Home / الرومانسية / في قلب إبليس / الفصل الثامن...

Share

الفصل الثامن...

last update publish date: 2026-05-10 17:48:10

حين حل الليل، كان حسين يجلس في مكتبه وأمامه ممدوح الذي كان يحدق به بغضبٍ عارم، فابتسم حسين ببرودٍ أردف مستهينًا بفعله صديقه:

_ أنا قلت لك متقلقش، وفهمتك إن خسارتك أقل بكتير من اللي أنا خسرته، والدين اللي في رقبة ياسمين كبير يا ممدوح ولازم آخده مهما استخبت، ومهما أبوها حاول يستغفلنا هفضل وراه لحد ما أجيبها، وساعتها أنتَ عارف هعمل إيه، المهم دلوقتي نهدى ونشوف اللي هيحصل وإحنا ساكتين، نغمض عيننا مرة واتنين لحد ما رفعت يطمن لنا ويرجع يتعامل معانا، ولو حتى شفناهم نتعامل عادي، أنا عاوزك تنسى إن دي ياسمين لحد ما ييجي وقتها، ووقتها ده لازم يليق بيها، وخلي بالك يا ممدوح، أنا مش هعيد كلامي تاني، ولو حصل غير اللي اتفقنا عليه هزعلك، وأنتَ عارف حسين لما بيزعل حد، بيكون الزعل شكله إيه!

انتفض ممدوح بعصبيةٍ مفرطة، وضرب سطح المكتب بقبضتيه بقوةٍ جعلت الأوراق تنتفض، وقال بغضبٍ لاهث:

_ مش ممدوح الدمرداش يا دياش اللي تهدده! ومتنساش إن اللي ليا زي اللي ليك، ولا أنتَ عاوزني أقف أتفرج عليها؟ طب ما أفتح لها بيتي وأهننها وأدلعها! ما تفوق ولا الحشيش اللي بتضربه مع رفعت لحس عقلك وخلاك تخرف؟ فوق يا حسين عشان اللي أنا عايزه هعمله، ولو البت دي طلعت مستخبية في الشقة يبقى كدة جبرت وأنا هجيبها بطريقتي، وخليك أنتَ بقى للحنية اللي سكنت قلبك ترجع لك حقك!

تطلع حسين إلى ممدوح بعيونٍ نارية، وزفر أنفاسه بصعوبةٍ ليخمد بركان انفجاره؛ فهو لا يريد خسارة ممدوح الآن، ولكن إن لم يطاوِعه الأخير، فسينفذ حسين أمره مهما كانت الخسائر.

في حين أحس ممدوح بالخطر يحيط به حين طال صمت حسين وتغيرت نظراته؛ فأدرك أنه تمادى في غضبه، فسحب عدة أنفاسٍ ليهدأ، ثم جلس بعيدًا عن نظرات حسين المُسلطة عليه وأردف محاولًا تلطيف الأجواء:

_ خلاص يا حسين، أنا معاك للأخر طالما النهاية هترضينا، واعذرني إن كنت احتديت معاك في الكلام، بس أنتَ عارف الموضوع ده بيضايقني إزاي؟ عمومًا أنا هدعمك باللي أنتَ عايزه، من جنيه لمليون وأكتر، بس المهم ننجز ونجيبها.

التف حسين حول مكتبه ووقف أمام صديقه، ثم ربت على كتفه بقوةٍ موحية وقال:

_ وأنا هجيبها وهسلمها لك، بس أنتَ اقعد وريح وبلاش تقول للي عندك أي حاجة عنها مؤقتًا، وعمومًا مش هيعدي اليوم يا ممدوح إلا وهنشوف القطة وهي بتهرب من النار.. ووقتها اللعب هيبدأ بجد.

...

