LOGINالفصل الخامس
بعد يومين من الأحداث المثيرة، كان السفير وإدواردو قد سافروا في اليوم الماضي استيقظ الجميع على أجواء هادئة داخل الطائرة التي كانت تحمل التوأم ريان وكيفين، مايك، فلورا، وفاليريا في رحلة العودة إلى إيطاليا. جلست فاليريا بجانب النافذة، تتأمل السماء الزرقاء الممتدة بلا نهاية، وعيناها تشعّان بحزنٍ خفيف، تذكّرها بما حدث قبل أيام قليلة. حاول ريان كسر الصمت قائلاً: ــ "كم هي غريبة هذه الرحلة، تعود بنا إلى وطننا ونحن نحمل في قلوبنا همومًا لا تُرى." أجاب كيفين وهو يلعب بأصابعه على مسند المقعد: ــ "لكن العودة دائمًا تحمل الأمل، رغم كل شيء." جلست فلورا بجانبهم، تنظر إلى فاليريا بعينين ممتلئتين بالقلق، وقالت: ــ "فاليريا، هل أنت بخير؟ لقد كان الموقف في المتحف أكثر خطورة مما تصورنا." تنهدت فاليريا وقالت بهدوء: ــ "احمد الله نحن بخير. ولكن لا يمكنني إنكار أنني ما زلت أشعر بارتجاج داخلي لا يزول، هل تعلمون أنا مشتاقه للوطن مرّت سنوات الدراسة خارجاً بسرعة اشتقت للمنزل بصدق" مايك، الذي كان يراقب الجميع، قال بابتسامة خفيفة: ــ "عليكم أن تكونوا أقوى من ذلك، فالعودة إلى الوطن هي بداية فصل جديد. 📍العاصمة روما Parioli (بـاريولي) بعد ثلاثة أيام من عودتهم، اجتمع الجميع في بيت العم لورينزو، حيث كانت الأجواء دافئة ومليئة بالود والترحاب. حضر اللقاء أهل فاليريا؛ الجنرال كارلو والآنسة ماريا، وعم فلورا لورينزو وزوجته أليسا، ووالدة التوأم السيدة لورينا، إلى جانب التوأم الثلاثة وفلورا وفاليريا، وبالطبع رافييل. جلس الجميع حول المائدة التي زُيّنت بأشهى الأطعمة، وكانت ضحكاتهم تعلو المكان بين كل فترة وأخرى. قالت فاليريا وهي تنظر إلى الجميع: ــ "هيا بنا نبدأ بالأكل، فقد جاع الجميع." لكن والدها كارلو ردّ بصوتٍ حازم: ــ "ليس بعد، لا تزال هناك من هو لم يصل بعد." نظر ريان بفضول، وسأل: ــ "من هو هذا الغائب؟" أجاب لورينزو مبتسمًا: ــ "أدواردو في الطريق إلينا." تبدّى الاستغراب على وجه فلورا، وقالت: ــ "متى صار من المقربين؟ لم نسمع عنه شيء من قبل." رد لورينزو بهدوء واعتدال: ــ "أدواردو رجلٌ محترم، ويمثل إضافةً طيبةً لنا جميعًا. يجب أن نعتبره من العائلة، فهو لم يأتِ إلا بدافع الاحترام والمحبة." ثم توجه كارلو إلى رافييل قائلاً: ــ "أشكرك يا رافييل على إنقاذ فاليريا في المتحف، لقد كنت بطلاً بحق." ابتسم رافييل بتواضع ورد: ــ "لا شيء، الأمر طبيعي، وما كان لي أن أسمح بأي مكروه لها." عمّت أجواء الودّ والطمأنينة المكان، وتلألأت ابتسامات الأمل في وجوه الجميع تجمّع الجميع حول المائدة الخشبية العتيقة، تملأ أجواء الغرفة رائحة الأطعمة الإيطالية الأصيلة، وتتلألأ أضواء الثريا الكريستالية برقة على وجوه الحاضرين، بينما يعمّ الهدوء المفعم بالدفء والود. دخل أدواردو بخطوات هادئة، وجلس بين الجميع، يحظى بتحية دافئة من الكل. نظرت لورينا الى فاليريا، ونظراتها تنضح محبة واهتماماً، وسألتها بلطف: ــ "هل بدأتِ تدريبكِ فعلاً؟" أجابتها