تسجيل الدخولأسرع أيمن في سيره وقد تملكه القلق؛ فقد استغرق في نومه طويلًا حتى فاتته المحاضرة الأولى، وهو يدرك جيدًا أن الوقت المتبقي على بدء المحاضرة الثانية لا يتجاوز العشر دقائق، وإن لم يدرك القاعة في الوقت المحدد، فلن يسمح له الدكتور بالحضور أبدًا. وقف أيمن أمام باب المدرج يلتقط أنفاسه اللاهثة، فلمح صديقه شادي يشير إليه من بعيد، فاعتدل في وقفته وسار باتجاهه قائلًا بنبرةٍ غلب عليها التعجب:
_ أول مرة تحضر في ميعادك! إيه يا عم النشاط ده؟ قولي بقى وطمني.. حضرت المحاضرة الأولى؟ أومأ شادي برأسه وأجاب بهدوء: _ أيوة حضرت المحاضرة وسجلتها لما لقيتك مجتش، عشان تعرف تذاكرها كويس، إنما أنت إيه اللي أخرك كدة؟ تذمر أيمن بضيق وهو يتذكر ما فعلته شقيقته به، وقال: _ أختي لغت كل المنبهات اللي كنت عاملها، قال إيه مش عايزة تصحى بدري! خلتني أتعصب عليها رغم إنها الكبيرة، بس تعرف يا شادي؟ رغم إنها أختي بس دمها تقيل ورخمة، ودايمًا بقول ربنا يعين اللي هيتجوزها، دي هتجيب أجله بدري! ابتسم شادي في صمت؛ فصديقه قلما يتحدث عن شؤون أسرته، ثم انتبه لسؤال أيمن الذي لاحقه بنظرةٍ فاحصة، فنظر إليه شادي قائلًا: _ أنا منمتش من الأساس، كنت خايف لحد يطلع فوق وأنا نايم ويعرف بوجود ياسمين، ففضلت صاحي براقب العمارة من فوق. حدق به أيمن بدهشةٍ بالغة وقال: _ وأنتَ هتفضل على الحال ده كتير؟ أنا امبارح افتكرت كلامك اللي قلته عليها، وفهمت من نظراتك إن هي دي البنت اللي بتحبها، اللي شفتها كام مرة ومن ساعتها شغلت قلبك، بس يا صاحبي أحب ألفت نظرك إن ياسمين شكلها وراها حوار كبير، وكبير أوي كمان، وهي لسه صغيرة على اللي هي فيه ده، وما افتكرش إنها هتفكر في حب وكلام من ده في ظروفها، فحاول يا شادي إنك تشيلها من دماغك عشان أنا خايف عليك. زفر شادي بضيقٍ وأشاح بوجهه بعيدًا، ليقع بصره على زميلته "جرمين" وهي تقف على مقربةٍ منهما، فأعاد بصره إلى أيمن قائلًا بنبرةٍ يملؤها الشجن: _ مش بمزاجي إني حبيتها واتعلقت بيها، زي ما هو مش بمزاجي إني أشوف حال جرمين وأتفرج عليها وهي بتحبني وأنا مش حاسس بيها.. عارف يا أيمن؟ الدنيا دي غريبة، واحدة تحبني وأنا مش عايزها، واللي أحبها مش عوزاني ولا حتى شايفاني! ربت أيمن فوق كتف صديقه مواسيًا وأردف: _ عارف؟ اللي يشوف بلوة غيره تهون عليه بلوته، أهو أنا بحمد ربنا إن قلبي مدقش لأي واحدة، عشان مبقاش زيك كدة ولا زي جرمين؛ أحب وأتعذب بحبي ده. ابتسم شادي بسخريةٍ مريرة وأردف: _ بكرة تطب وتحب، وتلاقي نفسك غرقان في الحب من غير ما تحس يا صاحبي. ... لزمت ياسمين غرفتها منذ لحظة استيقاظها، غارقةً في هواجسها بعدما اكتشفت مغادرة والدها للمنزل؛ فقد تملكها رعبٌ شل أطرافها من مجرد فكرة تخطي عتبة باب الغرفة، خشية أن يتكرر ما حدث بالأمس، أو أن يفاجئها والدها بعودته وبصحبته "حسين"، ذلك الرجل الكريه الذي يسعى للنيل منها ويقتفي أثرها في كل مكان، تنهدت ياسمين بضيقٍ، لكنها انتفضت حين سمعت طرقاتٍ خفيفة على باب غرفتها، فأسرعت تختبئ أسفل فراشها بجسدٍ يرتجف، لياتيها صوت والدها يناديها بحذر. زحفت من مخبئها ووقفت أمامه بملامح شاحبة، فابتسم لها رفعت وقال بنبرةٍ حاول جعلها حانية: _ أنا نزلت الصبح وجبت لك أكل، عشان مسبكيش جعانة زي الأيام اللي فاتت. نظرت ياسمين إلى ما اشتراه والدها بصمتٍ، ليفاجئها بسؤاله المباغت: _ إلا يا ياسمين، أنتِ نزلتِ الدور اللي تحت امبارح إزاي؟ أغمضت ياسمين عينيها بقوةٍ هربًا من تلك الذكرى الرهيبة التي مرت بها وهي معلقة في الهواء تتأرجح بين الموت والحياة، ولكنها سرعان ما فتحتهما حين جذبتها رائحة الطعام المنبعثة من الأكياس، فحملتها عنه قائلة: _ هينفع أخرج من الأوضة النهاردة ولا أخليني فيها؟ أومأ رفعت برأسه وقال مطمئنًا إياها: _ لا، إحنا في أمان يومين، أصل حسين مسافر شغل، عشان كدة أول ما صحيت نزلت جبت كل الحاجات اللي بتحبيها، قلت أصالحك بيها على اللي عملته معاكِ امبارح. رسمت ياسمين ابتسامة واهية على شفتيها لا تصل إلى عينيها، وقالت: _ ولا يهمك يا بابا، بص، ارتاح حضرتك وأنا هروح أحضر كل حاجة. ربت رفعت على ظهرها بلطفٍ وأردف: _ طب ما تحضري لنا الفطار في البلكونة؟ ده الجو حلو النهاردة و.. قاطعته ياسمين وهي تضم الأكياس إلى صدرها بقوة، وراحت تهز رأسها يمينًا ويسارًا بذعرٍ شديد، ونظرت إليه بعينين زائغتين وقالت بصوتٍ متهدج: _ لا بالله عليك يا بابا، بلاش البلكونة، أنا مش حابة أقعد فيها خصوصًا بعد اللي مريت بيه امبارح، أنا الأحسن أفضل في الأوضة عشان أبقى حاسة بالأمان. زفر رفعت أنفاسه بحزنٍ وشعورٍ بالذنب، وقال: _ طيب خلاص بلاش البلكونة، أقولك اعملي اللي أنتِ عاوزاه وأنا هروح آخد علاجي، أحسن حاسس إني تعبان. لون الحزن وجهها وهي تراقب انسحاب والدها من غرفتها، ثم تتبعت خطواته بنظراتها نحو الردهة ومنها إلى المطبخ، حيث رأته يسحب ذلك المظروف اللعين ويخرج منه كمية من المسحوق الأبيض، يضعها فوق السطح البلوري ويستنشقها بلهفة، فخفضت رأسها بانكسارٍ مرير وهي تراه في هذا الوضع المخزي، وابتسمت لنفسها بتهكمٍ حارق وهي تهمس بصوتٍ خفيض حرصت على ألا يصله: _ البودرة السم دي بقت علاج دلوقتي؟ آه يا رب صبرني على اللي أنا فيه ده. ... وفي مكتبه، ظل حسين يُنصت إلى صوت عصام وهو يتلو عليه تقريره، يسرد له تفاصيل ما رصده منذ أن وطئت قدماه محيط البناية، فعقد حسين حاجبيه في تركيزٍ شديد وقال متسائلًا: _ يعني نزل لوحده الصبح؟ متأكد إنه كان لوحده ومخرجش قبله ولا بعده واحدة ست؟ أجابه عصام بنبرةٍ واثقة تؤكد كلماته: _ لا يا باشا، هو كان لوحده تمامًا، ومنزلش لا قبله ولا بعده حد، وراح على السوبر ماركت واشترى حاجات كتيرة؛ ده اشترى كرتونة شيبس يا باشا ومعلبات أكل وعصاير، زي ما يكون طالع رحلة أو جايب خزين الشهر كله! اعتدل حسين في مقعده، وراحت أفكاره تتضارب وهو يردد قول عصام بذهولٍ مكتوم: _ معلبات وكرتونة شيبس وعصاير؟ أنتَ متأكد يا عصام؟ رد عصام وعيناه لا تغفلان عن مراقبة مدخل البناية باهتمامٍ وحذر: _ أيوة يا باشا، ده حتى صاحب السوبر ماركت بعت الصبي بتاعه يوصل له الحاجة من كترها، وأنا لقطت الواد وهو خارج واديته قرشين قلت يمكن أطلع منه بكلمة، لكن الواد ابن الجنية طلع حويط، وقالي إن رفعت قاعد لوحده وإنه دايمًا بيشتري الشيبس عشان بيوفر عليه وقفة المطبخ، بس الكلام ده مدخلش دماغي، وقلت لازم أبلغك. شرد حسين قليلًا ثم زفر بضيقٍ وقال: _ ماشي يا عصام، خليك زي ما أنتَ، راقب لي المكان ومش عاوز عينك تغفل عن العمارة ولا اللي داخل ولا اللي طالع، فاهم؟ أتاه صوت عصام يقترح بلهجةٍ خبيثة: _ بقولك إيه يا باشا، ما تخليني أريحك من الحوار ده؟ أجيب لك الواد 'سنارة' ينط على الشقة ويقلبها ويجيب لك قرار المستخبي، أصل الواد ده عفريت ومحدش بيعرف يشوفه لا وهو داخل ولا وهو خارج، ده جن مصور وهيقطع عرق ويسيح دمه بدل الوقفة اللي مش جايبة همها دي، سامحني يعني يا باشا، بس راجل زي رفعت ده ممكن حد يلمحني ويجري يقول له، فياخد احتياطه واللي بتدور عليه تختفي تمامًا. أجابه حسين وهو يزن الاقتراح في عقله: _ هفكر يا عصام وأرتبها وأقولك، بس المهم إنك متعملش حاجة من دماغك، واختفي تمامًا مش عاوز حد يلمحك، تمام؟ أنهى حسين المحادثة وراح يفكر في اقتراح عصام، وهمس لنفسه بوعيد: _ شكلها مش هتيجي غير كدة، وماله لما نجرب ونخلي سنارة ينط على الشقة، مش يمكن القطة تجري تستخبى وتقع في حجري زي ما أنا عاوز؟الثاني والثمانون...استرجعت ياسمين تلك اللحظات العصيبة، حين وقفت أمام البناية التي كانت تقطن بها، لتفاجأ بسيارة دفع رباعي تتوقف بحدة أمامها، ويندفع منها عدد من الرجال الأشداء الذين اختطفوها في ثوانٍ معدودة، شعرت ياسمين حينها ببرودة تسري في جسدها؛ فقد ظنت أنها سقطت أخيراً في فخ "حسين الدياش"، فاستسلمت لقدرها وجلست في السيارة بهدوء غريب أثار تعجب الخاطفين المحيطين بها، بعد بضع دقائق تحدث أحدهم في الهاتف، فسمعته ياسمين وقد جذب انتباهها طاعته ومهادنته لمحدثه: _ اطمني يا هانم هي معانا.. لحقناها قبل ما تدخل.