تسلل فوق سطح البناية بخفةٍ، يحدق في الظلام الدامس بعينين اعتادتا رصد الفريسة، حتى وقع بصره على ذلك العمود الذي تناثرت فوقه أجهزة إرسال التلفاز؛ ربط حبله بإحكامٍ ثم تدلى بحذرٍ شديد ليهبط داخل تلك الشرفة التي تُركت أبوابها مفتوحة على مصراعيها، أمعن "سنارة" النظر من مكانه محاولًا تبين من بداخل الغرفة، لكن العتمة كانت حائلة بينه وبين الرؤية الواضحة، فدلف على أطراف أصابعه، ليقع بصره على الفراش حيث رأى جسدًا ممددًا يلتحف بدثارٍ سميك، فغادر الغرفة باحثًا بعينيه في كل ركنٍ عن أي شخصٍ آخر، فلمح باب الغرفة الأخرى الموصد؛ اتجه صوبه وفتحه بحذرٍ بالغ، وركز عينيه على مشتملات الغرفة فلم يجد أثرًا لأحد.

تابع بحثه الدقيق في أرجاء الشقة كما أوصاه عصام، حتى وصل إلى ذلك الدرج؛ فتحه ببرودٍ وسحب مظروف المخدر مفرغًا إياه تمامًا من محتواه قبل أن يعيده إلى مكانه خاليًا، فاستدار وأسرع في خطاه نحو المطبخ، وقف أمام الموقد ولمح أنبوب الغاز، فأخرج سلاحه الحاد وقطع صمام الأمان بضربةٍ واحدة، ثم عاد متسللًا من حيث أتى ليصعد مجددًا إلى سطح البناية، وأخرج هاتفه وضغط زر الاتصال بعصام وقال بنبرةٍ منتصرة:

_ كله تمام يا عصام، الهيروين بح، وخرطوم الغاز قطعته، وكلها نص ساعة بالكتير والغاز يملأ الشقة كلها، بس للأسف أنا مشفتش إلا الراجل بس، والأوضة التانية فاضية.

أتاه صوت عصام يرتجف ذعرًا عبر الهاتف:

_ يخرب عقلك يا سنارة! مين قالك تقطع الخرطوم؟ هو مش الباشا موصيك وقايل لك تفتح زرار واحد بس في البوتاجاز عشان يفتكروا إنه اتنسى؟ بقولك إيه، أنتَ ترجع تاني وتتصرف، الباشا لو عرف إنك جودت من دماغك هيطيرهالك! ارجع واقفل الأنبوبة قبل ما الراجل يموت مخنوق والباشا يعلقنا!

في تلك الأثناء، تململت ياسمين فوق ذلك المقعد الذي انكمشت فوقه في غرفتها، بعدما نخر الصقيع جسدها النحيل، فتحت عينيها والتفتت تنظر إلى جسد والدها المتدثر بدثارها السميك، وحركت عنقها تدلكها بأصابعها بعدما ألمتها تلك النومة الغريبة التي اعتادت عليها مؤخرًا، منذ أن صارحها والدها بأن ذلك المقعد كان هو المفضل لدى والدتها الراحلة؛ فأصبحت تجلس وتنام فوقه لتستشعر طيف أمها وقربها، فغامت عيناها بدموع الاشتياق والفقد، تنهدت بمرارة ووقفت تتمطى، ليقع بصرها على الشرفة التي تركها والدها مفتوحة خلفه.

تأففت بضيقٍ وتوجهت لإغلاقها، لكنها تسمرت في مكانها حين تسللت رائحة الغاز النفاذة إلى أنفها، فعبست وهي تتساءل في رعب: هل غفلت وتركت أحد أزرار الموقد مفتوحًا؟ أسرعت في خطىً متعثرة باتجاه المطبخ لتزداد الرائحة حدة، وشعرت باختناقٍ شديد جعلها تسعل بقوة، فبحثت بعينيها عن مصدر التسريب، حتى وقع نظرها على الصمام المقطوع؛ تلفتت حولها بهلعٍ تبحث عن شيءٍ يمنع هذا الموت المتسرب، فسحبت إحدى المناشف واغرقتها بالماء ووضعتها فوق الصمام في محاولةٍ يائسة، ثم ركضت نحو الردهة وفصلت التيار الكهربائي تمامًا.

