Home / الرومانسية / في قلب إبليس / الفصل الحادي عشر...

Share

الفصل الحادي عشر...

last update publish date: 2026-05-11 17:57:48

جلس جلال فجأة ووضع ساقًا فوق الأخرى ببرود تام، ثم وجه حديثه لرفعت بفتورٍ وجفاء:

_ جاي عايز إيه يا رفعت بعد السنين دي كلها؟

ازدرد رفعت لعابه عدة مرات محاولًا ابتلاع غصة المرارة، وضم كفيه بقوة ليوقف ارتجافهما الفاضح، لكنه لم يستطع السيطرة على جسده المنهار، ورفع أصابعه وفرك أنفه بعصبيةٍ وتوتر، ثم نظر إلى جلال وقال بصوتٍ مرتبك تتقطع فيه الكلمات:

_ أنا.. أصل يعني.. كنت جاي عشان.. عشان عا.. عايـ..

تطلع إليه جلال بشماتة واضحة، وتأمل هيئته الرثة ليدرك المدى المهين الذي وصل إليه إدمانه، فأخرج رزمة ضخمة من المال من جيب بنطاله ولوح بها أمام وجه رفعت بتهكم، قائلًا:

_ إيه؟ مكسوف تقول إنك جاي تشحت عشان معكش حق 'الكيف'؟ متتكسفش يا رفعت، اطلب مني عادي، ما أنا زي ابنك!

احمر وجه رفعت خجلًا وحرجًا، وتابع بعينين زائغتين يد جلال القابضة على المال، ليراه يقف فجأة ويتجه إلى أحد الأركان موليًا إياه ظهره، وسحب جلال شيئًا ما واستدار وهو يمسك بقداحة، وما هي إلا ثوانٍ حتى أشعلها وقرب لهيبها من رزمة المال، لتشتعل النار في الأوراق النقدية أمام ناظر رفعت المذهول، بينما قال جلال بنبرة قاسية:

_ أنا عندي استعداد أحرق كل فلوسي ولا إني أمد لك أيدي بمليم واحد، عارف يا رفعت؟ عشان أنا لو شفتك بتموت قدامي وفي أيدي إني أمنع الموت عنك، هبعد وأكتف أيدي وأسيبك تموت قدامي زي الكلب ومش ههتم ولا هتصعب عليا، أنتَ اللي زيك حلال فيه إنه يموت مش مرة واحدة لا، أنتَ مفروض تموت مليون مرة.

تابع رفعت اشتعال رزمة المال بأسفٍ صامت، لكنه استجمع شجاعته وأبعد عينيه عن الرماد المتساقط، وأردف غير مبالٍ بكل ما سمعه من إهانة ووعيد:

_ لو جيت لك أطلب منك حاجة ليا أنا، أبقى اعمل اللي أنتَ عايزه، حتى لو هتقتلني وابقى ارميني زي الكلب زي ما قولت عني، بس أنا مش جاي أطلب منك فلوس، أنا جاي لحاجة تانية خالص، هي خدمة هتقدمها بس مش ليا أنا.. دي.. دي..

تجهم وجه جلال بشدة، ونفض عن يده بقايا الرماد والمال المشتعل باحتقار، ثم أغمض عينيه بقوة محاولاً تمالك ثورة غضبه وحنقه من ذلك الرجل الذي وقف أمامه بكل تبجح. استدار عنه جلال مولياً إياه ظهره، وقال بصوت يقطر كراهية:

_ وأنا معنديش أي استعداد إني أقدم لك أي خدمات، ولا حتى أخدم حد من طرفك، ولعلمك أنا لو أطول أولع فيك بدل الفلوس دي كنت عملت كدا، بس أنا مش عاوز أوسـخ إيدي بواحد زيك.

شعر رفعت بالعجز التام وهو يرى موقف جلال الصارم الذي لا يلين، فهو لا يمنحه حتى مجرد فرصة ليشرح ما جاء من أجله، وأحس أن الأرض تسحب من تحت قدميه، فتقدم خطوة يائسة نحو جلال وقال بصوت يملؤه التوسل:

_ أرجوك يا جلال اسمعني واديني فرصة أفهمك، أرجوك أنا عارف إني مستحقش منك أي حاجة، بس هي ملهاش ذنب، هي غيري خالص، وأنا حقيقي مش شايف غيرك قصادي ألجأ له، فأرجوك اديني فرصة أقولك اللي عندي.

