LOGINالفصل الثامن
في قاعة العرض الكبرى، كانت الأنظار كلها مشدودة نحو منصة المسابقة، حيث بدأ الكساندر عرضه بأبهةٍ لا تخطئها العين. العارضات يتألقن بثوبٍ تلو الآخر، ترتدين تصاميم غاية في الأناقة والدقة، تجتمع فيها الألوان والخطوط في تناغمٍ ساحر، كأنها قصائد نسجت من حريرٍ وضياء. وقفت فاليريا بين الجموع، عيناها تلاحقان كل تفصيلٍ من تلك التصاميم، وفجأة، كأن برقًا خاطفًا، استولت عليها دهشة عميقة. تلك التصاميم التي تتجلى على جسد العارضات ليست سوى نسيج أحلامها المنسوجة بدقة، خطوطها وألوانها تحاكي كل فكرةٍ صاغتها في ليالي سهرها. تنفسها انقطع، وقلبها صار يرفرف بعنف، وكأنها ترى سرقة جهدها ومثابرتها تتراقص أمام عينيها بلا هوادة. وبالطبع أول فكرّت به ليليا ارتفع في صدرها موجٌ من الغضب المكبوت، تبلورت فيه كل مشاعر الخذلان، لتدرك أن ما يحدث ليس مجرد مسابقة، بل ميدان صراع على الكرامة والحق. وفي لحظة مفارقة، التقت عيناها بعيني الكساندر، الذي كان يتطلع إليها بنظرة انتصار متغطرسة، كأنه يتباهى بسرقة تعبها وأحلامها بلا أي ذرة من الرحمة. احتدت مشاعرها، واشتعلت في صدرها نارٌ لا تهدأ، لتعلم أنها على أعتاب معركة لا نهاية لها، معركة ستدفعها لأن تكون أقوى وأشد عزماً من أي وقت مضى حلّ موعد عرض تصاميم فاليريا، فأضاءت الأضواء منصّة العرض برهبةٍ وجلال. خطت العارضات بثباتٍ وأناقةٍ، يحملن على أكتافهنّ لوحات فنية تفوح منها روح الإبداع والتميز، تصاميمٌ استلهمتها فاليريا من أحلامها وألمها، من صبرها وسهرها. وقف الكساندر خلف الستار، عينيه لا تفارقان الممر، كلما مرت عارضةٌ، كانت دهشته تتعاظم، ووجومه يزداد، وكأنّها موجةٌ من الصدمة تتسلّل إليه رويدًا رويدًا. لم يكن يتصوّر أبدًا أن تصاميمها الجديدة، التي لم يرها من قبل، قد تتفوّق على تلك التي سرقها. كان يتطلع إليها، يحاول أن يستجمع كبرياءه المتهاوي، فإذا بها تُحدّق به بنظرةٍ ثاقبة، تشي بسخرية قاتلة، بلسعة تفيض بقوة لا تكسرها لا صدمة ولا خيانة. وهكذا، في تلك اللحظة، كان الصمت يختلط بصدى تصفيقٍ خافت، ينمو شيئًا فشيئًا إلى تصفيقٍ حادّ، لا يبارحه أذني الكساندر ولا قلبه المثقل بالهزيمة. لم تقل كلمة، ولم تبدر حركةٌ إلا نظرةٌ واحدة، متقنة، ترسلها إلى خصمها المحتار، تقول بلا صوت: "ها هي الحقيقة، ليس كل ما يُسرق يظل ملكًا، وها هي روحي، لا تُسرق." وقفت فاليريا هناك، شامخةً، بثباتٍ لا ينكسر، فخورةً بما صنعت، وبأنها انتصرت، قبل أن تنطق الكلمة الأولى في هذه المعركة ارتفعت أصوات الحضور في القاعة، تتناثر الأنفاس بين ترقب وتوتر، بينما وقف الحكام خلف المنصة، يستعدون لإعلان اسم الفائز بالمسابقة. تقدّمت إحدى الحكامات، سيدة الوقار والهيبة، فتوقفت لحظة، وأطلقت صوتها بوضوحٍ صارم: "والآن، وبعد أن رأينا العروض المذهلة، يسعدنا أن نعلن—" لكن قبل أن تكمل، ارتفعت من بين الجمهور صوتٌ رقيق لكنه حازم: "لحظة!" تجمّع الجميع نظراتهم نحو فاليريا، التي كانت واقفةً بثباتٍ على مدخل القاعة، عيناها تشعّان بالعزيمة، وصوتها يحمل في طياته قوة الإصرار. تقدمت بخطى واثقة، وصعدت إلى منصة العرض، فنظر إليها الجميع باستغراب ودهشة، وانتشرت في القاعة هالة من الصمت المطبق. رفعت يدها، ثم