ログインكانت ياسمين تشعر بخدرٍ يسري في جسدها، بينما يحدق شادي بها بعيونٍ يملؤها القلق، فأسرع نحو المطبخ ورأى تلك المنشفة التي لفتها ياسمين حول الصمام المقطوع، وبحث بعينيه سريعًا عن الصمام الأساسي حتى رآه فوق نافذة المطبخ، فمد يده وأغلقه بإحكام، ثم شرع يفتح النوافذ واحدةً تلو الأخرى ليطرد رائحة الموت تلك.
في هذه الأثناء، غادر أيمن الغرفة وهو يهز رأسه بأسفٍ بالغ، ونظر إلى شادي الذي جلس على أبعد مقعدٍ ممكن حتى لا يثير خوف ياسمين، فاتجه صوبه وجلس بجانبه قائلًا بخفوت: _ والدها نايم يا شادي، بس حاسس إن النوم ده مش طبيعي أبدًا، مش عارف، شكله وأنا بحاول أصحيه فكرني بشكل أحمد زكي في فيلم 'المدمن' و.. ابتلع أيمن باقي كلماته الهامسة حين أدرك عقله أن والد ياسمين، بهيئته الشاحبة تلك، مدمن حقًا؛ لا سيما حين وقع بصره على الدرج الملقى أرضًا بمحتوياته المبعثرة، نظر إلى شادي بصدمةٍ بالغة، ثم عاد ببصره نحو ياسمين يشعر بفيضٍ من الشفقة على حالها، وأغمض عينيه بقوةٍ حين تبادر إلى ذهنه أن يقظته هو وصديقه كانت الفاصل الوحيد قبل وقوع كارثةٍ محققة في ظل غياب والدها التام عن الواقع. ازدرد أيمن لعابه حزنًا وسحب نَفَسًا عميقًا، ثم لكز صديقه الذي تجمد في مكانه من فرط الخوف، مشيرًا إليه كي يتحدث، لكن شادي استمر في صمته يحدق بوجه ياسمين الباكي وجسدها الذي لا يكف عن الانتفاض أسفل الدثار. غضّن أيمن جبينه بضيق، ثم ترك مقعده وجلس أمام ياسمين على الأرض وقال بنبرةٍ حانية: _ ياسمين.. ممكن تهدي وطمنيني عليكِ؟ الحرامي عمل فيكِ حاجة؟ نفت ياسمين برأسها دون أن تنطق ببنت شفة، فزم أيمن شفتيه ومد أصابعه يتلمس ذلك الجرح الذي جف الدم حوله في جبهتها، فتأوهت ياسمين من أثر لمسته، ولم يلحظ أيمن ملامح الغيرة التي تملكت وجه شادي حين رأى ياسمين تتقبل لمسة أيمن لجرحها بينما رفضت لمسته هو قبل قليل، فوقف أيمن ووجه حديثه لصديقه قائلًا: _ شادي على ما أظن في عندك قطن وحاجات من بتاعة الإسعافات الأولية، صح؟ أومأ شادي بصمتٍ وعيناه تلاحقان ملامح ياسمين بمرارة، فزفر أيمن لحال صديقه واتجه صوبه قائلًا بحدةٍ طفيفة: _ شادي ممكن تفوق شوية أنتَ كمان؟ كفاية الحالة اللي فيها ياسمين، فلو سمحت انزل هات الحاجة عشان ننضف لها الجرح اللي في راسها ده، ونشوف هنعمل إيه بعدها. لوى شادي فمه بسخريةٍ وزفر بضيقٍ وهو يستدير عنهما ليغادر إلى شقته، بينما عاد أيمن ليجلس أمام ياسمين مجددًا وقال: _ أنا شايف إننا لازم نبلغ الشرطة و.. لم يكمل جملته حتى انطلقت منها صرخة ذعرٍ ألجمته تمامًا، وجعلته يحدق في ملامحها المذعورة وهي تهز رأسها بنفيٍ قاطعٍ وقوي، فسألها بحذرٍ وفضول: _ لا ليه؟ ده حقك ولازم يرجع، وأكيد الشرطة هتعرف تجيب الحرامي ده، المفروض إنك متخافيش بالشكل ده. استمرت ياسمين في رفضها والدموع تبلل وجنتيها، وشعر أيمن بحيرةٍ تزداد أمام هذا الرفض الغامض، فمد يده واحتوى يدها الهشة يربت عليها بيده الأخرى، في تلك اللحظة تحديدًا، ولج شادي الغرفة يحمل علبة الإسعافات، فرمقهما بريبةٍ وشك، ثم تقدم متجهم الوجه وقدم لأيمن العلبة قائلًا بصوتٍ جاف ونظراتٍ حارقة: _ أنا هحاول أصحي والدها عشان يشوف ناوي يعمل إيه، على ما تشوف أنتَ وشها. ابتعد شادي بخطواتٍ ثقيلة، مخلفًا وراءه سحابة من الدهشة التي ارتسمت على وجهي أيمن وياسمين؛ فقد كان تحوله المفاجئ وجفاؤه غير المبرر لغزًا لم يجد أيمن له تفسيرًا في تلك اللحظة، فتنهد بضيقٍ وهو يراقب رحيل صديقه، ثم أمال رأسه نحو ياسمين، ومد يده برفقٍ إلى علبة الإسعافات الأولية، وبدأ يمسح آثار الدماء عن وجهها الشاحب بقطنةٍ مبللة، وحين اقترب من جبهتها، قطب حاجبيه قائلًا بلهجةٍ يملؤها القلق: _ شكل الجرح محتاج يتخيط غرزتين، مش هينفع نسيبه كدة. ارتجفت أصابع ياسمين وهي ترفعها لتتحسس موضع الألم، ثم همست بصوتٍ واهنٍ يخرج بشق الأنفس: _ متشغلش بالك بيا، أنا هعرف أتصرف فيه، بس أنا عندي رجاء عندك، أرجوك بلاش أي حد يعرف باللي حصل هنا، ولا حتى موضوع الغاز ده يتفتح، أنا عارفة إن طلبي غريب وممكن تشك فيا، بس صدقني ده ضروري، أوعدني إن السر ده يفضل بينا وميخرجش لأي مخلوق. تراجع عنها أيمن إلى الوراء قليلًا، وأخذ يسبُر أغوار وجهها بنظراتٍ حائرة، يتساءل في سره عن ماهية الأخطار التي تجعلها ترتعد خوفًا من مجرد ذِكر الحقيقة، لكنه أجابها بنبرةٍ طمأنته: _ أنا فعلًا مش فاهم إيه اللي بيحصل معاكِ، بس في حاجة جوايا بتجبرني إني أصدقك وأقف جنبك، فاطمني، مش هتكلم مع أي حد في اللي حصل هنا، وهنبه على شادي كمان يلتزم الصمت، ودلوقتي حاولي تجمعي قوتك وتقومي تشوفي والدك، مش عارف اللي هو فيه ده نوم تقيل ولا غيبوبة. في تلك اللحظة، قطع حديثهما ظهور شادي وهو يسند والد ياسمين الذي كان يترنح في مشيته وكأن الأرض تميد به، فأسرع أيمن لمعاونتهما حتى استقر "رفعت" على الأريكة بجسدٍ خاوٍ من الروح، أما ياسمين، فقد تحاملت على أوجاعها واستندت إلى حافة المنضدة لتسترد توازنها، ثم اقتربت من والدها بخطواتٍ متعثرة وهي تشعر بدوارٍ عنيف يطبق على رأسها أثر الارتطام، ففتح رفعت عينيه بصعوبة، وحين وقع بصره على ملامح ابنته المحطمة، عقد حاجبيه بذهولٍ ووقف يتأملها وجهها الدامي، فانفجرت ياسمين في نوبة بكاءٍ مريرة، وحين حاول رفعت أن يمد ذراعيه ليحتويها، صُدم الجميع بانسحابها السريع وجفولها من لمسته، وكأنها تفر من وحشٍ كاسر. ازدرد رفعت ريقه من فرط الإحراج، ونظر باتجاه الشابين بعدما خيم صمتٌ ثقيل على المكان، فبادر شادي لكسره قائلًا بلهجة رسمية: _ طيب إحنا