Home / الرومانسية / في قلب إبليس / الفصل السابع...

Share

الفصل السابع...

last update publish date: 2026-05-09 18:36:53

أسرع أيمن في سيره وقد تملكه القلق؛ فقد استغرق في نومه طويلًا حتى فاتته المحاضرة الأولى، وهو يدرك جيدًا أن الوقت المتبقي على بدء المحاضرة الثانية لا يتجاوز العشر دقائق، وإن لم يدرك القاعة في الوقت المحدد، فلن يسمح له الدكتور بالحضور أبدًا. وقف أيمن أمام باب المدرج يلتقط أنفاسه اللاهثة، فلمح صديقه شادي يشير إليه من بعيد، فاعتدل في وقفته وسار باتجاهه قائلًا بنبرةٍ غلب عليها التعجب:

_ أول مرة تحضر في ميعادك! إيه يا عم النشاط ده؟ قولي بقى وطمني.. حضرت المحاضرة الأولى؟

أومأ شادي برأسه وأجاب بهدوء:

_ أيوة حضرت المحاضرة وسجلتها لما لقيتك مجتش، عشان تعرف تذاكرها كويس، إنما أنت إيه اللي أخرك كدة؟

تذمر أيمن بضيق وهو يتذكر ما فعلته شقيقته به، وقال:

_ أختي لغت كل المنبهات اللي كنت عاملها، قال إيه مش عايزة تصحى بدري! خلتني أتعصب عليها رغم إنها الكبيرة، بس تعرف يا شادي؟ رغم إنها أختي بس دمها تقيل ورخمة، ودايمًا بقول ربنا يعين اللي هيتجوزها، دي هتجيب أجله بدري!

ابتسم شادي في صمت؛ فصديقه قلما يتحدث عن شؤون أسرته، ثم انتبه لسؤال أيمن الذي لاحقه بنظرةٍ فاحصة، فنظر إليه شادي قائلًا:

_ أنا منمتش من الأساس، كنت خايف لحد يطلع فوق وأنا نايم ويعرف بوجود ياسمين، ففضلت صاحي براقب العمارة من فوق.

حدق به أيمن بدهشةٍ بالغة وقال:

_ وأنتَ هتفضل على الحال ده كتير؟ أنا امبارح افتكرت كلامك اللي قلته عليها، وفهمت من نظراتك إن هي دي البنت اللي بتحبها، اللي شفتها كام مرة ومن ساعتها شغلت قلبك، بس يا صاحبي أحب ألفت نظرك إن ياسمين شكلها وراها حوار كبير، وكبير أوي كمان، وهي لسه صغيرة على اللي هي فيه ده، وما افتكرش إنها هتفكر في حب وكلام من ده في ظروفها، فحاول يا شادي إنك تشيلها من دماغك عشان أنا خايف عليك.

زفر شادي بضيقٍ وأشاح بوجهه بعيدًا، ليقع بصره على زميلته "جرمين" وهي تقف على مقربةٍ منهما، فأعاد بصره إلى أيمن قائلًا بنبرةٍ يملؤها الشجن:

_ مش بمزاجي إني حبيتها واتعلقت بيها، زي ما هو مش بمزاجي إني أشوف حال جرمين وأتفرج عليها وهي بتحبني وأنا مش حاسس بيها.. عارف يا أيمن؟ الدنيا دي غريبة، واحدة تحبني وأنا مش عايزها، واللي أحبها مش عوزاني ولا حتى شايفاني!

ربت أيمن فوق كتف صديقه مواسيًا وأردف:

_ عارف؟ اللي يشوف بلوة غيره تهون عليه بلوته، أهو أنا بحمد ربنا إن قلبي مدقش لأي واحدة، عشان مبقاش زيك كدة ولا زي جرمين؛ أحب وأتعذب بحبي ده.

ابتسم شادي بسخريةٍ مريرة وأردف:

_ بكرة تطب وتحب، وتلاقي نفسك غرقان في الحب من غير ما تحس يا صاحبي.

...

لزمت ياسمين غرفتها منذ لحظة استيقاظها، غارقةً في هواجسها بعدما اكتشفت مغادرة والدها للمنزل؛ فقد تملكها رعبٌ شل أطرافها من مجرد فكرة تخطي عتبة باب الغرفة، خشية أن يتكرر ما حدث بالأمس، أو أن يفاجئها والدها بعودته وبصحبته "حسين"، ذلك الرجل الكريه الذي يسعى للنيل منها ويقتفي أثرها في كل مكان، تنهدت ياسمين بضيقٍ، لكنها انتفضت حين سمعت طرقاتٍ خفيفة على باب غرفتها، فأسرعت تختبئ أسفل فراشها بجسدٍ يرتجف، لياتيها صوت والدها يناديها بحذر.

