تسجيل الدخولالفصل المئة وثلاثة وعشرين بعد أن اطمأن الجميع على فلورا، واطمأنوا إلى أن الطبيب سمح لها بالمغادرة بعد أن أوصى بالراحة التامة، بدأت العائلة تودعها واحدًا تلو الآخر. احتضنتها إليسا طويلًا، وكأنها ترفض الابتعاد عنها، بينما أوصتها للمرة العاشرة ألا تبذل أي مجهود، وأن تتصل بها في أي ساعة تحتاج فيها إلى شيء. لورينزو ابتسم لها بحنان وربت على كتفها قائلًا إن البيت سيبقى مفتوحًا لها دائمًا. أما ماريا، فقد قبلت جبينها، وهمست لها ببعض الكلمات الدافئة قبل أن تحتضن فاليريا التي لم تكف عن الابتسام منذ علمت بخبر الحمل. لورينا كانت آخر من اقترب منها. وضعت يديها على وجنتي فلورا، وتأملتها بعينين دامعتين، ثم قالت بابتسامة حنونة: — اعتني بنفسك… فأنتِ لم تعودي مسؤولة عن نفسك فقط. ابتسمت فلورا بخجل، وأومأت برأسها. بعد دقائق… بدأ الجميع يغادرون المستشفى، كلٌّ متجهًا إلى منزله، بعدما تبدل الخوف الذي عاشوه طوال الساعات الماضية إلى راحة وفرح. أما ريان… فلم يترك يد فلورا لحظة واحدة. رافقها حتى باب السيارة، وما إن همّت أن تخطو خطوة واحدة، حتى أوقفها بلطف. — لا. ابتسمت وهي تنظر إليه باستغراب. — ري
الفصل المئة واثنين وعشرين لم تمضِ سوى لحظات، حتى سُمع طرقٌ خفيف على باب الغرفة. التفت ريان نحوه، وما إن سمح لهم بالدخول، حتى انفتح الباب ببطء، ودخلت العائلة تباعًا. كانت ماريا أول من عبر العتبة، يتبعها الجنرال كارلو، ثم لورينا، وإليسا ولورينزو، بينما دخل فاليريا ورافييل في النهاية وأغلقا الباب بهدوء خلفهما. ما إن وقعت عينا إليسا على فلورا، حتى أسرعت إليها دون أن تهتم بشيءٍ آخر. جلست إلى جانبها على حافة السرير، وأحاطت وجهها بكلتا يديها، تتأمله وكأنها تريد أن تتأكد بنفسها أنها بخير. ثم غلبتها دموعها، فانحنت تقبل جبينها مرارًا. — أخفتِني يا صغيرتي… همست بها بصوتٍ مبحوح. — ظننت أن قلبي سيتوقف وأنا أنتظر خارج غرفة الطوارئ. ابتسمت فلورا بتعب، ومدت يدها تمسح دموع إليسا. — أنا آسفة… لم أقصد أن أقلقكم. اقترب لورينزو بدوره، ووضع يده على كتفها بحنانٍ أبوي، ثم ابتسم ابتسامة دافئة وقال: — المهم أنك بخير الآن… هذا وحده يكفينا. أما لورينا، فلم تستطع أن تتمالك نفسها. اقتربت من السرير بسرعة، واحتضنت فلورا بحذر شديد، وكأنها تخشى أن تؤلمها. ثم ابتعدت قليلًا وهي تنظر إليها بعينين تلمعان
الفصل المئة وواحد وعشرين تنفس ريان بعمق عدة مرات، ثم دفع باب الغرفة ببطء. كان يخشى تلك اللحظة أكثر من أي شيء. دخل بخطواتٍ مترددة، وأغلق الباب خلفه بهدوء حتى لا يزعجها. كانت فلورا مستلقية على السرير الأبيض، وقد استعادت وعيها منذ دقائق. وصلت إليها أشعة الشمس الخافتة عبر نافذة الغرفة، فزادت من شحوب وجهها، بينما كانت خصلات شعرها مبعثرة فوق الوسادة، والأنبوب الوريدي الصغير موصولًا بيدها. كانت تحدق بالسقف