分享

الفصل الثامن

作者: ALANET
last update publish date: 2026-06-17 14:01:14

الفصل الثامن

في قاعة العرض الكبرى، كانت الأنظار كلها مشدودة نحو منصة المسابقة، حيث بدأ الكساندر عرضه بأبهةٍ لا تخطئها العين. العارضات يتألقن بثوبٍ تلو الآخر، ترتدين تصاميم غاية في الأناقة والدقة، تجتمع فيها الألوان والخطوط في تناغمٍ ساحر، كأنها قصائد نسجت من حريرٍ وضياء.

وقفت فاليريا بين الجموع، عيناها تلاحقان كل تفصيلٍ من تلك التصاميم، وفجأة، كأن برقًا خاطفًا، استولت عليها دهشة عميقة. تلك التصاميم التي تتجلى على جسد العارضات ليست سوى نسيج أحلامها المنسوجة بدقة، خطوطها وألوانها تحاكي كل فكرةٍ صاغتها في ليالي سهرها.

تنفسها انقطع، وقلبها صار يرفرف بعنف، وكأنها ترى سرقة جهدها ومثابرتها تتراقص أمام عينيها بلا هوادة.

وبالطبع أول فكرّت به ليليا

ارتفع في صدرها موجٌ من الغضب المكبوت، تبلورت فيه كل مشاعر الخذلان، لتدرك أن ما يحدث ليس مجرد مسابقة، بل ميدان صراع على الكرامة والحق.

وفي لحظة مفارقة، التقت عيناها بعيني الكساندر، الذي كان يتطلع إليها بنظرة انتصار متغطرسة، كأنه يتباهى بسرقة تعبها وأحلامها بلا أي ذرة من الرحمة.

احتدت مشاعرها، واشتعلت في صدرها نارٌ لا تهدأ، لتعلم أنها على أعتاب معركة لا نهاية لها، معركة ستدفعها لأن تكون أقوى وأشد عزماً من أي وقت مضى

حلّ موعد عرض تصاميم فاليريا، فأضاءت الأضواء منصّة العرض برهبةٍ وجلال.

خطت العارضات بثباتٍ وأناقةٍ، يحملن على أكتافهنّ لوحات فنية تفوح منها روح الإبداع والتميز، تصاميمٌ استلهمتها فاليريا من أحلامها وألمها، من صبرها وسهرها.

وقف الكساندر خلف الستار، عينيه لا تفارقان الممر، كلما مرت عارضةٌ، كانت دهشته تتعاظم، ووجومه يزداد، وكأنّها موجةٌ من الصدمة تتسلّل إليه رويدًا رويدًا.

لم يكن يتصوّر أبدًا أن تصاميمها الجديدة، التي لم يرها من قبل، قد تتفوّق على تلك التي سرقها.

كان يتطلع إليها، يحاول أن يستجمع كبرياءه المتهاوي، فإذا بها تُحدّق به بنظرةٍ ثاقبة، تشي بسخرية قاتلة، بلسعة تفيض بقوة لا تكسرها لا صدمة ولا خيانة.

وهكذا، في تلك اللحظة، كان الصمت يختلط بصدى تصفيقٍ خافت، ينمو شيئًا فشيئًا إلى تصفيقٍ حادّ، لا يبارحه أذني الكساندر ولا قلبه المثقل بالهزيمة.

لم تقل كلمة، ولم تبدر حركةٌ إلا نظرةٌ واحدة، متقنة، ترسلها إلى خصمها المحتار، تقول بلا صوت:

"ها هي الحقيقة، ليس كل ما يُسرق يظل ملكًا، وها هي روحي، لا تُسرق."

وقفت فاليريا هناك، شامخةً، بثباتٍ لا ينكسر، فخورةً بما صنعت، وبأنها انتصرت، قبل أن تنطق الكلمة الأولى في هذه المعركة

ارتفعت أصوات الحضور في القاعة، تتناثر الأنفاس بين ترقب وتوتر، بينما وقف الحكام خلف المنصة، يستعدون لإعلان اسم الفائز بالمسابقة.

