ログインاحتلت ملامح الصدمة وجه ياسمين، وارتجفت شفتيها وهي تطالع والدها بذهول؛ لم تكن تصدق أن يهمل كل صرخات استغاثتها وكل الدماء التي سالت من جبهتها، وكل الرعب الذي عاشته في مواجهة ذلك الظل الغامض، ليصب كل اهتمامه على "مظروف" تافه، فشعرت بالخيانة تنهش قلبها وهي تراه يبحث لديه عن "علاجه" المزعوم، بينما هي تبحث لديه عن قبس من الأمان الضائع، فاعتدلت في وقفتها، ونفضت عنها ضعفها وهي تشمخ برأسها كبرياء، ثم رشقته بنظرة جليدية وقالت بجمود:
_ ابقى اسأل الراجل اللي دخل، هو راح فين اللي كان في الظرف؟ إنما متسألنيش أنا، وعمومًا متقلقش، كلها شوية وييجوا صحابك اللي تعرفهم، ويدولك غيره، بس المرة دي هيدوهولك تمن ليا بدل ما ياخدوني غصب! تركت ياسمين والدها في ذهوله وابتعدت بخطوات متصلبة، تشعر باختناق حاد يمزق صدرها من مجرد وجودها في حيز مكاني يجمعهما، بينما وقف رفعت يلاحقها بعينين زائغتين؛ يحدق تارة في المظروف الفارغ بين يديه، وتارة في قامة ابنته المبتعدة، حتى بدأت كلماتُها تتسرب إلى إدراكه المشتت، فانهار أرضًا فجأة وهو يكور المظروف الورقي في قبضة يده، وهز رأسه بعنف كمن يحاول طرد فكرة شيطانية لا يريد تصديقها. فجأة، انتفض واقفًا، وبريق غريب يلمع في عينيه المحتقنتين، واتجه صوب الباب بخطى متعجلة، وهبط درجات السلم القليلة ليتوقف أمام شقة شادي، ولم تمضِ ثوانٍ على طرقاته المتوترة حتى فتح له شادي، الذي وقف يطالعه بقلق وحيرة، فخفض رفعت رأسه خزيًا، وأردف بصوت خافت متهدج: _ هو.. هو ممكن أتكلم معاك شوية يا ابني؟ أومأ شادي بدهشة مكتومة وابتعد عن المدخل مفسحًا له الطريق: _ أكيد طبعًا يا عمي، اتفضل. دخل رفعت وجلس بحرج شديد على طرف أول مقعد صادفه. وفي تلك اللحظة، كاد أيمن أن يخرج من الغرفة، ولكن ما إن وقع بصره على "رفعت" وجلسة شادي معه، حتى تراجع بهدوء وأغلق الباب، تاركًا لهما الخصوصية المطلوبة، فحاول رفعت أن يجد صوته وسط اضطرابه الواضح؛ كان يفرك جسده ووجهه بحركات لاإرادية، ويضغط على كفيه بقوة ليداري ارتعاشهما، فلاحظ شادي كل ذلك، وأشاح بنظره عنه احترامًا لضعفه، حتى أتى صوت رفعت أخيرًا: _ أنا كنت محتاج أنزل أروح مشوار ضروري، بس بعد اللي حصل فوق بقيت خايف، خايف أنزل وأسيب ياسمين لوحدها، فلو يعني، لو ممكن أخليها تيجي تقعد معاكم هنا لحد ما أخلص مشواري وأرجع؟ حملق شادي في وجه رفعت بذهول حقيقي؛ فالعلاقة بينهما لم تتخط حدود الجيرة العابرة، فكيف يأتمنه على ابنته في ظرف كهذا؟ ومع ذلك، نحى شادي حيرته جانبًا أمام مأساة تلك الفتاة وقال بطمأنة: _ أنا بشكر حضرتك جدًا على الثقة دي يا عمي، وبوعدك إني هخلي بالي من ياسمين كأنها أختي، لحد ما ترجع بالسلامة. وقف رفعت دون أن ينطق بكلمة إضافية، وعاد إلى شقته بخطى مثقلة، وحاول إغلاق الباب خلفه لكنه عجز، فتركه واتجه إلى غرفة ياسمين، ووقف أمام بابها بحرج ظاهر، يراقبها وهي جالسة فوق مقعد أمها الراحلة، وقال بصوت حاول جعله حازمًا: _ ياسمين حضري نفسك، هتنزلي تقعدي عند جارنا شادي لحد ما أروح مشوار وأرجع. التفتت ياسمين إليه برأسها، تحدق في ملامحه بريبة وشك لم تعهدها من قبل، ونظرت إلى ساعة الحائط التي قاربت الرابعة فجرًا، ثم عادت بعينيها إليه وقالت بتهكم مرير: _ وهو أنت هتلاقي حد فاتح الساعة دي عشان تشتري منه 'علاجك' يا بابا؟ قولي بس مين اللي هيبيعلك السم ده في وقت زي ده؟ نكس رفعت رأسه أرضًا، وشعر بطعنة سخريتها في كرامته الجريحة، فقال بحرج: _ لا أنا مش رايح أجيب زفت، أنا رايح مشوار مهم يخصنا، ولما أرجع هاجي آخدك بنفسي من عند جارنا، وأهم حاجة، إوعي تطلعي بره الشقة هناك من غير ما أكون معاكِ، فاهمة؟ دهشت ياسمين من نبرة النفي القاطعة في صوته، وأحست بفضول ينهشها لمعرفة وجهته في هذا الوقت المتأخر، ووقفت وحدقت به قائلة: _ رايح فين بدري كده يا بابا؟ وإيه هو المشوار اللي أهم من حالتنا دي؟ زفر رفعت بضيق وهو يحك جسده بقوة، وقد بدا أن أعراض الحاجة للمخدر بدأت تهاجمه، فأجاب بعصبية: _ ملكِيش فيه! اللي أقوله تسمعيه وخلاص، يلا جهزي حالك عشان أنزلك أسلمك بنفسي لجارنا. في شقة شادي، استقبلهما الشابان بترحيب وحاولوا فيه تخفيف وطأة الموقف، فأشار لها شادي على إحدى الغرف الجانبية وقال بلطف: _ بصي يا ياسمين، الأوضة اللي هناك دي ماما بتقعد فيها لما بتيجي من البلد، وليها حمام خاص بيها، المفتاح هتلاقيه في الباب من جوه، ادخلي ارتاحي وما تقلقيش من حاجة، بس لو ممكن ما تقفليش الباب إلا لما أجيبلك فطار تاكليه وتشربي عصير عشان تقدري تنامي وتنسي اللي حصل، وأنا وأيمن هنضطر ننزل نروح الكلية، بس هسيبلك موبايلي هنا، وهبقى أتصل أطمن عليكِ من رقم أيمن، فابقي ردي عليا وطمنيني عليكِ. ... سار رفعت بخطوات مهتزة غير متزنة، غافلًا تمامًا عمن يقتفي أثره ويراقب خط سير حركته في صمت؛ فقد كان عقله غارقًا في لجة من الأفكار المتضاربة، يتساءل بداخل نفسه عن مدى صحة ما ينوي الإقدام عليه، حاول مرارًا أن يثني نفسه عن هذه الخطوة، لكنه لم يجد سبيلًا آخر للنجاة، حتى وإن اضطر لدفع حياته ثمنًا مقابل نيل موافقته على ذلك الطلب الصعب. وصل رفعت أخيرًا إلى البناية التي يقطن فيها "جلال"، بعد أن استجمع تفاصيلها من ذاكرته بمشقة بالغة، حيث كانت ملامحها تغيب عن عقله وتتلاشى تحت وطأة إدمانه المدمر، وقف أمام المدخل، ليجد نفسه في مواجهة أحد رجال الأمن الذي استوقفه بصرامة بعدما ارتاب في هيئته الرثة وتصرفاته المريبة، قائلاً له بحدة: _ واقف هنا ليه؟ اتفضل امشي من هنا لو سمحت. ازدرد رفعت لعابه بتوتر وهو يتلفت حوله بقلق، مما زاد من شكوك الحارس الذي أشار لزميله كي يقفا معًا في مواجهته وهما يرمقانه بتوجس، لاحظ رفعت نظراتهما القاسية، ونظر إلى يده التي ترتجف بقوة، فأدرك أن حكمهما عليه بمظهره هذا كان في محله، لكنه لم يمتلك رفاهية التراجع؛ فلا بديل عن مقابلة جلال، فتقدم منهما خطوة وقال بنبرة محاولة لإثبات الجدية: _ أنا جاي عشان عاوز أقابل الأستاذ جلال نور الدين. حدقا به بدهشة بالغة، ليرد أحدهما مستنكرًا: _ جاي الساعة خمسة ونص الفجر تقابل الأستاذ جلال؟ وهو ده وقت زيارات؟ زفر رفعت بحدة، فقد بدأ الصبر ينفد منه وهو يسابق الزمن قبل أن تشتد عليه أعراض الانسحاب وتتحول الأمور إلى كارثة لا يحمد عقباها، فقال باضطراب ظاهر: _ أنا.. أنا عارف إنه بدري، بس كمان عارف إن جلال بيصحى بدري عشان شغله، بص اتصل بيه أنت وبلغه إن رفعت الخطيب عاوز يقابله ضروري، قوله رفعت الخطيب، هو.. هو يعرفني كويس. أشار الحارس لزميله، فاتجه الآخر نحو الهاتف واتصل بشقة جلال ليبلغه بالأمر، فلم يصدق جلال ما سمعته أذناه؛ وتساءل هل ذكر الحارس حقًا اسم "رفعت" أم أن خياله هو من نسج الاسم من بقايا ماضٍ أليم؟ أغمض جلال عينيه بقوة، واشتدت قبضته حول سماعة الهاتف حتى كادت تتحطم تحت ضغط غضبه المكتوم، ثم قال بصوت جليدي صارم لا يقبل النقاش: _ مش عاوز أقابل حد، والبني آدم ده لو جه تاني اطلب له الشرطة على طول.. فاهم؟ حملق الحارس في وجه رفعت بتعجبٍ شديد، فقد ألجمه رد جلال الصارم الذي لم يعتده منه، فهو دائمًا ما يحدثهم باللين والمودة، وكاد الحارس أن يغلق الهاتف ممتثلًا للأمر، ولكن صوت صياح جلال المفاجئ جعله يعيد السماعة إلى أذنه على عجلة، ليستمع إليه وهو يغير أمره ويطلب منه السماح لرفعت بالصعود إليه فورًا. رافق الحارس رفعت بحذر حتى باب الشقة، وظل ملازمًا له حتى فُتح الباب واستقبله جلال بنظرة ثاقبة، ثم أشار للحارس أن ينصرف ويترك رفعت معه، فرمق جلال ضيفه لوهلة باحتقار، ثم أهمله تمامًا واستدار عنه بلامبالاة ليدخل إلى عمق الشقة، فتبعه رفعت بخطوات متعثرة وهو يشعر برهبة تزلزل كيانه؛ فهذه هي المرة الأولى التي يتواجه فيها مع جلال وجهًا لوجه منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي غير مجرى حياتهم.تحرك جلال ببرود واتجه صوب رفعت، وقد اصطبغ وجهه بغموضٍ مخيف، ثم مال ليساند رفعت المنهار ويساعده على الوقوف، والتفت إلى رفيقه يامن ليُسلمه رفعت، ثم خطى بثبات نحو الأريكة وجلس فوقها واضعًا ساقًا فوق الأخرى، ورماهم بنظراتٍ ساخرة وهو يبتسم ببرود قائلًا:_ ها.. ممكن أعرف بقى أنتم هنا بتعملوا إيه بربطة المعلم؟لم يتحمل ممدوح هذا الاستعلاء، وفقد السيطرة على أعصابه لرؤية جلال يجلس في المكان وكأنه صاحب البيت الآمر الناهي، فقال بعصبية:_ وأنت مين علشان تسائلنا؟ عمومًا إحنا هنا في بيت صاحبنا، إنما أنت بقى هنا ليه أساسًا؟رمى جلال بنظراته نحو رفعت الذي كان يتلوى من الأم بين ذراعي يامن، في تلك اللحظة، فاتجه حسين نحو رفعت وسحبه بقوة من بين يدي يامن رغم اعتراض الأخير، وتنحى به بعيدًا عن مسمع الحاضرين وأردف بهمسٍ مسموم:_ إيه اللي وداك لجلال يا رفعت؟ هو أنا مش إديتك الأمان؟ ليه بس يا صاحبي تروح لجلال برجليك وتعرفه مكانك؟ أنت ناسي إنه ليه تار عندك؟ بص اتصرف ومشيه علشان أعرف ألحقك، ولا عاجبك منظرك وأنت بتتوجع بالشكل ده؟ يلا يا رفعت خليه يمشي وأنا هتكلم مع ممدوح وأمير وأمشيهم، وبعد ما تظبط دماغك هاخدك ون
