تسجيل الدخولالفصل الخامس
بعد يومين من الأحداث المثيرة، كان السفير وإدواردو قد سافروا في اليوم الماضي استيقظ الجميع على أجواء هادئة داخل الطائرة التي كانت تحمل التوأم ريان وكيفين، مايك، فلورا، وفاليريا في رحلة العودة إلى إيطاليا. جلست فاليريا بجانب النافذة، تتأمل السماء الزرقاء الممتدة بلا نهاية، وعيناها تشعّان بحزنٍ خفيف، تذكّرها بما حدث قبل أيام قليلة. حاول ريان كسر الصمت قائلاً: ــ "كم هي غريبة هذه الرحلة، تعود بنا إلى وطننا ونحن نحمل في قلوبنا همومًا لا تُرى." أجاب كيفين وهو يلعب بأصابعه على مسند المقعد: ــ "لكن العودة دائمًا تحمل الأمل، رغم كل شيء." جلست فلورا بجانبهم، تنظر إلى فاليريا بعينين ممتلئتين بالقلق، وقالت: ــ "فاليريا، هل أنت بخير؟ لقد كان الموقف في المتحف أكثر خطورة مما تصورنا." تنهدت فاليريا وقالت بهدوء: ــ "احمد الله نحن بخير. ولكن لا يمكنني إنكار أنني ما زلت أشعر بارتجاج داخلي لا يزول، هل تعلمون أنا مشتاقه للوطن مرّت سنوات الدراسة خارجاً بسرعة اشتقت للمنزل بصدق" مايك، الذي كان يراقب الجميع، قال بابتسامة خفيفة: ــ "عليكم أن تكونوا أقوى من ذلك، فالعودة إلى الوطن هي بداية فصل جديد. 📍العاصمة روما Parioli (بـاريولي) بعد ثلاثة أيام من عودتهم، اجتمع الجميع في بيت العم لورينزو، حيث كانت الأجواء دافئة ومليئة بالود والترحاب. حضر اللقاء أهل فاليريا؛ الجنرال كارلو والآنسة ماريا، وعم فلورا لورينزو وزوجته أليسا، ووالدة التوأم السيدة لورينا، إلى جانب التوأم الثلاثة وفلورا وفاليريا، وبالطبع رافييل. جلس الجميع حول المائدة التي زُيّنت بأشهى الأطعمة، وكانت ضحكاتهم تعلو المكان بين كل فترة وأخرى. قالت فاليريا وهي تنظر إلى الجميع: ــ "هيا بنا نبدأ بالأكل، فقد جاع الجميع." لكن والدها كارلو ردّ بصوتٍ حازم: ــ "ليس بعد، لا تزال هناك من هو لم يصل بعد." نظر ريان بفضول، وسأل: ــ "من هو هذا الغائب؟" أجاب لورينزو مبتسمًا: ــ "أدواردو في الطريق إلينا." تبدّى الاستغراب على وجه فلورا، وقالت: ــ "متى صار من المقربين؟ لم نسمع عنه شيء من قبل." رد لورينزو بهدوء واعتدال: ــ "أدواردو رجلٌ محترم، ويمثل إضافةً طيبةً لنا جميعًا. يجب أن نعتبره من العائلة، فهو لم يأتِ إلا بدافع الاحترام والمحبة." ثم توجه كارلو إلى رافييل قائلاً: ــ "أشكرك يا رافييل على إنقاذ فاليريا في المتحف، لقد كنت بطلاً بحق." ابتسم رافييل بتواضع ورد: ــ "لا شيء، الأمر طبيعي، وما كان لي أن أسمح بأي مكروه لها." عمّت أجواء الودّ والطمأنينة المكان، وتلألأت ابتسامات الأمل في وجوه الجميع تجمّع الجميع حول المائدة الخشبية العتيقة، تملأ أجواء الغرفة رائحة الأطعمة الإيطالية الأصيلة، وتتلألأ أضواء