تقدّمت إحدى الحكامات، سيدة الوقار والهيبة، فتوقفت لحظة، وأطلقت صوتها بوضوحٍ صارم:

"والآن، وبعد أن رأينا العروض المذهلة، يسعدنا أن نعلن—"

لكن قبل أن تكمل، ارتفعت من بين الجمهور صوتٌ رقيق لكنه حازم:

"لحظة!"

تجمّع الجميع نظراتهم نحو فاليريا، التي كانت واقفةً بثباتٍ على مدخل القاعة، عيناها تشعّان بالعزيمة، وصوتها يحمل في طياته قوة الإصرار.

تقدمت بخطى واثقة، وصعدت إلى منصة العرض، فنظر إليها الجميع باستغراب ودهشة، وانتشرت في القاعة هالة من الصمت المطبق.

رفعت يدها، ثم قالت بصوتٍ واضحٍ وجليّ:

"قبل أن تُعلن النتيجة، لديّ أمرٌ مهمٌ يجب أن أُظهره لكم، لأكشف عن الحقيقة كاملة، قبل أن يُكتب اسم الفائز."

توقفت للحظة، ونظرت إلى الحكام الذين تبادلوا النظرات، ثم تمنت أن يكون حديثها هذا بمثابة بداية لإنصافها، وليس نهايته

وقفت فاليريا على منصة العرض، بيدها ريموت صغير يلمع في نور الأضواء المتلألئة، وصوت القاعة يخفت تدريجيًا، مستعدًا لسماع الحقيقة التي ستحطم كل الظنون.

ضغطت بإصبعها برقة، فانطفأ ضوء المنصة تمامًا، وتحول المشهد إلى شاشة عرض كبيرة وسط القاعة.

ارتسمت على الشاشة كلمات بيضاء متحركة، تزامنت مع صوت واضح وجليّ يتسلل إلى أذني الحاضرين:

"ليليا... لقد نجحتِ في استبدال الكاميرا... صوّرتِ كل تصاميم فاليريا الجديدة. لم تعد مخفية، وكلّ سرقناها أمام أعيننا."

ارتجف صوت ليليا على التسجيل، تملؤه نبرة الغموض والخيانة:

"ألكساندر، كل شيء جاهز الآن... لن تستطيع فاليريا أن تتحدى أمرنا بعد اليوم."

ثم تردد صوت ألكساندر البارد، يخترق سكون القاعة:

"لن يفوز أحدُ بعد اليوم إلا من يمتلك القوة والسيطرة. تصاميمها سرقت... وتُعرض الآن باسمنا."

____

Flask back قبل اسبوع

كانت نظرة فاليريا لِجاك كافيه له أنّ يفهم ما يدور

بداخل رأس سيدته ليتحدث بسرعه نحو الخارج وبحركه عفوية

صنعها

اصطدم بكتف ليليا التّي كانت على وشك الخروج

وبينا الاخر كانت على وشك السقوط امسك هو بها من خصرها

يمنعها من ملامسة الأرض

وقفت بهدوء تحاول استعاد رباط جأشها لتشكرها وتخرج مرة

أخرى

ليبتسم الاخر بخبث ويعود بأدراجه لسيدته

يدخل مكتبها بعد طرق الباب ليجدها جالسة على الكرسي خلف المكتب

يتقدم لها بينما يخرج هاتفه من جيبه ويفتح لها على ذلك التطبيق

الذي اول ما تم فتحة صدح صوت ليليا منه بالأرجاء

لتبتسم فاليريا وفي قلبها حقد كبير لمن حاول أن يسرق

تعبها

___

عودة للقاعة

تجمد الحضور، وعلت أنفاسهم الثقيلة، تتصاعد إلى لحظة صمت مُرّ، قبل أن ينفجر وقع التصفيق من بعضهم، وصرخات الغضب من آخرين.

أما فاليريا، فقد وقفت كالجبل شامخة، عيناها تشعّان بالنار، تتسلل بينهما قطرات من الدموع المكتومة التي حملتها في صمت طوال هذا الوقت.

كان بوسعها أن ترى في عيون الحكام دهشةً وخيبة أمل، ومع ذلك لم يجرؤ أحد على مقاطعتها.

رفعت رأسها عاليًا، وقالت بصوتٍ هادئٍ لكنه ملؤه الحزم:

"هذه الحقيقة التي كان يجب أن تُعرف قبل إعلان الفائز. ولن أسمح لأحد أن يسرق مجهودي أو يطمس أحلامي."