انطلقت سيارات الحراسة مدججة بالرجال الأشداء في موكبٍ مخيف مُتجهين إلى منزل رفعت، بينما أخذ حسين يصب جام لعناته على تصرف ممدوح الأرعن الذي جعله يخاطر بكل ما بناه في سبيل تهوره، وبرفقة ابنه أمير، اسودت ملامح وجه حسين أكثر حين تذكر ملامح أمير السمجة، والتوى وجهه بكراهية قاتمة وأردف بصوتٍ يملؤه الوعيد الذي لا يرحم:_ ضيعتنا زمان أنت وأبوك وراجع دلوقتي تضيعها مني بعد ما بقت تحت إيدي! ماشي يا ممدوح أما دفعتك تمن اللي عملته من ورايا ميبقاش أنا حسين الدياش.انتبه حسين إلى صوت سائقه وهو يناديه بوجل، فنظر إليه ليراه يمد يده بهاتف السيارة وهو يقول:_ السويسي على الخط يا حسين باشا.تناول حسين سماعة الهاتف من يد سائقه وأجاب محدثه باقتضاب ينم عن ضيق شديد:_ أيوة يا سيد إيه الأخبار عندك؟أجابه سيد، الذي كان يقتفي أثر رفعت منذ لحظة مغادرته للبناية بعينين كعيني الصقر، قائلًا:_ أيوة يا باشا، هو نزل وشكله جايب آخره، عمال بيرتعش وكل شوية يسند على باب محل وكأنه هيقع.سأله حسين بضيقٍ وتذمرٍ متزايد:_ هو مروح يا سيد على البيت ولا مشي من سكة تانية؟توارى سيد بسرعة خلف أحد الأعمدة حين التفت رفعت للخلف فجأة،
كان الصراع النفسي الذي يخوضه جلال داميًا بداخله؛ فكم ودَّ لو يُطبق حقًا على عنقه ليزهق تلك الروح النجسة التي تسكن ذلك الجسد العفن، ولكن نفسه عافت أن تمسه، فرماه بنظرة استحقار وهو يسير صوب باب شقته بصمت يفتحه، وقال بصوت جليدي ينهي به كل شيء:_ اطلع بره يا رفعت وإياك تخليني أشوفك تاني، وصدقني أنا كدة أكرمتك أوي إني سمحتلك تدخل بيتي من الأول، اطلع بره بدل ما أتصرف معاك تصرف تاني يخليني أحتقر نفسي إني نزلت لمستواك.وصل يامن في نفس التوقيت الذي ألقى فيه جلال كلماته في وجه رفعت، فوقف وقد تملكه الحرج لحضوره ذلك الموقف بين جلال وذلك الرجل الذي بدا على وجهه الخزي والانكسار، فحاول يامن أن يتراجع حتى لا يزيد الموقف حرجًا وسوءًا بوجوده، ولكنه تجمد حين استمع إلى كلمات الرجل المتقطعة التي وجهها إلى جلال وهو يركع أرضًا أسفل قدميه بذلة:_ أبوس رجلك يا جلال، طب لو مش عاوز تتجوزها خليها تخدمك، هي مش هتكلفك أي حاجة، ومش هتسمع لها صوت ولا تشوف لها خيال، بس وحياة الغاليين اللي راحوا منك توافق، أبوس رجلك يا ابني بلاش تخليني أرخصها أكتر من كدة وهي متستحقش مني ده، صدقني والله بنتي متستحقش إن واحد زيي يكون أب
جلس جلال فجأة ووضع ساقًا فوق الأخرى ببرود تام، ثم وجه حديثه لرفعت بفتورٍ وجفاء:_ جاي عايز إيه يا رفعت بعد السنين دي كلها؟ازدرد رفعت لعابه عدة مرات محاولًا ابتلاع غصة المرارة، وضم كفيه بقوة ليوقف ارتجافهما الفاضح، لكنه لم يستطع السيطرة على جسده المنهار، ورفع أصابعه وفرك أنفه بعصبيةٍ وتوتر، ثم نظر إلى جلال وقال بصوتٍ مرتبك تتقطع فيه الكلمات:_ أنا.. أصل يعني.. كنت جاي عشان.. عشان عا.. عايـ..تطلع إليه جلال بشماتة واضحة، وتأمل هيئته الرثة ليدرك المدى المهين الذي وصل إليه إدمانه، فأخرج رزمة ضخمة من المال من جيب بنطاله ولوح بها أمام وجه رفعت بتهكم، قائلًا:_ إيه؟ مكسوف تقول إنك جاي تشحت عشان معكش حق 'الكيف'؟ متتكسفش يا رفعت، اطلب مني عادي، ما أنا زي ابنك!احمر وجه رفعت خجلًا وحرجًا، وتابع بعينين زائغتين يد جلال القابضة على المال، ليراه يقف فجأة ويتجه إلى أحد الأركان موليًا إياه ظهره، وسحب جلال شيئًا ما واستدار وهو يمسك بقداحة، وما هي إلا ثوانٍ حتى أشعلها وقرب لهيبها من رزمة المال، لتشتعل النار في الأوراق النقدية أمام ناظر رفعت المذهول، بينما قال جلال بنبرة قاسية:_ أنا عندي استعداد أحرق
احتلت ملامح الصدمة وجه ياسمين، وارتجفت شفتيها وهي تطالع والدها بذهول؛ لم تكن تصدق أن يهمل كل صرخات استغاثتها وكل الدماء التي سالت من جبهتها، وكل الرعب الذي عاشته في مواجهة ذلك الظل الغامض، ليصب كل اهتمامه على "مظروف" تافه، فشعرت بالخيانة تنهش قلبها وهي تراه يبحث لديه عن "علاجه" المزعوم، بينما هي تبحث لديه عن قبس من الأمان الضائع، فاعتدلت في وقفتها، ونفضت عنها ضعفها وهي تشمخ برأسها كبرياء، ثم رشقته بنظرة جليدية وقالت بجمود:_ ابقى اسأل الراجل اللي دخل، هو راح فين اللي كان في الظرف؟ إنما متسألنيش أنا، وعمومًا متقلقش، كلها شوية وييجوا صحابك اللي تعرفهم، ويدولك غيره، بس المرة دي هيدوهولك تمن ليا بدل ما ياخدوني غصب!تركت ياسمين والدها في ذهوله وابتعدت بخطوات متصلبة، تشعر باختناق حاد يمزق صدرها من مجرد وجودها في حيز مكاني يجمعهما، بينما وقف رفعت يلاحقها بعينين زائغتين؛ يحدق تارة في المظروف الفارغ بين يديه، وتارة في قامة ابنته المبتعدة، حتى بدأت كلماتُها تتسرب إلى إدراكه المشتت، فانهار أرضًا فجأة وهو يكور المظروف الورقي في قبضة يده، وهز رأسه بعنف كمن يحاول طرد فكرة شيطانية لا يريد تصديقها.ف
كانت ياسمين تشعر بخدرٍ يسري في جسدها، بينما يحدق شادي بها بعيونٍ يملؤها القلق، فأسرع نحو المطبخ ورأى تلك المنشفة التي لفتها ياسمين حول الصمام المقطوع، وبحث بعينيه سريعًا عن الصمام الأساسي حتى رآه فوق نافذة المطبخ، فمد يده وأغلقه بإحكام، ثم شرع يفتح النوافذ واحدةً تلو الأخرى ليطرد رائحة الموت تلك.في هذه الأثناء، غادر أيمن الغرفة وهو يهز رأسه بأسفٍ بالغ، ونظر إلى شادي الذي جلس على أبعد مقعدٍ ممكن حتى لا يثير خوف ياسمين، فاتجه صوبه وجلس بجانبه قائلًا بخفوت:_ والدها نايم يا شادي، بس حاسس إن النوم ده مش طبيعي أبدًا، مش عارف، شكله وأنا بحاول أصحيه فكرني بشكل أحمد زكي في فيلم 'المدمن' و..ابتلع أيمن باقي كلماته الهامسة حين أدرك عقله أن والد ياسمين، بهيئته الشاحبة تلك، مدمن حقًا؛ لا سيما حين وقع بصره على الدرج الملقى أرضًا بمحتوياته المبعثرة، نظر إلى شادي بصدمةٍ بالغة، ثم عاد ببصره نحو ياسمين يشعر بفيضٍ من الشفقة على حالها، وأغمض عينيه بقوةٍ حين تبادر إلى ذهنه أن يقظته هو وصديقه كانت الفاصل الوحيد قبل وقوع كارثةٍ محققة في ظل غياب والدها التام عن الواقع.ازدرد أيمن لعابه حزنًا وسحب نَفَسًا ع