اتجهت إلى غرفتها تحاول إيقاظ والدها، لكنه لم يستجب بتاتًا لانتشائه الشديد وغيابه عن الوعي، فخرجت مرة أخرى مسرعة لطلب النجدة، ولم تنتبه لطرف السجادة الذي تشابكت خيوطه بأصابع قدميها؛ اختل توازنها واندفع جسدها بقوةٍ مريعة إلى الأمام، ليرتطم رأسها بحافة طاولة والدها الرخامية، فسقطت أرضًا والدماء تنزف بغزارةٍ من جبهتها، فشعرت بدوارٍ قاسٍ يبتلع وعيها، ولم تلحظ ياسمين في غمرة ألمها ذلك الظل الذي عاد ليتسلل إلى الداخل من جديد.

لم يدرِ أيمن ما السبب الذي أيقظه فجأةً من نومه، فتطلع حوله في حيرةٍ بالغة، ورفع أصابعه يخلل بها خصلات شعره المبعثرة قبل أن يمسح على وجهه؛ لكنه أوقف حركته فجأةً ليصغي السمع بتركيزٍ شديد. انتفض أيمن نافظًا الدثار عنه، وترك فراشه ليهرع إلى صديقه النائم ويهزه بقوةٍ مفرطة، فانتفض شادي وجلس محدقًا بوجهه بغضبٍ عارمٍ لأفزاعه. وحين همَّ شادي بزجره، كمم أيمن فمه بيده وأشار إليه لينصت، فقطب شادي حاجبيه للحظاتٍ قبل أن ينتفض من مكانه وهو يصيح بلوعةٍ تفتت الصخر:

_ ده صوت ياسمين!

سلم الصديقان ساقيهما للريح وهرولا صعودًا إلى الطابق الأعلى، حيث انهالا على باب الشقة بالطرقات العنيفة مع ضغط جرس الباب دون توقف؛ وحين لم يجبهما أحد، تبادلا نظرةً واحدةً صامتة قررا فيها دفع الباب بكل قوتهما. وتحت وطأة اندفاعهما العنيف، انفتح الباب أخيرًا، ليندفعا إلى داخل الشقة، فوقع بصرهما على ظلٍ يسرع في خطاه باتجاه إحدى الغرف، بينما كانت ياسمين تنكمش حول نفسها تصرخ بهستيريا مريعة، وهي تسحب ملابسها الممزقة في محاولةٍ بائسةٍ لستر جسدها.

أسرع أيمن خلف ذلك الظل وهو يصيح بغضبٍ مشتعل:

_ أنا هشوف مين ده، وأنتَ خليك مع ياسمين يا شادي!

تجمد شادي في مكانه أمام ياسمين، يشعر بقلبه يئنُّ تحت وطأة عذابها، وارتعدت فرائصه وهو يرى تلك الدماء التي غطت وجهها الشاحب، فركع أرضًا أمامها ومد أصابعه المرتجفة نحو وجهها، ليفاجأ بها تدفع يده عنها بخوفٍ قاتل وتصرخ رافضة أن يلمسها؛ آلمه رفضها الشديد، فوقف وأشاح ببصره عنها بحثًا عن أي شيءٍ يستر به جسدها، لعلها تشعر بالأمان، واتجه خلف صديقه ورأى الدثار فوق الفراش فسحبه بسرعة، ليقف مصعوقًا حين وجد والدها نائمًا غافلًا تمامًا عما يحدث حوله.