التفت إليه جلال فجأة وعقد حاجبيه، يحدجه بنظرات غامضة تملؤها الحيرة؛ فقد استوقفت عقله كلمة "هي" التي نطق بها رفعت، فلاحظ رفعت هذا الشرود المؤقت في عيني جلال، فقرر أن يسرع بإلقاء قنبلته قبل أن يطرده، فضغط على كفيه المرتجفتين وقال ليصدمه صدمة العمر:

_ أنا عندي بنت، و وعايزك تتجوزها يا جلال.

جحظت عينا جلال من هول ما سمع، وشعر بدمائه تغلي في عروقه، وود في تلك اللحظة لو يطبق على عنق رفعت ليخمد أنفاسه للأبد، فقال من بين أسنان كازة بغضب مكتوم:

_ أنت اتجننت رسمي يا رفعت! بقى جاي تطلب مني أتجوز بنتك؟ يا بجاحتك عاوزني أنا جلال نور الدين أتجوز بنتك أنت يا شمام؟ فوق يا رفعت أنت بتطلب المستحيل.

فرك رفعت أنفه بحركة عصبية وحك ذراعه لشعوره بوخز الألم الناتج عن حاجته للمخدر، وأهمل رفض جلال المهين، بل وأمعن في إذلال نفسه وابنته بقوله:

_ طيب بلاش تتجوزها رسمي، اكتب عليها بورقة عرفي بينك وبينها وأنا موافق، وخبيها علشان محدش يعرف إنها مراتك، وأبقى اتجوز براحتك عليها، مش مهم هي مش هتقولك لا متقلقش منها، أرجوك.

اتسعت حدقتا جلال وهو لا يصدق أن هناك أبًا في الوجود يمكن أن ينطق بمثل هذه الدناءة، وشعر وكأن أنفاسه تحولت في صدره إلى محرقة، ومرجل غضبه يكاد ينفجر في وجه ذلك الماثل أمامه، وحاول كبت ثورته ليستوضح إن كان هذا الرجل قد فقد عقله تمامًا، فقال بصوت حاد:

_ أنت واعي لكلامك يا راجل أنت؟ يعني أنت طبيعي ولا المخدرات لحـسـت عقلك، علشان أصدق إني سمعتك بتقول الكلام ده؟

أطرق رفعت برأسه أرضًا يخفي خزيه وذلته؛ فهو يدرك أن تاريخه الأسود وأفعاله المشينة هما ما حطا من قدره وسمعته حتى لم يعد أحد يقبل برؤيته، فرفع رأسه مرة أخرى ونظر إلى جلال، فرأى فيه ذلك العنفوان والكبرياء الذي لا يمسه سوء، وتمنى لو كان يملك ذرة من كرامته رغم فارق العمر، وتنهد بانكسار، محاولاً إثبات أنه في كامل قواه العقلية الآن، فليس أمامه غير جلال القوي القادر على حمايتها، رغم علمه أن طلبه هذا ينزع عن ابنته رداء الكرامة والستر، فتنفس بصعوبة وقال بصوت مهزوز:

_ أنا لأول مرة أبقى واعي لنفسي، وعارف كويس أنا بقول إيه.

حدق به جلال بذهول وتقزز، غير مصدق أن تصل الخسة بأحد إلى هذا الحد الذي يجعل الموت أشرف بآلاف المرات من الوقوف في هذا الموقف المخزي، ونهر نفسه بعنف، متسائلًا كيف وافق من البداية على مقابلة هذا "العار" الذي يسيء لجنس الرجال، وشعر أن بقاءه لدقيقة أخرى مع رفعت يلوث رجولته ويلحق بسمعته العار، فاستدار ليطرده قائلًا بقرف:

_ لو سمحت كفاية لحد كده واتفضل، مقابلتنا انتهت، أنا أساسًا غلطان إني سمحت لك تطلع هنا.

جحظت عينا رفعت بذعرٍ حقيقي وهو يهز رأسه بعنف، غير مصدق أن جلال قد يرفض طلبه الذي يراه طوق النجاة الوحيد؛ ارتفعت وتيرة أنفاسه بحدةٍ حتى أصبح شهيقه مؤلمًا يحرق صدره ويلهب قلبه من فرط الضغط النفسي والجسدي، وأغمض عينيه بقوة يحاول طرد صورتها من مخيلته بعد أن اصطدم برفض جلال، وراح يفكر بمرارة فيما قد يحل بها إن علم الآخرون بأمرها ووقعوا عليها.

