LOGINالفصل الثامن
في قاعة العرض الكبرى، كانت الأنظار كلها مشدودة نحو منصة المسابقة، حيث بدأ الكساندر عرضه بأبهةٍ لا تخطئها العين. العارضات يتألقن بثوبٍ تلو الآخر، ترتدين تصاميم غاية في الأناقة والدقة، تجتمع فيها الألوان والخطوط في تناغمٍ ساحر، كأنها قصائد نسجت من حريرٍ وضياء. وقفت فاليريا بين الجموع، عيناها تلاحقان كل تفصيلٍ من تلك التصاميم، وفجأة، كأن برقًا خاطفًا، استولت عليها دهشة عميقة. تلك التصاميم التي تتجلى على جسد العارضات ليست سوى نسيج أحلامها المنسوجة بدقة، خطوطها وألوانها تحاكي كل فكرةٍ صاغتها في ليالي سهرها. تنفسها انقطع، وقلبها صار يرفرف بعنف، وكأنها ترى سرقة جهدها ومثابرتها تتراقص أمام عينيها بلا هوادة. وبالطبع أول فكرّت به ليليا ارتفع في صدرها موجٌ من الغضب المكبوت، تبلورت فيه كل مشاعر الخذلان، لتدرك أن ما يحدث ليس مجرد مسابقة، بل ميدان صراع على الكرامة والحق. وفي لحظة مفارقة، التقت عيناها بعيني الكساندر، الذي كان يتطلع إليها بنظرة انتصار متغطرسة، كأنه يتباهى بسرقة تعبها وأحلامها بلا أي ذرة من الرحمة. احتدت مشاعرها، واشتعلت في صدرها نارٌ لا تهدأ، لتعلم أنها على أعتاب معركة لا نهاية لها، معركة ستدفعها لأن تكون أقوى وأشد عزماً من أي وقت مضى حلّ موعد عرض تصاميم فاليريا، فأضاءت الأضواء منصّة العرض برهبةٍ وجلال. خطت العارضات بثباتٍ وأناقةٍ، يحملن على أكتافهنّ لوحات فنية تفوح منها روح الإبداع والتميز، تصاميمٌ استلهمتها فاليريا من أحلامها وألمها، من صبرها وسهرها. وقف الكساندر خلف الستار، عينيه لا تفارقان الممر، كلما مرت عارضةٌ، كانت دهشته تتعاظم، ووجومه يزداد، وكأنّها موجةٌ من الصدمة تتسلّل إليه رويدًا رويدًا. لم يكن يتصوّر أبدًا أن تصاميمها الجديدة، التي لم يرها من قبل، قد تتفوّق على تلك التي سرقها. كان يتطلع إليها، يحاول أن يستجمع كبرياءه المتهاوي، فإذا بها تُحدّق به بنظرةٍ ثاقبة، تشي بسخرية قاتلة، بلسعة تفيض بقوة لا تكسرها لا صدمة ولا خيانة. وهكذا، في تلك اللحظة، كان الصمت يختلط بصدى تصفيقٍ خافت، ينمو شيئًا فشيئًا إلى تصفيقٍ حادّ، لا يبارحه أذني الكساندر ولا قلبه المثقل بالهزيمة. لم تقل كلمة، ولم تبدر حركةٌ إلا نظرةٌ واحدة، متقنة، ترسلها إلى خصمها المحتار، تقول بلا صوت: "ها هي الحقيقة، ليس كل ما يُسرق يظل ملكًا، وها هي روحي، لا تُسرق." وقفت فاليريا هناك، شامخةً، بثباتٍ لا ينكسر، فخورةً بما صنعت، وبأنها انتصرت، قبل أن تنطق الكلمة الأولى في هذه المعركة ارتفعت أصوات الحضور في القاعة، تتناثر الأنفاس بين ترقب وتوتر، بينما وقف الحكام خلف المنصة، يستعدون لإعلان اسم الفائز بالمسابقة. تقدّمت إحدى الحكامات، سيدة الوقار والهيبة، فتوقفت لحظة، وأطلقت صوتها بوضوحٍ صارم: "والآن، وبعد أن رأينا العروض المذهلة، يسعدنا أن نعلن—" لكن قبل أن تكمل، ارتفعت من بين الجمهور