تسجيل الدخولالفصل السابع
ِيحدّق في عينيها، يقرأ فيهما الانكسار والخذلان، لكنّه لم يرَ سوى ماأراد أن يرى: الموافقة. ارتسم على شفتيه ابتسامة ناعمة، لكنها لم تكن تحمل من النعومة إلا القشرة، أما ما تحتها فكان شيئًا آخر... انتصار مقيت، كأنّه صائد خبير أُسقطت فريسته بإرادتها. :اقترب أكثر، ونبرة صوته اكتسبت دفئًا زائفًا "قرار حكيم... فلورا." :مدّ يده برفق، كما لو أنّه يعرض وعدًا ملوّثًا بالسكر، ثم أضاف "لن تندمي، أعدك." كان يعلم أنه حطّم شيئًا بداخلها، لكنه لم يهتم... فالفوز، في عرفه، لا يُعاب عليه إن كان الثمن قلبًا هشًّا أو روحًا تائهة. ثم استدار، وسار بخطى بطيئة، كمن يخرج من معركة فاز بها دون قتال. أما هي، فظلت واقفة، في مكانها، وعطره يظلّ معلّقًا في الهواء كذكرى يصعب نسيانها... أو مغفرتها ترك إدواردو فلورا واقفةً وسط الأضواء الخافتة، وعينيه تلتقيان بعينيها للحظة قصيرة، وكأنهما يتحديان بعضهما في صمت. ثم استدار بخطوات ثابتة، كمن يملك الأرض تحت قدميه. تقدّم نحو فاليريا التي كانت تحيط بها أضواء الحفل، تتبادل الابتسامات مع الضيوف، متألقة كنجمة لا يمكن لأحد تجاهلها. وقف بجانبها برفق، ولم يقطع حديثها، بل أخرج هاتفه من جيبه ببطء، فتح شاشة الرسائل وكأنه لا يملك إلا الصبر ليُظهرها. قال بصوت منخفض يحمل وعوداً مبهمة: "الحفلات كثيرة، لكن اللقاءات الحقيقية نادرة... وأعتقد أن لنا موعدًا خاصًا قريبًا." مدّ هاتفه نحوها، نافياً حاجته لطلب رقمها بالكلام، تاركًا المجال لها كي تختار. أخذت الهاتف برفق، ولم ترد، لكن عينيها لم تفارق شاشة الهاتف. التسمت فاليريا للحظة، وأمسكت بهاتفه، كتبت رقمها برقة، ثم أعادته له بهدوء شكرها بابتسامة دافئة، ثم التفت وعاد يمشي مبتعدًا بخطوات هادئة، تاركًا خلفه عبق الغموض والترقّب، بينما بقيت فلورا واقفة في مكانها، تُصارع صدى كلمات القرار الذي اتخذته تلاشت ضحكات الحفل وتلاشت معها أضواء القاعة رويدًا رويدًا، حتى بقي المكان يحتضن صمت الليل الدافئ. واستقبل كلٌّ طريقه، تاركًا خلفه صدًى الأيام، متجهًا نحو حيث الراحة والهدوء. كانت الشوارع تستقبل خطواتهم بخفوت، وكأنّها تشهد على عودة النفوس إلى مأواها. في كلّ زاويةٍ، في كلّ شارعٍ مظلم، تتراقص أضواء المصابيح كهمسات توديعٍ رقيقة، تهب نسائم الليل باردةً قليلاً، حاملةً معها رائحة الأرض الممطرة، تهمس لهم بأمانٍ خفيّ. كان كلّ واحدٍ منهم يغادر هذا العالم المزدحم، ويغوص في عمق صمته الخاص، تتلوّن في عينيه ذكريات الأمس، وتُنسج في صدره آمال الغد، ويحمل في صدره همس اللقاءات التي ستأتي، أو الوعود التي تُبعثرها الرياح بعيدًا. وهكذا، خطا الجميع نحو بيوتهم، كلٌّ يحمل في قلبه سرًّا، ولوعةً، وأحلامًا، تُداعبها نجوم الليل من بعيد، وترافقها همسات القمر المضيء، حتى التقى الصمت بالسماء، وكان وعدًا جديدًا بليلة