زحفت من مخبئها ووقفت أمامه بملامح شاحبة، فابتسم لها رفعت وقال بنبرةٍ حاول جعلها حانية:

_ أنا نزلت الصبح وجبت لك أكل، عشان مسبكيش جعانة زي الأيام اللي فاتت.

نظرت ياسمين إلى ما اشتراه والدها بصمتٍ، ليفاجئها بسؤاله المباغت:

_ إلا يا ياسمين، أنتِ نزلتِ الدور اللي تحت امبارح إزاي؟

أغمضت ياسمين عينيها بقوةٍ هربًا من تلك الذكرى الرهيبة التي مرت بها وهي معلقة في الهواء تتأرجح بين الموت والحياة، ولكنها سرعان ما فتحتهما حين جذبتها رائحة الطعام المنبعثة من الأكياس، فحملتها عنه قائلة:

_ هينفع أخرج من الأوضة النهاردة ولا أخليني فيها؟

أومأ رفعت برأسه وقال مطمئنًا إياها:

_ لا، إحنا في أمان يومين، أصل حسين مسافر شغل، عشان كدة أول ما صحيت نزلت جبت كل الحاجات اللي بتحبيها، قلت أصالحك بيها على اللي عملته معاكِ امبارح.

رسمت ياسمين ابتسامة واهية على شفتيها لا تصل إلى عينيها، وقالت:

_ ولا يهمك يا بابا، بص، ارتاح حضرتك وأنا هروح أحضر كل حاجة.

ربت رفعت على ظهرها بلطفٍ وأردف:

_ طب ما تحضري لنا الفطار في البلكونة؟ ده الجو حلو النهاردة و..

قاطعته ياسمين وهي تضم الأكياس إلى صدرها بقوة، وراحت تهز رأسها يمينًا ويسارًا بذعرٍ شديد، ونظرت إليه بعينين زائغتين وقالت بصوتٍ متهدج:

_ لا بالله عليك يا بابا، بلاش البلكونة، أنا مش حابة أقعد فيها خصوصًا بعد اللي مريت بيه امبارح، أنا الأحسن أفضل في الأوضة عشان أبقى حاسة بالأمان.

زفر رفعت أنفاسه بحزنٍ وشعورٍ بالذنب، وقال:

_ طيب خلاص بلاش البلكونة، أقولك اعملي اللي أنتِ عاوزاه وأنا هروح آخد علاجي، أحسن حاسس إني تعبان.

لون الحزن وجهها وهي تراقب انسحاب والدها من غرفتها، ثم تتبعت خطواته بنظراتها نحو الردهة ومنها إلى المطبخ، حيث رأته يسحب ذلك المظروف اللعين ويخرج منه كمية من المسحوق الأبيض، يضعها فوق السطح البلوري ويستنشقها بلهفة، فخفضت رأسها بانكسارٍ مرير وهي تراه في هذا الوضع المخزي، وابتسمت لنفسها بتهكمٍ حارق وهي تهمس بصوتٍ خفيض حرصت على ألا يصله:

_ البودرة السم دي بقت علاج دلوقتي؟ آه يا رب صبرني على اللي أنا فيه ده.

...

وفي مكتبه، ظل حسين يُنصت إلى صوت عصام وهو يتلو عليه تقريره، يسرد له تفاصيل ما رصده منذ أن وطئت قدماه محيط البناية، فعقد حسين حاجبيه في تركيزٍ شديد وقال متسائلًا:

_ يعني نزل لوحده الصبح؟ متأكد إنه كان لوحده ومخرجش قبله ولا بعده واحدة ست؟

أجابه عصام بنبرةٍ واثقة تؤكد كلماته:

_ لا يا باشا، هو كان لوحده تمامًا، ومنزلش لا قبله ولا بعده حد، وراح على السوبر ماركت واشترى حاجات كتيرة؛ ده اشترى كرتونة شيبس يا باشا ومعلبات أكل وعصاير، زي ما يكون طالع رحلة أو جايب خزين الشهر كله!

