Home / مافيا / في قبضة المهووس / الفصل السابع

Share

الفصل السابع

Author: ALANET
last update publish date: 2026-06-17 14:01:06

الفصل السابع

‎ِيحدّق في عينيها، يقرأ فيهما الانكسار والخذلان، لكنّه لم يرَ سوى ماأراد أن يرى: الموافقة.

‎ارتسم على شفتيه ابتسامة ناعمة، لكنها لم تكن تحمل من النعومة إلا القشرة، أما ما تحتها فكان شيئًا آخر... انتصار مقيت، كأنّه صائد خبير أُسقطت فريسته بإرادتها.

‎:اقترب أكثر، ونبرة صوته اكتسبت دفئًا زائفًا

‎"قرار حكيم... فلورا."

‎:مدّ يده برفق، كما لو أنّه يعرض وعدًا ملوّثًا بالسكر، ثم أضاف

‎"لن تندمي، أعدك."

‎كان يعلم أنه حطّم شيئًا بداخلها، لكنه لم يهتم... فالفوز، في عرفه، لا يُعاب عليه إن كان الثمن قلبًا هشًّا أو روحًا تائهة.

‎ثم استدار، وسار بخطى بطيئة، كمن يخرج من معركة فاز بها دون قتال.

‎أما هي، فظلت واقفة، في مكانها، وعطره يظلّ معلّقًا في الهواء كذكرى يصعب نسيانها... أو مغفرتها

ترك إدواردو فلورا واقفةً وسط الأضواء الخافتة، وعينيه تلتقيان بعينيها للحظة قصيرة، وكأنهما يتحديان بعضهما في صمت. ثم استدار بخطوات ثابتة، كمن يملك الأرض تحت قدميه.

تقدّم نحو فاليريا التي كانت تحيط بها أضواء الحفل، تتبادل الابتسامات مع الضيوف، متألقة كنجمة لا يمكن لأحد تجاهلها.

وقف بجانبها برفق، ولم يقطع حديثها، بل أخرج هاتفه من جيبه ببطء، فتح شاشة الرسائل وكأنه لا يملك إلا الصبر ليُظهرها.

قال بصوت منخفض يحمل وعوداً مبهمة:

"الحفلات كثيرة، لكن اللقاءات الحقيقية نادرة... وأعتقد أن لنا موعدًا خاصًا قريبًا."

مدّ هاتفه نحوها، نافياً حاجته لطلب رقمها بالكلام، تاركًا المجال لها كي تختار.

أخذت الهاتف برفق، ولم ترد، لكن عينيها لم تفارق شاشة الهاتف.

التسمت فاليريا للحظة، وأمسكت بهاتفه، كتبت رقمها برقة، ثم أعادته له بهدوء

شكرها بابتسامة دافئة، ثم التفت وعاد يمشي مبتعدًا بخطوات هادئة، تاركًا خلفه عبق الغموض والترقّب، بينما بقيت فلورا واقفة في مكانها، تُصارع صدى كلمات القرار الذي اتخذته

تلاشت ضحكات الحفل وتلاشت معها أضواء القاعة رويدًا رويدًا، حتى بقي المكان يحتضن صمت الليل الدافئ.

واستقبل كلٌّ طريقه، تاركًا خلفه صدًى الأيام، متجهًا نحو حيث الراحة والهدوء.

كانت الشوارع تستقبل خطواتهم بخفوت، وكأنّها تشهد على عودة النفوس إلى مأواها.

في كلّ زاويةٍ، في كلّ شارعٍ مظلم، تتراقص أضواء المصابيح كهمسات توديعٍ رقيقة،

تهب نسائم الليل باردةً قليلاً، حاملةً معها رائحة الأرض الممطرة، تهمس لهم بأمانٍ خفيّ.

كان كلّ واحدٍ منهم يغادر هذا العالم المزدحم، ويغوص في عمق صمته الخاص،

تتلوّن في عينيه ذكريات الأمس، وتُنسج في صدره آمال الغد،

ويحمل في صدره همس اللقاءات التي ستأتي، أو الوعود التي تُبعثرها الرياح بعيدًا.