انتبه شادي إلى دفع أيمن له وقوله المسرع:

_ ملحقتوش، ده زي ما يكون فص ملح وداب! بقولك روح أنتَ لياسمين حاول تهديها، على ما أشوف ده نايم ولا ميت ولا ماله بالظبط؟

عاد شادي بالدثار ولفه بحذرٍ وخوفٍ حول جسد ياسمين، التي بدأت تستعيد وعيها تدريجيًّا ونظرت إليه بعينين زائغتين، فابتعد عنها بضع خطواتٍ ليوفر لها مساحةً من الأمان وقال بصوتٍ هادئ:

_ سمعنا صوتك من تحت و..

قطع شادي حديثه فجأةً إثر نوبة سعالٍ حادة أصابته، فنظر إليها بتركيزٍ وقال:

_ دي ريحة غاز!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • في قلب إبليس    الفصل الرابع عشر...

    تحرك جلال ببرود واتجه صوب رفعت، وقد اصطبغ وجهه بغموضٍ مخيف، ثم مال ليساند رفعت المنهار ويساعده على الوقوف، والتفت إلى رفيقه يامن ليُسلمه رفعت، ثم خطى بثبات نحو الأريكة وجلس فوقها واضعًا ساقًا فوق الأخرى، ورماهم بنظراتٍ ساخرة وهو يبتسم ببرود قائلًا:_ ها.. ممكن أعرف بقى أنتم هنا بتعملوا إيه بربطة المعلم؟لم يتحمل ممدوح هذا الاستعلاء، وفقد السيطرة على أعصابه لرؤية جلال يجلس في المكان وكأنه صاحب البيت الآمر الناهي، فقال بعصبية:_ وأنت مين علشان تسائلنا؟ عمومًا إحنا هنا في بيت صاحبنا، إنما أنت بقى هنا ليه أساسًا؟رمى جلال بنظراته نحو رفعت الذي كان يتلوى من الأم بين ذراعي يامن، في تلك اللحظة، فاتجه حسين نحو رفعت وسحبه بقوة من بين يدي يامن رغم اعتراض الأخير، وتنحى به بعيدًا عن مسمع الحاضرين وأردف بهمسٍ مسموم:_ إيه اللي وداك لجلال يا رفعت؟ هو أنا مش إديتك الأمان؟ ليه بس يا صاحبي تروح لجلال برجليك وتعرفه مكانك؟ أنت ناسي إنه ليه تار عندك؟ بص اتصرف ومشيه علشان أعرف ألحقك، ولا عاجبك منظرك وأنت بتتوجع بالشكل ده؟ يلا يا رفعت خليه يمشي وأنا هتكلم مع ممدوح وأمير وأمشيهم، وبعد ما تظبط دماغك هاخدك ون

  • في قلب إبليس    الفصل الثالث عشر...

    انطلقت سيارات الحراسة مدججة بالرجال الأشداء في موكبٍ مخيف مُتجهين إلى منزل رفعت، بينما أخذ حسين يصب جام لعناته على تصرف ممدوح الأرعن الذي جعله يخاطر بكل ما بناه في سبيل تهوره، وبرفقة ابنه أمير، اسودت ملامح وجه حسين أكثر حين تذكر ملامح أمير السمجة، والتوى وجهه بكراهية قاتمة وأردف بصوتٍ يملؤه الوعيد الذي لا يرحم:_ ضيعتنا زمان أنت وأبوك وراجع دلوقتي تضيعها مني بعد ما بقت تحت إيدي! ماشي يا ممدوح أما دفعتك تمن اللي عملته من ورايا ميبقاش أنا حسين الدياش.انتبه حسين إلى صوت سائقه وهو يناديه بوجل، فنظر إليه ليراه يمد يده بهاتف السيارة وهو يقول:_ السويسي على الخط يا حسين باشا.تناول حسين سماعة الهاتف من يد سائقه وأجاب محدثه باقتضاب ينم عن ضيق شديد:_ أيوة يا سيد إيه الأخبار عندك؟أجابه سيد، الذي كان يقتفي أثر رفعت منذ لحظة مغادرته للبناية بعينين كعيني الصقر، قائلًا:_ أيوة يا باشا، هو نزل وشكله جايب آخره، عمال بيرتعش وكل شوية يسند على باب محل وكأنه هيقع.سأله حسين بضيقٍ وتذمرٍ متزايد:_ هو مروح يا سيد على البيت ولا مشي من سكة تانية؟توارى سيد بسرعة خلف أحد الأعمدة حين التفت رفعت للخلف فجأة،

  • في قلب إبليس    الفصل الثاني عشر...

