LOGIN
تسللت كعادتها بعدما أحكمت نقابها وأمنت مخارجها، غادرت البناية بخطى وجلة، وعيناها تمسحان المدى يمينًا ويسارًا في ترقب محموم. سارت وهي تهمس بدعوات خافتة أن تمر هذه الساعات على خير، غير أن الطريق كان طويلًا فاستبد بها الإعياء؛ توقفت على جانب الطريق لتلتقط أنفاسها، وضغطت فوق صدرها تحاول تهدئة ضربات قلبها المذعور، ذلك الذي أخذ ينبض بقوة أذابت ثباتها، فشعرت به سيغادر أضلعها هربًا من ثقل اللحظة. لمحت طيف شخص يقترب، فتملكها الفزع واستأنفت سيرها بآلية، والالتفات لا يفارقها، حتى دلفت أخيرًا إلى ذلك المبنى المهجور.
هناك، شلت حركتها صرخة مكتومة حين استوقفها أحدهم، وقد ارتمت على وجهه ملامح شريرة وقاسية. تسارعت أنفاسها وهي تحدق به في رعب، ومدت يدها المرتعشة إليه بالمال، ثم ازدردت لعابها وهمست بصوت محشرج مبحوح: _ عــ... عاوزة تذكرة لو سمحت. تطلع إليها بريبة وقد عقد حاجبيه في وجومٍ أوحى برغبته في الفتك بها، فسارعت برفع النقاب عن وجهها لتكشف له هويتها، وأطلقت صراح أنفاسها وهي تضيف بلهفة: _أنا.. أنا من طرف الأستاذ رفعت. ما إن وقع الاسم على مسامعه حتى استرخى، ومد يده إلى جيبه مخرجًا مظروفًا أعطاه إياها، بينما كانت عيناه تلاحق ملامحها بنظرات نهمة، ثم قال وهو يميل نحوها بجرأة خبيثة: _لولا لحقتي نفسك وقولتِ أنتِ تبع مين، كان زمانك دلوقتي بيستلم عليكِ بطريقتنا، عمومًا اتفضلي التذكرة، بس لو حابة تاخدي زيادة كله بتمنه، وأنا جاهز أديلك اللي أنتِ عوزاه لو لينتي دماغك شوية معايا، وصدقيني هبسطك وأروقك، ويمكن أديلك تذكرتين بدل واحدة، ها إيه رأيك يا جميل؟ تراجعت بذعر وهي تهز رأسها برفض قاطع، وأعادت نقابها لتخفي وجهها، ثم اختطفت المظروف من يده واستدارت تهرول مبتعدة. أخذت تعدو دون توقف، يطاردها شعور مرير بأن خطاه تتبعها، فأحست بدنو أجلها خوفًا، وانهمرت دموعها حزنًا على ما آلت إليه حياتها. واصلت الركض حتى وصلت إلى بنايتها، فصعدت الدرج لاهثة دون توقف، مهملة المصعد تمامًا وكأن النجاة لا تكون إلا بالجهد الشاق. كان يتقلب في مكانه بلا استقرار، لا هو بالنائم ولا بالمستيقظ، فالحرارة تنهش جسده وأنفاسه تخرج ممزقة بصعوبة، كأنه عاجز عن ملء صدره بهواء نقي. شعر بروح تتهشم كقطع الزجاج التي تجرحه من الداخل، فرفع يده ليضغط بقوة فوق أنفه الذي استعر حاجةً لمخدره، ثم أخذ يضرب رأسه بحافة الأريكة في محاولة بائسة لتسكين أوجاعه. فتح عينيه بصعوبة وتلفت حوله، فأدرك أنها عادت؛ فالشرفة أُغلقت، والستائر أُسدلت، والأنوار أُطفئت إلا من مصباح صغير بجواره، فوقع بصرُه على ذلك المغلف القابع فوق المنضدة، فاتسعت عيناه واضطربت أنفاسه، ومد أصابعه المرتجفة بلهفة محمومة، كان المغلف كبيرًا، فأدرك أن الكمية هذه المرة وفيرة. نهض بجهد وترك أريكته متوجهًا نحو الخزانة، والتقط "قشته" المفضلة التي لفها من ورقة المائة دولار، وأحضر قطعة الزجاج البلورية المسطحة، ثم عاد بخطوات مترنحة ليجلس مكانه، وسكب المسحوق فوق الزجاج، وبسكين صغيرة بدأ يقسم المادة إلى ثلاثة صفوف، ثم انحنى برأسه وثبت القشة في أنفه، ضاغطًا بإصبعه