وهكذا، خطا الجميع نحو بيوتهم، كلٌّ يحمل في قلبه سرًّا، ولوعةً، وأحلامًا،

تُداعبها نجوم الليل من بعيد، وترافقها همسات القمر المضيء،

حتى التقى الصمت بالسماء، وكان وعدًا جديدًا بليلة أخرى، وحكاية لم تُروَ بعد

___

مرَّ شهرٌ على تلك الليلة التي غيّرت مساراتٍ كثيرة...

أسّست فاليريا شركتها الخاصة في قلب روما، بين جدرانٍ بيضاء تتسلّقها أحلامها، وبخطواتٍ ثابتة قادتها نحو عالم الأزياء بقوّة لا تشبه سوى عنادها. مايك وفلورا أصبحا العارضَين الأساسيين في مشروعاتها الأولى، بينما اختار كيفن ركنًا من المدينة ليفتح مرسمًا ينبض باللوحات والألوان، ورايان أسّس معهدًا موسيقيًّا صغيرًا، يتردّد فيه عزفه كما لو أنه يُعيد الحياة لكل ما مرّ.

رافـييل؟ كان في مهمّة طويلة في روسيا، لكنّ الغياب لم يمنعه من مراقبة كل شيء. الأخبار تصله تباعًا... واسم فاليريا لم يغب عن تقاريره الخاصة ولا عن فكره.

أما إدواردو، فكان يعرف من أين تؤكل القلوب. تدرّج من محادثاتٍ يوميّة عابرة، إلى مكالماتٍ ليلية تطول، إلى نزهات خجولة ثمّ وعود... وها هي، بعد شهرٍ فقط، تراه الحبيب الرسمي في حياتها، دون أن تدري كيف تخلّت عن حذرها. وما كانت تعلمه، أو ربما تُنكره، أنّ ظلّ فلورا لا يزال يسكن في قلبه، في الخفاء.

صباحٌ هادئ في شركة فاليريا

📍في قلب روما

تلك الفتاة، ذات الثلاثة والعشرين ربيعًا، أسّست شركتها الخاصّة بدعمٍ من والدها، لكنّها لم تتوقّف عند حدود النجاح التجاريّ فقط.

غدت مثالًا يُضرب به في قوّة الشخصيّة والإرادة، جمعت بين تخصّصها في السياسة، وشغفها بتصميم الأزياء، لتصنع من ذاتها صورةً متكاملة تجمع بين الفكر والذوق، بين الرؤية والذوق الفنّيّ.

لم تكتفِ بما حقّقته على صعيد المهنة، بل أصبحت مؤثّرةً اجتماعيّة، ترفع صوتها لأجل الآخرين، تتحدّث عن المعاناة النفسيّة، وتُسلّط الضوء على ما يُهمل في زوايا الصمت.

لكنّ الأهمّ من كلّ ذلك... أنّها لم تنسَ المرأة.

وقفت مدافعةً عنها، متحدّثةً باسمها، رافضةً كلّ أشكال القمع والتمييز، ومهاجمةً المجتمعات التي ما زالت تضطهد حقوق النساء، وتُقصي صوتهنّ خلف ستائر العادات والتقاليد.

أصبحت فاليريا أنتونيللي قدوةً حقيقيّة، ترسم للفتيات طريقًا يُشبه النور، وتُثبت أنّ العمر ليس عائقًا، حين يكون الطموح صادقًا، والرؤية واضحة

تجلس في مكتبها، محاطةً بلوحاتٍ ضخمة للتصاميم، وصوت مايك يضحك في الخلفية وهو يُجري تجربة لمجموعة جديدة، بينما فلورا تُدقّق في جدول العرض المرتقب بعد يومين.

كل شيء يسير بتناغم. خطوات العارضين، همسات الفريق، أوراقٌ تُقلّب، وأحلام تُوشك أن تُعرض على المنصّة.

وفجأة

صوت الكعب العالي كان كطلقٍ مفاجئٍ في ساحةٍ صامتة.

