ログインتحرك جلال ببرود واتجه صوب رفعت، وقد اصطبغ وجهه بغموضٍ مخيف، ثم مال ليساند رفعت المنهار ويساعده على الوقوف، والتفت إلى رفيقه يامن ليُسلمه رفعت، ثم خطى بثبات نحو الأريكة وجلس فوقها واضعًا ساقًا فوق الأخرى، ورماهم بنظراتٍ ساخرة وهو يبتسم ببرود قائلًا:
_ ها.. ممكن أعرف بقى أنتم هنا بتعملوا إيه بربطة المعلم؟ لم يتحمل ممدوح هذا الاستعلاء، وفقد السيطرة على أعصابه لرؤية جلال يجلس في المكان وكأنه صاحب البيت الآمر الناهي، فقال بعصبية: _ وأنت مين علشان تسائلنا؟ عمومًا إحنا هنا في بيت صاحبنا، إنما أنت بقى هنا ليه أساسًا؟ رمى جلال بنظراته نحو رفعت الذي كان يتلوى من الأم بين ذراعي يامن، في تلك اللحظة، فاتجه حسين نحو رفعت وسحبه بقوة من بين يدي يامن رغم اعتراض الأخير، وتنحى به بعيدًا عن مسمع الحاضرين وأردف بهمسٍ مسموم: _ إيه اللي وداك لجلال يا رفعت؟ هو أنا مش إديتك الأمان؟ ليه بس يا صاحبي تروح لجلال برجليك وتعرفه مكانك؟ أنت ناسي إنه ليه تار عندك؟ بص اتصرف ومشيه علشان أعرف ألحقك، ولا عاجبك منظرك وأنت بتتوجع بالشكل ده؟ يلا يا رفعت خليه يمشي وأنا هتكلم مع ممدوح وأمير وأمشيهم، وبعد ما تظبط دماغك هاخدك ونروح نجيب ياسمين ونوديها مكان أمان بعيد عنهم كلهم. فرك رفعت أنفه بقوة، وأخذ يسحب أنفاسًا متهدجة يُمني فيها نفسه باستنشاق جرعة المخدر التي تنهي عذابه، وضغط على ذراعه الذي بات يحرقه كلما تدفق الدم في عروقه، وزاغت عيناه بريبة بين وجه حسين وجلال، فلاحظ حسين هذه الريبة، وقبض على ذراع رفعت يضغط عليها بقوة وقال بصوت خفيض ولهجة تهديد مبطنة: _ لو مش مديني الأمان ومخوني يا رفعت أنا همشي وأسيبك تصطفل مع جلال وممدوح لوحدك، أنا أساسًا فتحت معاك صفحة جديدة من وقت ما رجعنا صحاب ونسيت اللي فات، إنما واضح كدة إنك أنت اللي مش صافي، عمومًا أنا ماشي وخلص نفسك بمعرفتك. أهمل حسين ساعد رفعت وتركه بلامبالاة، فأدار رفعت عينيه باضطرابٍ قاتل حوله؛ رأى نظرات البغض في عيني ممدوح وأمير، والغموض الذي يلمع في عيني جلال مع ابتسامته الساخرة، وحسين الذي أولاه ظهره مشيرًا لرجاله بالانصراف، هنا، اتخذ رفعت قراره الخاسر للمرة الرابعة في حياته، وأسرع في خطاه نحو حسين يعترض طريقه وعيناه تتوسله أن يرحم عذابه أولًا. فأشار حسين إليه برأسه نحو الخلف باحتقار، فنكس رفعت رأسه بخزي واتجه بخطى ذليلة باتجاه جلال، وحاول أن يخرج صوته ليطرده، لكن الكلمات تجمدت فوق شفتيه حين وقف جلال أمامه فجأة ومال عليه ليهمس في أذنه بصوتٍ جليدي حطم ما تبقى من كرامته: _ كنت عارف إنك كلب هتجري ورا شمة وتبيع لحمك، بس غلطتك يا رفعت إنك بعت لي الأول وأنا اشتريت، وجلال مبيسيبش اللي ملكه أبدًا، وأنا مش همشي من هنا إلا لما آخد البضاعة اللي اشتريتها. ازدرد رفعت لعابه بمرارة، وابتعد بخوفٍ ملموس عن جلال كأنه يخشى الموت المحدق به بمجرد سماع صوته، والتفت إلى حسين ونظر إليه بعجزٍ تام، ليقطب الأخير حاجبيه مفكرًا بعمق؛ فقد أدرك حسين أنه إن أظهر وجهه الغاضب الآن، فسيخسر حتمًا كل ما رتبه بدقة، فهو لم يضع في حساباته تدخل