صوتٌ رقيق لكنه حازم: "لحظة!" تجمّع الجميع نظراتهم نحو فاليريا، التي كانت واقفةً بثباتٍ على مدخل القاعة، عيناها تشعّان بالعزيمة، وصوتها يحمل في طياته قوة الإصرار. تقدمت بخطى واثقة، وصعدت إلى منصة العرض، فنظر إليها الجميع باستغراب ودهشة، وانتشرت في القاعة هالة من الصمت المطبق. رفعت يدها، ثم قالت بصوتٍ واضحٍ وجليّ: "قبل أن تُعلن النتيجة، لديّ أمرٌ مهمٌ يجب أن أُظهره لكم، لأكشف عن الحقيقة كاملة، قبل أن يُكتب اسم الفائز." توقفت للحظة، ونظرت إلى الحكام الذين تبادلوا النظرات، ثم تمنت أن يكون حديثها هذا بمثابة بداية لإنصافها، وليس نهايته وقفت فاليريا على منصة العرض، بيدها ريموت صغير يلمع في نور الأضواء المتلألئة، وصوت القاعة يخفت تدريجيًا، مستعدًا لسماع الحقيقة التي ستحطم كل الظنون. ضغطت بإصبعها برقة، فانطفأ ضوء المنصة تمامًا، وتحول المشهد إلى شاشة عرض كبيرة وسط القاعة. ارتسمت على الشاشة كلمات بيضاء متحركة، تزامنت مع صوت واضح وجليّ يتسلل إلى أذني الحاضرين: "ليليا... لقد نجحتِ في استبدال الكاميرا... صوّرتِ كل تصاميم فاليريا الجديدة. لم تعد مخفية، وكلّ سرقناها أمام أعيننا." ارتجف صوت ليليا على التسجيل، تملؤه نبرة الغموض والخيانة: "ألكساندر، كل شيء جاهز الآن... لن تستطيع فاليريا أن تتحدى أمرنا بعد اليوم." ثم تردد صوت ألكساندر البارد، يخترق سكون القاعة: "لن يفوز أحدُ بعد اليوم إلا من يمتلك القوة والسيطرة. تصاميمها سرقت... وتُعرض الآن باسمنا." ____ Flask back قبل اسبوع كانت نظرة فاليريا لِجاك كافيه له أنّ يفهم ما يدور بداخل رأس سيدته ليتحدث بسرعه نحو الخارج وبحركه عفوية صنعها اصطدم بكتف ليليا التّي كانت على وشك الخروج وبينا الاخر كانت على وشك السقوط امسك هو بها من خصرها يمنعها من ملامسة الأرض وقفت بهدوء تحاول استعاد رباط جأشها لتشكرها وتخرج مرة أخرى ليبتسم الاخر بخبث ويعود بأدراجه لسيدته يدخل مكتبها بعد طرق الباب ليجدها جالسة على الكرسي خلف المكتب يتقدم لها بينما يخرج هاتفه من جيبه ويفتح لها على ذلك التطبيق الذي اول ما تم فتحة صدح صوت ليليا منه بالأرجاء لتبتسم فاليريا وفي قلبها حقد كبير لمن حاول أن يسرق تعبها ___ عودة للقاعة تجمد الحضور، وعلت أنفاسهم الثقيلة، تتصاعد إلى لحظة صمت مُرّ، قبل أن ينفجر وقع التصفيق من بعضهم، وصرخات الغضب من آخرين. أما فاليريا، فقد وقفت كالجبل شامخة، عيناها تشعّان بالنار، تتسلل بينهما قطرات من الدموع المكتومة التي حملتها في صمت طوال هذا الوقت. كان بوسعها أن ترى في عيون الحكام دهشةً وخيبة أمل، ومع ذلك لم يجرؤ أحد على مقاطعتها. رفعت رأسها عاليًا، وقالت بصوتٍ هادئٍ لكنه ملؤه الحزم: "هذه الحقيقة التي كان يجب أن تُعرف قبل إعلان الفائز. ولن أسمح لأحد أن يسرق مجهودي أو يطمس أحلامي." وبينما كانت الكلمات تتردد في القاعة، تلاشى الضوء تدريجيًا، معلنًا بداية