على الفتحة الأخرى واستنشق المادة بعمق، ورفع رأسه وسحب الهواء عدة مرات ليتأكد من تغلغل المخدر في عروقه، ثم استند برأسه إلى الخلف وأغمض عينيه وهو يشعر بنشوة بطيئة تغمره. لم يدرِ كم مر من الوقت حتى انتفض فجأة، ونظر إلى سطح الزجاج ليرى بقية مادتِهِ كما هي، فتنفس الصعداء بارتياح ونهض بجسد متهالك، يتسند إلى الحائط حتى وصل إلى غرفتها، وفتح الباب ووقف يراقبها وهي جالسة كعادتها فوق مقعدها بجانب النافذة، فدخل وارتمى فوق حافة فراشها بإنهاك، يحدق فيها وهو يشعر أن في ملامحها شيئًا غريبًا. أحست بنظراته التي تلاحقها، فأغمضت عينيها بألم؛ فهي لا تحتمل رؤيته في هذه الحالة من غياب الوعي، وحين فتحت عينيها فرأته قد تمدد تمامًا وغرق في عالمه الخاص، فتركت مقعدها واقتربت منه، وسحبت الدثار وغطته بعناية، ثم عادت لمكانها تنظر إلى وجه والدها النائم. فرت دمعة من عينيها بعدما فشلت في حبسها، وقالت بصوت مكسور: _يا ريتك كنت بتحبني ربع حبك للسم ده، أنت ذليت نفسك وذليتني معاك. تنهدت بمرارة وأكملت: _إمتى هشوفك بابا اللي بجد؟ مش مجرد خيال إنسان ضايع. وعلى جانبٍ آخر من المدينة، انطلق جلال من بنايته يركض بهياج، كان يعدو ويسرع في خطاه كمن يطارد سرابًا أو يود لو يدرك شيئًا فاته أوانه. استنزف قواه في ذلك الركض المحموم، يحث قدميه على الصمود بينما شعر برئتيه كأنهما تشتعلان بداخله. توقف فجأة يلتقط أنفاسه بصعوبة، وقد أحس بتمزق حاد في صدره، فمال بجذعه إلى الأسفل وأسند كفيه إلى ركبتيه، محاولًا تهدئة ضربات قلبه المنتفضة التي كادت تخلع أضلعه. تطلع حوله بنظرات تائهة إلى المارة، وفجأة، اخترق سكونه صرير عجلات سيارةٍ عالٍ وحاد، جعله ينتفض بقوة. ترنح في مكانه حتى خُيل إليه أنه فقد اتزانه تمامًا، فأسرع أحد الغرباء إليه ومد يده يسنده قبل أن يهوي. حدق جلال في وجه الرجل لكنه لم يره، لم يكن يرى أيًا من المارة ولا يسمع ضجيج الشارع، لم يكن يتردد في أذنه سوى ذلك الصرير اللعين. في تلك اللحظة، اقتحمت صورتها حالة اللاوعي التي سيطرت عليه؛ كانت تجلس بجانبه في السيارة، تضحك ببراءة وعفوية على دعابة ألقاها شقيقها الصغير، وفجأة، انقطع الضحك ليحل محله صراخها المرعوب: _ حاسب يا أبيه! أعاد عينيه إلى الطريق أمام مخيلته، حاول بكل قوته أن يضغط فوق مكابح السيارة، ولكنها خذلته ولم تستجب، وفي ثوانٍ معدودة، صدمت سيارته تلك الحافلة المسرعة لتنقلب بهم وتتحطم أحلامهم تحت عجلاتها، فأغمض عينيه وهو يشعر بالدنيا تدور به مع انقلاب السيارة مرارًا، قبل أن يصمت كل شيء فجأة. لا يدري كم لبث فاقدًا للوعي، لكنه كان على يقين أن الألم المبرح الذي تمكن منه هو الذي أعاده إلى قيد الحياة، والتفت بجانبه برعب، فرأى شقيقته الصغيرة مغمضة العينين، وقد تناثر زجاج النافذة ليمزق بشرتها الرقيقة التي كانت تنزف بغزارة، فتيبس بمكانه وهو يحدق في عنقها الذي استقرت فيه قطعة زجاج سميكة مزقت شريانها، وحين حاول الالتفات للخلف ليتحقق من شقيقه، لمحه جثة هامدة فوق المقعد، وقد اخترقت صدره قطعة معدنية لا يعلم مصدرها، فبدأت الرؤية تغيم به مرة أخرى، وقلبه يرتجف ببرودة رهيبة، بينما تلاشت الأصوات والصور من حوله. أعاده صوت الشاب إلى واقعه المرير، وهو يسأله بقلق بالغ: _يا أستاذ ممكن تكلمني؟ حضرتك حاسس بإيه؟ طيب ممكن تيجي معايا على جنب بعيد عن طريق العربيات وأنا هطلب الإسعاف، أنت سامعني؟ اعتدل جلال ووقف منتصبًا وهو يستند بساعده فوق يد الشاب، سحب نفسًا عميقًا وهز رأسه بعنف ليطرد تلك الكوابيس، ثم نظر إلى الغريب بامتنان وقال محاولًا طمأنته: _ اطمن أنا بخير، شكرًا ليك، ما تقلقش أنا كويس، تقدر تسيبني دلوقتي، بيتي قريب جدًا من هنا. ربت الشاب فوق كتفه بعدما لاحظ أن لون بشرته بدأ يعود لطبيعته، وقال: _ طيب تحب أوصلك لحد البيت؟ على فكرة أنا فاضي ومش ورايا أي حاجة، وأهو على الأقل أطمن إنك وصلت بالسلامة، بصراحة أنت وقعت قلبي لما شوفتك واقف في نص الطريق والعربية جاية عليك، وكنت زي ما تكون مش موجود في الدنيا خالص، الحمد لله إنك بخير. ابتسم له جلال في انكسار، وأومأ برأسه موافقًا، وسار بجانبه ليبدأ بينهما حديث تعارفٍ هادئ، محاولًا الهروب من أصوات الماضي التي لا تزال تصرخ في أعماقه. حلمٌ آخر يطاردها، يأتيها فيه بذلك الوجه الشاحب المريض، وابتسامته التي تمقتها وتشعل في روحها نفورًا لا تطيقه، بكت ياسمين في منامها كما اعتادت كلما رأته يهاجمها، ثم استيقظت فجأة وأنفاسها تتلاحق بجنون، تشعر بتخبطٍ مريع وكأنها تسقط من فوق جرفٍ شاهق لا قرار له، فالتفتت برأسها بذعر نحو فراشها، تبحث عن والدها، لكن الفراش كان خاليًا ولم يعد له أثر في الغرفة. نهضت بصعوبة، تدعم جسدها المتهالك مستندةً إلى حافة المقعد حتى تلاشت غشاوة الدوار عن عينيها؛ حينها فقط تذكرت أنها لم تذق طعامًا منذ يومين، فغادرت الغرفة تبحث عنه في الأرجاء، لكنها لم تجده، فتنهدت بيأس وسلكت طريقها نحو المطبخ، فتحت البراد بآمالٍ خاملة، فلم تجد فيه ما يسد رمقها أو يهدئ ثورة جوعها، فأغمضت عينيها بمرارة، وشعرت بدموعها تحرق مقلتيها، لكنها تماسكـت بقوة لتمنعها من الهطول؛ فهي تدرك تمامًا أنها إن استسلمت للبكاء الآن، فلن تتوقف أبدًا.أسرع أيمن في سيره وقد تملكه القلق؛ فقد استغرق في نومه طويلًا حتى فاتته المحاضرة الأولى، وهو يدرك جيدًا أن الوقت المتبقي على بدء المحاضرة الثانية لا يتجاوز العشر دقائق، وإن لم يدرك القاعة في الوقت المحدد، فلن يسمح له الدكتور بالحضور أبدًا. وقف أيمن أمام باب المدرج يلتقط أنفاسه اللاهثة، فلمح صديقه شادي يشير إليه من بعيد، فاعتدل في وقفته وسار باتجاهه قائلًا بنبرةٍ غلب عليها التعجب:_ أول مرة تحضر في ميعادك! إيه يا عم النشاط ده؟ قولي بقى وطمني.. حضرت المحاضرة الأولى؟أومأ شادي برأسه وأجاب بهدوء:_ أيوة حضرت المحاضرة وسجلتها لما لقيتك مجتش، عشان تعرف تذاكرها كويس، إنما أنت إيه اللي أخرك كدة؟تذمر أيمن بضيق وهو يتذكر ما فعلته شقيقته به، وقال:_ أختي لغت كل المنبهات اللي كنت عاملها، قال إيه مش عايزة تصحى بدري! خلتني أتعصب عليها رغم إنها الكبيرة، بس تعرف يا شادي؟ رغم إنها أختي بس دمها تقيل ورخمة، ودايمًا بقول ربنا يعين اللي هيتجوزها، دي هتجيب أجله بدري!ابتسم شادي في صمت؛ فصديقه قلما يتحدث عن شؤون أسرته، ثم انتبه لسؤال أيمن الذي لاحقه بنظرةٍ فاحصة، فنظر إليه شادي قائلًا:_ أنا منمتش من الأساس