صمت الرجل ليستمع للطرف الآخر، ثم أردف بعد دقيقة:_ لا يا فندم محدش ماشي ورانا اطمني، كلها ساعة وهنكون عند حضرتك.سيطرت الحيرة والفضول على ياسمين؛ من تكون تلك المرأة؟ هل هي والدتها التي أرسلت هؤلاء الرجال لإنقاذها؟ لكن صدمتها كانت عنيفة حين وصلت لتجد في استقبالها امرأة غريبة تماماً عنها، ملامحها حادة ونظراتها ثاقبة، سحبتها تلك المرأة من يدها وولجت بها إلى إحدى الغرف، وقالت وهي تشير لها بالجلوس بلهجة آمرة:_ بقى في حد عاقل يغلط غلطتك دي ويرجع للنار برجليه؟ عموماً كويس إنك معايا دلوقتي ع
وصلت أشواق إلى مدينة الأقصر، وكان التوتر ينهش أعصابها، والخوف من رفض ياسمين لها يطاردها كظلّ لا يفارقها. شعر طايع بارتجاف جسدها، فضمها إليه بقوة محاولاً بث الطمأنينة في قلبها وقال بنبرة حانية:_ اهدي يا أشواق واطمني، بنتك عمرها ما هترفض وجودك. والـلي حصل آخر مرة لما شافتك فيها كان دليل إن عندها النية تفتح صفحة جديدة معاكِ، صدقيني أنا حاسس إن الأيام الجاية دي هتتصلح فيها كل حاجة يا حبيبتي، وبعدين متخافيش، أنا جنبك ومعاكي ومش هسيبك أبداً.سكنت أشواق داخل صدر طايع، تشعر بهدوء نسبي يتسلل إلى أعماقها، وتنهدت بعمق وهي تراقب معالم الطريق، وما إن توقف سائق السيارة أمام المنزل الذي تقطن به ابنتها، حتى سارعت بالخروج بلهفة ممزوجة بالرعب، بينما اندفع "مجد" من خلفها يهرول باتجاه الباب، ليطرق عليه بضربات طفولية متلاحقة ومبتهجة.في الداخل، كان جلال يتابع ياسمين وهي تحل بعض المسائل التي أعطاها لها، متجاهلاً تذمرها اللطيف وطلبها المتكرر لفترة راحة، وحين سمع صوت الطرقات، اتجه إلى الباب ليفتحه، ليفاجأ بذلك الصبي الصغير الذي اقتحم المكان بحماس، ثم وقع بصره على تلك المرأة التي كانت تتشبث بذراع رجل غريب لم
تجمدت نظرات ياسمين أمام ذلك القرب الطاغي الذي فرضه جلال، وشعرت بجدران المطبخ تضيق عليها، بينما تسللت أنفاسه لتداعب خصلات شعرها المتمردة، فخفق قلبها بشدة بين أضلعها كعصفور سجين، إلا أن غصة الماضي كانت لا تزال عالقة في حنجرتها كقطعة من الزجاج المكسور، تحول دون أن ينفذ صوته الدافئ إلى أعماقها، فتراجعت خطوة إلى الوراء، ودفعت صدره برفق بيدين مرتجفتين وهي تهز رأسها يميناً ويساراً كأنها تطرد حلماً جميلاً تخشى الاستيقاظ منه على واقع مرير، وقالت بصوت مخنوق تغلبه العبرات: _ وحشتك إزاي يا جلال؟ وحشتك وأنا اللي كنت عبء تقيل عليك؟ أنا مش قادرة أنسى كلام رقية ليا، ولا قادرة أمحي من دماغي وهي واقفة قصادي بتبص في عيني بكل ثقة وجبروت وبتقول لي إن وجودي في حياتك هو أكبر ضرر ليك، وأكدت لي إنك مش متمسك بيا حباً فيا، لأ دي قالت إنك متمسك بيا شفقة، مجرد شفقة على واحدة وحيدة ملهاش حد في الدنيا غيرك، وخايف لو سبتها تضيع. ابتعدت عنه بضع خطوات، محاولةً خلق مسافة أمان تحميها من تأثيره، ومسحت دمعة فرت رغماً عنها بطرف كفها، ثم تابعت بمرارة تقطر من كل حرف: _ قالت لي إني حمل تقيل عليك بسبب أدمان بابا وانتحاري، و