الثريا الكريستالية برقة على وجوه الحاضرين، بينما يعمّ الهدوء المفعم بالدفء والود. دخل أدواردو بخطوات هادئة، وجلس بين الجميع، يحظى بتحية دافئة من الكل. نظرت لورينا الى فاليريا، ونظراتها تنضح محبة واهتماماً، وسألتها بلطف: ــ "هل بدأتِ تدريبكِ فعلاً؟" أجابتها فاليريا بحماس يملأ عينيها: ــ "نعم، وأنا أجهّز نفسي لمسابقة التصميم القادمة في دار فالنتينو غارافاني." نطق إدواردو باستغراب: ــ "تدريب ومسابقة ماذا؟" لتشرح لك فاليريا الأمر قائلة: _"تدريب لتصميم أزياء والمسابقة لتحديد من الموهبة الأفضل والذي يأخذ المركز الاول يصبح مؤهل ليفتتح مركزه الخاص" ليقول كارلو موجّه حديثه لإدواردو: ــ "أنت مدعو لحضور المسابقة، يجب ان تشاركنا لحظات الحماس" نظرت فاليريا إلى التوأم وفلورا، وقالت بابتسامة مفعمة بالتحدي: ــ "هل تحزرون ضد من ستكون المسابقة؟" تنهد مايك وهو يرفع حاجبيه: ــ "مع من بالضبط؟" ابتسمت فاليريا بسخرية: ــ "مع ألكساندر ذلك المغرور الذي لا يملّ من تكرار فشله." ضحك كيفين بتعبير ساخر: ــ "ذاك المعتوه الذي لم يتقبل الرفض، وأصبح عدواً بدل أن يكون صديقاً." قال رافييل، وهو يوجه نظره إلى كيفين، متسائلاً: ــ "من هو هذا ألكساندر حقاً؟" أجاب كيفين بنبرة معبّرة: ــ "ذاك الذي كان معجباً بفاليريا أيام الجامعة، لكنه لم يحترم رفضها لمشاعره، فأصبح يحمل حقداً دفيناً تجاهها." أكدت فاليريا بهدوء، بينما نظرت بتركيز إلى الجميع: ــ "هذا هو، ولا أريد أن أشغل بالكم به أكثر." ثم أضافت بحيوية: ــ "المهم الآن، من سيصحبني غداً إلى المول؟ هناك العديد من الأغراض التي يجب اقتناؤها." ردّت فلورا بنبرة اعتذار: ــ "أنا مشغولة بتدريب عرض الأزياء، ومايك كذلك." قال كيفين بابتسامة: ــ "أنا لدي موعد في معهد الرسم، فلن أستطيع ان أرافقك اعتذر." تطلعت فاليريا إلى ريان، منتظره إجابته ليقول بنبرة مرحه: ــ "وهل لديكِ غيري ؟ سأؤجل كل أعمالي من أجلك." ردت وهي تضحك برقة: ــ "أُحبّك" ضحك ريان وقال بتفاخر: _"عزيزتي ، ومن لا يحبني أنا؟" عمّت أجواء من الفرح والضحك، وسط تفاصيل المائدة التي كانت شاهدة على بداية فصل جديد من المحبة والتكاتف بينهم انتهت جمعةٌ حافلةٌ، فتفرق الجمعُ كلٌ إلى داره، يملؤه تعبُ الأيام الماضية، وأملُ لقاءٍ قادم. في صباح اليوم التالي، توجهت فاليريا نحو بيت التوأم، حيث فتحت لها الباب لورينا بابتسامةٍ دافئةٍ، وحضنتا بعضهما بودٍّ وحنانٍ عميقين. سألت فاليريا عن أحوال الشباب، فأجابتها لورينا بهدوء: — "مايك وكيفين قد خرجا منذ الصباح، أما ريان فلا يزال نائمًا." دخلت فاليريا إلى الصالة، فوجدت رافييل جالسًا على الأريكة، ينظر إلى نفسه بتأمل، كأنما يستعيد ذكريات بعيدة تتلو عليه تحيّة