اعتدل حسين في مقعده، وراحت أفكاره تتضارب وهو يردد قول عصام بذهولٍ مكتوم:

_ معلبات وكرتونة شيبس وعصاير؟ أنتَ متأكد يا عصام؟

رد عصام وعيناه لا تغفلان عن مراقبة مدخل البناية باهتمامٍ وحذر:

_ أيوة يا باشا، ده حتى صاحب السوبر ماركت بعت الصبي بتاعه يوصل له الحاجة من كترها، وأنا لقطت الواد وهو خارج واديته قرشين قلت يمكن أطلع منه بكلمة، لكن الواد ابن الجنية طلع حويط، وقالي إن رفعت قاعد لوحده وإنه دايمًا بيشتري الشيبس عشان بيوفر عليه وقفة المطبخ، بس الكلام ده مدخلش دماغي، وقلت لازم أبلغك.

شرد حسين قليلًا ثم زفر بضيقٍ وقال:

_ ماشي يا عصام، خليك زي ما أنتَ، راقب لي المكان ومش عاوز عينك تغفل عن العمارة ولا اللي داخل ولا اللي طالع، فاهم؟

أتاه صوت عصام يقترح بلهجةٍ خبيثة:

_ بقولك إيه يا باشا، ما تخليني أريحك من الحوار ده؟ أجيب لك الواد 'سنارة' ينط على الشقة ويقلبها ويجيب لك قرار المستخبي، أصل الواد ده عفريت ومحدش بيعرف يشوفه لا وهو داخل ولا وهو خارج، ده جن مصور وهيقطع عرق ويسيح دمه بدل الوقفة اللي مش جايبة همها دي، سامحني يعني يا باشا، بس راجل زي رفعت ده ممكن حد يلمحني ويجري يقول له، فياخد احتياطه واللي بتدور عليه تختفي تمامًا.

أجابه حسين وهو يزن الاقتراح في عقله:

_ هفكر يا عصام وأرتبها وأقولك، بس المهم إنك متعملش حاجة من دماغك، واختفي تمامًا مش عاوز حد يلمحك، تمام؟

أنهى حسين المحادثة وراح يفكر في اقتراح عصام، وهمس لنفسه بوعيد:

_ شكلها مش هتيجي غير كدة، وماله لما نجرب ونخلي سنارة ينط على الشقة، مش يمكن القطة تجري تستخبى وتقع في حجري زي ما أنا عاوز؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • في قلب إبليس    الفصل السابع...

    أسرع أيمن في سيره وقد تملكه القلق؛ فقد استغرق في نومه طويلًا حتى فاتته المحاضرة الأولى، وهو يدرك جيدًا أن الوقت المتبقي على بدء المحاضرة الثانية لا يتجاوز العشر دقائق، وإن لم يدرك القاعة في الوقت المحدد، فلن يسمح له الدكتور بالحضور أبدًا. وقف أيمن أمام باب المدرج يلتقط أنفاسه اللاهثة، فلمح صديقه شادي يشير إليه من بعيد، فاعتدل في وقفته وسار باتجاهه قائلًا بنبرةٍ غلب عليها التعجب:_ أول مرة تحضر في ميعادك! إيه يا عم النشاط ده؟ قولي بقى وطمني.. حضرت المحاضرة الأولى؟أومأ شادي برأسه وأجاب بهدوء:_ أيوة حضرت المحاضرة وسجلتها لما لقيتك مجتش، عشان تعرف تذاكرها كويس، إنما أنت إيه اللي أخرك كدة؟تذمر أيمن بضيق وهو يتذكر ما فعلته شقيقته به، وقال:_ أختي لغت كل المنبهات اللي كنت عاملها، قال إيه مش عايزة تصحى بدري! خلتني أتعصب عليها رغم إنها الكبيرة، بس تعرف يا شادي؟ رغم إنها أختي بس دمها تقيل ورخمة، ودايمًا بقول ربنا يعين اللي هيتجوزها، دي هتجيب أجله بدري!ابتسم شادي في صمت؛ فصديقه قلما يتحدث عن شؤون أسرته، ثم انتبه لسؤال أيمن الذي لاحقه بنظرةٍ فاحصة، فنظر إليه شادي قائلًا:_ أنا منمتش من الأساس

  • في قلب إبليس    الفصل السادس...