قالت بصوتٍ واضحٍ وجليّ: "قبل أن تُعلن النتيجة، لديّ أمرٌ مهمٌ يجب أن أُظهره لكم، لأكشف عن الحقيقة كاملة، قبل أن يُكتب اسم الفائز." توقفت للحظة، ونظرت إلى الحكام الذين تبادلوا النظرات، ثم تمنت أن يكون حديثها هذا بمثابة بداية لإنصافها، وليس نهايته وقفت فاليريا على منصة العرض، بيدها ريموت صغير يلمع في نور الأضواء المتلألئة، وصوت القاعة يخفت تدريجيًا، مستعدًا لسماع الحقيقة التي ستحطم كل الظنون. ضغطت بإصبعها برقة، فانطفأ ضوء المنصة تمامًا، وتحول المشهد إلى شاشة عرض كبيرة وسط القاعة. ارتسمت على الشاشة كلمات بيضاء متحركة، تزامنت مع صوت واضح وجليّ يتسلل إلى أذني الحاضرين: "ليليا... لقد نجحتِ في استبدال الكاميرا... صوّرتِ كل تصاميم فاليريا الجديدة. لم تعد مخفية، وكلّ سرقناها أمام أعيننا." ارتجف صوت ليليا على التسجيل، تملؤه نبرة الغموض والخيانة: "ألكساندر، كل شيء جاهز الآن... لن تستطيع فاليريا أن تتحدى أمرنا بعد اليوم." ثم تردد صوت ألكساندر البارد، يخترق سكون القاعة: "لن يفوز أحدُ بعد اليوم إلا من يمتلك القوة والسيطرة. تصاميمها سرقت... وتُعرض الآن باسمنا." ____ Flask back قبل اسبوع كانت نظرة فاليريا لِجاك كافيه له أنّ يفهم ما يدور بداخل رأس سيدته ليتحدث بسرعه نحو الخارج وبحركه عفوية صنعها اصطدم بكتف ليليا التّي كانت على وشك الخروج وبينا الاخر كانت على وشك السقوط امسك هو بها من خصرها يمنعها من ملامسة الأرض وقفت بهدوء تحاول استعاد رباط جأشها لتشكرها وتخرج مرة أخرى ليبتسم الاخر بخبث ويعود بأدراجه لسيدته يدخل مكتبها بعد طرق الباب ليجدها جالسة على الكرسي خلف المكتب يتقدم لها بينما يخرج هاتفه من جيبه ويفتح لها على ذلك التطبيق الذي اول ما تم فتحة صدح صوت ليليا منه بالأرجاء لتبتسم فاليريا وفي قلبها حقد كبير لمن حاول أن يسرق تعبها ___ عودة للقاعة تجمد الحضور، وعلت أنفاسهم الثقيلة، تتصاعد إلى لحظة صمت مُرّ، قبل أن ينفجر وقع التصفيق من بعضهم، وصرخات الغضب من آخرين. أما فاليريا، فقد وقفت كالجبل شامخة، عيناها تشعّان بالنار، تتسلل بينهما قطرات من الدموع المكتومة التي حملتها في صمت طوال هذا الوقت. كان بوسعها أن ترى في عيون الحكام دهشةً وخيبة أمل، ومع ذلك لم يجرؤ أحد على مقاطعتها. رفعت رأسها عاليًا، وقالت بصوتٍ هادئٍ لكنه ملؤه الحزم: "هذه الحقيقة التي كان يجب أن تُعرف قبل إعلان الفائز. ولن أسمح لأحد أن يسرق مجهودي أو يطمس أحلامي." وبينما كانت الكلمات تتردد في القاعة، تلاشى الضوء تدريجيًا، معلنًا بداية معركة جديدة لن تنتهي سوى بانتصار الحقيقة ما إن أنهت فاليريا كلماتها، حتى علت في القاعة أصوات همسات متوترة، تجمعت أنظار الجميع نحو الحكام الذين وقفوا بثبات خلف المنصة. تقدم رئيس لجنة التحكيم، رجلاً ذا هيئة مهيبة، صوته يعكس ثقل المسؤولية، وقال بنبرة حازمة: "بعد الاطلاع على الأدلة الواضحة التي قدمتها الآنسة فاليريا، وبعد مراجعة التسجيلات والمستندات، قررت اللجنة التالي:" توقف للحظة، وكأنه يختار كلماته بعناية شديدة، ثم تابع: "تُسحب شهادة التصميم من السيد ألكساندر، ويُعلن عن بدء إجراءات قانونية ضدّه بسبب سرقة الملكية الفكرية والتزوير ، أمّا بالنسبة للعارضة ليليا سيتم منعها من اداء