معركة جديدة لن تنتهي سوى بانتصار الحقيقة ما إن أنهت فاليريا كلماتها، حتى علت في القاعة أصوات همسات متوترة، تجمعت أنظار الجميع نحو الحكام الذين وقفوا بثبات خلف المنصة. تقدم رئيس لجنة التحكيم، رجلاً ذا هيئة مهيبة، صوته يعكس ثقل المسؤولية، وقال بنبرة حازمة: "بعد الاطلاع على الأدلة الواضحة التي قدمتها الآنسة فاليريا، وبعد مراجعة التسجيلات والمستندات، قررت اللجنة التالي:" توقف للحظة، وكأنه يختار كلماته بعناية شديدة، ثم تابع: "تُسحب شهادة التصميم من السيد ألكساندر، ويُعلن عن بدء إجراءات قانونية ضدّه بسبب سرقة الملكية الفكرية والتزوير ، أمّا بالنسبة للعارضة ليليا سيتم منعها من اداء مهنتها ومحاسبتها قانونياً ايضاً." ارتفعت موجة من التصفيق والتأييد من الحضور، فيما كانت نظرات الكساندر تنم عن هزيمة مدوية، وجمود في ملامحه كأن العالم انهار من حوله. ثم أدار رئيس اللجنة وجهه نحو فاليريا، وقال بكل فخر واعتزاز: "وبناءً عليه، نعلن الآنسة فاليريا الفائزة المستحقة لهذا الموسم، تقديرًا لإبداعها وجهدها الحقيقي." تقدم الحاضرون نحو المنصة، وسط زغاريد وتصفيق عارم، بينما وقفت فاليريا مبتسمة، دموع الفرح تنساب على وجنتيها، وكأنها تحصد حلمًا طال انتظاره. كانت هذه اللحظة التي تكللت فيها كل معاناة بالسناء، وكل كفاح بالانتصار في ممرٍّ ضيّق خلف كواليس القاعة، وعلى ضوءٍ أصفر باهت، وقفت ليليا تحاول لملمة بقايا كبريائها، بعدما انفضح كل شيء. تلبس سترة سوداء داكنة، وتضمّ حقيبتها إلى صدرها كمن يحاول الاحتماء بها من ضربة قادمة. لكن الخطوات التي اقتربت منها لم تكن مترددة... بل واثقة، صارمة، كأنها حُكمٌ يُتلى. توقّفت فاليريا أمامها، نظرتها مستقيمة، لا يعلوها انفعال... فقط احتقار بارد، جامد. قالت بصوت هادئ، لا يحمل صراخًا، لكن كل كلمة كانت كسكين: — "حين يسرق أحدهم شيئًا لم يصنعه... لا يصبح ملكًا له. بل يصبح عبئًا يطمره تحت وزنه." تراجعت ليليا بخطوة، وقالت بتلعثم: — "أنتِ لا تفهمين... في هذا العالم لا يكفي أن تكوني موهوبة." رفعت فاليريا حاجبًا، وكأنها تتأمل مخلوقًا غريبًا: — "بل أفهم جيدًا. الفاشلون دومًا يقولون ذلك." ثم مالت قليلًا نحوها، وهمست بجليدٍ ناعم: — "حاولي أن تذكري اسمي في أي مكان من هذا العالم... وستُدفنين تحت الضوء الذي حاولتِ سرقته." تركتها هناك، مشلولة بين الذلّ والخوف، وغابت عن الكواليس، تمشي بثباتٍ يشبه الملوك حين يُنهون معركة، ويخرجون دون الحاجة إلى الالتفات ______ في الحديقة الخلفية للقاعة، بعد أن هدأ صخب القاعة، كانت النجوم تتناثر فوق الأغصان الساكنة، والهواء يحمل شيئًا من الليل المبلّل بالفخر والتعب. خطوات فاليريا على الممر الحجري كانت خفيفة، وكأنها تفرغ صدى التصفيق من أذنيها، تبحث عن بقعة هادئة... وهناك، تحت شجرة سرو قديمة، كان يقف. ظهره مستند إلى السور الحجري، يده اليسرى في جيب