فاليريا بحماس يملأ عينيها: ــ "نعم، وأنا أجهّز نفسي لمسابقة التصميم القادمة في دار فالنتينو غارافاني." نطق إدواردو باستغراب: ــ "تدريب ومسابقة ماذا؟" لتشرح لك فاليريا الأمر قائلة: _"تدريب لتصميم أزياء والمسابقة لتحديد من الموهبة الأفضل والذي يأخذ المركز الاول يصبح مؤهل ليفتتح مركزه الخاص" ليقول كارلو موجّه حديثه لإدواردو: ــ "أنت مدعو لحضور المسابقة، يجب ان تشاركنا لحظات الحماس" نظرت فاليريا إلى التوأم وفلورا، وقالت بابتسامة مفعمة بالتحدي: ــ "هل تحزرون ضد من ستكون المسابقة؟" تنهد مايك وهو يرفع حاجبيه: ــ "مع من بالضبط؟" ابتسمت فاليريا بسخرية: ــ "مع ألكساندر ذلك المغرور الذي لا يملّ من تكرار فشله." ضحك كيفين بتعبير ساخر: ــ "ذاك المعتوه الذي لم يتقبل الرفض، وأصبح عدواً بدل أن يكون صديقاً." قال رافييل، وهو يوجه نظره إلى كيفين، متسائلاً: ــ "من هو هذا ألكساندر حقاً؟" أجاب كيفين بنبرة معبّرة: ــ "ذاك الذي كان معجباً بفاليريا أيام الجامعة، لكنه لم يحترم رفضها لمشاعره، فأصبح يحمل حقداً دفيناً تجاهها." أكدت فاليريا بهدوء، بينما نظرت بتركيز إلى الجميع: ــ "هذا هو، ولا أريد أن أشغل بالكم به أكثر." ثم أضافت بحيوية: ــ "المهم الآن، من سيصحبني غداً إلى المول؟ هناك العديد من الأغراض التي يجب اقتناؤها." ردّت فلورا بنبرة اعتذار: ــ "أنا مشغولة بتدريب عرض الأزياء، ومايك كذلك." قال كيفين بابتسامة: ــ "أنا لدي موعد في معهد الرسم، فلن أستطيع ان أرافقك اعتذر." تطلعت فاليريا إلى ريان، منتظره إجابته ليقول بنبرة مرحه: ــ "وهل لديكِ غيري ؟ سأؤجل كل أعمالي من أجلك." ردت وهي تضحك برقة: ــ "أُحبّك" ضحك ريان وقال بتفاخر: _"عزيزتي ، ومن لا يحبني أنا؟" عمّت أجواء من الفرح والضحك، وسط تفاصيل المائدة التي كانت شاهدة على بداية فصل جديد من المحبة والتكاتف بينهم انتهت جمعةٌ حافلةٌ، فتفرق الجمعُ كلٌ إلى داره، يملؤه تعبُ الأيام الماضية، وأملُ لقاءٍ قادم. في صباح اليوم التالي، توجهت فاليريا نحو بيت التوأم، حيث فتحت لها الباب لورينا بابتسامةٍ دافئةٍ، وحضنتا بعضهما بودٍّ وحنانٍ عميقين. سألت فاليريا عن أحوال الشباب، فأجابتها لورينا بهدوء: — "مايك وكيفين قد خرجا منذ الصباح، أما ريان فلا يزال نائمًا." دخلت فاليريا إلى الصالة، فوجدت رافييل جالسًا على الأريكة، ينظر إلى نفسه بتأمل، كأنما يستعيد ذكريات بعيدة تتلو عليه تحيّة الصباح ليردها بهدوء . صعدت إلى غرفة ريان، وحاولت إيقاظه مرارًا، لكنها لم تفلح، فغادرت الغرفة بخفّة ونزلت إلى الأسفل مرة أخرى، لتسأل لورينا : — "ماذا حدث؟." ابتسمت فاليريا بابتسامة تخفي خلفها قلقًا خفيفًا، فأجابت: — "ريان غارقٌ في نومٍ عميق، لكنه سيستيقظ حين يحين وقتُه." اقترب رافييل منها قائلاً بنبرة مطمئنة: — "لا تقلقي، سأذهب معكِ بدلًا من ريان، فلا داعي لأن تحزني." تقدمت نحو رافييل، واحتضنته بقوةٍ وعذوبة، وهمست له: — "شكرًا لك، لطيفي." وقف رافييل مذهولًا للحظة، مستعيدًا ذلك اللقب الذي طالما كانت