    ترددت أصداء ضحكاتها الصافية في الأرجاء وهي تفر منه بخفة، تلتفت خلفها بين الحين والآخر لترميه بنظراتٍ ملؤها المرح والدلال، وصاحت به متحدية:_ مش هتعرف تمسكني أبدًا يا جلجل، عارف ليه؟ عشان أنتَ الظاهر عليك عجزت خلاص!انفجر جلال ضاحكًا، واندفع نحوها بقوةٍ مباغتة حتى قبض عليها، محيطًا جسدها بين ذراعيه بإحكام وهو يقول:_ بقى أنا عجزت يا نورا؟ طيب أنا بقى هوريكِ العجوز ده هيعمل فيكِ إيه.أحكم قبضته حول خصرها ثم أخذ يدور بها دوراتٍ متلاحقة، فتشبثت بملابسه وهي تطلق صرخاتٍ مازحة تمتزج فيها السعادة بالخوف من السقوط:_ خلاص يا جلجل وحياتي، أقولك، أنا اللي عجزت! بس كفاية تلف بيا هدوخ، وهشتكيك لبابا وأنتَ عارف بابا هيعمل فيك إيه، مش بعيد يعمل معاك الجلاشة!"توقف جلال عن الدوران فجأة، وسند جسدها المترنح وهو يحدق في وجهها بدهشةٍ مصطنعة، ثم حرر إحدى يديه ليرطمها بخفةٍ خلف رأسها، وراح يفرك أذنها معاتبًا:_ الجلاشة يا نورا؟ عرفتي كمان الجلاشة! أنا مش عارف مدارس إيه اللي بتروحيها وتخلي لسانك يقول كلام أنا مقدرش أقوله، أقولك، أنا اللي هعمل معاكِ الجلاشة عشان تحرمي تقولي الكلام ده تاني.حاولت نورا أن تملص

  • في قلب إبليس    الفصل الخامس

    فتح أيمن أمامها باب نور وسط الظلام ووجهها نحوه، لم تدرِ ياسمين لِمَ امتلكت كلماته قلبها وسكنته بهذه السرعة، فتـنـهـدت بصعوبة تخرج أنفاسها المحملة بالظلم والقهر والحزن الذي أصبح هو رفيقها الأوحد، وحاولت أن تتنفس هواءً نظيفًا لا تعبق به رائحة المخدرات وضباب أدخنة السجائر المغمسة بكل ما يُذهب عقل والدها، وأغمضت عينيها وانهمرت دموعها بضعف، ليلج شادي في تلك اللحظة ويحدق بهما بتساؤل، فأشار إليه صديقه بأن يلتزم الصمت، فوضع شادي أمامها الطعام والعصير وقال بصوتٍ مضطرب:_ اتفضلي عشان الدوخة اللي عندك تروح، وما تقلقيش من حاجة، وصدقيني لو احتجتِ لأي مساعدة هتلاقيني معاكِ.أومأت ياسمين وهي تبتسم لأول مرة، لتظهر غمازة وجنتها في مشهدٍ سحر لُب شادي، الذي حدق بها ببلاهة، فوكزه أيمن وسحبه من ساعده لخارج الغرفة، وهو يهمس له بأن يتركاها بمفردها لتتناول طعامها في هدوء ودون خوف....جلس حسين يتطلع إلى رفعت الذي غاب وعيه تحت تأثير "الهيروين"، فأخرج إحدى لفافاته وأشعلها، ثم مد يده بها إلى رفعت قائلًا بنبرة ودودة مصطنعة:_ خد يا رفعت، ظبط المزاج، أنا عاوزك تبقى رايق على الآخر، أهو بقدملك السبت عشان تعرف إني م

  • في قلب إبليس    الفصل الرابع

    سيطر على ياسمين دوارٌ قسـي، فقد تآمر عليها الجوع مع رهبة المرتفعات في آنٍ واحد، لدرجة أنها لم تلحظ في غمرة رعبها أن حسين قد ألقى سيجارته وعاد إلى الداخل، في تلك اللحظة الحرجة، أحست بانزلاق أصابعها عن الحلية التي كانت تتشبث بها كأنها تتشبث بالحياة ذاتها، فسحبت نفسًا عميقًا وتلت الشهادة بصوتٍ واهن، لتشهق فجأة بذعرٍ حين شعرت بأصابع قوية تقبض على جسدها بغتة.تسارعت ضربات قلبها كطبولٍ مجنونة، وفقدت أصابعها قدرتها على التمسك، فاستسلمت للأمر الحتمي وهي تهوي داخل تلك الظلمة التي ظنتها نهايتها المحتومة، ولم يمهلها فقدان الوعي وقتًا لتطلق حتى صرخة استغاثة واحدة، ولم ترَ تلك العيون التي جحظت برعب وهي تحدق في وجهها الشاحب الذي يحاكي وجوه الموتى، بزرقة شفتيها وبياض بشرتها.ارتمى جسدها الرخو فوق جسد شابٍ شعر بتجمد أوصاله فور ملامستها له، لِيُسارع بالاعتدال سريعًا وحملها بين ذراعيه، متوجهًا بها إلى داخل الغرفة حيث مددها فوق الأريكة، وأخذ ينادي بصوتٍ يملؤه الجزع:_ شادي! يا شادي.. إلحقني بسرعة!ولج شادي إلى الغرفة، ليصدمه مشهد الفتاة التي انحنى فوقها أيمن يحاول إفاقتها بلهفة، فانقبض قلبه بشدة وهو يقت