بصمت، غارقة في أفكارها، حتى سمعت صوت الباب. أدارت رأسها ببطء. وما إن وقعت عيناها على ريان، حتى لاحظت شيئًا لم تعهده فيه. كانت عيناه حمراوين. وآثار الدموع ما تزال واضحة على وجنتيه. أما يداه… فكانتا ترتجفان بوضوح، حتى إنه اضطر إلى ضمهما معًا محاولًا إخفاء ارتعاشهما. رمشت فلورا باستغراب، ثم ارتسم القلق على ملامحها. حاولت الاعتدال في جلستها، لكنها شعرت ببعض الضعف. — ريان… قالتها بصوتٍ هادئ. — ماذا حدث؟ لم يجبها. ظل واقفًا مكانه للحظات، ينظر إليها فقط. وكأنه يتأكد أنها أمامه فعلًا. أنها بخير. أنها تتنفس. شعر بوخزة في صدره عندما التقت عيناه بعينيها. لو تأخر دقائق أخرى…
الفصل المئة وعشرين مرّت الدقائق ثقيلة كأنها ساعات، حتى انفتح أخيرًا باب غرفة الطوارئ. خرج الطبيب وهو ينزع قفازيه الطبيين، وما إن لمحته العائلة حتى انتفض الجميع من أماكنهم. كان ريان أول من اندفع نحوه، حتى كاد يصطدم به من شدة استعجاله. توقف أمامه وأنفاسه متقطعة، وعيناه الحمراوان لا تحملان سوى الخوف. قال بصوتٍ مرتجف، كأن الكلمات تخرج بصعوبة من بين شفتيه: — دكتور… ماذا بها زوجتي؟ هل هي بخير؟ ماذا حدث لها؟ هل فقدت الوعي بسبب شيءٍ خطير؟ وهل… هل يمكنني رؤيتها؟ لم يجب الطبيب مباشرة. نظر أولًا إلى ملامح ريان المليئة بالذعر، ثم إلى أفراد العائلة الواقفين خلفه، وقد ارتسم القلق على وجوههم جميعًا. بعدها… ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه. ابتسامة لم يفهمها أحد. ازدادت دقات قلب ريان. — تكلم، أرجوك… ابتسم الطبيب أكثر، ثم قال بهدوء: — أولًا…مبارك لك. قطب ريان حاجبيه بعدم فهم. — ماذا؟ مد الطبيب يده يصافحه قائلًا: — زوجتك حامل…وفي شهرها الثاني. ساد الصمت. صمتٌ كامل. كأن الزمن توقف للحظة. ظل ريان يحدق بالطبيب دون أن يرمش. لم يستوعب ما سمعه. تحركت شفتاه ببطء، لكنه لم ينطق. فكرر ال
الفصل المئة وتاسع عشر لم تمضِ سوى دقائق قليلة، حتى بدأ أفراد العائلة يصلون تباعًا إلى المستشفى الدولي. توقفت أكثر من سيارة أمام قسم الطوارئ في الوقت نفسه تقريبًا، واندفع الجميع خارجها دون حتى أن يغلقوا الأبواب خلفهم. كانت ماريا أول من ركض نحو المدخل، يتبعها الجنرال كارلو بخطوات سريعة على غير عادته، بينما وصلت لورينا وهي تكاد تتعثر من شدة استعجالها، وخلفها إليسا ولورينزو، وقد ارتسم الخوف بوضوح على وجهيهما. اجتمعوا جميعًا أمام قسم الطوارئ، تتسارع أنفاسهم وهم يبحثون بأعينهم عن ريان. لم يطل بحثهم. كان يقف وحيدًا عند نهاية الممر، أمام باب غرفة الطوارئ المغلق. ظهره منحنٍ قليلًا، وكفاه متشابكتان بقوة، وعيناه الحمراوان لم تفارقا الباب منذ دقائق. بدا وكأنه لم ينتبه حتى لوصولهم. كانت إليسا أول من اندفع نحوه. ركضت حتى وقفت أمامه مباشرة، ثم أمسكت كتفيه بكلتا يديها وهي تنظر في عينيه المرتبكتين. قالت بصوت اختلط فيه الخوف بالبكاء: — ريان…ماذا حدث لها؟ كيف انتهى الأمر بفلورا هنا؟ رفع ريان رأسه ببطء. كانت عيناه ممتلئتين بالدموع، لكنه كان يقاومها بكل ما يملك. هز رأسه بعجز، ثم خرج صوته م