وبينما كانت الكلمات تتردد في القاعة، تلاشى الضوء تدريجيًا، معلنًا بداية معركة جديدة لن تنتهي سوى بانتصار الحقيقة

ما إن أنهت فاليريا كلماتها، حتى علت في القاعة أصوات همسات متوترة، تجمعت أنظار الجميع نحو الحكام الذين وقفوا بثبات خلف المنصة.

تقدم رئيس لجنة التحكيم، رجلاً ذا هيئة مهيبة، صوته يعكس ثقل المسؤولية، وقال بنبرة حازمة:

"بعد الاطلاع على الأدلة الواضحة التي قدمتها الآنسة فاليريا، وبعد مراجعة التسجيلات والمستندات، قررت اللجنة التالي:"

توقف للحظة، وكأنه يختار كلماته بعناية شديدة، ثم تابع:

"تُسحب شهادة التصميم من السيد ألكساندر، ويُعلن عن بدء إجراءات قانونية ضدّه بسبب سرقة الملكية الفكرية والتزوير ، أمّا بالنسبة للعارضة ليليا سيتم منعها من اداء مهنتها ومحاسبتها قانونياً ايضاً."

ارتفعت موجة من التصفيق والتأييد من الحضور، فيما كانت نظرات الكساندر تنم عن هزيمة مدوية، وجمود في ملامحه كأن العالم انهار من حوله.

ثم أدار رئيس اللجنة وجهه نحو فاليريا، وقال بكل فخر واعتزاز:

"وبناءً عليه، نعلن الآنسة فاليريا الفائزة المستحقة لهذا الموسم، تقديرًا لإبداعها وجهدها الحقيقي."

تقدم الحاضرون نحو المنصة، وسط زغاريد وتصفيق عارم، بينما وقفت فاليريا مبتسمة، دموع الفرح تنساب على وجنتيها، وكأنها تحصد حلمًا طال انتظاره.

كانت هذه اللحظة التي تكللت فيها كل معاناة بالسناء، وكل كفاح بالانتصار

في ممرٍّ ضيّق خلف كواليس القاعة، وعلى ضوءٍ أصفر باهت، وقفت ليليا تحاول لملمة بقايا كبريائها، بعدما انفضح كل شيء. تلبس سترة سوداء داكنة، وتضمّ حقيبتها إلى صدرها كمن يحاول الاحتماء بها من ضربة قادمة.

لكن الخطوات التي اقتربت منها لم تكن مترددة... بل واثقة، صارمة، كأنها حُكمٌ يُتلى.

توقّفت فاليريا أمامها، نظرتها مستقيمة، لا يعلوها انفعال... فقط احتقار بارد، جامد.

قالت بصوت هادئ، لا يحمل صراخًا، لكن كل كلمة كانت كسكين:

— "حين يسرق أحدهم شيئًا لم يصنعه... لا يصبح ملكًا له. بل يصبح عبئًا يطمره تحت وزنه."

تراجعت ليليا بخطوة، وقالت بتلعثم:

— "أنتِ لا تفهمين... في هذا العالم لا يكفي أن تكوني موهوبة."

رفعت فاليريا حاجبًا، وكأنها تتأمل مخلوقًا غريبًا:

— "بل أفهم جيدًا. الفاشلون دومًا يقولون ذلك."

ثم مالت قليلًا نحوها، وهمست بجليدٍ ناعم:

— "حاولي أن تذكري اسمي في أي مكان من هذا العالم... وستُدفنين تحت الضوء الذي حاولتِ سرقته."

تركتها هناك، مشلولة بين الذلّ والخوف، وغابت عن الكواليس، تمشي بثباتٍ يشبه الملوك حين يُنهون معركة، ويخرجون دون الحاجة إلى الالتفات

______

في الحديقة الخلفية للقاعة، بعد أن هدأ صخب القاعة، كانت النجوم تتناثر فوق الأغصان الساكنة، والهواء يحمل شيئًا من الليل المبلّل بالفخر والتعب.

خطوات فاليريا على الممر الحجري كانت خفيفة، وكأنها تفرغ صدى التصفيق من أذنيها، تبحث عن بقعة هادئة...

