Se connecterلم ينتظر أيمن رداً، بل أسرع بخطواته نحو الحديقة، وظل يمسح واجهة المنزل بعينيه حتى حدد الشرفة المطلة على غرفة ياسمين، وابتسم برضا حين رآها مفتوحة، فتسلق بخفة وتسلل إلى الداخل، ليقع بصره على ياسمين وهي تجلس فوق أحد المقاعد، ضامة ركبتيها إلى صدرها في وضعية دفاعية توحي بمدى انكسارها. ناداها بصوت هامس وهادئ: _ ياسمين. هبت ياسمين واقفة كأنما مسها تيار كهربائي حين رأت أيمن يقف أمامها في قلب غرفتها، وحدقت به بوجه مكلوم تكسوه ملامح الصدمة، ثم أغمضت عينيها هرباً من نظراته وقالت بصوت يرتجف: _ لو سمحت اخرج من هنا، يا إما هخرج أنا دلوقت. وقف أيمن يحدق بها بنظرات متفرسة، مقطب الوجه وعاقد الساعدين، يحاول سبر أغوار تلك النفس المحطمة التي فرت بعينيها من مواجهته، زفر بحزن عميق على حال هذه الفتاة؛ فهو حتى اللحظة لا يستطيع رؤيتها إلا كطفلة تائهة تبحث وسط ركام الحياة عن ذرة أمان، وتنهد وهو يهمس في سره بكلمات لم يسمعها سواها: _ الأمان؟ وأي أمان ممكن تلاقيه بنت زي دي، وهي اللي اتوصمت بأب مدمن طول عمرها؟ بنت ملهاش أم تراعيها وتحاوط عليها، ده كتر ألف خيرها إنها لحد دلوقت قادرة تقف على حيلها، دي كانت هي ا
أخذت ياسمين تتحرك داخل غرفتها التي جعلتها زنزانة اختيارية، تذرع الأرض ذهاباً وإياباً بضيقٍ يكاد يمزق صدرها، تشعر باختناقٍ حاد؛ فمشاعرها المتضاربة تثور عليها، وقلبها أعلن العصيان التام فهو يشتاق إليه رغم كل شيء، وعيناها تتوقان لرؤيته، لكن كبرياءها الجريح يقف حائلاً، كيف تعود وهي التي أهانته؟ بل تعمدت جرحه أمام الجميع وطلبت منه الطلاق بكل قسوة. الآن، تجلس لتبكي بصمت وتبحث عنه في زوايا ذاكرتها، توقفت عن الحركة وانهارت فوق مقعدها، تضع يدها فوق قلبها المتمرد تتمنى لو يهدأ قليلاً، ولكن كيف ودواء هذا القلب بعيد عنها؟ ينهشها الندم، وفي الوقت ذاته يعذبها أنه لم يعتذر منها بعد تلك الصفعة التي وجهها إليها أمام "تلك الفتاة" التي ابتسمت بشماتة متعمدة، قبل أن يغادر بصحبتها ويتركها وحيدة وسط حطام نفسها. نهضت ياسمين من جديد، تشعر بازدياد اضطرابها، فقررت مغادرة غرفتها بتخوف، خاشية من نظرات اللوم في عيني "نبيلة" التي حملتها الكثير من الهموم منذ قدومهما إلى هنا، وسحبت نفساً عميقاً وحاولت تجفيف دموعها، لكنها تجمدت في مكانها حين وصل إليها صوت نبيلة الخافت وهي تتحدث إلى أحدهم بسرية تامة، كادت ياسمين أن ت
شحب وجه نبيلة تماماً وكأن الدماء قد غادرت عروقها، وسارعت بوضع يدها فوق شفتي فجر بحركة لا إرادية وهي تهمس برعب: _ وطي صوتك أوعي ياسمين تلمح الجرنال ده أو تعرف حرف من الكلام اللي اتنشر! دي البنت يا حبة عيني مش ناقصة، ولو عرفت إن سيرتها بقت على كل لسان والناس عرفت اللي عملته في نفسها، هتصمم على الطلاق من جلال فوراً ومش هتقعد معانا دقيقة واحدة. ربتت فجر على يد نبيلة تحاول تهدئتها وقالت باقتراح: _ طيب ما تكلمي جلال يجي يقضي كام يوم هنا يا مرات عمي؟ أهو ترتاحوا شوية وتطمني عليه، وبالمرة يشوف ياسمين ويحاول يلين قلبها من تاني ويبقى جنبها لو حصلت أي حاجة. حركت نبيلة رأسها يميناً ويساراً في رفض قاطع، وقالت بمرارة: _ مش هينفع يا فجر، جلال أخد الموضوع على كرامته قوي، وزعلان جداً بسبب الكلام الجارح اللي ياسمين قالته قدام رقية أخت يامن، جلال دخل ياسمين الغرفة وهي معاه عشان يطمنها ويقولها إن رقية جاية تزورها وتطمن عليها، بس ياسمين متحملتش تشوفها، وزي ما تكون كانت مستنية الفرصة عشان تفرغ غضبها. تابعت نبيلة وهي تتذكر الموقف بأسى: _ أول ما رقية قالت إنها مساعدة جلال، ياسمين فتحت فيها وقالت كلام