أخرى، وحكاية لم تُروَ بعد ___ مرَّ شهرٌ على تلك الليلة التي غيّرت مساراتٍ كثيرة... أسّست فاليريا شركتها الخاصة في قلب روما، بين جدرانٍ بيضاء تتسلّقها أحلامها، وبخطواتٍ ثابتة قادتها نحو عالم الأزياء بقوّة لا تشبه سوى عنادها. مايك وفلورا أصبحا العارضَين الأساسيين في مشروعاتها الأولى، بينما اختار كيفن ركنًا من المدينة ليفتح مرسمًا ينبض باللوحات والألوان، ورايان أسّس معهدًا موسيقيًّا صغيرًا، يتردّد فيه عزفه كما لو أنه يُعيد الحياة لكل ما مرّ. رافـييل؟ كان في مهمّة طويلة في روسيا، لكنّ الغياب لم يمنعه من مراقبة كل شيء. الأخبار تصله تباعًا... واسم فاليريا لم يغب عن تقاريره الخاصة ولا عن فكره. أما إدواردو، فكان يعرف من أين تؤكل القلوب. تدرّج من محادثاتٍ يوميّة عابرة، إلى مكالماتٍ ليلية تطول، إلى نزهات خجولة ثمّ وعود... وها هي، بعد شهرٍ فقط، تراه الحبيب الرسمي في حياتها، دون أن تدري كيف تخلّت عن حذرها. وما كانت تعلمه، أو ربما تُنكره، أنّ ظلّ فلورا لا يزال يسكن في قلبه، في الخفاء. ⸻ صباحٌ هادئ في شركة فاليريا 📍في قلب روما تلك الفتاة، ذات الثلاثة والعشرين ربيعًا، أسّست شركتها الخاصّة بدعمٍ من والدها، لكنّها لم تتوقّف عند حدود النجاح التجاريّ فقط. غدت مثالًا يُضرب به في قوّة الشخصيّة والإرادة، جمعت بين تخصّصها في السياسة، وشغفها بتصميم الأزياء، لتصنع من ذاتها صورةً متكاملة تجمع بين الفكر والذوق، بين الرؤية والذوق الفنّيّ. لم تكتفِ بما حقّقته على صعيد المهنة، بل أصبحت مؤثّرةً اجتماعيّة، ترفع صوتها لأجل الآخرين، تتحدّث عن المعاناة النفسيّة، وتُسلّط الضوء على ما يُهمل في زوايا الصمت. لكنّ الأهمّ من كلّ ذلك... أنّها لم تنسَ المرأة. وقفت مدافعةً عنها، متحدّثةً باسمها، رافضةً كلّ أشكال القمع والتمييز، ومهاجمةً المجتمعات التي ما زالت تضطهد حقوق النساء، وتُقصي صوتهنّ خلف ستائر العادات والتقاليد. أصبحت فاليريا أنتونيللي قدوةً حقيقيّة، ترسم للفتيات طريقًا يُشبه النور، وتُثبت أنّ العمر ليس عائقًا، حين يكون الطموح صادقًا، والرؤية واضحة تجلس في مكتبها، محاطةً بلوحاتٍ ضخمة للتصاميم، وصوت مايك يضحك في الخلفية وهو يُجري تجربة لمجموعة جديدة، بينما فلورا تُدقّق في جدول العرض المرتقب بعد يومين. كل شيء يسير بتناغم. خطوات العارضين، همسات الفريق، أوراقٌ تُقلّب، وأحلام تُوشك أن تُعرض على المنصّة. وفجأة صوت الكعب العالي كان كطلقٍ مفاجئٍ في ساحةٍ صامتة. ارتفعت الرؤوس جميعها نحو المدخل، حيث دخلت ليليا، بثوبها الرسميّ الرماديّ، المكوّن من سترةٍ مُحكمة بأزرارٍ لامعة، وسروالٍ ضيّق، وكعبٍ عالٍ ينقر الأرض بثقةٍ باردة. شعرها الأشقر مرفوع إلى الخلف بعناية، ونظرتها ثابتة، لا تعرف التردّد. تقدّمت بخطًى هادئة، كأنها تعتقد أن المكان لها. رفعت فاليريا بصرها من التصاميم، رمشت ببطء، ثم وقفت بتأنٍّ، وواجهتها وجهًا لوجه، وقالت بنبرةٍ منخفضة لكنها مشدودة: "ما الذي تفعلينه هنا، ليليا؟ ألم يُفترض أن نلتقي بعد يومين في قاعة العرض؟" ابتسمت ليليا بسخرية ناعمة، ثم أجابت وهي تتفحّص المكان: "أردت فقط أن أقدّم لكِ نصيحة." أمالت رأسها قليلًا، وعينيها تضيقان: "انسحبي." صمتت فاليريا، وارتفع حاجبها باستنكار خفيف، فتابعت ليليا: "أنتِ تدركين تمامًا أن الفوز محسوم لألكساندر. العرض، القاعة، الحكّام... كلّ شيء قد تم الترتيب له. لا حاجة لمفاجآتٍ غير محسوبة من طرفك." تقدّمت فاليريا خطوة، وعينيها تقدحان جمرًا هادئًا، وردّت بنبرةٍ تحمل رنين التحدّي: "الذي يُرتّب في الخفاء لا يخيفني، ليليا. ولستُ من أولئك الذين ينسحبون من ساحةٍ قبل أن تُرفع الستارة." أجفلت ليليا لحظة، لكنها ابتسمت من جديد، كأنّها تخفي اضطرابًا تحت الغطاء: "لا تقولي إنني لم أحذّرك." ثم استدارت وغادرت، يسبقها عبيرٌ ثقيل كظلّ نواياها، وصوت كعبها يخفت تدريجيًا كصدى تهديدٍ لم يُكتمل. أمّا فاليريا، فظلّت واقفة للحظات، ثم التفتت نحو مساعدها "مارك"، بعينٍ لا تحتاج إلى كلمات. رفعت يدها بإشارةٍ خاطفة. أومأ مارك، وخرج من المكتب في الحال. الهواء صار أثقل، والموعد اقترب... لكنّ فاليريا، ابنة النور والنار، كانت تعرف أنّ الانحناء لا يكون إلا قبل الطيران ______ كان الصباح مختلفًا. هدوءٌ مشوبٌ بشيءٍ من النبض، توتّرٌ لا يشبه الخوف بل يشبه ما قبل ولادةِ الضوء من رحم الظلام. في غرفةٍ غمرها ضوء الشمس الذهبيّ، وقفت فاليريا أمام المرآة، تُجري اللمسات الأخيرة على مظهرها. ارتدت فستانًا أسود أنيقًا بتفاصيل حريرية على الأكمام، شعرها مرفوع على هيئة كعكةٍ ناعمة تفيض منها خصلات منسدلة بعفويّة، وعيناها واثقتان، كأنهما لا تنتظران التصفيق، بل تصنعانه. مرّت يدها على الرقبة، وأخذت نفسًا عميقًا... ثم سمعت صوت بوقٍ ناعمٍ يأتي من الشارع. اقتربت من النافذة، فوجدت سيارة سوداء فاخرة متوقفة، وبجانبها يقف إدواردو، يرتدي بذلة رمادية قاتمة وربطة عنق كحلية، يداه في جيبيه، ونظرته مصوّبة نحو شرفتها. ابتسمت بخفة، والتقطت حقيبتها، ثم نزلت بخطواتٍ هادئة إلى الخارج. حين رآها، اقترب منها ببطء، عيناه تتأملانها كما لو أنّها لوحة خرجت للتوّ من خيال فنان. قال بصوتٍ منخفض، أقرب للهمس: "هل تعلمين؟ الجمال اليوم اختار أن يتجسّد بكِ وحدك." ضحكت بخفة، وقالت: "أظن أن التوتر يجعلك شاعرًا." اقترب أكثر، وقال: "التوتر أمامكِ؟ مستحيل. أنتِ الشيء الوحيد الذي يُطمئنني حتى في قلب العاصفة." ثم فتح لها باب السيارة، وأردف: "لنذهب... العالم ينتظر أن يرى من تكون فاليريا أنتونيللي." جلست في المقعد، قلبها يخفق بإيقاعٍ لم تفهمه بعد، بين شغفٍ بالمسابقة، ودفءٍ غامض يشدّها إلى كلماته... وربما إلى وهمها الجميل. أغلق الباب خلفها، واستدار إلى المقود، وانطلقت السيارة نحو لحظةٍ قد تغيّر كلّ شيءالفصل المئة وسابع عشر وصل ريان إلى المستشفى بسرعةٍ جنونية، حتى إن صوت احتكاك إطارات سيارته بالأرض جذب انتباه الموجودين عند مدخل الطوارئ. لم ينتظر أحدًا. ترجل من السيارة في اللحظة نفسها، ثم اندفع إلى الجهة الأخرى، فتح الباب، وحمل فلورا بين ذراعيه مرةً أخرى. كانت رأسها مستندة إلى صدره، وعيناها نصف مغمضتين، بينما كانت أنفاسها بطيئة بصورة أرعبته أكثر. ركض بها نحو مدخل الطوارئ وهو يصرخ بصوتٍ مرتفع: — طبيب! بسرعة! — زوجتي فقدت وعيها! التفت الطاقم الطبي فورًا نحوه، وركض أكثر من ممرض مع سريرٍ طبي متحرك. اقتربوا منه بسرعة، وساعدوه في وضع فلورا على السرير. كانت إحدى الطبيبات تضيء مصباحًا صغيرًا في عينيها، بينما أخذ ممرض آخر يقيس ضغطها ونسبة الأكسجين في دمها. قالت الطبيبة بجدية: — انقلوها إلى غرفة الطوارئ حالًا. بدأ السرير يتحرك بسرعة داخل الممرات البيضاء الطويلة. ركض ريان خلفهم دون أن يبتعد خطوة. كان ينادي اسمها بين الحين والآخر، علّها تفتح عينيها أو تجيبه. — فلورا…فلورا، أنا هنا. لكنها لم تستجب. ازدادت سرعة خطواته، حتى وصل إلى باب غرفة الطوارئ. وما إن همّ بالدخول معهم، حتى
الفصل المئة وسادس عشر ما إن أنهت فلورا كلماتها الأخيرة، حتى خيّم الصمت على المكان. لم يعد يُسمع سوى صوت أنفاسهما المتسارعة، وعقارب الساعة المعلقة على الجدار، التي كانت تواصل حركتها وكأن شيئًا لم يحدث. ظل ريان ينظر إليها، وقد بدأ يستوعب حجم ما كانت تشعر به طوال الأسابيع الماضية. فتح فمه ليقول شيئًا… ليعتذر، أو يبرر، أو حتى يخفف من حدة التوتر. لكن الكلمات لم تخرج. لأن فلورا، فجأة، تغير لون وجهها. اختفت الحمرة التي كانت تغطي وجنتيها بسبب الغضب، ليحل محلها شحوبٌ واضح. رمشت عدة مرات، وكأن الرؤية أمامها أصبحت ضبابية. رفعت يدها إلى رأسها بتلقائية، وأغمضت عينيها لثانية. شعرت بأن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة. دارت الغرفة من حولها ببطء… ثم بسرعة أكبر. حاولت أن تأخذ نفسًا عميقًا، لكن الدوار ازداد. مدّت يدها بسرعة نحو حافة الطاولة المجاورة، واستندت إليها بكل قوتها، بينما انحنى رأسها قليلًا. همست بصوتٍ بالكاد سُمع: — ر… ريان… في اللحظة نفسها، انتبه ريان إلى حالتها. اختفى أثر الشجار من ملامحه في ثانية واحدة. اتسعت عيناه وهو يندفع نحوها. — فلورا! وصل إليها قبل أن تخونها ساقاها
الفصل المئة وخامس عشر بعد ساعات في مكانٍ آخر تمامًا… داخل منزل ريان وفلورا، لم يكن الهدوء الذي يملأ أرجاء المنزل يعكس أبدًا ما كان يحدث بين جدرانه. كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساءً، والعشاء الذي أعدّته فلورا قبل أكثر من ساعة لا يزال على الطاولة، وقد برد تمامًا. وقفت أمام النافذة في غرفة المعيشة، تعقد ذراعيها أمام صدرها وهي تنظر إلى الطريق خارج المنزل. كل