الصباح ليردها بهدوء . صعدت إلى غرفة ريان، وحاولت إيقاظه مرارًا، لكنها لم تفلح، فغادرت الغرفة بخفّة ونزلت إلى الأسفل مرة أخرى، لتسأل لورينا : — "ماذا حدث؟." ابتسمت فاليريا بابتسامة تخفي خلفها قلقًا خفيفًا، فأجابت: — "ريان غارقٌ في نومٍ عميق، لكنه سيستيقظ حين يحين وقتُه." اقترب رافييل منها قائلاً بنبرة مطمئنة: — "لا تقلقي، سأذهب معكِ بدلًا من ريان، فلا داعي لأن تحزني." تقدمت نحو رافييل، واحتضنته بقوةٍ وعذوبة، وهمست له: — "شكرًا لك، لطيفي." وقف رافييل مذهولًا للحظة، مستعيدًا ذلك اللقب الذي طالما كانت تناديه به في طفولتها، فابتسم بلطف، ثم انطلق يستعدّ للرحلة، بينما كانت فاليريا تراقبه بنظرات ممتنة تفيض بالمحبة والاحترام. في مكانٍ بعيد، كانت لورينا تفكر في هذا المشهد، وهمست في نفسها: — "رافييل منح استثناءً لفاليريا، ولو كان أحدٌ آخر قد ناداه بتلك الألفة دون احترام، لما نجا." في وقتٍ لاحق، تجمّع الثنائي في المول، حيث بدأت فاليريا تتنقل بين الأرفف تبحث عن الملابس، بينما كان رافييل يرافقها، يمسك بأكمام ثوب هنا، ويُساعدها بلمسة هناك، وكأن بينهما علاقةً دافئةً نمت بين أمواج المشاغل، لم يزعج رافييل تحيّرات فاليريا بل كان سعيد أنّها يشاركها هذه اللحظة قد ألغى جميع أعماله المهمة لاجلها اليوم فقط كي يكون معها بالكامل دون أن يشغله شيء عقب انتهاء التسوق، جلسا لتناول الغداء في مطعمٍ أنيقٍ داخل المول، تسأله فاليريا بهدوء سؤال قد علق في بالها منذ فترة _"كم عمرك رافييل؟" قد نسيت بالفعل عقب الغياب عمره ابتسم رافييل، وأجابها بهدوء بروح مرحة: — "لديّ وشومٌ تزيدك عمرًا، بالفعل يا عزيزتي" تجمّعت الكلمات في قلبِ فاليريا على شكلِ صدمةٍ لا تخفُ من أعماقها، حينما أجابها رافييل بابتسامةٍ ساخرةٍ وعيونٍ تلمع بالمكر لتقول هي بنبرة تحقيق تستجوبه: —إن كنتِ تحاول إغرائي بهذه الطريقة، فهنيئًا لك، لقد نجحت.» عندها ضحكَ رافييل، والصدى يملأ المكان، وهو يعلم كم هي مهووسةٌ بكتبِ المافيا، وأدب الغموض، فكان تعليقهُ كالسهمِ الذي يصيب هدفه بدقة. نظرت إليه بخفّةٍ وفضولٍ يتلألأ في عينيها، ثمّ سألته بنبرةٍ متعجّبة، تشوبها ابتسامةٌ خفيفة: — «كيفَ لوشومٍ أن تزيدني عُمراً؟ أنتَ لا تكبرني سوى بثلاثةَ عشرَ عاماً.» ابتسم رافييل ابتسامةً خافتةً، كأنّ الذكرى تشقُّ طريقها من بين قسماته، ثمّ أجابها بنبرةٍ دافئةٍ تُشبع فضولها: — «أتعلمين... حين بلغتُ الثالثةَ عشرة، أخذني والدي إلى المعسكر التدريبي لأوّل مرّة. هناك، بين الغبار والسلاح، وبين الجروح التي لم تكن دوماً جسدية، امتلأ جسدي بالنُدب... فغطّيتُ بعضها بوشومٍ، لا تُخفي الألم، بل تذكّرني أنّي تجاوزته.» سكنت نظرتها قليلاً، ثم تابعت وقد استعاد صوتها دفئه الطبيعي: — «رافـي... هل تحبُّ عملك؟ أعني... عمّي، رحمه الله، هو من شقّ لك هذا الطريق في عمرٍ مبكّر، لكن، أكان هذا حلمك؟» ابتسم رافييل بتؤدة، كأنّه يسترجع سنواتٍ طويلة من الذاكرة، ثمّ أجابها بهدوءٍ يُشبه اتّساع الأفق: — «كما تعلمين... أنا أكبر إخوتي، ولدتُ في وقتٍ كان فيه والدي في بداياتِ مشواره السياسي. كنتُ أرافقه في الاجتماعات، أسمعه يتحدّث في أمورٍ لم أكن أفهمها تماماً، لكنّ شيئاً ما في داخلي كان يشتعل. كبرتُ وأنا أتشرّب هذا العالم... نعم، كان حلمي، وصار واقعي.» هزّت فاليريا رأسها بإعجابٍ صامت، ثم ارتشفت من كوب عصيرها، وقالت بنبرةٍ هادئة: — «أنتَ نقيضُ التوأم وريان... مايك، وكيفين، اختاروا دراسة السياسة وفاءً لحلم عمّي، ثمّ سرعان ما اتّبعوا شغفهم الحقيقي؛ الفنّ.» ضحك رافييل بخفّةٍ، ثم ردّ بنبرةٍ تنمُّ عن ارتياحٍ صادق: — «وأنا سعيدٌ بذلك، في الحقيقة. السياسة ميدانٌ قاسٍ، مليءٌ بالضغوط والخسائر غير المعلنة. الفنّ يُنقذهم من هذا العبء... بل يُنقذ أرواحهم.» نظرت إليه نظرةً مختلفةً، كأنّها رأت جانباً جديداً في ملامحه، لم يظهر من قبل... ذاك الجانب الذي لا يُظهره سوى لمن يستحق بعد يومٍ حافلٍ قضياه معًا، أعادها رافييل إلى بيتها، حيثُ دخلت فاليريا ببطء، ووضعت أغراضها بعناية، تُرتبُها بشغف، ثم استسلمت للنوم العميق، تحضيرًا ليومٍ جديدٍ حاسمٍ في مسيرتها، يوم المسابقة التي طالما انتظرتها. ⸻ في صباحِ اليوم التالي، في كواليسِ عرض الأزياء، كانت فاليريا تجول بين التصاميم بخطوات واثقة، تفحص قطعَها بتمعّنٍ ودقة، وتتابع كلّ تفصيلٍ صغيرٍ على الأقمشة التي ستتحول إلى لوحاتٍ فنيةٍ على أجساد العارضات. بدأت العارضات بالظهور، تتقدمن نحو القاعة الكبيرة التي امتلأت بزخارفٍ فاخرةٍ وأضواءٍ متلألئة. حضر الجميعُ، أبوها كارلو، ووالدتها ماريا، عم فلورا لورينزو وزوجته أليسا، فلورا نفسها، لورينا، التوأم ريان ومايك وكيفين، رافييل، وأدواردو الذي لم يفتته فرصة الاقتراب من فاليريا وتبادل الكلمات المغازلة التي أسعدتها وأثارت خفقان قلبها. اقترب من فاليريا بابتسامةٍ لطيفة وعيونٍ لا تخفي إعجابها، وقال بصوتٍ هادئٍ لكنه واثق: — «ما أجمل حضورك، فاليريا، كأنك زهرةٌ نادرةٌ تُضيء المكان بحضورها، ولا يخفى على أحدٍ أنكِ تمتلكين سحرًا خاصًا يأسر القلوب قبل العيون.»