ترددت أصداء ضحكاتها الصافية في الأرجاء وهي تفر منه بخفة، تلتفت خلفها بين الحين والآخر لترميه بنظراتٍ ملؤها المرح والدلال، وصاحت به متحدية:_ مش هتعرف تمسكني أبدًا يا جلجل، عارف ليه؟ عشان أنتَ الظاهر عليك عجزت خلاص!انفجر جلال ضاحكًا، واندفع نحوها بقوةٍ مباغتة حتى قبض عليها، محيطًا جسدها بين ذراعيه بإحكام وهو يقول:_ بقى أنا عجزت يا نورا؟ طيب أنا بقى هوريكِ العجوز ده هيعمل فيكِ إيه.أحكم قبضته حول خصرها ثم أخذ يدور بها دوراتٍ متلاحقة، فتشبثت بملابسه وهي تطلق صرخاتٍ مازحة تمتزج فيها السعادة بالخوف من السقوط:_ خلاص يا جلجل وحياتي، أقولك، أنا اللي عجزت! بس كفاية تلف بيا هدوخ، وهشتكيك لبابا وأنتَ عارف بابا هيعمل فيك إيه، مش بعيد يعمل معاك الجلاشة!"توقف جلال عن الدوران فجأة، وسند جسدها المترنح وهو يحدق في وجهها بدهشةٍ مصطنعة، ثم حرر إحدى يديه ليرطمها بخفةٍ خلف رأسها، وراح يفرك أذنها معاتبًا:_ الجلاشة يا نورا؟ عرفتي كمان الجلاشة! أنا مش عارف مدارس إيه اللي بتروحيها وتخلي لسانك يقول كلام أنا مقدرش أقوله، أقولك، أنا اللي هعمل معاكِ الجلاشة عشان تحرمي تقولي الكلام ده تاني.حاولت نورا أن تملص
فتح أيمن أمامها باب نور وسط الظلام ووجهها نحوه، لم تدرِ ياسمين لِمَ امتلكت كلماته قلبها وسكنته بهذه السرعة، فتـنـهـدت بصعوبة تخرج أنفاسها المحملة بالظلم والقهر والحزن الذي أصبح هو رفيقها الأوحد، وحاولت أن تتنفس هواءً نظيفًا لا تعبق به رائحة المخدرات وضباب أدخنة السجائر المغمسة بكل ما يُذهب عقل والدها، وأغمضت عينيها وانهمرت دموعها بضعف، ليلج شادي في تلك اللحظة ويحدق بهما بتساؤل، فأشار إليه صديقه بأن يلتزم الصمت، فوضع شادي أمامها الطعام والعصير وقال بصوتٍ مضطرب:_ اتفضلي عشان الدوخة اللي عندك تروح، وما تقلقيش من حاجة، وصدقيني لو احتجتِ لأي مساعدة هتلاقيني معاكِ.أومأت ياسمين وهي تبتسم لأول مرة، لتظهر غمازة وجنتها في مشهدٍ سحر لُب شادي، الذي حدق بها ببلاهة، فوكزه أيمن وسحبه من ساعده لخارج الغرفة، وهو يهمس له بأن يتركاها بمفردها لتتناول طعامها في هدوء ودون خوف....جلس حسين يتطلع إلى رفعت الذي غاب وعيه تحت تأثير "الهيروين"، فأخرج إحدى لفافاته وأشعلها، ثم مد يده بها إلى رفعت قائلًا بنبرة ودودة مصطنعة:_ خد يا رفعت، ظبط المزاج، أنا عاوزك تبقى رايق على الآخر، أهو بقدملك السبت عشان تعرف إني م
سيطر على ياسمين دوارٌ قسـي، فقد تآمر عليها الجوع مع رهبة المرتفعات في آنٍ واحد، لدرجة أنها لم تلحظ في غمرة رعبها أن حسين قد ألقى سيجارته وعاد إلى الداخل، في تلك اللحظة الحرجة، أحست بانزلاق أصابعها عن الحلية التي كانت تتشبث بها كأنها تتشبث بالحياة ذاتها، فسحبت نفسًا عميقًا وتلت الشهادة بصوتٍ واهن، لتشهق فجأة بذعرٍ حين شعرت بأصابع قوية تقبض على جسدها بغتة.