سترته، واليد الأخرى تمسك سيجارًا مشتعلًا، ينفث منه دخانًا بطيئًا يذوب في الظلمة، كأنّه يرسم أفكاره في الهواء. رافييل دي فاليريو. بذلته الرسمية الداكنة تكاد تندمج مع عتمة الليل، لكن ملامحه، ونظراته، كانت واضحة... مشتعلة، كما لم تكن من قبل. لم تنتبه فاليريا في البداية، لكن حين رفعت عينيها ورأته، توقّفت، كأنّ شيئًا ثقيلًا سقط داخلها. هو لم يتحرّك. فقط رمقها بنظرة طويلة، نفض رماد السيجار بإيماءة بطيئة، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ، رتيب، كأنّه واثق من وقعه: — "عرضٌ مُذهل، آنسة أنتونيللي." لم ترد. فقط تقدّمت نحوه حتى باتت المسافة بينهما تُقاس بالنبض. ثم همست، دون أن تُحيد نظراتها عن عينيه: — "كيف...؟ متى عدت؟" قال بهدوء، ينفث الدخان بعيدًا: — "وصلت قبيل النهاية بقليل. كنت أفضّل أن أراقب... دون تدخل." رمشت بعينيها ببطء، ثم قالت بنبرة خفيفة، محمّلة بالمعنى: — "مناسبٌ لكَ هذا الدور... دور من يُراقب من بعيد." ابتسم بخفة، دون أن يضحك: — "وأنتِ... لا تفقدين حدّة لسانك حتى في النصر." سكت لحظة، ثم أضاف، وهو ينظر نحو السماء: — "لكن ما رأيته الليلة... كان أكثر من نصر. كان إعلانًا... عن امرأة لم تعد تنتمي لأي ظل." التفت نحوها، بعينين تشعّان باعترافٍ لا يُقال: — "لقد أذهلتني، فاليريا." لم تجبه، بل أبعدت بصرها نحوه للحظة، ثم قالت: — "كلّ ما في هذا العرض... لم يُصنع لأحد. كان لي، ومني." هزّ رأسه ببطء، احترامًا: — "ولم يكن هناك سواكِ من يستحقه." صمت طويل تخلّله صوت السيجار حين احترق طرفه قليلًا. ثم قال، وقد انخفض صوته وكأنّه يتحدث من عمقٍ بعيد: — "كان يمكنني البقاء بعيدًا... لكنّي لم أشأ أن تفوتني لحظة صعودكِ." رفعت حاجبًا، ونظرت إليه نظرة جانبية، بخجل: — "أهذا نوعٌ جديد من المجاملة؟" ضحك هذه المرة، ضحكة خفيفة، قصيرة، ثم قال: — "بل اعتراف... من رجلٍ نادرًا ما يُباغَت." تقدّمت خطوة، وقالت بنبرة هادئة، لكن فيها نارٌ صغيرة: — "ليكن، رافييل... المهم أنك رأيت." أطفأ السيجار، ثم رماه أرضًا وسحقه بباطن حذائه الأنيق، ورفع عينيه نحوها مجددًا: — "رأيت... واحتفظتُ بالمشهد." مرّت لحظة سكون بينهما، ثم تحرّكت فاليريا لتبتعد. لكنه قال قبل أن تذهب: — "فاليريا..." توقفت، دون أن تلتفت. أكمل بنبرة هادئة، قوية: — "لا أحد يقف أمامكِ الآن... ولا حتى الظلال." ابتسمت، دون أن تدير وجهها، ثم تابعت سيرها نحو البوابة، تاركة خلفها صمتًا... يشبه وعدًا غير منطوق خرجت فاليريا من تحت أشجار الحديقة، تسير على الممشى المبلّل بنثار الأوراق، أنفاسها لا تزال دافئة من حديث رافييل، ونظراتها تتبع ما تبقّى من أثره في الليل. لكنّها، حين اقتربت من البوابة الجانبيّة، توقّفت. كانا هناك، في الزاوية شبه المعتمة، قرب النوافير الرخامية... إدواردو مالديني، ببدلته العسكرية الرمادية، واقفٌ بثباتٍ، يده اليمنى تمتد نحو خصر فتاةٍ تقف ظهرًا إليه... فلورا.