ارتفعت الرؤوس جميعها نحو المدخل، حيث دخلت ليليا، بثوبها الرسميّ الرماديّ، المكوّن من سترةٍ مُحكمة بأزرارٍ لامعة، وسروالٍ ضيّق، وكعبٍ عالٍ ينقر الأرض بثقةٍ باردة. شعرها الأشقر مرفوع إلى الخلف بعناية، ونظرتها ثابتة، لا تعرف التردّد.

تقدّمت بخطًى هادئة، كأنها تعتقد أن المكان لها.

رفعت فاليريا بصرها من التصاميم، رمشت ببطء، ثم وقفت بتأنٍّ، وواجهتها وجهًا لوجه، وقالت بنبرةٍ منخفضة لكنها مشدودة:

"ما الذي تفعلينه هنا، ليليا؟ ألم يُفترض أن نلتقي بعد يومين في قاعة العرض؟"

ابتسمت ليليا بسخرية ناعمة، ثم أجابت وهي تتفحّص المكان:

"أردت فقط أن أقدّم لكِ نصيحة."

أمالت رأسها قليلًا، وعينيها تضيقان:

"انسحبي."

صمتت فاليريا، وارتفع حاجبها باستنكار خفيف، فتابعت ليليا:

"أنتِ تدركين تمامًا أن الفوز محسوم لألكساندر. العرض، القاعة، الحكّام... كلّ شيء قد تم الترتيب له. لا حاجة لمفاجآتٍ غير محسوبة من طرفك."

تقدّمت فاليريا خطوة، وعينيها تقدحان جمرًا هادئًا، وردّت بنبرةٍ تحمل رنين التحدّي:

"الذي يُرتّب في الخفاء لا يخيفني، ليليا. ولستُ من أولئك الذين ينسحبون من ساحةٍ قبل أن تُرفع الستارة."

أجفلت ليليا لحظة، لكنها ابتسمت من جديد، كأنّها تخفي اضطرابًا تحت الغطاء:

"لا تقولي إنني لم أحذّرك."

ثم استدارت وغادرت، يسبقها عبيرٌ ثقيل كظلّ نواياها، وصوت كعبها يخفت تدريجيًا كصدى تهديدٍ لم يُكتمل.

أمّا فاليريا، فظلّت واقفة للحظات، ثم التفتت نحو مساعدها "مارك"، بعينٍ لا تحتاج إلى كلمات. رفعت يدها بإشارةٍ خاطفة.

أومأ مارك، وخرج من المكتب في الحال.

الهواء صار أثقل، والموعد اقترب...

لكنّ فاليريا، ابنة النور والنار، كانت تعرف أنّ الانحناء لا يكون إلا قبل الطيران

______

كان الصباح مختلفًا.

هدوءٌ مشوبٌ بشيءٍ من النبض، توتّرٌ لا يشبه الخوف بل يشبه ما قبل ولادةِ الضوء من رحم الظلام.

في غرفةٍ غمرها ضوء الشمس الذهبيّ، وقفت فاليريا أمام المرآة، تُجري اللمسات الأخيرة على مظهرها. ارتدت فستانًا أسود أنيقًا بتفاصيل حريرية على الأكمام، شعرها مرفوع على هيئة كعكةٍ ناعمة تفيض منها خصلات منسدلة بعفويّة، وعيناها واثقتان، كأنهما لا تنتظران التصفيق، بل تصنعانه.

مرّت يدها على الرقبة، وأخذت نفسًا عميقًا...

ثم سمعت صوت بوقٍ ناعمٍ يأتي من الشارع.

اقتربت من النافذة، فوجدت سيارة سوداء فاخرة متوقفة، وبجانبها يقف إدواردو، يرتدي بذلة رمادية قاتمة وربطة عنق كحلية، يداه في جيبيه، ونظرته مصوّبة نحو شرفتها.

ابتسمت بخفة، والتقطت حقيبتها، ثم نزلت بخطواتٍ هادئة إلى الخارج.

حين رآها، اقترب منها ببطء، عيناه تتأملانها كما لو أنّها لوحة خرجت للتوّ من خيال فنان.