تسارعت ضربات قلبها كطبولٍ مجنونة، وفقدت أصابعها قدرتها على التمسك، فاستسلمت للأمر الحتمي وهي تهوي داخل تلك الظلمة التي ظنتها نهايتها المحتومة، ولم يمهلها فقدان الوعي وقتًا لتطلق حتى صرخة استغاثة واحدة، ولم ترَ تلك العيون التي جحظت برعب وهي تحدق في وجهها الشاحب الذي يحاكي وجوه الموتى، بزرقة شفتيها وبياض بشرتها.ارتمى جسدها الرخو فوق جسد شابٍ شعر بتجمد أوصاله فور ملامستها له، لِيُسارع بالاعتدال سريعًا وحملها بين ذراعيه، متوجهًا بها إلى داخل الغرفة حيث مددها فوق الأريكة، وأخذ ينادي بصوتٍ يملؤه الجزع:_ شادي! يا شادي.. إلحقني بسرعة!ولج شادي إلى الغرفة، ليصدمه مشهد الفتاة التي انحنى فوقها أيمن يحاول إفاقتها بلهفة، فانقبض قلبه بشدة وهو يقت
اعتدل جلال في مقعده، وراح يحدق في يامن بنظراتٍ نافذة كعيني الصقر، وهو يفكر في ريبةٍ تنهش عقله: هل كانت مقابلته لهذا الشاب محض صدفةٍ بحتة؟ أم أنها كانت مدبرة بدقة ككل شيء صار يحيط بحياته مؤخرًا؟ ففي الآونة الأخيرة، تكاثرت تلك الصُّدف التي حاول الكثيرون استغلالها لاقتحام أسواره الحصينة التي شيدها بعناية ليبعد الجميع عنه. لقد أصبح في نظرهم كالبحر المظلم الغامض، يطمعون جميعًا في سبر أغواره ومعرفة ما يخبئه في أعماقه، خاصةً بعدما خسر والده جميع شركاته، وعاد هو ليقف من جديد وسط الميدان، كأن كل تلك الضربات المتلاحقة لم تنل من عزيمته ولم تكسر إرادته. حاول جلال جاهدًا طرد تلك الذكريات التي أخذت تتدافع بقوة لتحتل عقله وتزيد من ريبته، ثم ترك مقعده واتجه صوب يامن متسائلاً بنبرة هادئة: _ ما قولتليش يا يامن، إزاي واحد خريج هندسة حاسبات، وتبقى مش لاقي شغل لحد دلوقتي؟ يعني أنا أعرف إن بتوع الحاسبات دول مطلوبين دايمًا، طالما في كفاءة وخبرة ولباقة في الكلام زي اللي عندك. زفر يامن بضيقٍ مكتوم وهو يستحضر في ذهنه سلسلة خيباته المتتالية، ثم قال بصوتٍ يفيض بالخيبة والحزن: _ تقدر تقول عني إني انتقلت من خا
سحبت ياسمين أنفاسًا عميقة تحاول تهدئة الاضطراب الذي يسيطر على أطرافها، لكنها انتفضت بذعر حين سمعت جلبة مفاجئة بالخارج، فحبست أنفاسها، ووضعت يدها المرتجفة فوق شفتيها كأنها تخشى أن يشي بها صوتُ نَفَسِها، ومدت عنقها خلسة من باب المطبخ لتستطلع الأمر.تجمدت الدماء في عروقها حين لمحت والدها يجلس وبرفقته "حسين"، رفيق درب السوء، فتراجعت إلى الداخل بسرعة، وقد شحب وجهها حتى صار بلون الورق، بينما راح قلبها يخفق برعبٍ شديد، وراحت تنعي حظها العاثر الذي أخرجها من أمان غرفتها، ملاذها الوحيد؛ فلا أحد من رفاق والدها يعلم بوجودها، وهي لا تنوي أبدًا كـسـر هذه القاعدة.جالت بعينيها في أرجاء المطبخ الضيق تبحث عن مخرج، لكنها أدركت بمرارة أن لا مفر، فلو تحركت الآن سيراها حتمًا ويقع المحظور، انهارت أرضًا بجانب البراد، تحاول الانكماش لتختبئ بعيدًا عن الأنظار، وما إن تسلل إلى مسامعها صوت خطوات تقترب من مكانها، حتى غطت عينيها بكفيها، وانتفض قلبها بين ضلوعها كطيرٍ ذبيح.توقفت الخطوات فجأة بالقرب من البراد، فأبعدت كفيها ببطء وحذر، ليقع بصرها على والدها، فاستندت إلى الحائط ووقفت بصعوبة، بينما شحب وجه والدها بصدمةٍ

![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)