الفصل المئة وسابع عشر وصل ريان إلى المستشفى بسرعةٍ جنونية، حتى إن صوت احتكاك إطارات سيارته بالأرض جذب انتباه الموجودين عند مدخل الطوارئ. لم ينتظر أحدًا. ترجل من السيارة في اللحظة نفسها، ثم اندفع إلى الجهة الأخرى، فتح الباب، وحمل فلورا بين ذراعيه مرةً أخرى. كانت رأسها مستندة إلى صدره، وعيناها نصف مغمضتين، بينما كانت أنفاسها بطيئة بصورة أرعبته أكثر. ركض بها نحو مدخل الطوارئ وهو يصرخ بصوتٍ مرتفع: — طبيب! بسرعة! — زوجتي فقدت وعيها! التفت الطاقم الطبي فورًا نحوه، وركض أكثر من ممرض مع سريرٍ طبي متحرك. اقتربوا منه بسرعة، وساعدوه في وضع فلورا على السرير. كانت إحدى الطبيبات تضيء مصباحًا صغيرًا في عينيها، بينما أخذ ممرض آخر يقيس ضغطها ونسبة الأكسجين في دمها. قالت الطبيبة بجدية: — انقلوها إلى غرفة الطوارئ حالًا. بدأ السرير يتحرك بسرعة داخل الممرات البيضاء الطويلة. ركض ريان خلفهم دون أن يبتعد خطوة. كان ينادي اسمها بين الحين والآخر، علّها تفتح عينيها أو تجيبه. — فلورا…فلورا، أنا هنا. لكنها لم تستجب. ازدادت سرعة خطواته، حتى وصل إلى باب غرفة الطوارئ. وما إن همّ بالدخول معهم، حتى
الفصل المئة وسادس عشر ما إن أنهت فلورا كلماتها الأخيرة، حتى خيّم الصمت على المكان. لم يعد يُسمع سوى صوت أنفاسهما المتسارعة، وعقارب الساعة المعلقة على الجدار، التي كانت تواصل حركتها وكأن شيئًا لم يحدث. ظل ريان ينظر إليها، وقد بدأ يستوعب حجم ما كانت تشعر به طوال الأسابيع الماضية. فتح فمه ليقول شيئًا… ليعتذر، أو يبرر، أو حتى يخفف من حدة التوتر. لكن الكلمات لم تخرج. لأن فلورا، فجأة، تغير لون وجهها. اختفت الحمرة التي كانت تغطي وجنتيها بسبب الغضب، ليحل محلها شحوبٌ واضح. رمشت عدة مرات، وكأن الرؤية أمامها أصبحت ضبابية. رفعت يدها إلى رأسها بتلقائية، وأغمضت عينيها لثانية. شعرت بأن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة. دارت الغرفة من حولها ببطء… ثم بسرعة أكبر. حاولت أن تأخذ نفسًا عميقًا، لكن الدوار ازداد. مدّت يدها بسرعة نحو حافة الطاولة المجاورة، واستندت إليها بكل قوتها، بينما انحنى رأسها قليلًا. همست بصوتٍ بالكاد سُمع: — ر… ريان… في اللحظة نفسها، انتبه ريان إلى حالتها. اختفى أثر الشجار من ملامحه في ثانية واحدة. اتسعت عيناه وهو يندفع نحوها. — فلورا! وصل إليها قبل أن تخونها ساقاها
الفصل المئة وخامس عشر بعد ساعات في مكانٍ آخر تمامًا… داخل منزل ريان وفلورا، لم يكن الهدوء الذي يملأ أرجاء المنزل يعكس أبدًا ما كان يحدث بين جدرانه. كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساءً، والعشاء الذي أعدّته فلورا قبل أكثر من ساعة لا يزال على الطاولة، وقد برد تمامًا. وقفت أمام النافذة في غرفة المعيشة، تعقد ذراعيها أمام صدرها وهي تنظر إلى الطريق خارج المنزل. كل بضع دقائق كانت تلتقط هاتفها، تنظر إلى الساعة، ثم تعيده إلى مكانه وهي تزفر بضيق. ليس اليوم الأول… ولا الثاني… بل أصبح الأمر يتكرر كل مساء تقريبًا. يخرج ريان بعد انتهاء عمله بحجة لقاء أصدقائه، ولا يعود إلا في وقتٍ متأخر من الليل. وفي كل مرة كانت تقنع نفسها بأنها لن تفتح الموضوع، وأنها ستتجاهله… لكن مع تكرار الأمر، بدأ صبرها ينفد. وفي تلك اللحظة… سمعت صوت باب المنزل يُفتح. دخل ريان وهو يخلع سترته بابتسامةٍ عادية، وكأنه لا يرى شيئًا غير طبيعي. — مساء الخير. لم تجبه. أغلق الباب، ثم التفت إليها. كانت لا تزال واقفة في مكانها، تنظر إليه بصمت. اختفت ابتسامته تدريجيًا. — ماذا؟ قالها وهو يعرف الإجابة مسبقًا. اقتربت منه ب
الفصل المئة ورابع عشر في مكانٍ آخر… كانت الساعة تقترب من الثالثة عصرًا، بينما غمرت أشعة الشمس الهادئة الطابق العلوي من المبنى الإداري الذي يضم مكتب إدواردو. خلف الواجهة الزجاجية الضخمة، امتدت مدينة روما بكل صخبها، السيارات تتحرك في الأسفل بلا توقف، والناس يعبرون الأرصفة مسرعين، أما داخل المكتب فكان الهدوء سيد المكان. جلس إدواردو خلف مكتبه الخشبي الواسع، وأمامه كومة من الملفات التي تنتظر توقيعه، إلى جانب حاسوبه المحمول الذي امتلأت شاشته بالجداول والتقارير الخاصة بالجزء الشمالي من البلاد. كان يقرأ أحد التقارير بتركيز، يدوّن ملاحظاته بقلمٍ أسود، ثم يوقع على آخر صفحة قبل أن يضع الملف جانبًا ويطلب من مساعده إدخال الملف التالي. دخل المساعد، وضع الملف الجديد على المكتب، ثم غادر بعد أن ألقى تحيةً سريعة. فتح إدواردو الملف، لكن قبل أن يقرأ السطر الأول… اهتز هاتفه الموضوع بجانب الحاسوب. توقف قلمه في الهواء. نظر إلى الشاشة. كرستين. ارتسمت ابتسامةٌ صغيرة على شفتيه، تلك الابتسامة التي لم يكن يدرك أنها أصبحت تظهر تلقائيًا كلما رأى اسمها. فتح المحادثة. كرستين: “هل أنت مشغول اليوم؟” قر
الفصل المئة وثالث عشر بعد يومين… كان رافييل وفاليريا يقفان داخل منزل الجبل، ذلك المنزل الذي اختاراه ليكون بداية حياتهما الجديدة بعد الزواج. كان المكان ما يزال شبه فارغ، إلا من بعض الأثاث القديم الذي سيُستبدل بالكامل، بينما كانت النوافذ الواسعة تكشف منظر الغابة الممتدة والجبال التي يكسوها اللون الأخضر. وقف إلى جوارهما أحد أشهر مصممي الديكور في إيطاليا، يحمل بين يديه مجموعة كبيرة من المخططات وعينات الأقمشة والأخشاب. بدأ يشرح أفكاره بهدوء، بينما كان الثلاثة يتنقلون بين أرجاء المنزل. — هنا ستكون غرفة المعيشة، أقترح استخدام الحجر الطبيعي مع مدفأة كبيرة في المنتصف، حتى تحافظ على طابع المنزل الجبلي. أومأ رافييل موافقًا، بينما أخذت فاليريا تتخيل المكان بعد اكتماله. اقتربت من النافذة الكبيرة المطلة على الغابة وقالت بابتسامة: — أريد أريكة كبيرة هنا… بحيث نستطيع الجلوس أمام المدفأة في الشتاء. التفت إليها رافييل مبتسمًا. — وكتاب في يدك… وكوب قهوة لا يفارقك. ضحكت وهي تنظر إليه. — وأنت؟ أجاب دون تردد: — سأكون بجانبك… هذا يكفي. ابتسمت بخجل، بينما دوّن المصمم الملاحظة وهو يبتسم بصمت