قال بصوتٍ منخفض، أقرب للهمس:

"هل تعلمين؟ الجمال اليوم اختار أن يتجسّد بكِ وحدك."

ضحكت بخفة، وقالت:

"أظن أن التوتر يجعلك شاعرًا."

اقترب أكثر، وقال:

"التوتر أمامكِ؟ مستحيل. أنتِ الشيء الوحيد الذي يُطمئنني حتى في قلب العاصفة."

ثم فتح لها باب السيارة، وأردف:

"لنذهب... العالم ينتظر أن يرى من تكون فاليريا أنتونيللي."

جلست في المقعد، قلبها يخفق بإيقاعٍ لم تفهمه بعد، بين شغفٍ بالمسابقة، ودفءٍ غامض يشدّها إلى كلماته... وربما إلى وهمها الجميل.

أغلق الباب خلفها، واستدار إلى المقود، وانطلقت السيارة نحو لحظةٍ قد تغيّر كلّ شيء

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • في قبضة المهووس    الفصل السابع عشر

    الفصل السابع عشر ‎12:45 ظهرًا – روما – مطار تشامبينو العسكري ‎حطّت الطائرة بهدوء، ‎فتح الباب الخارجي، وهبّت نسمة باردة من شتاء العاصمة الإيطالية. ‎ترجل رافـييل من الطائرة أولًا، ‎لكن ما إن وطأت قدماه الأرض، حتى رنّ هاتفه. ‎تفحّص الشاشة، ثم أجاب فورًا: ‎ـ دي فاليريو يتكلم... ‎صوت جافّ على الطرف الآخر: ‎ـ يجب أن تتوجه إلى السفارة حالًا، هناك تطوّر عاجل... ‎لم يرد، فقط أغلق الهاتف ونظر إلى فاليريا. ‎اقترب منها، وقال بصوت هادئ لكنه حازم: ‎ـ لن أستطيع إيصالك إلى المنزل، يجب أن أذهب مباشرة إلى السفارة. ‎ثم أشار إلى إحدى السيارات السوداء خلفه: ‎ـ المرافقة ستأخذك بأمان، لا تقلقي. ‎نظرت إليه، ملامحها تشي بالقلق، ثم تمتمت: ‎ـ انتبه على نفسك، رافـي. ‎أومأ برأسه دون أن يضيف كلمة، ‎كلٌّ منهما استدار نحو سيارته الخاصة، ‎وافترقا... ⸻ ‎في مكانٍ بعيد – موقع مجهول – الساعة 1:00 ظهرًا ‎في غرفة قاتمة الإضاءة، جلس رجلٌ بملامح غامضة، ‎أمسك هاتفًا قديم الطراز، وضغط على زر الاتصال. ‎انتظر ثانية أو اثنتين، ثم قال بصوتٍ باردٍ كالسُم: ‎ـ "حان وقت تنفيذ الخطة." ‎ثم انقطع الاتصال. ‎وفي

  • في قبضة المهووس    الفصل السادس عشر

    الفصل السادس عشر ‎– منتصف النهار – قاعة المؤتمر – مدريد ‎دخلت فاليريا القاعة الواسعة، ‎وسط أضواء الكاميرات التي تركزت عليها بشدة، ‎وهمسات الحضور تتناقل اسمها بإعجاب: ‎"مصممة الأزياء الشهيرة التي تحولت إلى شخصية سياسية بارزة..." ‎أصوات الأسئلة تنهال من كل حدب وصوب، ‎من الصحفيين، والضيوف، والمهتمين، ‎يتساءلون عن سرّ تحوّلها، وعن رؤيتها المستقبلية. ‎وسط ذلك الزخم، ‎وقف رافـييل بجانبها، ‎ممسكًا بيدها برقة، ‎كأنه يرسل لها رسالة طمأنينة: ‎"أنا هنا، لن تديري وجهك وحدك." ‎سارت فاليريا بثبات أمام الحضور، ‎تجاوبت مع الأسئلة بصوتٍ واضحٍ وواثق، ‎مُظهرةً مزيجًا من الجمال والذكاء والصلابة. ‎انتهى المؤتمر دون مفاجآت، وخرج الجميع إلى الهواء الطلق، ‎توجهوا إلى السيارات التي كانت بانتظارهم. ⸻ ‎في طريق العودة إلى الفندق ‎جلسا في السيارة، والهدوء يلف المكان، ‎كادت فاليريا تكسر الصمت، ثم قالت بنبرةٍ هادئة لكنها حازمة: ‎ـ لا أشعر برغبة في العودة إلى الفندق الآن... ‎التفت رافـييل إليها، متفهمًا، ‎فأكملت: ‎ـ أريد أن أتجول قليلاً في شوارع مدريد، أن أتنفس هوا