مهنتها ومحاسبتها قانونياً ايضاً." ارتفعت موجة من التصفيق والتأييد من الحضور، فيما كانت نظرات الكساندر تنم عن هزيمة مدوية، وجمود في ملامحه كأن العالم انهار من حوله. ثم أدار رئيس اللجنة وجهه نحو فاليريا، وقال بكل فخر واعتزاز: "وبناءً عليه، نعلن الآنسة فاليريا الفائزة المستحقة لهذا الموسم، تقديرًا لإبداعها وجهدها الحقيقي." تقدم الحاضرون نحو المنصة، وسط زغاريد وتصفيق عارم، بينما وقفت فاليريا مبتسمة، دموع الفرح تنساب على وجنتيها، وكأنها تحصد حلمًا طال انتظاره. كانت هذه اللحظة التي تكللت فيها كل معاناة بالسناء، وكل كفاح بالانتصار في ممرٍّ ضيّق خلف كواليس القاعة، وعلى ضوءٍ أصفر باهت، وقفت ليليا تحاول لملمة بقايا كبريائها، بعدما انفضح كل شيء. تلبس سترة سوداء داكنة، وتضمّ حقيبتها إلى صدرها كمن يحاول الاحتماء بها من ضربة قادمة. لكن الخطوات التي اقتربت منها لم تكن مترددة... بل واثقة، صارمة، كأنها حُكمٌ يُتلى. توقّفت فاليريا أمامها، نظرتها مستقيمة، لا يعلوها انفعال... فقط احتقار بارد، جامد. قالت بصوت هادئ، لا يحمل صراخًا، لكن كل كلمة كانت كسكين: — "حين يسرق أحدهم شيئًا لم يصنعه... لا يصبح ملكًا له. بل يصبح عبئًا يطمره تحت وزنه." تراجعت ليليا بخطوة، وقالت بتلعثم: — "أنتِ لا تفهمين... في هذا العالم لا يكفي أن تكوني موهوبة." رفعت فاليريا حاجبًا، وكأنها تتأمل مخلوقًا غريبًا: — "بل أفهم جيدًا. الفاشلون دومًا يقولون ذلك." ثم مالت قليلًا نحوها، وهمست بجليدٍ ناعم: — "حاولي أن تذكري اسمي في أي مكان من هذا العالم... وستُدفنين تحت الضوء الذي حاولتِ سرقته." تركتها هناك، مشلولة بين الذلّ والخوف، وغابت عن الكواليس، تمشي بثباتٍ يشبه الملوك حين يُنهون معركة، ويخرجون دون الحاجة إلى الالتفات ______ في الحديقة الخلفية للقاعة، بعد أن هدأ صخب القاعة، كانت النجوم تتناثر فوق الأغصان الساكنة، والهواء يحمل شيئًا من الليل المبلّل بالفخر والتعب. خطوات فاليريا على الممر الحجري كانت خفيفة، وكأنها تفرغ صدى التصفيق من أذنيها، تبحث عن بقعة هادئة... وهناك، تحت شجرة سرو قديمة، كان يقف. ظهره مستند إلى السور الحجري، يده اليسرى في جيب سترته، واليد الأخرى تمسك سيجارًا مشتعلًا، ينفث منه دخانًا بطيئًا يذوب في الظلمة، كأنّه يرسم أفكاره في الهواء. رافييل دي فاليريو. بذلته الرسمية الداكنة تكاد تندمج مع عتمة الليل، لكن ملامحه، ونظراته، كانت واضحة... مشتعلة، كما لم تكن من قبل. لم تنتبه فاليريا في البداية، لكن حين رفعت عينيها ورأته، توقّفت، كأنّ شيئًا ثقيلًا سقط داخلها. هو لم يتحرّك. فقط رمقها بنظرة طويلة، نفض رماد السيجار بإيماءة بطيئة، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ، رتيب، كأنّه واثق من وقعه: — "عرضٌ مُذهل، آنسة أنتونيللي." لم ترد. فقط تقدّمت نحوه حتى باتت المسافة بينهما تُقاس بالنبض. ثم همست، دون أن تُحيد نظراتها عن عينيه: — "كيف...؟ متى عدت؟" قال بهدوء، ينفث الدخان بعيدًا: — "وصلت قبيل النهاية بقليل. كنت أفضّل أن أراقب... دون تدخل." رمشت بعينيها ببطء، ثم قالت بنبرة خفيفة، محمّلة بالمعنى: — "مناسبٌ لكَ هذا الدور... دور من يُراقب من بعيد." ابتسم بخفة، دون أن يضحك: — "وأنتِ... لا تفقدين حدّة لسانك حتى في النصر." سكت لحظة، ثم أضاف، وهو ينظر نحو السماء: — "لكن ما رأيته الليلة... كان أكثر من نصر. كان إعلانًا... عن امرأة لم تعد تنتمي لأي ظل." التفت نحوها، بعينين تشعّان باعترافٍ لا يُقال: — "لقد أذهلتني، فاليريا." لم تجبه، بل أبعدت بصرها نحوه للحظة، ثم قالت: — "كلّ ما في هذا العرض... لم يُصنع لأحد. كان لي، ومني." هزّ رأسه ببطء، احترامًا: — "ولم يكن هناك سواكِ من يستحقه." صمت طويل تخلّله صوت السيجار حين احترق طرفه قليلًا. ثم قال، وقد انخفض صوته وكأنّه يتحدث من عمقٍ بعيد: — "كان يمكنني البقاء بعيدًا... لكنّي لم أشأ أن تفوتني لحظة صعودكِ." رفعت حاجبًا، ونظرت إليه نظرة جانبية، بخجل: — "أهذا نوعٌ جديد من المجاملة؟" ضحك هذه المرة، ضحكة خفيفة، قصيرة، ثم قال: — "بل اعتراف... من رجلٍ نادرًا ما يُباغَت." تقدّمت خطوة، وقالت بنبرة هادئة، لكن فيها نارٌ صغيرة: — "ليكن، رافييل... المهم أنك رأيت." أطفأ السيجار، ثم رماه أرضًا وسحقه بباطن حذائه الأنيق، ورفع عينيه نحوها مجددًا: — "رأيت... واحتفظتُ بالمشهد." مرّت لحظة سكون بينهما، ثم تحرّكت فاليريا لتبتعد. لكنه قال قبل أن تذهب: — "فاليريا..." توقفت، دون أن تلتفت. أكمل بنبرة هادئة، قوية: — "لا أحد يقف أمامكِ الآن... ولا حتى الظلال." ابتسمت، دون أن تدير وجهها، ثم تابعت سيرها نحو البوابة، تاركة خلفها صمتًا... يشبه وعدًا غير منطوق خرجت فاليريا من تحت أشجار الحديقة، تسير على الممشى المبلّل بنثار الأوراق، أنفاسها لا تزال دافئة من حديث رافييل، ونظراتها تتبع ما تبقّى من أثره في الليل. لكنّها، حين اقتربت من البوابة الجانبيّة، توقّفت. كانا هناك، في الزاوية شبه المعتمة، قرب النوافير الرخامية... إدواردو مالديني، ببدلته العسكرية الرمادية، واقفٌ بثباتٍ، يده اليمنى تمتد نحو خصر فتاةٍ تقف ظهرًا إليه... فلورا.الفصل السابع عشر 12:45 ظهرًا – روما – مطار تشامبينو العسكري حطّت الطائرة بهدوء، فتح الباب الخارجي، وهبّت نسمة باردة من شتاء العاصمة الإيطالية. ترجل رافـييل من الطائرة أولًا، لكن ما إن وطأت قدماه الأرض، حتى رنّ هاتفه. تفحّص الشاشة، ثم أجاب فورًا: ـ دي فاليريو يتكلم... صوت جافّ على الطرف الآخر: ـ يجب أن تتوجه إلى السفارة حالًا، هناك تطوّر عاجل... لم يرد، فقط أغلق الهاتف ونظر إلى فاليريا. اقترب منها، وقال بصوت هادئ لكنه حازم: ـ لن أستطيع إيصالك إلى المنزل، يجب أن أذهب مباشرة إلى السفارة. ثم أشار إلى إحدى السيارات السوداء خلفه: ـ المرافقة ستأخذك بأمان، لا تقلقي. نظرت إليه، ملامحها تشي بالقلق، ثم تمتمت: ـ انتبه على نفسك، رافـي. أومأ برأسه دون أن يضيف كلمة، كلٌّ منهما استدار نحو سيارته الخاصة، وافترقا... ⸻ في مكانٍ بعيد – موقع مجهول – الساعة 1:00 ظهرًا في غرفة قاتمة الإضاءة، جلس رجلٌ بملامح غامضة، أمسك هاتفًا قديم الطراز، وضغط على زر الاتصال. انتظر ثانية أو اثنتين، ثم قال بصوتٍ باردٍ كالسُم: ـ "حان وقت تنفيذ الخطة." ثم انقطع الاتصال. وفي