فرفع يده الضعيفة وضغط بها على قلبه الذي بات ينبض بوهنٍ شديد، وازدرد لعابه بصعوبةٍ بالغة؛ ثم نطق بتلعثمٍ وهو يدرك أن ما سيقوله الآن هو القشة الأخيرة التي ستقضي على ما تبقى من روحه، ويودع بها آخر أوهام رجولته المهدورة:

_ طب لو مش موافق، أ.. أقبلها هبة مني ليك، وخليها عندك مـ.. مـ.. مما ملكت أيمانك!

...

أنهى ممدوح اتصاله على عجل، ثم أسرع مغادرًا مكتبه ليرتقي درجات السلم الداخلي المؤدي لشقتهم بخطوات يملؤها الحماس؛ اندفع إلى غرفة ابنه وصاح بنبرة تعلوها سعادة غامرة:

_ لاقيتها لك يا أمير، لاقيتها لك يا حبيبي!

انتفض أمير من فوق فراشه بجسد مشدود، ورفع يده يتحسس تلك العصابة التي تلف عينه المصابة، ثم حدق في وجه والده بنظرة يشوبها الشر والتصميم وسأل:

_ لقيت ياسمين؟

أومأ ممدوح مؤكدًا وهو يراقب انفعال ابنه المتصاعد بتركيز، وأردف:

_ أيوة يا أمير، لقيت ياسمين.

صمت ممدوح لبرهة، ثم ربت على كتف ابنه بقوة مشجعًا وقال:

_ يلا يا أمير، مش عايزين الوقت يسرقنا، يلا قبل ما تختفي تاني، إحنا هنهاجم دلوقتي.

ابتعد أمير عن والده بشرودٍ قاتم، واتجه صوب خزانته حيث أخرج منها علبة مستطيلة؛ فتحها ببطء ليخرج منها سكينًا مدببًا لا تزال نصله ملوثة بآثار دم جاف، ثم التفت إلى والده وعيناه تلمعان بالانتقام:

_ متخافش يا بابا، طالما مكانها أتعرف خلاص فهي مش هتلحق تختفي تاني، والمرة دي أنا لازم آخد منها حقي، ولو هربت هجيبها طالما خرجت من جحرها خلاص وبانت.

ساد الصمت الغرفة بينما عاد أمير ليتلمس من جديد تلك العصابة التي تخفي إصابة عينه اليمنى، مرتسمًا على وجهه ابتسامة شريرة، بينما يتراقص الخنجر بين أصابعه كأنه يعده بساعة القصاص المنتظرة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • في قلب إبليس    الفصل الرابع عشر...

    تحرك جلال ببرود واتجه صوب رفعت، وقد اصطبغ وجهه بغموضٍ مخيف، ثم مال ليساند رفعت المنهار ويساعده على الوقوف، والتفت إلى رفيقه يامن ليُسلمه رفعت، ثم خطى بثبات نحو الأريكة وجلس فوقها واضعًا ساقًا فوق الأخرى، ورماهم بنظراتٍ ساخرة وهو يبتسم ببرود قائلًا:_ ها.. ممكن أعرف بقى أنتم هنا بتعملوا إيه بربطة المعلم؟لم يتحمل ممدوح هذا الاستعلاء، وفقد السيطرة على أعصابه لرؤية جلال يجلس في المكان وكأنه صاحب البيت الآمر الناهي، فقال بعصبية:_ وأنت مين علشان تسائلنا؟ عمومًا إحنا هنا في بيت صاحبنا، إنما أنت بقى هنا ليه أساسًا؟رمى جلال بنظراته نحو رفعت الذي كان يتلوى من الأم بين ذراعي يامن، في تلك اللحظة، فاتجه حسين نحو رفعت وسحبه بقوة من بين يدي يامن رغم اعتراض الأخير، وتنحى به بعيدًا عن مسمع الحاضرين وأردف بهمسٍ مسموم:_ إيه اللي وداك لجلال يا رفعت؟ هو أنا مش إديتك الأمان؟ ليه بس يا صاحبي تروح لجلال برجليك وتعرفه مكانك؟ أنت ناسي إنه ليه تار عندك؟ بص اتصرف ومشيه علشان أعرف ألحقك، ولا عاجبك منظرك وأنت بتتوجع بالشكل ده؟ يلا يا رفعت خليه يمشي وأنا هتكلم مع ممدوح وأمير وأمشيهم، وبعد ما تظبط دماغك هاخدك ون

  • في قلب إبليس    الفصل الثالث عشر...