وهناك، تحت شجرة سرو قديمة، كان يقف.

ظهره مستند إلى السور الحجري، يده اليسرى في جيب سترته، واليد الأخرى تمسك سيجارًا مشتعلًا، ينفث منه دخانًا بطيئًا يذوب في الظلمة، كأنّه يرسم أفكاره في الهواء.

رافييل دي فاليريو.

بذلته الرسمية الداكنة تكاد تندمج مع عتمة الليل، لكن ملامحه، ونظراته، كانت واضحة... مشتعلة، كما لم تكن من قبل.

لم تنتبه فاليريا في البداية، لكن حين رفعت عينيها ورأته، توقّفت، كأنّ شيئًا ثقيلًا سقط داخلها.

هو لم يتحرّك. فقط رمقها بنظرة طويلة، نفض رماد السيجار بإيماءة بطيئة، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ، رتيب، كأنّه واثق من وقعه:

— "عرضٌ مُذهل، آنسة أنتونيللي."

لم ترد. فقط تقدّمت نحوه حتى باتت المسافة بينهما تُقاس بالنبض.

ثم همست، دون أن تُحيد نظراتها عن عينيه:

— "كيف...؟ متى عدت؟"

قال بهدوء، ينفث الدخان بعيدًا:

— "وصلت قبيل النهاية بقليل. كنت أفضّل أن أراقب... دون تدخل."

رمشت بعينيها ببطء، ثم قالت بنبرة خفيفة، محمّلة بالمعنى:

— "مناسبٌ لكَ هذا الدور... دور من يُراقب من بعيد."

ابتسم بخفة، دون أن يضحك:

— "وأنتِ... لا تفقدين حدّة لسانك حتى في النصر."

سكت لحظة، ثم أضاف، وهو ينظر نحو السماء:

— "لكن ما رأيته الليلة... كان أكثر من نصر. كان إعلانًا... عن امرأة لم تعد تنتمي لأي ظل."

التفت نحوها، بعينين تشعّان باعترافٍ لا يُقال:

— "لقد أذهلتني، فاليريا."

لم تجبه، بل أبعدت بصرها نحوه للحظة، ثم قالت:

— "كلّ ما في هذا العرض... لم يُصنع لأحد. كان لي، ومني."

هزّ رأسه ببطء، احترامًا:

— "ولم يكن هناك سواكِ من يستحقه."

صمت طويل تخلّله صوت السيجار حين احترق طرفه قليلًا.

ثم قال، وقد انخفض صوته وكأنّه يتحدث من عمقٍ بعيد:

— "كان يمكنني البقاء بعيدًا... لكنّي لم أشأ أن تفوتني لحظة صعودكِ."

رفعت حاجبًا، ونظرت إليه نظرة جانبية، بخجل:

— "أهذا نوعٌ جديد من المجاملة؟"

ضحك هذه المرة، ضحكة خفيفة، قصيرة، ثم قال:

— "بل اعتراف... من رجلٍ نادرًا ما يُباغَت."

تقدّمت خطوة، وقالت بنبرة هادئة، لكن فيها نارٌ صغيرة:

— "ليكن، رافييل... المهم أنك رأيت."

أطفأ السيجار، ثم رماه أرضًا وسحقه بباطن حذائه الأنيق، ورفع عينيه نحوها مجددًا:

— "رأيت... واحتفظتُ بالمشهد."

مرّت لحظة سكون بينهما، ثم تحرّكت فاليريا لتبتعد.

لكنه قال قبل أن تذهب:

— "فاليريا..."

توقفت، دون أن تلتفت.

أكمل بنبرة هادئة، قوية:

— "لا أحد يقف أمامكِ الآن... ولا حتى الظلال."

ابتسمت، دون أن تدير وجهها، ثم تابعت سيرها نحو البوابة، تاركة خلفها صمتًا... يشبه وعدًا غير منطوق

خرجت فاليريا من تحت أشجار الحديقة، تسير على الممشى المبلّل بنثار الأوراق، أنفاسها لا تزال دافئة من حديث رافييل، ونظراتها تتبع ما تبقّى من أثره في الليل.

لكنّها، حين اقتربت من البوابة الجانبيّة، توقّفت.

كانا هناك، في الزاوية شبه المعتمة، قرب النوافير الرخامية...