الفصل المئة وخمسين حصلت كل الشخصيات، بطريقة أو بأخرى، على نصيبها من الراحة والسعادة التي طالما بحثت عنها. بعضهم وصل إليها بعد سنوات من الانتظار، وبعضهم وجدها في شخص لم يكن يتوقع أن يلتقيه، وآخرون احتاجوا إلى المرور بالكثير من الألم حتى يدركوا قيمة اللحظات الجميلة حين تأتي. أما فاليريا ورافييل… فكانت حكايتهما قد وصلت إلى فصلها الأكثر هدوءًا وراحةً. في مساءٍ دافئ، كانت فاليريا تقف في شرفة منزلهما، وقد امتد أمامها منظر الحديقة الواسعة التي امتلأت بأصوات أطفالها وضحكاتهم. كان الهواء لطيفًا، يحمل معه رائحة الزهور، بينما بدأت الشمس بالانخفاض خلف الأشجار، تاركةً السماء بألوان ذهبية ناعمة. وقفت فاليريا قرب السور، واضعةً يدها فوق بطنها، وقد ظهرت عليها علامات الحمل الأخير بوضوح. كانت تراقب أبناءها وهم يلعبون في الحديقة، بينما كان رافييل يقف على مسافة قريبة منهم، يراقبهم بعينين ممتلئتين بالحنان. لم تكن حياتهما مثالية. مرت عليهما أيام صعبة، وخلافات، وخوف، وانتظار، ولحظات ظنّا فيها أن بعض الأشياء قد تكون أكبر من قدرتهما على تجاوزها. لكنها مضت. وكلما نظرت فاليريا إلى عائلتها الآن، أدركت أ
الفصل المئة وتسعة واربعين في مكانٍ آخر… على أحد شواطئ اليونان الساحرة، حيث امتد البحر الأزرق أمام العين بلا نهاية، كانت الشمس تميل نحو الغروب ببطء، ناشرةً ألوانًا ذهبية فوق سطح المياه. كان الشاطئ هادئًا نسبيًا، لا يقطعه سوى صوت الأمواج وهي تلامس الرمال بنعومة، ونسيم البحر الذي حمل معه رائحة الملح وأشعة الشمس الدافئة. كانت كرستين تجلس على أحد كراسي الاسترخاء القريبة من البحر، وقد وضعت نظارتها الشمسية فوق رأسها، بينما كانت تستمتع بالهدوء من حولها. ارتدت ملابس صيفية خفيفة، وتركت شعرها منسدلًا على كتفيها، فيما كانت عيناها لا تفارقان المشهد أمامها. على مسافة ليست بعيدة، كان إدواردو يقف حافي القدمين فوق الرمال، وقد انشغل تمامًا بطفليه التوأم. ليلان وليام. بعد ثلاث سنوات من زواجهما، جاء التوأم إلى حياتهما، ليقلبا عالمهما الصغير رأسًا على عقب بطريقة لم يتوقعاها، ويملآ منزلهما بأصوات لا تهدأ، وركضٍ مستمر، وضحكات جعلت أيامهما أكثر حياة. كان ليلان وليام في ذلك اليوم يبدوان متشابهين في بعض التفاصيل، لكن لكل منهما ملامحه الخاصة وشخصيته المختلفة. كانت ليلان الصغيرة تركض على الرمال وهي تضحك
الفصل المئة وثمانية واربعين مرت الأشهر ، وتبدلت معها تفاصيل كثيرة في حياة العائلة، حتى أصبحت الأيام التي كانت تجمعهم في السابق مجرد ذكريات بعيدة، وحلّت مكانها حياة جديدة امتلأت بالأطفال والضحكات والمناسبات السعيدة. كان ريان وفلورا قد استقبلا طفلتهما الأولى منذ بضعة أشهر، فتاة صغيرة أطلقا عليها اسم ليليا. كانت طفلة لطيفة وهادئة في معظم أوقاتها، وقد أخذت من والدتها فلورا