الفصل السادس عشر – منتصف النهار – قاعة المؤتمر – مدريد دخلت فاليريا القاعة الواسعة، وسط أضواء الكاميرات التي تركزت عليها بشدة، وهمسات الحضور تتناقل اسمها بإعجاب: "مصممة الأزياء الشهيرة التي تحولت إلى شخصية سياسية بارزة..." أصوات الأسئلة تنهال من كل حدب وصوب، من الصحفيين، والضيوف، والمهتمين، يتساءلون عن سرّ تحوّلها، وعن رؤيتها المستقبلية. وسط ذلك الزخم، وقف رافـييل بجانبها، ممسكًا بيدها برقة، كأنه يرسل لها رسالة طمأنينة: "أنا هنا، لن تديري وجهك وحدك." سارت فاليريا بثبات أمام الحضور، تجاوبت مع الأسئلة بصوتٍ واضحٍ وواثق، مُظهرةً مزيجًا من الجمال والذكاء والصلابة. انتهى المؤتمر دون مفاجآت، وخرج الجميع إلى الهواء الطلق، توجهوا إلى السيارات التي كانت بانتظارهم. ⸻ في طريق العودة إلى الفندق جلسا في السيارة، والهدوء يلف المكان، كادت فاليريا تكسر الصمت، ثم قالت بنبرةٍ هادئة لكنها حازمة: ـ لا أشعر برغبة في العودة إلى الفندق الآن... التفت رافـييل إليها، متفهمًا، فأكملت: ـ أريد أن أتجول قليلاً في شوارع مدريد، أن أتنفس هوا
الفصل الخامس عشر ناظرتهم الموظفة باحترام، ثم سلّمت فاليريا بطاقة معدنية ذهبية وقالت بلطف: ـ جناح 327، الطابق الثالث. نرجو لكِ إقامة هانئة. مدّت فاليريا يدها وأخذت البطاقة، وعيناها لم تزل معلّقتين على رافـييل، الذي قال بهدوء: ـ إن احتجتِ شيئًا، أنا في الطابق الخامس. ردّت بابتسامة قصيرة، ثم التفتت نحو المصعد دون أن تنبس بكلمة. في اللحظة التي أغلقت فيها أبواب المصعد خلفها، نظر رافـييل إلى أدريانو وقال بصوت خافت: ـ هل لاحظتَ ذلك؟ أجابه أدريانو وهو يرفع حاجبًا واحدًا: ـ أن الخلل لم يكن عشوائيًا؟ نعم... لاحظت ______ الساعة 10:15 مساءً – جناح 327 – دخلت فاليريا جناحها بخطى هادئة. الإضاءة دافئة، والجناح فخم بألوانه الكريمية والذهبية، والأرضية من الخشب المصقول تعكس صدى خطواتها الناعمة. وضعت حقيبتها جانبًا، ثم اتجهت مباشرة نحو الحمام، خلعت فستان السفر الطويل ودخلت تحت دوش الماء الدافئ... كأنها تُزيل عن روحها تعب الرحلة وتلك اللحظة المربكة عند الاستقبال. خرجت بعد دقائق، لُفّت بمنشفة بيضاء ناعمة، قطرات الماء ما زالت تتدلّى من خصلات شعرها. ارتدت كنزة قطنية ناعمة ب
الفصل الرابع عشر وقفت فاليريا تستوعب وقع هذه الكلمات، كأنها وقفت على عتبة حياة جديدة، رحلة لا تعرف مدى صعوبتها لكنها لا يمكنها إلا أن تخوضها خرجت فاليريا من مكتب رافـييل بخطوات متسارعة، والقلق يلوح في عينيها، ينبض قلبها بإيقاع متسارع كأنه يشدو لحن الوداع المؤقت. توجهت نحو مكتب إدواردو، حيث كان جالسًا يراقب النوافذ المطلة على المدينة، كأنه يحاول استيعاب لحظة ما. وقفت أمامه، ونظرت إليه بعينين تختلج فيهما مشاعر متضاربة، قالت بصوتٍ يكاد يهمس: — "رافـييل أخبرني عن الرحلة إلى إسبانيا غدًا." التفت إليها وابتسم ابتسامة دافئة، قال: — "أنا سعيد جدًّا بتقدمك، وفخور بأنك تخطين خطوات ثابتة في عملك. هذا النجاح الذي تبنينه هو مصدر فرحي الحقيقي." تنهدت ثم همست، والصوت يختلط فيه الحزن: — "لكنني أخشى أن تبعدني المسافات عنك." اقترب منها وأمسك يدها برقة، وقال: — "لا شيء يمكن أن يبعدنا، فثلاثة أيام فقط، وسيظل صوتك وصورتك رفيقاني في كل لحظة. نجاحك هو سعادتي، وتطورك شرف لي." شعرت بدفء كلماته يملأ قلبها، ابتسمت بثقة، وأجابت: — "سأجعل من كل لحظة غربة فرصة لأكون أقوى، ولأجعل حبنا يتخطى كل الحدود."