إدواردو مالديني، ببدلته العسكرية الرمادية، واقفٌ بثباتٍ، يده اليمنى تمتد نحو خصر فتاةٍ تقف ظهرًا إليه...

فلورا.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة وسابع عشر

    الفصل المئة وسابع عشر وصل ريان إلى المستشفى بسرعةٍ جنونية، حتى إن صوت احتكاك إطارات سيارته بالأرض جذب انتباه الموجودين عند مدخل الطوارئ. لم ينتظر أحدًا. ترجل من السيارة في اللحظة نفسها، ثم اندفع إلى الجهة الأخرى، فتح الباب، وحمل فلورا بين ذراعيه مرةً أخرى. كانت رأسها مستندة إلى صدره، وعيناها نصف مغمضتين، بينما كانت أنفاسها بطيئة بصورة أرعبته أكثر. ركض بها نحو مدخل الطوارئ وهو يصرخ بصوتٍ مرتفع: — طبيب! بسرعة! — زوجتي فقدت وعيها! التفت الطاقم الطبي فورًا نحوه، وركض أكثر من ممرض مع سريرٍ طبي متحرك. اقتربوا منه بسرعة، وساعدوه في وضع فلورا على السرير. كانت إحدى الطبيبات تضيء مصباحًا صغيرًا في عينيها، بينما أخذ ممرض آخر يقيس ضغطها ونسبة الأكسجين في دمها. قالت الطبيبة بجدية: — انقلوها إلى غرفة الطوارئ حالًا. بدأ السرير يتحرك بسرعة داخل الممرات البيضاء الطويلة. ركض ريان خلفهم دون أن يبتعد خطوة. كان ينادي اسمها بين الحين والآخر، علّها تفتح عينيها أو تجيبه. — فلورا…فلورا، أنا هنا. لكنها لم تستجب. ازدادت سرعة خطواته، حتى وصل إلى باب غرفة الطوارئ. وما إن همّ بالدخول معهم، حتى

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة وسادس عشر

    الفصل المئة وسادس عشر ما إن أنهت فلورا كلماتها الأخيرة، حتى خيّم الصمت على المكان. لم يعد يُسمع سوى صوت أنفاسهما المتسارعة، وعقارب الساعة المعلقة على الجدار، التي كانت تواصل حركتها وكأن شيئًا لم يحدث. ظل ريان ينظر إليها، وقد بدأ يستوعب حجم ما كانت تشعر به طوال الأسابيع الماضية. فتح فمه ليقول شيئًا… ليعتذر، أو يبرر، أو حتى يخفف من حدة التوتر. لكن الكلمات لم تخرج. لأن فلورا، فجأة، تغير لون وجهها. اختفت الحمرة التي كانت تغطي وجنتيها بسبب الغضب، ليحل محلها شحوبٌ واضح. رمشت عدة مرات، وكأن الرؤية أمامها أصبحت ضبابية. رفعت يدها إلى رأسها بتلقائية، وأغمضت عينيها لثانية. شعرت بأن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة. دارت الغرفة من حولها ببطء… ثم بسرعة أكبر. حاولت أن تأخذ نفسًا عميقًا، لكن الدوار ازداد. مدّت يدها بسرعة نحو حافة الطاولة المجاورة، واستندت إليها بكل قوتها، بينما انحنى رأسها قليلًا. همست بصوتٍ بالكاد سُمع: — ر… ريان… في اللحظة نفسها، انتبه ريان إلى حالتها. اختفى أثر الشجار من ملامحه في ثانية واحدة. اتسعت عيناه وهو يندفع نحوها. — فلورا! وصل إليها قبل أن تخونها ساقاها