جلال نهائيًا، وأيقن أن أي تصرفٍ أرعن تجاه جلال لن يمر مرور الكرام، فجلال يختلف كليًا عن والده "نور" في القوة والدهاء؛ ورغم سيره دون حرسٍ ظاهر أو تأمين، إلا أن الجميع يدرك أن هناك نخبة من الرجال ينتشرون سرًا في كل بقعة خلفه، فزفر بضيق وهو يفكر في سبيلٍ للخروج من المأزق الذي وضعه فيه ممدوح بتصرفه المتسرع، ولم يجد أمامه سوى الاستسلام المؤقت، فتحرك صوب ممدوح وأولى جلال ظهره قائلًا بنبرة حاسمة: _ عاوزك تعرف إنك السبب في ضياعها المرة دي يا ممدوح وأنا مش هسامحك أبدًا، ودلوقتي لِمّ ابنك ورجالتك ويلا نمشي، وإياك تفكر تتحدى جلال؛ علشان أنا وأنت فاهمين كويس إن لو حد فكر يرفع أصبع واحد على جلال مش هيلحق ينزله، ومش معنى إنه هنا فوسطنا بطوله يبقى لوحده. ازدادت تقطيبة ممدوح وهو يرمق جلال بنظراتٍ حاقدة، ثم أعاد نظره إلى وجه حسين وقال بنبرةٍ يملؤها الغل: _ يعني إيه هنمشي وإيدينا فاضية يا حسين؟ لا البت مخرجتش من هنا، يعني لو دورنا كويس هنلاقيها وساعتها رفعت مش هيقدر علينا بحالته دي، ولو أنت خايف من جلال سيبه عليا أنا، وزي ما كـسرت أبوه زمان هكـسره دلوقتي ومش هيقدر يمنعنا، ولو أنت عامل حساب رجالته فإحنا رجالتنا أكتر و.. قطع فحيح أنفاس حسين الغاضبة استرسال ممدوح، ليخرج صوته من بين أسنانه محذرًا: _ أنت عقلك خلاص راح منك! وانتقامك عماك ومش مخليك تعرف إن جلال غير نور، فوق يا ممدوح، إحنا لما كــسرنا نور وخسرناه اللي قدامه واللي وراه، كان معانا كبش فدى مخلناش نظهر في الصورة، إنما دلوقتي لو عملنا أي حركة هنبقى بنقول له إحنا أهو، وبدل ما يبقى رفعت هو كل هم جلال، هنبقى إحنا كمان دخلنا اللعبة وهيفكر إزاي ينتقم مننا ويرد اللي اتعمل في أبوه، ومأظنش إنك عاوز حاجة زي كدا تحصل. لم يستسغ ممدوح الأمر، فشعر بالإهانة تنهش كبرياءه، فكور قبضته بقوة وعروقه بارزة، ونظر إلى ابنه أمير الذي وقف يتحدى جلال بنظراته؛ ناداه ممدوح بصوت غاضب، متمنيًا أن ينصاع الابن هذه المرة دون جدال، فقد استشعر الأب الخطر الحقيقي من ثبات جلال وهدوئه المريب، فجاءت صيحته مدوية: _ أمير يلا بينا خلاص، المكان هنا مبقاش لينا، ولو على اللي ليك فأوعدك إنك هتاخده رغم كل حاجة حصلت. التفت أمير إلى والده بدهشة استنكارية سرعان ما تحولت إلى حنق وسخط؛ فهو لم يتخيل أبدًا أن يعود خائب الوفاض، بعدما استعد بكل كيانه لينال من ياسمين ويشفي غليله منها، وهم بالاعتراض لكن نظرات والده الصارمة أفهمته أن التراجع الآن ضرورة وليس اختيارًا، حينها اتسعت ابتسامة جلال الساخرة، وغمز بعينه مستفزًا أمير الذي كظم غيظه بصعوبة بالغة. فالتفت جلال إلى صديقه يامن، الذي كان يتابع الموقف بحيرة وقلق باديين على وجهه، خاصة بعدما أدرك هوية ممدوح؛ ولاحظ اضطراب صديقه لكنه آثر تأجيل الاستفسار، وربت على كتفه هامسًا بطلب صاعق: _ انزل هات لي مأذون من تحت الأرض بسرعة وتعالى. جحظت عينا يامن وشعر أن وتيرة الأحداث فاقت قدرته على الاستيعاب؛ دار ببصره في أرجاء الشقة المحطمة يبحث عن تلك "العروس" التي سيأتي المأذون من أجلها، فلم يفت جلال هذا الذهول، فابتسم ولكزه بمزاح قائلًا: _ العروسة مش هنا يا يامن، ولا أنت ملاحظتش إن البيت مقلوب؟ بذمتك هي لو كانت هنا كنا هنلاقي الباشوات لسه موجودين ووشهم مسود من الغضب؟ المهم نفذ اللي قولت لك عليه وأنا هفهمك كل حاجة لما نبقى لوحدنا، وبعدين أنا عاوزك طول ما أنت جنبي متبقاش خايف. صمت جلال لثانية ثم سأل يامن باهتمام: _ إلا قولي، أنا لاحظت نظرات ممدوح ليك، هو أنت سبق لك وتعاملت معاه؟ ارتبك يامن وزفر بضيق وهو ينظر تجاه ممدوح قبل أن يجيب جلال: _ ده يبقى الراجل اللي حكيت لك عنه، اللي كان عاوز يخلص مني علشان المستندات اللي وقعت في إيدي، صاحب الشركة إياه. أخفى جلال دهشته باقتدار وهز رأسه بتفهم، مدركًا أن الخيوط بدأت تتشابك، وربت فوق كتف صديقه مجدداً: _ واضح إننا عايزين نقعد مع بعض قعدة طويلة تحكي لي فيها كل حاجة بالتفصيل، بس كل ده مش وقته، المهم انزل هات المأذون بسرعة. تردد يامن في ترك جلال بمفرده وسط هذا الجمع المعادي، وقال بريبة: _ يا صاحبي راجع نفسك، أنت إزاي بس عايزني انزل وأسيبك لوحدك وسط الجيش ده؟" انفجر جلال ضاحكًا على سذاجة صديقه وخوفه الزائد، ثم نظر إلى حسين وممدوح وقال بثقة: _ الجيش ده في ظرف خمس دقايق بالظبط هيختفي، متقلقش أنت وروح اعمل اللي قولت لك عليه. أشار حسين إلى ممدوح ليأمر رجاله بالانسحاب، وبالفعل انصاع الجميع للأمر، ووقف ممدوح وحسين أمام رفعت المنهار، وربت حسين على كتفه بتمثيلية متقنة قائلًا: _ أنا لحد دلوقتي معاك، وأهو زي ما أنت شايف خليت ممدوح يمشي رجالته، ومتقلقش أنا هاخد أمير وممدوح وأمشي وأنت بقى صفي أمورك مع جلال بنفسك، أنا لحد هنا ومش هقدر أساعدك أكتر، وعلشان متقولش إني خليت بيك، فأنا هديلك اللي يظبط دماغك وهستناك يا رفعت لما تفوق تيجي لي نتكلم ونشوف هنصلح اللي أنت هببته ده إزاي؟ أخرج حسين ببطء لفافة صغيرة تحتوي على المخدر ووضعها في يد رفعت المرتجفة، ثم تحرك مبتعدًا وجذب أمير بقوة من ساعده رغمًا عنه ليتبعه ممدوح، وغادر الثلاثة شقة رفعت تاركين خلفهم دمارًا في المكان وحيرة في القلوب.تحرك جلال ببرود واتجه صوب رفعت، وقد اصطبغ وجهه بغموضٍ مخيف، ثم مال ليساند رفعت المنهار ويساعده على الوقوف، والتفت إلى رفيقه يامن ليُسلمه رفعت، ثم خطى بثبات نحو الأريكة وجلس فوقها واضعًا ساقًا فوق الأخرى، ورماهم بنظراتٍ ساخرة وهو يبتسم ببرود قائلًا:_ ها.. ممكن أعرف بقى أنتم هنا بتعملوا إيه بربطة المعلم؟لم يتحمل ممدوح هذا الاستعلاء، وفقد السيطرة على أعصابه لرؤية جلال يجلس في المكان وكأنه صاحب البيت الآمر الناهي، فقال بعصبية:_ وأنت مين علشان تسائلنا؟ عمومًا إحنا هنا في بيت صاحبنا، إنما أنت بقى هنا ليه أساسًا؟رمى جلال بنظراته نحو رفعت الذي كان يتلوى من الأم بين ذراعي يامن، في تلك اللحظة، فاتجه حسين نحو رفعت وسحبه بقوة من بين يدي يامن رغم اعتراض الأخير، وتنحى به بعيدًا عن مسمع الحاضرين وأردف بهمسٍ مسموم:_ إيه اللي وداك لجلال يا رفعت؟ هو أنا مش إديتك الأمان؟ ليه بس يا صاحبي تروح لجلال برجليك وتعرفه مكانك؟ أنت ناسي إنه ليه تار عندك؟ بص اتصرف ومشيه علشان أعرف ألحقك، ولا عاجبك منظرك وأنت بتتوجع بالشكل ده؟ يلا يا رفعت خليه يمشي وأنا هتكلم مع ممدوح وأمير وأمشيهم، وبعد ما تظبط دماغك هاخدك ون