تناديه به في طفولتها، فابتسم بلطف، ثم انطلق يستعدّ للرحلة، بينما كانت فاليريا تراقبه بنظرات ممتنة تفيض بالمحبة والاحترام. في مكانٍ بعيد، كانت لورينا تفكر في هذا المشهد، وهمست في نفسها: — "رافييل منح استثناءً لفاليريا، ولو كان أحدٌ آخر قد ناداه بتلك الألفة دون احترام، لما نجا." في وقتٍ لاحق، تجمّع الثنائي في المول، حيث بدأت فاليريا تتنقل بين الأرفف تبحث عن الملابس، بينما كان رافييل يرافقها، يمسك بأكمام ثوب هنا، ويُساعدها بلمسة هناك، وكأن بينهما علاقةً دافئةً نمت بين أمواج المشاغل، لم يزعج رافييل تحيّرات فاليريا بل كان سعيد أنّها يشاركها هذه اللحظة قد ألغى جميع أعماله المهمة لاجلها اليوم فقط كي يكون معها بالكامل دون أن يشغله شيء عقب انتهاء التسوق، جلسا لتناول الغداء في مطعمٍ أنيقٍ داخل المول، تسأله فاليريا بهدوء سؤال قد علق في بالها منذ فترة _"كم عمرك رافييل؟" قد نسيت بالفعل عقب الغياب عمره ابتسم رافييل، وأجابها بهدوء بروح مرحة: — "لديّ وشومٌ تزيدك عمرًا، بالفعل يا عزيزتي" تجمّعت الكلمات في قلبِ فاليريا على شكلِ صدمةٍ لا تخفُ من أعماقها، حينما أجابها رافييل بابتسامةٍ ساخرةٍ وعيونٍ تلمع بالمكر لتقول هي بنبرة تحقيق تستجوبه: —إن كنتِ تحاول إغرائي بهذه الطريقة، فهنيئًا لك، لقد نجحت.» عندها ضحكَ رافييل، والصدى يملأ المكان، وهو يعلم كم هي مهووسةٌ بكتبِ المافيا، وأدب الغموض، فكان تعليقهُ كالسهمِ الذي يصيب هدفه بدقة. نظرت إليه بخفّةٍ وفضولٍ يتلألأ في عينيها، ثمّ سألته بنبرةٍ متعجّبة، تشوبها ابتسامةٌ خفيفة: — «كيفَ لوشومٍ أن تزيدني عُمراً؟ أنتَ لا تكبرني سوى بثلاثةَ عشرَ عاماً.» ابتسم رافييل ابتسامةً خافتةً، كأنّ الذكرى تشقُّ طريقها من بين قسماته، ثمّ أجابها بنبرةٍ دافئةٍ تُشبع فضولها: — «أتعلمين... حين بلغتُ الثالثةَ عشرة، أخذني والدي إلى المعسكر التدريبي لأوّل مرّة. هناك، بين الغبار والسلاح، وبين الجروح التي لم تكن دوماً جسدية، امتلأ جسدي بالنُدب... فغطّيتُ بعضها بوشومٍ، لا تُخفي الألم، بل تذكّرني أنّي تجاوزته.» سكنت نظرتها قليلاً، ثم تابعت وقد استعاد صوتها دفئه الطبيعي: — «رافـي... هل تحبُّ عملك؟ أعني... عمّي، رحمه الله، هو من شقّ لك هذا الطريق في عمرٍ مبكّر، لكن، أكان هذا حلمك؟» ابتسم رافييل بتؤدة، كأنّه يسترجع سنواتٍ طويلة من الذاكرة، ثمّ أجابها بهدوءٍ يُشبه اتّساع الأفق: — «كما تعلمين... أنا أكبر إخوتي، ولدتُ في وقتٍ كان فيه والدي في بداياتِ مشواره السياسي. كنتُ أرافقه في الاجتماعات، أسمعه يتحدّث في أمورٍ لم أكن أفهمها تماماً، لكنّ شيئاً ما في داخلي كان يشتعل. كبرتُ وأنا أتشرّب هذا العالم... نعم، كان حلمي، وصار واقعي.» هزّت فاليريا رأسها بإعجابٍ صامت، ثم ارتشفت من كوب عصيرها، وقالت بنبرةٍ هادئة: — «أنتَ نقيضُ التوأم وريان... مايك، وكيفين، اختاروا دراسة السياسة وفاءً لحلم عمّي، ثمّ سرعان ما اتّبعوا شغفهم الحقيقي؛ الفنّ.» ضحك رافييل بخفّةٍ، ثم ردّ بنبرةٍ تنمُّ عن ارتياحٍ صادق: — «وأنا سعيدٌ بذلك، في الحقيقة. السياسة ميدانٌ قاسٍ، مليءٌ بالضغوط والخسائر غير المعلنة. الفنّ يُنقذهم من هذا العبء... بل يُنقذ أرواحهم.» نظرت إليه نظرةً مختلفةً، كأنّها رأت جانباً جديداً في ملامحه، لم يظهر من قبل... ذاك الجانب الذي لا يُظهره سوى لمن يستحق بعد يومٍ حافلٍ قضياه معًا، أعادها رافييل إلى بيتها، حيثُ دخلت فاليريا ببطء، ووضعت أغراضها بعناية، تُرتبُها بشغف، ثم استسلمت للنوم العميق، تحضيرًا ليومٍ جديدٍ حاسمٍ في مسيرتها، يوم المسابقة التي طالما انتظرتها. ⸻ في صباحِ اليوم التالي، في كواليسِ عرض الأزياء، كانت فاليريا تجول بين التصاميم بخطوات واثقة، تفحص قطعَها بتمعّنٍ ودقة، وتتابع كلّ تفصيلٍ صغيرٍ على الأقمشة التي ستتحول إلى لوحاتٍ فنيةٍ على أجساد العارضات. بدأت العارضات بالظهور، تتقدمن نحو القاعة الكبيرة التي امتلأت بزخارفٍ فاخرةٍ وأضواءٍ متلألئة. حضر الجميعُ، أبوها كارلو، ووالدتها ماريا، عم فلورا لورينزو وزوجته أليسا، فلورا نفسها، لورينا، التوأم ريان ومايك وكيفين، رافييل، وأدواردو الذي لم يفتته فرصة الاقتراب من فاليريا وتبادل الكلمات المغازلة التي أسعدتها وأثارت خفقان قلبها. اقترب من فاليريا بابتسامةٍ لطيفة وعيونٍ لا تخفي إعجابها، وقال بصوتٍ هادئٍ لكنه واثق: — «ما أجمل حضورك، فاليريا، كأنك زهرةٌ نادرةٌ تُضيء المكان بحضورها، ولا يخفى على أحدٍ أنكِ تمتلكين سحرًا خاصًا يأسر القلوب قبل العيون.»الفصل السابع عشر 12:45 ظهرًا – روما – مطار تشامبينو العسكري حطّت الطائرة بهدوء، فتح الباب الخارجي، وهبّت نسمة باردة من شتاء العاصمة الإيطالية. ترجل رافـييل من الطائرة أولًا، لكن ما إن وطأت قدماه الأرض، حتى رنّ هاتفه. تفحّص الشاشة، ثم أجاب فورًا: ـ دي فاليريو يتكلم... صوت جافّ على الطرف الآخر: ـ يجب أن تتوجه إلى السفارة حالًا، هناك تطوّر عاجل... لم يرد، فقط أغلق الهاتف ونظر إلى فاليريا. اقترب منها، وقال بصوت هادئ لكنه حازم: ـ لن أستطيع إيصالك إلى المنزل، يجب أن أذهب مباشرة إلى السفارة. ثم أشار إلى إحدى السيارات السوداء خلفه: ـ المرافقة ستأخذك بأمان، لا تقلقي. نظرت إليه، ملامحها تشي بالقلق، ثم تمتمت: ـ انتبه على نفسك، رافـي. أومأ برأسه دون أن يضيف كلمة، كلٌّ منهما استدار نحو سيارته الخاصة، وافترقا... ⸻ في مكانٍ بعيد – موقع مجهول – الساعة 1:00 ظهرًا في غرفة قاتمة الإضاءة، جلس رجلٌ بملامح غامضة، أمسك هاتفًا قديم الطراز، وضغط على زر الاتصال. انتظر ثانية أو اثنتين، ثم قال بصوتٍ باردٍ كالسُم: ـ "حان وقت تنفيذ الخطة." ثم انقطع الاتصال. وفي