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة وخامس عشر

    الفصل المئة وخامس عشر بعد ساعات في مكانٍ آخر تمامًا… داخل منزل ريان وفلورا، لم يكن الهدوء الذي يملأ أرجاء المنزل يعكس أبدًا ما كان يحدث بين جدرانه. كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساءً، والعشاء الذي أعدّته فلورا قبل أكثر من ساعة لا يزال على الطاولة، وقد برد تمامًا. وقفت أمام النافذة في غرفة المعيشة، تعقد ذراعيها أمام صدرها وهي تنظر إلى الطريق خارج المنزل. كل بضع دقائق كانت تلتقط هاتفها، تنظر إلى الساعة، ثم تعيده إلى مكانه وهي تزفر بضيق. ليس اليوم الأول… ولا الثاني… بل أصبح الأمر يتكرر كل مساء تقريبًا. يخرج ريان بعد انتهاء عمله بحجة لقاء أصدقائه، ولا يعود إلا في وقتٍ متأخر من الليل. وفي كل مرة كانت تقنع نفسها بأنها لن تفتح الموضوع، وأنها ستتجاهله… لكن مع تكرار الأمر، بدأ صبرها ينفد. وفي تلك اللحظة… سمعت صوت باب المنزل يُفتح. دخل ريان وهو يخلع سترته بابتسامةٍ عادية، وكأنه لا يرى شيئًا غير طبيعي. — مساء الخير. لم تجبه. أغلق الباب، ثم التفت إليها. كانت لا تزال واقفة في مكانها، تنظر إليه بصمت. اختفت ابتسامته تدريجيًا. — ماذا؟ قالها وهو يعرف الإجابة مسبقًا. اقتربت منه ب

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة والرابع عشر

    الفصل المئة ورابع عشر في مكانٍ آخر… كانت الساعة تقترب من الثالثة عصرًا، بينما غمرت أشعة الشمس الهادئة الطابق العلوي من المبنى الإداري الذي يضم مكتب إدواردو. خلف الواجهة الزجاجية الضخمة، امتدت مدينة روما بكل صخبها، السيارات تتحرك في الأسفل بلا توقف، والناس يعبرون الأرصفة مسرعين، أما داخل المكتب فكان الهدوء سيد المكان. جلس إدواردو خلف مكتبه الخشبي الواسع، وأمامه كومة من الملفات التي تنتظر توقيعه، إلى جانب حاسوبه المحمول الذي امتلأت شاشته بالجداول والتقارير الخاصة بالجزء الشمالي من البلاد. كان يقرأ أحد التقارير بتركيز، يدوّن ملاحظاته بقلمٍ أسود، ثم يوقع على آخر صفحة قبل أن يضع الملف جانبًا ويطلب من مساعده إدخال الملف التالي. دخل المساعد، وضع الملف الجديد على المكتب، ثم غادر بعد أن ألقى تحيةً سريعة. فتح إدواردو الملف، لكن قبل أن يقرأ السطر الأول… اهتز هاتفه الموضوع بجانب الحاسوب. توقف قلمه في الهواء. نظر إلى الشاشة. كرستين. ارتسمت ابتسامةٌ صغيرة على شفتيه، تلك الابتسامة التي لم يكن يدرك أنها أصبحت تظهر تلقائيًا كلما رأى اسمها. فتح المحادثة. كرستين: “هل أنت مشغول اليوم؟” قر

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة وثالث عشر

    الفصل المئة وثالث عشر بعد يومين… كان رافييل وفاليريا يقفان داخل منزل الجبل، ذلك المنزل الذي اختاراه ليكون بداية حياتهما الجديدة بعد الزواج. كان المكان ما يزال شبه فارغ، إلا من بعض الأثاث القديم الذي سيُستبدل بالكامل، بينما كانت النوافذ الواسعة تكشف منظر الغابة الممتدة والجبال التي يكسوها اللون الأخضر. وقف إلى جوارهما أحد أشهر مصممي الديكور في إيطاليا، يحمل بين يديه مجموعة كبيرة من المخططات وعينات الأقمشة والأخشاب. بدأ يشرح أفكاره بهدوء، بينما كان الثلاثة يتنقلون بين أرجاء المنزل. — هنا ستكون غرفة المعيشة، أقترح استخدام الحجر الطبيعي مع مدفأة كبيرة في المنتصف، حتى تحافظ على طابع المنزل الجبلي. أومأ رافييل موافقًا، بينما أخذت فاليريا تتخيل المكان بعد اكتماله. اقتربت من النافذة الكبيرة المطلة على الغابة وقالت بابتسامة: — أريد أريكة كبيرة هنا… بحيث نستطيع الجلوس أمام المدفأة في الشتاء. التفت إليها رافييل مبتسمًا. — وكتاب في يدك… وكوب قهوة لا يفارقك. ضحكت وهي تنظر إليه. — وأنت؟ أجاب دون تردد: — سأكون بجانبك… هذا يكفي. ابتسمت بخجل، بينما دوّن المصمم الملاحظة وهو يبتسم بصمت