توقف جلال فجأة عن الاسترسال، وشحب لونه حين أدرك أنه يقف على حافة الهاوية؛ فلو أكمل القصة وقص عليها تفاصيل تعنت والدها وما جرى خلف الكواليس، ستنكشف خيوط الماضي، وستعلم ياسمين يقيناً ما حدث بينه وبين رقية، وستدرك دوره في تلك المأساة، وحتماً ستوجه إليه أصابع الاتهام بالجرم والخيانة. نظر إليها بارتباك واضح، ليرى تلك الابتسامة وهي تتلاشى عن شفتيها، وتنطفئ جذوة السعادة في عينيها لتحل محلها صدمة مروعة.تهالكت ياسمين فوق المقعد أمام ذهوله، وانفجرت في بكاء مرير وهي تتخيل حجم الظلم الذي وقع على قلبين لم يتمنيا سوى الحلال، وقالت بصوت يملؤه الرفض والاستنكار: _ والله حرام اللي حصل دا! طيب ليه يرفض أيمن وهو إنسان كويس أوي وبيحبها؟ ليه يحرمها من الإنسان اللي بتحبه؟ وهي.. هي إزاي وافقت تتجوز واحد غيره؟ أنا.. أنا مش فاهمة!أمام صمت جلال المطبق وشروده الذي بدا كأنه يغرق في بحر من تأنيب الضمير، بدأت ياسمين في نسج خيوط جملته التي بترها، ووجهت إليه تساؤلاتها كأنها سهام تخترق صمته: _ طيب أنت محاولتش تعرف عمك رفض أيمن ليه؟ محاولتش تقنعه إنه يغير رأيه؟ ليه سيبته يا جلال يجوز فجر من واحد تاني؟ ليه خليته يك
صرخة جعلته ينتفض فوق فراشه من فرط الرعب، ثم رأى الحقنة تطير في الهواء بعد أن قذفتها بقوة نحو الحائط لتتحطم ويتناثر سائلها القاتل فوق الأرض. التفتت إليه وعيناها تفيضان بمرارة السنين، وقالت بنبرة ممزوجة بالقهر والوعيد: _ أنا لو شيطان يا حسين فدا لأنك أنت وممدوح اللي وصلتوني للي أنا فيه دا! أنت وممدوح اللي طمعتوا في الكيلاني وفي فلوسه وضربتوه وغدرتوا بيه وقتلتوه زي ما قتلتوا نور الدين وولاده، وزي ما غدرتم بياسمين وأشواق واستخسرتوا إني أعيش حياتي.. حرمتوني منه ومن قبله حرمتوني من ابني لما ولعتم بيا المخزن!توقفت للحظة وكأنها تستعيد وهج النيران وصور الدخان، ثم تابعت بصوت مخنوق: _ ابني اللي كنت حامل فيه، والدخان والحريقة والرعب اللي عشته خلاه يموت في بطني وأتسبب إني أشيل الرحم علشان ممتش! كل دا عملتوه ومش عاوزني أكون شيطان؟ دا أنا لو أطول أكون إبليس نفسه هكون وانتقم منكم وأعيد انتقامي مرة واتنين وعشرة ومية، لحد ما أشفي غليلي منكم وآخد حق كل واحد ضربتوه في ضهره، وعلى فكرة يا حسين، اللي أنا عملته فيك دا ولا حاجة، دا لسه كتير وبكرة تشوف بعنيك باقي انتقامي منك ومن ممدوح وابنه هيبقى إزاي!استم