الفصل السادس عشر – منتصف النهار – قاعة المؤتمر – مدريد دخلت فاليريا القاعة الواسعة، وسط أضواء الكاميرات التي تركزت عليها بشدة، وهمسات الحضور تتناقل اسمها بإعجاب: "مصممة الأزياء الشهيرة التي تحولت إلى شخصية سياسية بارزة..." أصوات الأسئلة تنهال من كل حدب وصوب، من الصحفيين، والضيوف، والمهتمين، يتساءلون عن سرّ تحوّلها، وعن رؤيتها المستقبلية. وسط ذلك الزخم، وقف رافـييل بجانبها، ممسكًا بيدها برقة، كأنه يرسل لها رسالة طمأنينة: "أنا هنا، لن تديري وجهك وحدك." سارت فاليريا بثبات أمام الحضور، تجاوبت مع الأسئلة بصوتٍ واضحٍ وواثق، مُظهرةً مزيجًا من الجمال والذكاء والصلابة. انتهى المؤتمر دون مفاجآت، وخرج الجميع إلى الهواء الطلق، توجهوا إلى السيارات التي كانت بانتظارهم. ⸻ في طريق العودة إلى الفندق جلسا في السيارة، والهدوء يلف المكان، كادت فاليريا تكسر الصمت، ثم قالت بنبرةٍ هادئة لكنها حازمة: ـ لا أشعر برغبة في العودة إلى الفندق الآن... التفت رافـييل إليها، متفهمًا، فأكملت: ـ أريد أن أتجول قليلاً في شوارع مدريد، أن أتنفس هوا
الفصل الخامس عشر ناظرتهم الموظفة باحترام، ثم سلّمت فاليريا بطاقة معدنية ذهبية وقالت بلطف: ـ جناح 327، الطابق الثالث. نرجو لكِ إقامة هانئة. مدّت فاليريا يدها وأخذت البطاقة، وعيناها لم تزل معلّقتين على رافـييل، الذي قال بهدوء: ـ إن احتجتِ شيئًا، أنا في الطابق الخامس. ردّت بابتسامة قصيرة، ثم التفتت نحو المصعد دون أن تنبس بكلمة. في اللحظة التي أغلقت فيها أبواب المصعد خلفها، نظر رافـييل إلى أدريانو وقال بصوت خافت: ـ هل لاحظتَ ذلك؟ أجابه أدريانو وهو يرفع حاجبًا واحدًا: ـ أن الخلل لم يكن عشوائيًا؟ نعم... لاحظت ______ الساعة 10:15 مساءً – جناح 327 – دخلت فاليريا جناحها بخطى هادئة. الإضاءة دافئة، والجناح فخم بألوانه الكريمية والذهبية، والأرضية من الخشب المصقول تعكس صدى خطواتها الناعمة. وضعت حقيبتها جانبًا، ثم اتجهت مباشرة نحو الحمام، خلعت فستان السفر الطويل ودخلت تحت دوش الماء الدافئ... كأنها تُزيل عن روحها تعب الرحلة وتلك اللحظة المربكة عند الاستقبال. خرجت بعد دقائق، لُفّت بمنشفة بيضاء ناعمة، قطرات الماء ما زالت تتدلّى من خصلات شعرها. ارتدت كنزة قطنية ناعمة ب
الفصل الرابع عشر وقفت فاليريا تستوعب وقع هذه الكلمات، كأنها وقفت على عتبة حياة جديدة، رحلة لا تعرف مدى صعوبتها لكنها لا يمكنها إلا أن تخوضها خرجت فاليريا من مكتب رافـييل بخطوات متسارعة، والقلق يلوح في عينيها، ينبض قلبها بإيقاع متسارع كأنه يشدو لحن الوداع المؤقت. توجهت نحو مكتب إدواردو، حيث كان جالسًا يراقب النوافذ المطلة على المدينة، كأنه يحاول استيعاب لحظة ما. وقفت أمامه، ونظرت إليه بعينين تختلج فيهما مشاعر متضاربة، قالت بصوتٍ يكاد يهمس: — "رافـييل أخبرني عن الرحلة إلى إسبانيا غدًا." التفت إليها وابتسم ابتسامة دافئة، قال: — "أنا سعيد جدًّا بتقدمك، وفخور بأنك تخطين خطوات ثابتة في عملك. هذا النجاح الذي تبنينه هو مصدر فرحي الحقيقي." تنهدت ثم همست، والصوت يختلط فيه الحزن: — "لكنني أخشى أن تبعدني المسافات عنك." اقترب منها وأمسك يدها برقة، وقال: — "لا شيء يمكن أن يبعدنا، فثلاثة أيام فقط، وسيظل صوتك وصورتك رفيقاني في كل لحظة. نجاحك هو سعادتي، وتطورك شرف لي." شعرت بدفء كلماته يملأ قلبها، ابتسمت بثقة، وأجابت: — "سأجعل من كل لحظة غربة فرصة لأكون أقوى، ولأجعل حبنا يتخطى كل الحدود."