الفصل المئة وثامن عشر تجمدت فاليريا في مكانها لثانية واحدة، وكأن قلبها توقف عن النبض. اختفت ابتسامتها تمامًا، وشحب وجهها وهي تستمع إلى صوت ريان المرتجف القادم من الطرف الآخر. لم تستطع أن تسمع سوى كلماتٍ متقطعة… “المستشفى… فلورا… الطوارئ…” اتسعت عيناها بصدمة، ثم التفتت إلى رافييل بسرعة، وقد ارتجف صوتها لأول مرة منذ زمن. — رافييل… استدر حالًا. نظر إليها بقلق. — ماذا حدث؟ قالت وهي تشد الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها: — إلى المستشفى الدولي… بسرعة! فلورا في غرفة الطوارئ. لم يحتج رافييل إلى تفسيرٍ آخر. ضغط على المكابح عند أول منعطف، ثم استدار بالسيارة بسرعة، وانطلق بأقصى ما يستطيع نحو المستشفى، بينما انعقد حاجباه واشتدت قبضته على المقود. أما فاليريا، فقد أعادت الهاتف إلى أذنها. — ريان… أنا في الطريق. اهدأ، سنصل خلال دقائق. جاءها صوته مكسورًا، وكأنه يحاول جاهدًا ألا ينهار. — أخبري الجميع… أرجوكِ. أغلقت المكالمة، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وبدأت تتصل بالعائلة. كان أول اتصال بوالدتها، ماريا. ما إن أجابت حتى قالت فاليريا بسرعة: — أمي… فلورا في المستشفى الدولي. لا أعرف ماذا
الفصل التاسع ضوء المصابيح الخافت رسم حولهما ظلًّا مضطربًا... كانت يده مشدودة بعض الشيء، وكأنّه لم يُرِد الإفلات. فلورا لم تكن تتحرّك... ظهرها مشدود، وكأنها تجمّدت. وببطء، رفعت رأسها، ثم أدارت جسدها. عينها وقعت على فاليريا... فجأة، ابتعد إدواردو خطوةً للخلف. شعرت فاليريا بتصلّب عضلات صدرها،
الفصل الثامن في قاعة العرض الكبرى، كانت الأنظار كلها مشدودة نحو منصة المسابقة، حيث بدأ الكساندر عرضه بأبهةٍ لا تخطئها العين. العارضات يتألقن بثوبٍ تلو الآخر، ترتدين تصاميم غاية في الأناقة والدقة، تجتمع فيها الألوان والخطوط في تناغمٍ ساحر، كأنها قصائد نسجت من حريرٍ وضياء. وقفت فاليريا بين الجموع،
الفصل السابع ِيحدّق في عينيها، يقرأ فيهما الانكسار والخذلان، لكنّه لم يرَ سوى ماأراد أن يرى: الموافقة. ارتسم على شفتيه ابتسامة ناعمة، لكنها لم تكن تحمل من النعومة إلا القشرة، أما ما تحتها فكان شيئًا آخر... انتصار مقيت، كأنّه صائد خبير أُسقطت فريسته بإرادتها. :اقترب أكثر، ونبرة صوته اكتسبت دفئ
الفصل الاول ٱلشَّمْسُ لَم تَظْهَر ، والْهَوَاءُ يَحْمِل ثِقْل يَوْم لَم يُكْتَب بَعْدُ. ٱلسُّكُون يَسْكُن ٱلْمَدِينَة كَغِطَاء مِن ظِلَال لا تُرَى، والأَنْفَاس تَحْبِس دُون حَرَكَة، تَنْتَظِر بزوغ لَحْظَة تَكْسِر الصَّمْت وتُحَرِّك الْقَلْب. في سَاعات ٱلْفَجْر ٱلْمُقْبِلَة، تَتَسَلَّل خُيُوط ٱلظ