ملامحها كاملة تقريبًا؛ من عينيها إلى تفاصيل وجهها الصغيرة، حتى إن العائلة كانت تلاحظ الشبه بينهما كلما حملتها فلورا بين ذراعيها. أما مايك وكيفين، فقد عادا إلى إيطاليا بعد فترة قضياها بعيدًا، لكن هذه المرة لم تكن عودتهما بسبب العمل وحده. كان كيفين يستعد لزفافه، بعدما اختار فتاة لطيفة أحبها وقرر أن يبدأ معها حياته الخاصة. انشغل الاثنان بالتحضيرات، بينما أصبحت العائلة بأكملها تترقب اليوم الذي سيصبح فيه كيفين عريسًا. أما لورينا وماريا، فقد كانتا الأكثر التصاقًا بفاليريا خلال فترة حملها. لم تتركاها تواجه متاعب الحمل وحدها، بل كانتا دائمًا بالقرب منها؛ تساعدانها في إعداد الطعام، وتحرصان على أن تحصل على الراحة الكافية، وت
الفصل المئة وسبعة واربعين في الوقت الذي كانت فيه فاليريا ورافييل يعيشان تفاصيل حملهما الأول، كانت حياة إدواردو وكرستين تسير في اتجاه مختلف تمامًا. فبعد زواجهما، لم يكن موضوع الأطفال غائبًا عن أحاديثهما، لكنه لم يكن أمرًا يريد أيٌّ منهما الاستعجال فيه. كانا يعرفان أن وصول طفل إلى حياتهما سيغيّر الكثير؛ ليس فقط تفاصيل يومهما، بل أولوياتهما، وخططهما، وحتى المساحة الصغيرة التي اعتادا أن يحتفظا بها لأنفسهما. كانت كرستين لا تزال في بداية حياتها العملية والأكاديمية، وكانت لديها أحلام كثيرة تريد تحقيقها. أما إدواردو، فكانت حياته مليئة بالمسؤوليات والالتزامات، ولم يكن يريد أن يجعلها تشعر بأن الزواج يعني التخلي عن الأشياء التي تحبها أو تأجيل أحلامها. لذلك، في إحدى الأمسيات الهادئة، جلسا معًا يتحدثان عن المستقبل بكل صراحة. لم يكن الحديث مخيفًا، بل كان أشبه بمحاولة من كليهما لفهم ما يريدانه فعلًا. كانت كرستين ترى أن أمامهما الكثير من الأشياء التي لم يعيشاها بعد؛ أماكن يريدان زيارتها، ذكريات يريدان صنعها، وأيام بسيطة يرغبان في الاستمتاع بها دون أن تكون حياتهما مرتبطة بمسؤولية جديدة وكبيرة.
الفصل المئة وستة واربعين مرت الشهور ببطء، وكأن كل شهر كان يحمل معه فصلًا جديدًا من حياتهما. كان الحمل يتقدم يومًا بعد يوم، ومعه كانت تتغير فاليريا تدريجيًا؛ تغيرات صغيرة بدأت تلاحظها في تفاصيلها اليومية، في تعبها، وفي حاجتها المتزايدة إلى الراحة، وفي ذلك الشعور الغريب الذي كان يجعلها تستوعب في كل صباح أن هناك حياة صغيرة تنمو داخلها. لم يكن الحمل سهلًا عليها. مرت عليها أيام شعرت فيها بالإرهاق الشديد، وأخرى أثقلها الغثيان والدوار، حتى إن أبسط الأعمال التي اعتادت القيام بها أصبحت تحتاج منها إلى جهد أكبر. وكانت هناك ليالٍ لم تستطع فيها النوم براحة، فتظل مستلقية تتقلب بحثًا عن وضع أكثر راحة، بينما يراقبها رافييل بصمت، قلقًا عليها أكثر مما يظهر. ومنذ بداية الحمل، لم يتركها تواجه تلك الأيام وحدها. كان رافييل حاضرًا في كل تفاصيل حياتها، حتى الصغيرة منها. تعلم كيف يلاحظ تغير مزاجها من نظرة واحدة، وكيف يعرف متى تحتاج إلى الراحة قبل أن تطلبها، ومتى تريد فقط أن تجلس إلى جانبه دون أن تتحدث. كان يحرص على أن تكون راحتها في مقدمة اهتمامه، فيرتب يومه وفق مواعيدها، ويرافقها إلى فحوصاتها، ويتأكد