الفصل الثالث عشر كانت القاعة... ليست مجرد قاعة، بل صرحٌ من الفخامة المفرطة، تجلّى فيه كل ما في السلطة من هيبة، وكل ما في المال من بذخ. الجدران الشاهقة كُسيت بأقمشة حريرية ذهبية، تتدلّى منها أشرطة من الكريستال النقيّ، تنثر الضوء كأنها نجومٌ تتراقص على جدران السماء. الثريات العملاقة، كأنها شموسٌ معلّقة، انسكب منها الضوء على الوجوه، فتألق السياسيون ببدلاتهم الفاخرة، والسفراء بنظراتهم المتوجسة، وأصدقاء إدواردو القدامى الذين اصطفوا، يتهامسون في زوايا الصالة، بين كأسٍ يُرفع، وابتسامةٍ مخاتلة. في نهاية الممر الطويل المفروش بسجّاد عنّابي، وقف إدواردو مالديني، بثباتٍ من يعرف تمامًا ما يريد. يرتدي بدلة سوداء ذات طابع عسكري فاخر، صدره مشدود، وكتفاه مرتفعتان بثقة، ونظرته تتقدم الممر كما لو كان يُحاصر القاعة بكاملها. وعند تلك اللحظة بالضبط... انطفأت أنوار السقف قليلًا، وسُلط الضوء على أعلى الدرج الذي يؤدي إلى قاعة الحفل. همسٌ خافت عمّ المكان، ثم توقف كل شيء. وظهرت هي... فاليريا. كأنها انبثقت من أسطورة. كانت ترتدي فستانًا ذهبيًّا ذا بريق معدني ثقيل، تنساب أطرافه كأنها أنهار شمسٍ صُهرت م
الفصل الثاني عشر 📍قاعة الاجتماعات: كانت القاعة الكبرى أشبه بغرفة عرش سياسية. مستطيلة الطول، سقفها عالٍ تتدلّى منه ثريّا زجاجية فاخرة، تلمع كأنّها أسرار معلّقة. الجدران مكسوّة بخشب الجوز المعتّق، وأعلاها لوحات زيتية تمثّل معاهدات تاريخية، وخلفية لمكتب ضخم يُشرف عليه شعار الشركة المنقوش بالذهب. المقاعد مُرتّبة على طاولة مستطيلة لامعة، يتوسّطها جهاز عرض، وعلى كل مقعد لوحة اسمية صغيرة. دلف الجميع تباعًا: رجالٌ ونساء، يرتدون البزّات الرسمية، وكلٌّ يحمل جهازه اللوحي أو ملفًا. دخل إدواردو أخيرًا، وجلس على يسار رافييل دون أن ينظر إلى أحد. كانت ملامحه متحفّظة، ونظرته تفتّش في الوجوه. ثم دخلت فاليريا، فعمّ الهمس بين البعض، ورفعت أكثر من حاجب بدهشة، وهي تتّجه إلى المقعد الخالي عند الطرف الأيمن للطاولة، دون أن تبدي ارتباكًا. وقف رافييل، فعمّ الصمت، وما إن بدأ الحديث حتى خُشعت الأبصار: ــ "شكراً لحضوركم السريع... أود أن أُعلن قراراً إدارياً سيُطبّق بدءًا من الأسبوع المقبل. الآنسة فاليريا أنتونيلّي، ستباشر عملها رسميًا كمحلّلة سياسات ومديرة مشاريع تنفيذية ضمن قسم العلاقات الدول