سرقت أصوات محرك سيارة طايع التي لاحت في الأفق "أشواق" من دوامة ذكرياتها المريرة، فانتفضت تستعيد رباطة جأشها، والتفتت إلى صغيرها "مجد" الذي كان يلح عليها بجذب يدها لفت انتباهها، فقالت بصوت يحاول استجماع القوة: _ أهو بابا جه يا مجد، بقولك إيه، تعالى معايا نتمم على البيت ونشوف كل حاجة متظبطة وفي مكانها قبل ما نمشي.أوقف طايع سيارته وترجل منها متجهاً نحو مدخل المنزل، وحين وقعت عيناه على الحقائب المصطفة، تجمدت نظراته عليها وهو يحاول استرجاع تفاصيل اتفاقه الأخير مع "نجلا" بشأن السفر إلى الأقصر، فزم شفتيه بضيق وارتمى بتعب وإنهاك فوق أحد المقاعد، ليهرع إليه مجد ويحتضنه بلهفة طفل طال انتظاره قائلاً: _ اتأخرت أوي يا بابا، وأنت عارف إن ميعاد الطيارة بدري!تجنب طايع تلاقي نظراته مع عيني نجلا، التي لمحت على الفور تجهم وجه زوجها وارتباكه، فزفرت بحدة وقد بدأ الشك يقيناً في صدرها، وقالت بنبرة حادة: _ متقولش إنك نسيت تحجز يا طايع!أومأ طايع برأسه في خجل وانكسار، ورد بصوت خفيض: _ أنا نسيت خالص يا نجلا، بس والله غصب عني، الشغل كان كتير وراح عن تفكيري إني أحجز الطيارة والفندق، بس أقولك، أنا هحاول أحل
في مدينة العريش، حيث تمتزج رائحة البحر بعبق الهدوء القلق، كانت نجلا قد انتهت من لملمة شتات حياتها في حقائب سفر اصطفت بانتظام جوار باب المنزل، وكأنها تعلن التمرد على الانتظار. التفتت نحو صغيرها "مجد"، الذي كان غارقاً في عالمه الخاص، يداعب هاتفه بابتسامة تطل من بين شفتيه حيناً وتختفي حيناً آخر، فاقتر
في قلب الفيوم، حيث يسكن السكون الثقيل الذي لا يقطعه سوى أنين الرياح الخافت، كانت فجر تخوض معركة ضارية مع الأرق، تتلوى فوق فراشها وتحاول جاهدة أن تسرق من الزمن غفوة واحدة تريح عقلها المنهك، لكن محاولاتها كانت تبوء بالفشل الذريع أمام ذلك الضجيج المزعج المنبعث من زوجها الغارق في نومه، فصوت غطيطه لم يك
رمقته مديحة بنظرة غلبت عليها عاطفة الأمومة والتفهم؛ فهي تدرك يقيناً أن هذا الرجل يحب ياسمين بصدقٍ يحرق جوارحه، لكنها كانت قد عقدت العزم على منح ياسمين فرصتها الكاملة لتولد من جديد بعيداً عن قيود الماضي، فهزت رأسها ببطء وقالت لتؤكد موقفها بحزم:_ قلت لك يا جلال، مش هقدر أقولك مكان ياسمين إلا لما تخل
شحب وجه رفعت تماماً وكأن دماءه هربت من عروقه بمجرد سماع هذا الاسم؛ فاتسعت ابتسامة مديحة وهي ترى أثر الرعب المطبوع على ملامحه، وأضافت بسخرية لاذعة:_ مالك خوفت كدة ليه؟ أوعى تكون فاكرني أنا حبيب؟انفجرت مديحة ضاحكة بمرارة وسخرية، ثم بترت ضحكتها فجأة ومالت بجسدها للأمام، محدقة في وجه رفعت بعينين جليد