بضع دقائق كانت تلتقط هاتفها، تنظر إلى الساعة، ثم تعيده إلى مكانه وهي تزفر بضيق. ليس اليوم الأول… ولا الثاني… بل أصبح الأمر يتكرر كل مساء تقريبًا. يخرج ريان بعد انتهاء عمله بحجة لقاء أصدقائه، ولا يعود إلا في وقتٍ متأخر من الليل. وفي كل مرة كانت تقنع نفسها بأنها لن تفتح الموضوع، وأنها ستتجاهله… لكن مع تكرار الأمر، بدأ صبرها ينفد. وفي تلك اللحظة… سمعت صوت باب المنزل يُفتح. دخل ريان وهو يخلع سترته بابتسامةٍ عادية، وكأنه لا يرى شيئًا غير طبيعي. — مساء الخير. لم تجبه. أغلق الباب، ثم التفت إليها. كانت لا تزال واقفة في مكانها، تنظر إليه بصمت. اختفت ابتسامته تدريجيًا. — ماذا؟ قالها وهو يعرف الإجابة مسبقًا. اقتربت منه ب
الفصل المئة ورابع عشر في مكانٍ آخر… كانت الساعة تقترب من الثالثة عصرًا، بينما غمرت أشعة الشمس الهادئة الطابق العلوي من المبنى الإداري الذي يضم مكتب إدواردو. خلف الواجهة الزجاجية الضخمة، امتدت مدينة روما بكل صخبها، السيارات تتحرك في الأسفل بلا توقف، والناس يعبرون الأرصفة مسرعين، أما داخل المكتب فكان الهدوء سيد المكان. جلس إدواردو خلف مكتبه الخشبي الواسع، وأمامه كومة من الملفات التي تنتظر توقيعه، إلى جانب حاسوبه المحمول الذي امتلأت شاشته بالجداول والتقارير الخاصة بالجزء الشمالي من البلاد. كان يقرأ أحد التقارير بتركيز، يدوّن ملاحظاته بقلمٍ أسود، ثم يوقع على آخر صفحة قبل أن يضع الملف جانبًا ويطلب من مساعده إدخال الملف التالي. دخل المساعد، وضع الملف الجديد على المكتب، ثم غادر بعد أن ألقى تحيةً سريعة. فتح إدواردو الملف، لكن قبل أن يقرأ السطر الأول… اهتز هاتفه الموضوع بجانب الحاسوب. توقف قلمه في الهواء. نظر إلى الشاشة. كرستين. ارتسمت ابتسامةٌ صغيرة على شفتيه، تلك الابتسامة التي لم يكن يدرك أنها أصبحت تظهر تلقائيًا كلما رأى اسمها. فتح المحادثة. كرستين: “هل أنت مشغول اليوم؟” قر
الفصل المئة وثالث عشر بعد يومين… كان رافييل وفاليريا يقفان داخل منزل الجبل، ذلك المنزل الذي اختاراه ليكون بداية حياتهما الجديدة بعد الزواج. كان المكان ما يزال شبه فارغ، إلا من بعض الأثاث القديم الذي سيُستبدل بالكامل، بينما كانت النوافذ الواسعة تكشف منظر الغابة الممتدة والجبال التي يكسوها اللون الأخضر. وقف إلى جوارهما أحد أشهر مصممي الديكور في إيطاليا، يحمل بين يديه مجموعة كبيرة من المخططات وعينات الأقمشة والأخشاب. بدأ يشرح أفكاره بهدوء، بينما كان الثلاثة يتنقلون بين أرجاء المنزل. — هنا ستكون غرفة المعيشة، أقترح استخدام الحجر الطبيعي مع مدفأة كبيرة في المنتصف، حتى تحافظ على طابع المنزل الجبلي. أومأ رافييل موافقًا، بينما أخذت فاليريا تتخيل المكان بعد اكتماله. اقتربت من النافذة الكبيرة المطلة على الغابة وقالت بابتسامة: — أريد أريكة كبيرة هنا… بحيث نستطيع الجلوس أمام المدفأة في الشتاء. التفت إليها رافييل مبتسمًا. — وكتاب في يدك… وكوب قهوة لا يفارقك. ضحكت وهي تنظر إليه. — وأنت؟ أجاب دون تردد: — سأكون بجانبك… هذا يكفي. ابتسمت بخجل، بينما دوّن المصمم الملاحظة وهو يبتسم بصمت