    كان الصراع النفسي الذي يخوضه جلال داميًا بداخله؛ فكم ودَّ لو يُطبق حقًا على عنقه ليزهق تلك الروح النجسة التي تسكن ذلك الجسد العفن، ولكن نفسه عافت أن تمسه، فرماه بنظرة استحقار وهو يسير صوب باب شقته بصمت يفتحه، وقال بصوت جليدي ينهي به كل شيء:_ اطلع بره يا رفعت وإياك تخليني أشوفك تاني، وصدقني أنا كدة أكرمتك أوي إني سمحتلك تدخل بيتي من الأول، اطلع بره بدل ما أتصرف معاك تصرف تاني يخليني أحتقر نفسي إني نزلت لمستواك.وصل يامن في نفس التوقيت الذي ألقى فيه جلال كلماته في وجه رفعت، فوقف وقد تملكه الحرج لحضوره ذلك الموقف بين جلال وذلك الرجل الذي بدا على وجهه الخزي والانكسار، فحاول يامن أن يتراجع حتى لا يزيد الموقف حرجًا وسوءًا بوجوده، ولكنه تجمد حين استمع إلى كلمات الرجل المتقطعة التي وجهها إلى جلال وهو يركع أرضًا أسفل قدميه بذلة:_ أبوس رجلك يا جلال، طب لو مش عاوز تتجوزها خليها تخدمك، هي مش هتكلفك أي حاجة، ومش هتسمع لها صوت ولا تشوف لها خيال، بس وحياة الغاليين اللي راحوا منك توافق، أبوس رجلك يا ابني بلاش تخليني أرخصها أكتر من كدة وهي متستحقش مني ده، صدقني والله بنتي متستحقش إن واحد زيي يكون أب

  • في قلب إبليس    الفصل الحادي عشر...

    جلس جلال فجأة ووضع ساقًا فوق الأخرى ببرود تام، ثم وجه حديثه لرفعت بفتورٍ وجفاء:_ جاي عايز إيه يا رفعت بعد السنين دي كلها؟ازدرد رفعت لعابه عدة مرات محاولًا ابتلاع غصة المرارة، وضم كفيه بقوة ليوقف ارتجافهما الفاضح، لكنه لم يستطع السيطرة على جسده المنهار، ورفع أصابعه وفرك أنفه بعصبيةٍ وتوتر، ثم نظر إلى جلال وقال بصوتٍ مرتبك تتقطع فيه الكلمات:_ أنا.. أصل يعني.. كنت جاي عشان.. عشان عا.. عايـ..تطلع إليه جلال بشماتة واضحة، وتأمل هيئته الرثة ليدرك المدى المهين الذي وصل إليه إدمانه، فأخرج رزمة ضخمة من المال من جيب بنطاله ولوح بها أمام وجه رفعت بتهكم، قائلًا:_ إيه؟ مكسوف تقول إنك جاي تشحت عشان معكش حق 'الكيف'؟ متتكسفش يا رفعت، اطلب مني عادي، ما أنا زي ابنك!احمر وجه رفعت خجلًا وحرجًا، وتابع بعينين زائغتين يد جلال القابضة على المال، ليراه يقف فجأة ويتجه إلى أحد الأركان موليًا إياه ظهره، وسحب جلال شيئًا ما واستدار وهو يمسك بقداحة، وما هي إلا ثوانٍ حتى أشعلها وقرب لهيبها من رزمة المال، لتشتعل النار في الأوراق النقدية أمام ناظر رفعت المذهول، بينما قال جلال بنبرة قاسية:_ أنا عندي استعداد أحرق

  • في قلب إبليس    الفصل العاشر...