    انطلقت سيارات الحراسة مدججة بالرجال الأشداء في موكبٍ مخيف مُتجهين إلى منزل رفعت، بينما أخذ حسين يصب جام لعناته على تصرف ممدوح الأرعن الذي جعله يخاطر بكل ما بناه في سبيل تهوره، وبرفقة ابنه أمير، اسودت ملامح وجه حسين أكثر حين تذكر ملامح أمير السمجة، والتوى وجهه بكراهية قاتمة وأردف بصوتٍ يملؤه الوعيد الذي لا يرحم:_ ضيعتنا زمان أنت وأبوك وراجع دلوقتي تضيعها مني بعد ما بقت تحت إيدي! ماشي يا ممدوح أما دفعتك تمن اللي عملته من ورايا ميبقاش أنا حسين الدياش.انتبه حسين إلى صوت سائقه وهو يناديه بوجل، فنظر إليه ليراه يمد يده بهاتف السيارة وهو يقول:_ السويسي على الخط يا حسين باشا.تناول حسين سماعة الهاتف من يد سائقه وأجاب محدثه باقتضاب ينم عن ضيق شديد:_ أيوة يا سيد إيه الأخبار عندك؟أجابه سيد، الذي كان يقتفي أثر رفعت منذ لحظة مغادرته للبناية بعينين كعيني الصقر، قائلًا:_ أيوة يا باشا، هو نزل وشكله جايب آخره، عمال بيرتعش وكل شوية يسند على باب محل وكأنه هيقع.سأله حسين بضيقٍ وتذمرٍ متزايد:_ هو مروح يا سيد على البيت ولا مشي من سكة تانية؟توارى سيد بسرعة خلف أحد الأعمدة حين التفت رفعت للخلف فجأة،

  • في قلب إبليس    الفصل الثاني عشر...

    كان الصراع النفسي الذي يخوضه جلال داميًا بداخله؛ فكم ودَّ لو يُطبق حقًا على عنقه ليزهق تلك الروح النجسة التي تسكن ذلك الجسد العفن، ولكن نفسه عافت أن تمسه، فرماه بنظرة استحقار وهو يسير صوب باب شقته بصمت يفتحه، وقال بصوت جليدي ينهي به كل شيء:_ اطلع بره يا رفعت وإياك تخليني أشوفك تاني، وصدقني أنا كدة أكرمتك أوي إني سمحتلك تدخل بيتي من الأول، اطلع بره بدل ما أتصرف معاك تصرف تاني يخليني أحتقر نفسي إني نزلت لمستواك.وصل يامن في نفس التوقيت الذي ألقى فيه جلال كلماته في وجه رفعت، فوقف وقد تملكه الحرج لحضوره ذلك الموقف بين جلال وذلك الرجل الذي بدا على وجهه الخزي والانكسار، فحاول يامن أن يتراجع حتى لا يزيد الموقف حرجًا وسوءًا بوجوده، ولكنه تجمد حين استمع إلى كلمات الرجل المتقطعة التي وجهها إلى جلال وهو يركع أرضًا أسفل قدميه بذلة:_ أبوس رجلك يا جلال، طب لو مش عاوز تتجوزها خليها تخدمك، هي مش هتكلفك أي حاجة، ومش هتسمع لها صوت ولا تشوف لها خيال، بس وحياة الغاليين اللي راحوا منك توافق، أبوس رجلك يا ابني بلاش تخليني أرخصها أكتر من كدة وهي متستحقش مني ده، صدقني والله بنتي متستحقش إن واحد زيي يكون أب

  • في قلب إبليس    الفصل الحادي عشر...

    جلس جلال فجأة ووضع ساقًا فوق الأخرى ببرود تام، ثم وجه حديثه لرفعت بفتورٍ وجفاء:_ جاي عايز إيه يا رفعت بعد السنين دي كلها؟ازدرد رفعت لعابه عدة مرات محاولًا ابتلاع غصة المرارة، وضم كفيه بقوة ليوقف ارتجافهما الفاضح، لكنه لم يستطع السيطرة على جسده المنهار، ورفع أصابعه وفرك أنفه بعصبيةٍ وتوتر، ثم نظر إلى جلال وقال بصوتٍ مرتبك تتقطع فيه الكلمات:_ أنا.. أصل يعني.. كنت جاي عشان.. عشان عا.. عايـ..تطلع إليه جلال بشماتة واضحة، وتأمل هيئته الرثة ليدرك المدى المهين الذي وصل إليه إدمانه، فأخرج رزمة ضخمة من المال من جيب بنطاله ولوح بها أمام وجه رفعت بتهكم، قائلًا:_ إيه؟ مكسوف تقول إنك جاي تشحت عشان معكش حق 'الكيف'؟ متتكسفش يا رفعت، اطلب مني عادي، ما أنا زي ابنك!احمر وجه رفعت خجلًا وحرجًا، وتابع بعينين زائغتين يد جلال القابضة على المال، ليراه يقف فجأة ويتجه إلى أحد الأركان موليًا إياه ظهره، وسحب جلال شيئًا ما واستدار وهو يمسك بقداحة، وما هي إلا ثوانٍ حتى أشعلها وقرب لهيبها من رزمة المال، لتشتعل النار في الأوراق النقدية أمام ناظر رفعت المذهول، بينما قال جلال بنبرة قاسية:_ أنا عندي استعداد أحرق

  • في قلب إبليس    الفصل العاشر...

    احتلت ملامح الصدمة وجه ياسمين، وارتجفت شفتيها وهي تطالع والدها بذهول؛ لم تكن تصدق أن يهمل كل صرخات استغاثتها وكل الدماء التي سالت من جبهتها، وكل الرعب الذي عاشته في مواجهة ذلك الظل الغامض، ليصب كل اهتمامه على "مظروف" تافه، فشعرت بالخيانة تنهش قلبها وهي تراه يبحث لديه عن "علاجه" المزعوم، بينما هي تبحث لديه عن قبس من الأمان الضائع، فاعتدلت في وقفتها، ونفضت عنها ضعفها وهي تشمخ برأسها كبرياء، ثم رشقته بنظرة جليدية وقالت بجمود:_ ابقى اسأل الراجل اللي دخل، هو راح فين اللي كان في الظرف؟ إنما متسألنيش أنا، وعمومًا متقلقش، كلها شوية وييجوا صحابك اللي تعرفهم، ويدولك غيره، بس المرة دي هيدوهولك تمن ليا بدل ما ياخدوني غصب!تركت ياسمين والدها في ذهوله وابتعدت بخطوات متصلبة، تشعر باختناق حاد يمزق صدرها من مجرد وجودها في حيز مكاني يجمعهما، بينما وقف رفعت يلاحقها بعينين زائغتين؛ يحدق تارة في المظروف الفارغ بين يديه، وتارة في قامة ابنته المبتعدة، حتى بدأت كلماتُها تتسرب إلى إدراكه المشتت، فانهار أرضًا فجأة وهو يكور المظروف الورقي في قبضة يده، وهز رأسه بعنف كمن يحاول طرد فكرة شيطانية لا يريد تصديقها.ف

  • في قلب إبليس    الفصل التاسع...

    كانت ياسمين تشعر بخدرٍ يسري في جسدها، بينما يحدق شادي بها بعيونٍ يملؤها القلق، فأسرع نحو المطبخ ورأى تلك المنشفة التي لفتها ياسمين حول الصمام المقطوع، وبحث بعينيه سريعًا عن الصمام الأساسي حتى رآه فوق نافذة المطبخ، فمد يده وأغلقه بإحكام، ثم شرع يفتح النوافذ واحدةً تلو الأخرى ليطرد رائحة الموت تلك.في هذه الأثناء، غادر أيمن الغرفة وهو يهز رأسه بأسفٍ بالغ، ونظر إلى شادي الذي جلس على أبعد مقعدٍ ممكن حتى لا يثير خوف ياسمين، فاتجه صوبه وجلس بجانبه قائلًا بخفوت:_ والدها نايم يا شادي، بس حاسس إن النوم ده مش طبيعي أبدًا، مش عارف، شكله وأنا بحاول أصحيه فكرني بشكل أحمد زكي في فيلم 'المدمن' و..ابتلع أيمن باقي كلماته الهامسة حين أدرك عقله أن والد ياسمين، بهيئته الشاحبة تلك، مدمن حقًا؛ لا سيما حين وقع بصره على الدرج الملقى أرضًا بمحتوياته المبعثرة، نظر إلى شادي بصدمةٍ بالغة، ثم عاد ببصره نحو ياسمين يشعر بفيضٍ من الشفقة على حالها، وأغمض عينيه بقوةٍ حين تبادر إلى ذهنه أن يقظته هو وصديقه كانت الفاصل الوحيد قبل وقوع كارثةٍ محققة في ظل غياب والدها التام عن الواقع.ازدرد أيمن لعابه حزنًا وسحب نَفَسًا ع

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status