة، وقال: — "لا شيء يمكن أن يبعدنا، فثلاثة أيام فقط، وسيظل صوتك وصورتك رفيقاني في كل لحظة. نجاحك هو سعادتي، وتطورك شرف لي." شعرت بدفء كلماته يملأ قلبها، ابتسمت بثقة، وأجابت: — "سأجعل من كل لحظة غربة فرصة لأكون أقوى، ولأجعل حبنا يتخطى كل الحدود."
الفصل الثالث عشر كانت القاعة... ليست مجرد قاعة، بل صرحٌ من الفخامة المفرطة، تجلّى فيه كل ما في السلطة من هيبة، وكل ما في المال من بذخ. الجدران الشاهقة كُسيت بأقمشة حريرية ذهبية، تتدلّى منها أشرطة من الكريستال النقيّ، تنثر الضوء كأنها نجومٌ تتراقص على جدران السماء. الثريات العملاقة، كأنها شموسٌ معلّقة، انسكب منها الضوء على الوجوه، فتألق السياسيون ببدلاتهم الفاخرة، والسفراء بنظراتهم المتوجسة، وأصدقاء إدواردو القدامى الذين اصطفوا، يتهامسون في زوايا الصالة، بين كأسٍ يُرفع، وابتسامةٍ مخاتلة. في نهاية الممر الطويل المفروش بسجّاد عنّابي، وقف إدواردو مالديني، بثباتٍ من يعرف تمامًا ما يريد. يرتدي بدلة سوداء ذات طابع عسكري فاخر، صدره مشدود، وكتفاه مرتفعتان بثقة، ونظرته تتقدم الممر كما لو كان يُحاصر القاعة بكاملها. وعند تلك اللحظة بالضبط... انطفأت أنوار السقف قليلًا، وسُلط الضوء على أعلى الدرج الذي يؤدي إلى قاعة الحفل. همسٌ خافت عمّ المكان، ثم توقف كل شيء. وظهرت هي... فاليريا. كأنها انبثقت من أسطورة. كانت ترتدي فستانًا ذهبيًّا ذا بريق معدني ثقيل، تنساب أطرافه كأنها أنهار شمسٍ صُهرت م
الفصل الثاني عشر 📍قاعة الاجتماعات: كانت القاعة الكبرى أشبه بغرفة عرش سياسية. مستطيلة الطول، سقفها عالٍ تتدلّى منه ثريّا زجاجية فاخرة، تلمع كأنّها أسرار معلّقة. الجدران مكسوّة بخشب الجوز المعتّق، وأعلاها لوحات زيتية تمثّل معاهدات تاريخية، وخلفية لمكتب ضخم يُشرف عليه شعار الشركة المنقوش بالذهب. المقاعد مُرتّبة على طاولة مستطيلة لامعة، يتوسّطها جهاز عرض، وعلى كل مقعد لوحة اسمية صغيرة. دلف الجميع تباعًا: رجالٌ ونساء، يرتدون البزّات الرسمية، وكلٌّ يحمل جهازه اللوحي أو ملفًا. دخل إدواردو أخيرًا، وجلس على يسار رافييل دون أن ينظر إلى أحد. كانت ملامحه متحفّظة، ونظرته تفتّش في الوجوه. ثم دخلت فاليريا، فعمّ الهمس بين البعض، ورفعت أكثر من حاجب بدهشة، وهي تتّجه إلى المقعد الخالي عند الطرف الأيمن للطاولة، دون أن تبدي ارتباكًا. وقف رافييل، فعمّ الصمت، وما إن بدأ الحديث حتى خُشعت الأبصار: ــ "شكراً لحضوركم السريع... أود أن أُعلن قراراً إدارياً سيُطبّق بدءًا من الأسبوع المقبل. الآنسة فاليريا أنتونيلّي، ستباشر عملها رسميًا كمحلّلة سياسات ومديرة مشاريع تنفيذية ضمن قسم العلاقات الدول