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة وثاني عشر

    الفصل المئة وثاني عشر في مكانٍ آخر… في أحد الأزقة الهادئة لمدينة روما، كانت هناك مكتبة صغيرة قديمة، لا يعرفها إلا القليل. واجهة زجاجية تتدلى فوقها لافتة خشبية عتيقة، وأصصٌ مليئة بالزهور الموسمية تزين المدخل، بينما كانت رائحة القهوة تمتزج برائحة الورق القديم، لتصنع أجواءً لا تشبه أي مكان آخر. لم تكن مجرد مكتبة… بل ملاذًا لكل من يبحث عن الهدوء. في الزاوية البعيدة، قرب نافذةٍ كبيرة تطل على الشارع المرصوف بالحجارة، جلس إدواردو وكرستين متقابلين. كانت أشعة الشمس تتسلل عبر الزجاج، لترسم خطوطًا ذهبية فوق الطاولة الخشبية التي امتلأت بالكتب والأوراق والأقلام الملونة. أمام كرستين، كانت عشرات المخططات الهندسية مبعثرة بعناية. مسطرة معدنية طويلة، قلم رصاص، ممحاة صغيرة، وحاسوبها المحمول الذي يعرض نموذجًا ثلاثي الأبعاد لمشروعها الجامعي. منذ أكثر من ساعة… لم ترفع رأسها إلا نادرًا. كانت غارقة تمامًا في عالمها. ترسم. تمحو. تعيد الرسم. تقيس الزوايا. وتكتب الملاحظات الصغيرة على هامش الورق، ثم تعود لتحدق في الشاشة وكأنها تحاول رؤية المبنى الذي تصممه أمامها حقيقةً لا خيالًا. وفي كل مرة لا

  • في قبضة المهووس    الفصل السابع

    الفصل السابع ‎ِيحدّق في عينيها، يقرأ فيهما الانكسار والخذلان، لكنّه لم يرَ سوى ماأراد أن يرى: الموافقة. ‎ارتسم على شفتيه ابتسامة ناعمة، لكنها لم تكن تحمل من النعومة إلا القشرة، أما ما تحتها فكان شيئًا آخر... انتصار مقيت، كأنّه صائد خبير أُسقطت فريسته بإرادتها. ‎:اقترب أكثر، ونبرة صوته اكتسبت دفئ

  • في قبضة المهووس    الفصل السادس

    الفصل السادس ابتسمت له فاليريا، وقد توردت وجنتاها، وأمالت رأسها قليلاً بخجلٍ رقيق ابتسمت له فاليريا وردّت بخجلٍ وبريق في عينيها قبل أن تعود إلى كواليس العرض، حيث التقت بنظراتِ الكساندر، ذلك الشاب الذي كان يبادلها نظراتٍ حاقدةً، فتبادلا صراعاتٍ خفيةٍ عبر الأعين، كلٌ يحاول أن يثبت تفوقه في عالم الت

  • في قبضة المهووس    الفصل الخامس

    الفصل الخامس بعد يومين من الأحداث المثيرة، كان السفير وإدواردو قد سافروا في اليوم الماضي استيقظ الجميع على أجواء هادئة داخل الطائرة التي كانت تحمل التوأم ريان وكيفين، مايك، فلورا، وفاليريا في رحلة العودة إلى إيطاليا. جلست فاليريا بجانب النافذة، تتأمل السماء الزرقاء الممتدة بلا نهاية، وعيناها

  • في قبضة المهووس    الفصل الرابع

    الفصل الرابع تعلّقت أنفاسُها بين صدرها وصدره... لا هي تعرف إن كانت حيةً فعلاً، أم أنها سقطت في عالمٍ آخر، حيث لا وجود فيه سوى لعينيه. يده كانت تحيط بخصرها، تُبقيها قريبة، ثابتة، كأنّما أراد أن يقول لها: "أنا هنا... ولن أدعكِ تسقطين." لم ينبس بحرف، ولم تفعل. كان الصمتُ بينهما أبلغ من كلّ الكلام.

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status