الفصل المئة وثاني عشر في مكانٍ آخر… في أحد الأزقة الهادئة لمدينة روما، كانت هناك مكتبة صغيرة قديمة، لا يعرفها إلا القليل. واجهة زجاجية تتدلى فوقها لافتة خشبية عتيقة، وأصصٌ مليئة بالزهور الموسمية تزين المدخل، بينما كانت رائحة القهوة تمتزج برائحة الورق القديم، لتصنع أجواءً لا تشبه أي مكان آخر. لم تكن مجرد مكتبة… بل ملاذًا لكل من يبحث عن الهدوء. في الزاوية البعيدة، قرب نافذةٍ كبيرة تطل على الشارع المرصوف بالحجارة، جلس إدواردو وكرستين متقابلين. كانت أشعة الشمس تتسلل عبر الزجاج، لترسم خطوطًا ذهبية فوق الطاولة الخشبية التي امتلأت بالكتب والأوراق والأقلام الملونة. أمام كرستين، كانت عشرات المخططات الهندسية مبعثرة بعناية. مسطرة معدنية طويلة، قلم رصاص، ممحاة صغيرة، وحاسوبها المحمول الذي يعرض نموذجًا ثلاثي الأبعاد لمشروعها الجامعي. منذ أكثر من ساعة… لم ترفع رأسها إلا نادرًا. كانت غارقة تمامًا في عالمها. ترسم. تمحو. تعيد الرسم. تقيس الزوايا. وتكتب الملاحظات الصغيرة على هامش الورق، ثم تعود لتحدق في الشاشة وكأنها تحاول رؤية المبنى الذي تصممه أمامها حقيقةً لا خيالًا. وفي كل مرة لا
الفصل السادس ابتسمت له فاليريا، وقد توردت وجنتاها، وأمالت رأسها قليلاً بخجلٍ رقيق ابتسمت له فاليريا وردّت بخجلٍ وبريق في عينيها قبل أن تعود إلى كواليس العرض، حيث التقت بنظراتِ الكساندر، ذلك الشاب الذي كان يبادلها نظراتٍ حاقدةً، فتبادلا صراعاتٍ خفيةٍ عبر الأعين، كلٌ يحاول أن يثبت تفوقه في عالم الت
الفصل الخامس بعد يومين من الأحداث المثيرة، كان السفير وإدواردو قد سافروا في اليوم الماضي استيقظ الجميع على أجواء هادئة داخل الطائرة التي كانت تحمل التوأم ريان وكيفين، مايك، فلورا، وفاليريا في رحلة العودة إلى إيطاليا. جلست فاليريا بجانب النافذة، تتأمل السماء الزرقاء الممتدة بلا نهاية، وعيناها
الفصل الرابع تعلّقت أنفاسُها بين صدرها وصدره... لا هي تعرف إن كانت حيةً فعلاً، أم أنها سقطت في عالمٍ آخر، حيث لا وجود فيه سوى لعينيه. يده كانت تحيط بخصرها، تُبقيها قريبة، ثابتة، كأنّما أراد أن يقول لها: "أنا هنا... ولن أدعكِ تسقطين." لم ينبس بحرف، ولم تفعل. كان الصمتُ بينهما أبلغ من كلّ الكلام.
الفصل الثامن في قاعة العرض الكبرى، كانت الأنظار كلها مشدودة نحو منصة المسابقة، حيث بدأ الكساندر عرضه بأبهةٍ لا تخطئها العين. العارضات يتألقن بثوبٍ تلو الآخر، ترتدين تصاميم غاية في الأناقة والدقة، تجتمع فيها الألوان والخطوط في تناغمٍ ساحر، كأنها قصائد نسجت من حريرٍ وضياء. وقفت فاليريا بين الجموع،