  • في قبضة المهووس    الفصل الخامس عشر

    الفصل الخامس عشر ناظرتهم الموظفة باحترام، ثم سلّمت فاليريا بطاقة معدنية ذهبية وقالت بلطف: ـ جناح 327، الطابق الثالث. نرجو لكِ إقامة هانئة. ‎مدّت فاليريا يدها وأخذت البطاقة، وعيناها لم تزل معلّقتين على رافـييل، الذي قال بهدوء: ‎ـ إن احتجتِ شيئًا، أنا في الطابق الخامس. ‎ردّت بابتسامة قصيرة، ثم التفتت نحو المصعد دون أن تنبس بكلمة. ‎في اللحظة التي أغلقت فيها أبواب المصعد خلفها، نظر رافـييل إلى أدريانو وقال بصوت خافت: ‎ـ هل لاحظتَ ذلك؟ ‎أجابه أدريانو وهو يرفع حاجبًا واحدًا: ‎ـ أن الخلل لم يكن عشوائيًا؟ نعم... لاحظت ______ ‎الساعة 10:15 مساءً – جناح 327 – ‎دخلت فاليريا جناحها بخطى هادئة. ‎الإضاءة دافئة، والجناح فخم بألوانه الكريمية والذهبية، والأرضية من الخشب المصقول تعكس صدى خطواتها الناعمة. ‎وضعت حقيبتها جانبًا، ثم اتجهت مباشرة نحو الحمام، ‎خلعت فستان السفر الطويل ودخلت تحت دوش الماء الدافئ... ‎كأنها تُزيل عن روحها تعب الرحلة وتلك اللحظة المربكة عند الاستقبال. ‎خرجت بعد دقائق، لُفّت بمنشفة بيضاء ناعمة، قطرات الماء ما زالت تتدلّى من خصلات شعرها. ‎ارتدت كنزة قطنية ناعمة ب

  • في قبضة المهووس    الفصل الرابع عشر

    الفصل الرابع عشر وقفت فاليريا تستوعب وقع هذه الكلمات، كأنها وقفت على عتبة حياة جديدة، رحلة لا تعرف مدى صعوبتها لكنها لا يمكنها إلا أن تخوضها خرجت فاليريا من مكتب رافـييل بخطوات متسارعة، والقلق يلوح في عينيها، ينبض قلبها بإيقاع متسارع كأنه يشدو لحن الوداع المؤقت. توجهت نحو مكتب إدواردو، حيث كان جالسًا يراقب النوافذ المطلة على المدينة، كأنه يحاول استيعاب لحظة ما. وقفت أمامه، ونظرت إليه بعينين تختلج فيهما مشاعر متضاربة، قالت بصوتٍ يكاد يهمس: — "رافـييل أخبرني عن الرحلة إلى إسبانيا غدًا." التفت إليها وابتسم ابتسامة دافئة، قال: — "أنا سعيد جدًّا بتقدمك، وفخور بأنك تخطين خطوات ثابتة في عملك. هذا النجاح الذي تبنينه هو مصدر فرحي الحقيقي." تنهدت ثم همست، والصوت يختلط فيه الحزن: — "لكنني أخشى أن تبعدني المسافات عنك." اقترب منها وأمسك يدها برقة، وقال: — "لا شيء يمكن أن يبعدنا، فثلاثة أيام فقط، وسيظل صوتك وصورتك رفيقاني في كل لحظة. نجاحك هو سعادتي، وتطورك شرف لي." شعرت بدفء كلماته يملأ قلبها، ابتسمت بثقة، وأجابت: — "سأجعل من كل لحظة غربة فرصة لأكون أقوى، ولأجعل حبنا يتخطى كل الحدود."