انطلقت سيارات الحراسة مدججة بالرجال الأشداء في موكبٍ مخيف مُتجهين إلى منزل رفعت، بينما أخذ حسين يصب جام لعناته على تصرف ممدوح الأرعن الذي جعله يخاطر بكل ما بناه في سبيل تهوره، وبرفقة ابنه أمير، اسودت ملامح وجه حسين أكثر حين تذكر ملامح أمير السمجة، والتوى وجهه بكراهية قاتمة وأردف بصوتٍ يملؤه الوعيد الذي لا يرحم:_ ضيعتنا زمان أنت وأبوك وراجع دلوقتي تضيعها مني بعد ما بقت تحت إيدي! ماشي يا ممدوح أما دفعتك تمن اللي عملته من ورايا ميبقاش أنا حسين الدياش.انتبه حسين إلى صوت سائقه وهو يناديه بوجل، فنظر إليه ليراه يمد يده بهاتف السيارة وهو يقول:_ السويسي على الخط يا حسين باشا.تناول حسين سماعة الهاتف من يد سائقه وأجاب محدثه باقتضاب ينم عن ضيق شديد:_ أيوة يا سيد إيه الأخبار عندك؟أجابه سيد، الذي كان يقتفي أثر رفعت منذ لحظة مغادرته للبناية بعينين كعيني الصقر، قائلًا:_ أيوة يا باشا، هو نزل وشكله جايب آخره، عمال بيرتعش وكل شوية يسند على باب محل وكأنه هيقع.سأله حسين بضيقٍ وتذمرٍ متزايد:_ هو مروح يا سيد على البيت ولا مشي من سكة تانية؟توارى سيد بسرعة خلف أحد الأعمدة حين التفت رفعت للخلف فجأة،
كان الصراع النفسي الذي يخوضه جلال داميًا بداخله؛ فكم ودَّ لو يُطبق حقًا على عنقه ليزهق تلك الروح النجسة التي تسكن ذلك الجسد العفن، ولكن نفسه عافت أن تمسه، فرماه بنظرة استحقار وهو يسير صوب باب شقته بصمت يفتحه، وقال بصوت جليدي ينهي به كل شيء:_ اطلع بره يا رفعت وإياك تخليني أشوفك تاني، وصدقني أنا كدة أكرمتك أوي إني سمحتلك تدخل بيتي من الأول، اطلع بره بدل ما أتصرف معاك تصرف تاني يخليني أحتقر نفسي إني نزلت لمستواك.وصل يامن في نفس التوقيت الذي ألقى فيه جلال كلماته في وجه رفعت، فوقف وقد تملكه الحرج لحضوره ذلك الموقف بين جلال وذلك الرجل الذي بدا على وجهه الخزي والانكسار، فحاول يامن أن يتراجع حتى لا يزيد الموقف حرجًا وسوءًا بوجوده، ولكنه تجمد حين استمع إلى كلمات الرجل المتقطعة التي وجهها إلى جلال وهو يركع أرضًا أسفل قدميه بذلة:_ أبوس رجلك يا جلال، طب لو مش عاوز تتجوزها خليها تخدمك، هي مش هتكلفك أي حاجة، ومش هتسمع لها صوت ولا تشوف لها خيال، بس وحياة الغاليين اللي راحوا منك توافق، أبوس رجلك يا ابني بلاش تخليني أرخصها أكتر من كدة وهي متستحقش مني ده، صدقني والله بنتي متستحقش إن واحد زيي يكون أب
جلس جلال فجأة ووضع ساقًا فوق الأخرى ببرود تام، ثم وجه حديثه لرفعت بفتورٍ وجفاء:_ جاي عايز إيه يا رفعت بعد السنين دي كلها؟ازدرد رفعت لعابه عدة مرات محاولًا ابتلاع غصة المرارة، وضم كفيه بقوة ليوقف ارتجافهما الفاضح، لكنه لم يستطع السيطرة على جسده المنهار، ورفع أصابعه وفرك أنفه بعصبيةٍ وتوتر، ثم نظر إلى جلال وقال بصوتٍ مرتبك تتقطع فيه الكلمات:_ أنا.. أصل يعني.. كنت جاي عشان.. عشان عا.. عايـ..