الفصل المئة وثاني عشر في مكانٍ آخر… في أحد الأزقة الهادئة لمدينة روما، كانت هناك مكتبة صغيرة قديمة، لا يعرفها إلا القليل. واجهة زجاجية تتدلى فوقها لافتة خشبية عتيقة، وأصصٌ مليئة بالزهور الموسمية تزين المدخل، بينما كانت رائحة القهوة تمتزج برائحة الورق القديم، لتصنع أجواءً لا تشبه أي مكان آخر. لم تكن مجرد مكتبة… بل ملاذًا لكل من يبحث عن الهدوء. في الزاوية البعيدة، قرب نافذةٍ كبيرة تطل على الشارع المرصوف بالحجارة، جلس إدواردو وكرستين متقابلين. كانت أشعة الشمس تتسلل عبر الزجاج، لترسم خطوطًا ذهبية فوق الطاولة الخشبية التي امتلأت بالكتب والأوراق والأقلام الملونة. أمام كرستين، كانت عشرات المخططات الهندسية مبعثرة بعناية. مسطرة معدنية طويلة، قلم رصاص، ممحاة صغيرة، وحاسوبها المحمول الذي يعرض نموذجًا ثلاثي الأبعاد لمشروعها الجامعي. منذ أكثر من ساعة… لم ترفع رأسها إلا نادرًا. كانت غارقة تمامًا في عالمها. ترسم. تمحو. تعيد الرسم. تقيس الزوايا. وتكتب الملاحظات الصغيرة على هامش الورق، ثم تعود لتحدق في الشاشة وكأنها تحاول رؤية المبنى الذي تصممه أمامها حقيقةً لا خيالًا. وفي كل مرة لا
الفصل الاول ٱلشَّمْسُ لَم تَظْهَر ، والْهَوَاءُ يَحْمِل ثِقْل يَوْم لَم يُكْتَب بَعْدُ. ٱلسُّكُون يَسْكُن ٱلْمَدِينَة كَغِطَاء مِن ظِلَال لا تُرَى، والأَنْفَاس تَحْبِس دُون حَرَكَة، تَنْتَظِر بزوغ لَحْظَة تَكْسِر الصَّمْت وتُحَرِّك الْقَلْب. في سَاعات ٱلْفَجْر ٱلْمُقْبِلَة، تَتَسَلَّل خُيُوط ٱلظ
الفصل الثامن في قاعة العرض الكبرى، كانت الأنظار كلها مشدودة نحو منصة المسابقة، حيث بدأ الكساندر عرضه بأبهةٍ لا تخطئها العين. العارضات يتألقن بثوبٍ تلو الآخر، ترتدين تصاميم غاية في الأناقة والدقة، تجتمع فيها الألوان والخطوط في تناغمٍ ساحر، كأنها قصائد نسجت من حريرٍ وضياء. وقفت فاليريا بين الجموع،
الفصل السابع ِيحدّق في عينيها، يقرأ فيهما الانكسار والخذلان، لكنّه لم يرَ سوى ماأراد أن يرى: الموافقة. ارتسم على شفتيه ابتسامة ناعمة، لكنها لم تكن تحمل من النعومة إلا القشرة، أما ما تحتها فكان شيئًا آخر... انتصار مقيت، كأنّه صائد خبير أُسقطت فريسته بإرادتها. :اقترب أكثر، ونبرة صوته اكتسبت دفئ
الفصل التاسع ضوء المصابيح الخافت رسم حولهما ظلًّا مضطربًا... كانت يده مشدودة بعض الشيء، وكأنّه لم يُرِد الإفلات. فلورا لم تكن تتحرّك... ظهرها مشدود، وكأنها تجمّدت. وببطء، رفعت رأسها، ثم أدارت جسدها. عينها وقعت على فاليريا... فجأة، ابتعد إدواردو خطوةً للخلف. شعرت فاليريا بتصلّب عضلات صدرها،