  • في قبضة المهووس    الفصل الثالث عشر

    الفصل الثالث عشر كانت القاعة... ليست مجرد قاعة، بل صرحٌ من الفخامة المفرطة، تجلّى فيه كل ما في السلطة من هيبة، وكل ما في المال من بذخ. الجدران الشاهقة كُسيت بأقمشة حريرية ذهبية، تتدلّى منها أشرطة من الكريستال النقيّ، تنثر الضوء كأنها نجومٌ تتراقص على جدران السماء. الثريات العملاقة، كأنها شموسٌ معلّقة، انسكب منها الضوء على الوجوه، فتألق السياسيون ببدلاتهم الفاخرة، والسفراء بنظراتهم المتوجسة، وأصدقاء إدواردو القدامى الذين اصطفوا، يتهامسون في زوايا الصالة، بين كأسٍ يُرفع، وابتسامةٍ مخاتلة. في نهاية الممر الطويل المفروش بسجّاد عنّابي، وقف إدواردو مالديني، بثباتٍ من يعرف تمامًا ما يريد. يرتدي بدلة سوداء ذات طابع عسكري فاخر، صدره مشدود، وكتفاه مرتفعتان بثقة، ونظرته تتقدم الممر كما لو كان يُحاصر القاعة بكاملها. وعند تلك اللحظة بالضبط... انطفأت أنوار السقف قليلًا، وسُلط الضوء على أعلى الدرج الذي يؤدي إلى قاعة الحفل. همسٌ خافت عمّ المكان، ثم توقف كل شيء. وظهرت هي... فاليريا. كأنها انبثقت من أسطورة. كانت ترتدي فستانًا ذهبيًّا ذا بريق معدني ثقيل، تنساب أطرافه كأنها أنهار شمسٍ صُهرت م

  • في قبضة المهووس    الفصل الثاني عشر

    الفصل الثاني عشر ‎📍قاعة الاجتماعات: ‎كانت القاعة الكبرى أشبه بغرفة عرش سياسية. مستطيلة الطول، سقفها عالٍ تتدلّى منه ثريّا زجاجية فاخرة، تلمع كأنّها أسرار معلّقة. الجدران مكسوّة بخشب الجوز المعتّق، وأعلاها لوحات زيتية تمثّل معاهدات تاريخية، وخلفية لمكتب ضخم يُشرف عليه شعار الشركة المنقوش بالذهب. ‎المقاعد مُرتّبة على طاولة مستطيلة لامعة، يتوسّطها جهاز عرض، وعلى كل مقعد لوحة اسمية صغيرة. ‎دلف الجميع تباعًا: رجالٌ ونساء، يرتدون البزّات الرسمية، وكلٌّ يحمل جهازه اللوحي أو ملفًا. ‎دخل إدواردو أخيرًا، وجلس على يسار رافييل دون أن ينظر إلى أحد. كانت ملامحه متحفّظة، ونظرته تفتّش في الوجوه. ‎ثم دخلت فاليريا، فعمّ الهمس بين البعض، ورفعت أكثر من حاجب بدهشة، وهي تتّجه إلى المقعد الخالي عند الطرف الأيمن للطاولة، دون أن تبدي ارتباكًا. ‎وقف رافييل، فعمّ الصمت، وما إن بدأ الحديث حتى خُشعت الأبصار: ‎ــ "شكراً لحضوركم السريع... ‎أود أن أُعلن قراراً إدارياً سيُطبّق بدءًا من الأسبوع المقبل. ‎الآنسة فاليريا أنتونيلّي، ستباشر عملها رسميًا كمحلّلة سياسات ومديرة مشاريع تنفيذية ضمن قسم العلاقات الدول

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status