  • في قلب إبليس    الفصل الثالث

    اعتدل جلال في مقعده، وراح يحدق في يامن بنظراتٍ نافذة كعيني الصقر، وهو يفكر في ريبةٍ تنهش عقله: هل كانت مقابلته لهذا الشاب محض صدفةٍ بحتة؟ أم أنها كانت مدبرة بدقة ككل شيء صار يحيط بحياته مؤخرًا؟ ففي الآونة الأخيرة، تكاثرت تلك الصُّدف التي حاول الكثيرون استغلالها لاقتحام أسواره الحصينة التي شيدها بعناية ليبعد الجميع عنه. لقد أصبح في نظرهم كالبحر المظلم الغامض، يطمعون جميعًا في سبر أغواره ومعرفة ما يخبئه في أعماقه، خاصةً بعدما خسر والده جميع شركاته، وعاد هو ليقف من جديد وسط الميدان، كأن كل تلك الضربات المتلاحقة لم تنل من عزيمته ولم تكسر إرادته. حاول جلال جاهدًا طرد تلك الذكريات التي أخذت تتدافع بقوة لتحتل عقله وتزيد من ريبته، ثم ترك مقعده واتجه صوب يامن متسائلاً بنبرة هادئة: _ ما قولتليش يا يامن، إزاي واحد خريج هندسة حاسبات، وتبقى مش لاقي شغل لحد دلوقتي؟ يعني أنا أعرف إن بتوع الحاسبات دول مطلوبين دايمًا، طالما في كفاءة وخبرة ولباقة في الكلام زي اللي عندك. زفر يامن بضيقٍ مكتوم وهو يستحضر في ذهنه سلسلة خيباته المتتالية، ثم قال بصوتٍ يفيض بالخيبة والحزن: _ تقدر تقول عني إني انتقلت من خا

  • في قلب إبليس    الفصل الثاني

    سحبت ياسمين أنفاسًا عميقة تحاول تهدئة الاضطراب الذي يسيطر على أطرافها، لكنها انتفضت بذعر حين سمعت جلبة مفاجئة بالخارج، فحبست أنفاسها، ووضعت يدها المرتجفة فوق شفتيها كأنها تخشى أن يشي بها صوتُ نَفَسِها، ومدت عنقها خلسة من باب المطبخ لتستطلع الأمر.تجمدت الدماء في عروقها حين لمحت والدها يجلس وبرفقته "حسين"، رفيق درب السوء، فتراجعت إلى الداخل بسرعة، وقد شحب وجهها حتى صار بلون الورق، بينما راح قلبها يخفق برعبٍ شديد، وراحت تنعي حظها العاثر الذي أخرجها من أمان غرفتها، ملاذها الوحيد؛ فلا أحد من رفاق والدها يعلم بوجودها، وهي لا تنوي أبدًا كـسـر هذه القاعدة.جالت بعينيها في أرجاء المطبخ الضيق تبحث عن مخرج، لكنها أدركت بمرارة أن لا مفر، فلو تحركت الآن سيراها حتمًا ويقع المحظور، انهارت أرضًا بجانب البراد، تحاول الانكماش لتختبئ بعيدًا عن الأنظار، وما إن تسلل إلى مسامعها صوت خطوات تقترب من مكانها، حتى غطت عينيها بكفيها، وانتفض قلبها بين ضلوعها كطيرٍ ذبيح.توقفت الخطوات فجأة بالقرب من البراد، فأبعدت كفيها ببطء وحذر، ليقع بصرها على والدها، فاستندت إلى الحائط ووقفت بصعوبة، بينما شحب وجه والدها بصدمةٍ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status