الفصل المئة وخمسة واربعين في مكانٍ آخر… العاصمة روما. كان الهدوء يخيّم على إحدى غرف الفحص في المستشفى، بينما تسللت أشعة النهار من بين الستائر البيضاء، تاركةً خيوطًا ناعمة من الضوء على أرضية الغرفة. استقرت فاليريا على السرير الطبي، وقد بدت ملامحها متوترة قليلًا، بينما جلس رافييل إلى جانبها ممسكًا بيدها. كانت أصابعها متشابكة مع أصابعه، وكأنها تستمد من قبضته شيئًا من الطمأنينة. لم تكن تعرف تمامًا ما الذي ستسمعه بعد لحظات. منذ فترة قصيرة بدأت تشعر بتغيرات لم تعتدها؛ تعب متكرر، ودوار يأتيها من حين إلى آخر، وبعض الأعراض التي جعلتها تشعر بأن شيئًا ما قد تغير في جسدها. وفي البداية حاولت تجاهل الأمر، إلا أن رافييل أصر على أن تتأكد من السبب، ولم يهدأ حتى جاءت إلى المستشفى. كانت الطبيبة تقف إلى جانب السرير، تجهز جهاز السونار وتراجع بعض المعلومات أمامها، ثم بدأت الفحص بهدوء. نظرت فاليريا إلى الشاشة، لكنها لم تستطع فهم ما يظهر عليها. أما رافييل، فكان يراقب وجه الطبيبة أكثر من الشاشة، محاولًا قراءة أي شيء من ملامحها. ضغط على يد فاليريا برفق. — هل أنتِ بخير؟ أومأت له، رغم أن القلق كان وا
الفصل الرابع تعلّقت أنفاسُها بين صدرها وصدره... لا هي تعرف إن كانت حيةً فعلاً، أم أنها سقطت في عالمٍ آخر، حيث لا وجود فيه سوى لعينيه. يده كانت تحيط بخصرها، تُبقيها قريبة، ثابتة، كأنّما أراد أن يقول لها: "أنا هنا... ولن أدعكِ تسقطين." لم ينبس بحرف، ولم تفعل. كان الصمتُ بينهما أبلغ من كلّ الكلام.
الفصل الثاني وقف إلى جانبه تحت ظلال الذكرى، أمهم التي حملت عبء الفقد وحدها، تقف بقوةٍ رغم الألم، عيناها تحملان حزنًا صامتًا، وأملًا يتشبث بالأيام القادمة. في تلك اللحظة، كان الصمت يثقل الأجواء، وكأن العالم يترقب ما سيحدث، وتلك النظرات التي يوجهها رافييل إلى فاليريا، تكاد تخبر بأن خلف ذلك الغموض ق
الفصل الاول ٱلشَّمْسُ لَم تَظْهَر ، والْهَوَاءُ يَحْمِل ثِقْل يَوْم لَم يُكْتَب بَعْدُ. ٱلسُّكُون يَسْكُن ٱلْمَدِينَة كَغِطَاء مِن ظِلَال لا تُرَى، والأَنْفَاس تَحْبِس دُون حَرَكَة، تَنْتَظِر بزوغ لَحْظَة تَكْسِر الصَّمْت وتُحَرِّك الْقَلْب. في سَاعات ٱلْفَجْر ٱلْمُقْبِلَة، تَتَسَلَّل خُيُوط ٱلظ
الفصل الثالث تربط بين الجنرال والضابط علاقةٌ قديمةٌ بوالد رافـييل، منذ الصبا، واستمرّت تلك العلاقة مع الابن بعد وفاته. وإلى جانبه، وقفت والدته لورينا دي فاليريو، المحامية المتقاعدة، زوجة وزير الدفاع الإيطاليّ الرّاحل، والصديقة المقرّبة لكلٍّ من ماريا وأليسا. لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي يحتف