الفصل الثالث عشر كانت القاعة... ليست مجرد قاعة، بل صرحٌ من الفخامة المفرطة، تجلّى فيه كل ما في السلطة من هيبة، وكل ما في المال من بذخ. الجدران الشاهقة كُسيت بأقمشة حريرية ذهبية، تتدلّى منها أشرطة من الكريستال النقيّ، تنثر الضوء كأنها نجومٌ تتراقص على جدران السماء. الثريات العملاقة، كأنها شموسٌ معلّقة، انسكب منها الضوء على الوجوه، فتألق السياسيون ببدلاتهم الفاخرة، والسفراء بنظراتهم المتوجسة، وأصدقاء إدواردو القدامى الذين اصطفوا، يتهامسون في زوايا الصالة، بين كأسٍ يُرفع، وابتسامةٍ مخاتلة. في نهاية الممر الطويل المفروش بسجّاد عنّابي، وقف إدواردو مالديني، بثباتٍ من يعرف تمامًا ما يريد. يرتدي بدلة سوداء ذات طابع عسكري فاخر، صدره مشدود، وكتفاه مرتفعتان بثقة، ونظرته تتقدم الممر كما لو كان يُحاصر القاعة بكاملها. وعند تلك اللحظة بالضبط... انطفأت أنوار السقف قليلًا، وسُلط الضوء على أعلى الدرج الذي يؤدي إلى قاعة الحفل. همسٌ خافت عمّ المكان، ثم توقف كل شيء. وظهرت هي... فاليريا. كأنها انبثقت من أسطورة. كانت ترتدي فستانًا ذهبيًّا ذا بريق معدني ثقيل، تنساب أطرافه كأنها أنهار شمسٍ صُهرت م
الفصل الثاني عشر 📍قاعة الاجتماعات: كانت القاعة الكبرى أشبه بغرفة عرش سياسية. مستطيلة الطول، سقفها عالٍ تتدلّى منه ثريّا زجاجية فاخرة، تلمع كأنّها أسرار معلّقة. الجدران مكسوّة بخشب الجوز المعتّق، وأعلاها لوحات زيتية تمثّل معاهدات تاريخية، وخلفية لمكتب ضخم يُشرف عليه شعار الشركة المنقوش بالذهب. المقاعد مُرتّبة على طاولة مستطيلة لامعة، يتوسّطها جهاز عرض، وعلى كل مقعد لوحة اسمية صغيرة. دلف الجميع تباعًا: رجالٌ ونساء، يرتدون البزّات الرسمية، وكلٌّ يحمل جهازه اللوحي أو ملفًا. دخل إدواردو أخيرًا، وجلس على يسار رافييل دون أن ينظر إلى أحد. كانت ملامحه متحفّظة، ونظرته تفتّش في الوجوه. ثم دخلت فاليريا، فعمّ الهمس بين البعض، ورفعت أكثر من حاجب بدهشة، وهي تتّجه إلى المقعد الخالي عند الطرف الأيمن للطاولة، دون أن تبدي ارتباكًا. وقف رافييل، فعمّ الصمت، وما إن بدأ الحديث حتى خُشعت الأبصار: ــ "شكراً لحضوركم السريع... أود أن أُعلن قراراً إدارياً سيُطبّق بدءًا من الأسبوع المقبل. الآنسة فاليريا أنتونيلّي، ستباشر عملها رسميًا كمحلّلة سياسات ومديرة مشاريع تنفيذية ضمن قسم العلاقات الدول