تطلع إليه جلال بشماتة واضحة، وتأمل هيئته الرثة ليدرك المدى المهين الذي وصل إليه إدمانه، فأخرج رزمة ضخمة من المال من جيب بنطاله ولوح بها أمام وجه رفعت بتهكم، قائلًا:_ إيه؟ مكسوف تقول إنك جاي تشحت عشان معكش حق 'الكيف'؟ متتكسفش يا رفعت، اطلب مني عادي، ما أنا زي ابنك!احمر وجه رفعت خجلًا وحرجًا، وتابع بعينين زائغتين يد جلال القابضة على المال، ليراه يقف فجأة ويتجه إلى أحد الأركان موليًا إياه ظهره، وسحب جلال شيئًا ما واستدار وهو يمسك بقداحة، وما هي إلا ثوانٍ حتى أشعلها وقرب لهيبها من رزمة المال، لتشتعل النار في الأوراق النقدية أمام ناظر رفعت المذهول، بينما قال جلال بنبرة قاسية:_ أنا عندي استعداد أحرق
احتلت ملامح الصدمة وجه ياسمين، وارتجفت شفتيها وهي تطالع والدها بذهول؛ لم تكن تصدق أن يهمل كل صرخات استغاثتها وكل الدماء التي سالت من جبهتها، وكل الرعب الذي عاشته في مواجهة ذلك الظل الغامض، ليصب كل اهتمامه على "مظروف" تافه، فشعرت بالخيانة تنهش قلبها وهي تراه يبحث لديه عن "علاجه" المزعوم، بينما هي تبحث لديه عن قبس من الأمان الضائع، فاعتدلت في وقفتها، ونفضت عنها ضعفها وهي تشمخ برأسها كبرياء، ثم رشقته بنظرة جليدية وقالت بجمود:_ ابقى اسأل الراجل اللي دخل، هو راح فين اللي كان في الظرف؟ إنما متسألنيش أنا، وعمومًا متقلقش، كلها شوية وييجوا صحابك اللي تعرفهم، ويدولك غيره، بس المرة دي هيدوهولك تمن ليا بدل ما ياخدوني غصب!تركت ياسمين والدها في ذهوله وابتعدت بخطوات متصلبة، تشعر باختناق حاد يمزق صدرها من مجرد وجودها في حيز مكاني يجمعهما، بينما وقف رفعت يلاحقها بعينين زائغتين؛ يحدق تارة في المظروف الفارغ بين يديه، وتارة في قامة ابنته المبتعدة، حتى بدأت كلماتُها تتسرب إلى إدراكه المشتت، فانهار أرضًا فجأة وهو يكور المظروف الورقي في قبضة يده، وهز رأسه بعنف كمن يحاول طرد فكرة شيطانية لا يريد تصديقها.ف
كانت ياسمين تشعر بخدرٍ يسري في جسدها، بينما يحدق شادي بها بعيونٍ يملؤها القلق، فأسرع نحو المطبخ ورأى تلك المنشفة التي لفتها ياسمين حول الصمام المقطوع، وبحث بعينيه سريعًا عن الصمام الأساسي حتى رآه فوق نافذة المطبخ، فمد يده وأغلقه بإحكام، ثم شرع يفتح النوافذ واحدةً تلو الأخرى ليطرد رائحة الموت تلك.في هذه الأثناء، غادر أيمن الغرفة وهو يهز رأسه بأسفٍ بالغ، ونظر إلى شادي الذي جلس على أبعد مقعدٍ ممكن حتى لا يثير خوف ياسمين، فاتجه صوبه وجلس بجانبه قائلًا بخفوت:_ والدها نايم يا شادي، بس حاسس إن النوم ده مش طبيعي أبدًا، مش عارف، شكله وأنا بحاول أصحيه فكرني بشكل أحمد زكي في فيلم 'المدمن' و..ابتلع أيمن باقي كلماته الهامسة حين أدرك عقله أن والد ياسمين، بهيئته الشاحبة تلك، مدمن حقًا؛ لا سيما حين وقع بصره على الدرج الملقى أرضًا بمحتوياته المبعثرة، نظر إلى شادي بصدمةٍ بالغة، ثم عاد ببصره نحو ياسمين يشعر بفيضٍ من الشفقة على حالها، وأغمض عينيه بقوةٍ حين تبادر إلى ذهنه أن يقظته هو وصديقه كانت الفاصل الوحيد قبل وقوع كارثةٍ محققة في ظل غياب والدها التام عن الواقع.ازدرد أيمن لعابه حزنًا وسحب نَفَسًا ع