وضعت دودي هاتفها بجانبها وهي غارقة في بحر من التفكير، تمنت من كل قلبها أن يكون رفعت قد اتخذ قرار الفرار بنفسه ليتطهر من سموم الإدمان التي نخرت في جسده وروحه، تماماً كما خططت هي له. فرفعت كان الإنسان الوحيد الذي مدّ لها يد العون في الماضي دون أن ينتظر ثمناً، لكن أعوان الشيطان لم يمهلوه؛ تكالبوا عليه حتى كسروا صموده وحطموا كرامته. هي تدرك تفاصيل تلك المؤامرة الدنيئة منذ اللحظة التي استرقت فيها السمع لحسين وممدوح وهما يرسمان خطة الإطاحة به، وكيف دفعا بتلك السكرتيرة لعالم رفعت لتكون هي الجلاد الذي يذيبه في مستنقع المخدرات في وقت قياسي. بل إن سوء حظها قادها لقراءة ذلك الملف الأسود الذي حوى كافة المخططات الخبيثة للإيقاع برفعت ونور الدين معاً. انتفضت دودي من مقعدها وهي تحاول طرد تلك الذكريات؛ فالماضي بالنسبة لها لا يفتح إلا أبواب العذاب ورغبة جامحة في انتقام لا يبقي ولا يذر. وعلى الجانب الآخر، كان جلال يحدق في إحدى الصحف بذهول لم يصدقه عقله، وتساءل في ثورة غارمة: من الذي يجرؤ على العبث معه بهذا الشكل؟ أعاد قراءة الخبر الذي نُشر في صدر الصفحة والشرر يتطاير من عينيه، وتمتم بصوت يملؤه الحنق:
جحظت عينا حسين وهو يحدق في وجه دودي بذهول أرعبه، وهز رأسه بعنف كأنما يحاول نفض غبار صدمة لم يتوقعها قط، فتبدلت ملامحه إلى غضب أسود، واندفع يمد يده ليقبض على خصلات شعرها بقسوة، جاذبًا إياها نحو وجهه وهو يزمجر بصوتٍ يشبه فحيح الأفاعي: _ وأنتِ تعرفي كل ده منين؟ انطقي.. انطقي وإلا هدفنك مكانك وما حدش هيعرف لك طريق! بثباتٍ انفعالي مذهل، رفعت دودي كفيها وخلصت خصلات شعرها من قبضته ببرود، ثم وقفت ترتب ملابسها وشعرها بعناية وكأن شيئاً لم يكن، واتجهت نحو مقعد مكتبه الوثير، وجلست عليه بكل خيلاء، بل ورفعت ساقيها فوق سطح المكتب ونظرت إليه بغموض يلفه الكبرياء قائلة: _ أنا أعرف تاريخك كله يا سونة، وتاريخ الدمرداش، حتى رفعت الخطيب أعرف كل صغيرة وكبيرة في حياته، وأعرف كمان اللي أنت نفسك متعرفوش، عارف يعني إيه دودي تعرف اللي أنت متعرفوش؟ يعني تعرف إزاي عصام استغفل رجالتك ومثل إنه بيموت، فرجالتك خافوا ليموت زي سنارة وتنتقم منهم، ففكوه وهو استنى لحد ما خرجوا يشوفوا هيتصرفوا إزاي وزحف من وراهم وهرب علشان ينقذ حياته من انتقامك الخايب بسب اللي قاله لممدوح وأمير. توقفت قليلاً لترى أثر كلماتها على وجهه ال
حاول هؤلاء المنافسون عرقلة مسيرتهما بكل الطرق، زرعوا الأزمات وافتعلوا المشاكل، لكن تماسك نور ورفعت كان صخرة تحطمت عليها كل المكائد، عندها، أدرك أباليس السوق أن الوسيلة الوحيدة لهدم هذا الصرح هي ضرب العلاقة بين الرجلين من الداخل، وفصم عراهما لتسهل السيطرة على الشركة. هاجمت رفعت نوبة بكاء مريرة، وراح يلوم نفسه بصراخ مكتوم: _ سامحني يا صاحبي، أنا السبب في كل اللي جرى، أنا اللي فتحت لهم الباب يدخلوا ما بينا بعد ما كنا إيد واحدة، كنا عايشين راضيين ومبسوطين، وأنت ياما حذرتني ونبهتني، بس أنا اللي الغرور والكِبر عمى عيني وضيعني. تذكر بمرارة تلك الأيام السوداء التي زجوا فيها بتلك الفتاة في طريقه، فتاة كانت تعرف جيداً من أين تؤكل الكتف، خدعته بجمالها الزائف، وكانت تدس له السم في قهوته حتى وقع في فخ الإدمان دون أن يدري، لتسحبه بعدها إلى سهرات "شلة الأنس". وهناك، في تلك الأوكار، التقى بحسين وممدوح، شياطين الإنس الذين أحكموا الحبل حول عنقه. تابع رفعت ندبه لظلام تلك الفترة: _ كرهت بيتي بسببهم، كرهت مراتي وبنتي، مكنتش طايق أقعد معاهم، وعلى طول زعيق وخناق، لدرجة إني مديت إيدي على أشواق، الإنسان