    احتلت ملامح الصدمة وجه ياسمين، وارتجفت شفتيها وهي تطالع والدها بذهول؛ لم تكن تصدق أن يهمل كل صرخات استغاثتها وكل الدماء التي سالت من جبهتها، وكل الرعب الذي عاشته في مواجهة ذلك الظل الغامض، ليصب كل اهتمامه على "مظروف" تافه، فشعرت بالخيانة تنهش قلبها وهي تراه يبحث لديه عن "علاجه" المزعوم، بينما هي تبحث لديه عن قبس من الأمان الضائع، فاعتدلت في وقفتها، ونفضت عنها ضعفها وهي تشمخ برأسها كبرياء، ثم رشقته بنظرة جليدية وقالت بجمود:_ ابقى اسأل الراجل اللي دخل، هو راح فين اللي كان في الظرف؟ إنما متسألنيش أنا، وعمومًا متقلقش، كلها شوية وييجوا صحابك اللي تعرفهم، ويدولك غيره، بس المرة دي هيدوهولك تمن ليا بدل ما ياخدوني غصب!تركت ياسمين والدها في ذهوله وابتعدت بخطوات متصلبة، تشعر باختناق حاد يمزق صدرها من مجرد وجودها في حيز مكاني يجمعهما، بينما وقف رفعت يلاحقها بعينين زائغتين؛ يحدق تارة في المظروف الفارغ بين يديه، وتارة في قامة ابنته المبتعدة، حتى بدأت كلماتُها تتسرب إلى إدراكه المشتت، فانهار أرضًا فجأة وهو يكور المظروف الورقي في قبضة يده، وهز رأسه بعنف كمن يحاول طرد فكرة شيطانية لا يريد تصديقها.ف

  • في قلب إبليس    الفصل التاسع...

    كانت ياسمين تشعر بخدرٍ يسري في جسدها، بينما يحدق شادي بها بعيونٍ يملؤها القلق، فأسرع نحو المطبخ ورأى تلك المنشفة التي لفتها ياسمين حول الصمام المقطوع، وبحث بعينيه سريعًا عن الصمام الأساسي حتى رآه فوق نافذة المطبخ، فمد يده وأغلقه بإحكام، ثم شرع يفتح النوافذ واحدةً تلو الأخرى ليطرد رائحة الموت تلك.في هذه الأثناء، غادر أيمن الغرفة وهو يهز رأسه بأسفٍ بالغ، ونظر إلى شادي الذي جلس على أبعد مقعدٍ ممكن حتى لا يثير خوف ياسمين، فاتجه صوبه وجلس بجانبه قائلًا بخفوت:_ والدها نايم يا شادي، بس حاسس إن النوم ده مش طبيعي أبدًا، مش عارف، شكله وأنا بحاول أصحيه فكرني بشكل أحمد زكي في فيلم 'المدمن' و..ابتلع أيمن باقي كلماته الهامسة حين أدرك عقله أن والد ياسمين، بهيئته الشاحبة تلك، مدمن حقًا؛ لا سيما حين وقع بصره على الدرج الملقى أرضًا بمحتوياته المبعثرة، نظر إلى شادي بصدمةٍ بالغة، ثم عاد ببصره نحو ياسمين يشعر بفيضٍ من الشفقة على حالها، وأغمض عينيه بقوةٍ حين تبادر إلى ذهنه أن يقظته هو وصديقه كانت الفاصل الوحيد قبل وقوع كارثةٍ محققة في ظل غياب والدها التام عن الواقع.ازدرد أيمن لعابه حزنًا وسحب نَفَسًا ع

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status