هننزل دلوقتي ونسيبكم ترتاحوا، وحمد لله على سلامتك يا آنسة ياسمين، ويا أستاذ رفعت، لو احتجت أي حاجة نادي عليا بس أو خبط على السقف وهكون عندك في ثانية، وإحنا آسفين مرة تانية على كسر الباب، وعمومًا أنا هبعت للنجار يجي يصلحه الصبح، عن إذنكم. غادر الشابان الشقة في صمتٍ مطبق، وأغلقا الباب خلفهما كيفما اتفق معهم، وتابعت ياسمين أثرهما بخطواتٍ مرتجفة، وتأكدت بنفسها من إحكام إغلاق الباب قدر الإمكان، ثم استدارت نحو والدها الذي كان ينظر إلى الفراغ بتخاذلٍ وانكسار، وسألها بصوتٍ خفيض لا يكاد يُسمع: _ أنتِ كويسة يا ياسمين؟ طمنيني عليكِ. ابتسمت ياسمين بسخريةٍ مريرة، ونفضت عنها الدثار باشمئزاز واقتربت منه وقالت بتهكمٍ حارق: _ بص في وشي يا بابا وقولي شايف إيه؟ ها؟ إيه رأيك ينفع بعد المنظر ده تسألني أنا كويسة ولا لأ؟ ولو حضرتك بتسأل عشان عايز تعرف إيه اللي حصل؟ فأنا هقولك، اللي حصل إن في واحد دخل من البلكونة وقطع خرتوم الغاز عشان يخلص مننا وإحنا نايمين، وأنا بجري بآخر نفس فيا وقلة حيلتي عشان أفصل الكهربا وألحقنا وأصحيك، وقعت ودماغي اتفتحت زي ما أنتَ شايف، وطبعًا لا هعرف أروح مستشفى ولا أجيب دكتور عشان ميتعرفش مكاني، بس الحكاية مخلصتش هنا، عشان الأصعب إن الحرامي رجع تاني لما لقاني لسه عايشة وهجم عليا، ولولا ستر ربنا إني صرخت وصوتي وصل للجيران ولحقوني، كان زمانه خلص عليا، وكل ده حصل وأنتَ في دنيا تانية خالص مش حاسس بيا! ضحكت ياسمين ضحكة هستيرية تحولت بعد برهة إلى بكاءٍ مرير، ثم صرخت بانكسارٍ يمزق القلب: _ حضرتك كنت نايم يا بابا ومش حاسس باللي كان بيتعمل فيا بره! نايم وسايبني لوحدي مش عارفة إن كان اللي دخل ده بالصدفة ولا واحد تبعهم وعرف مكاني وراح يبلغهم؟ عارف يعني إيه يبلغهم إني هنا؟ يعني زمانهم جايين ياخدوني من بيتك للمرة التانية، وطبعًا هتقف تتفرج عليا وتستنى يرموا لك مكافئتك، ظرف السم اللي بيعميك عن إني بنتك، وبيخليك تتنازل عني بسهولة عشان تاخده منهم! مش ده اللي هيحصل يا بابا؟ رد عليا! أشاح رفعت بعينيه عنها خزيًا، فكل حرفٍ نطقته كان حقيقة مخزية، لكنه تجمد فجأة حين وقع بصره على درجه الخاص المبعثر فوق الأرض، فهرع إليه مهملًا بكاء ابنته المرير وألمها، وركع أمام المظروف يبحث بداخله بجنونٍ عن سمومه، ثم التفت بحدةٍ نحوها وهو يقبض على الورق الخالي، وقال بتوسلٍ وعيناه ترجوانها طمأنته وهو يفرك أنفه بتوترٍ شديد: _ الـ.. الهيروين فين؟ أنتِ وديتيه فين يا ياسمين؟ قولي إنك شلتيه صح؟ صارحيني وطمنيني إنك خبيتيه وشلتِيه من الظرف عشان ميخلصش مش كدة؟ ما هو مش معقول الكمية كلها اللي كنت عامل حسابي تكفيني الفترة اللي هيغيبها حسين تضيع كدة!تحرك جلال ببرود واتجه صوب رفعت، وقد اصطبغ وجهه بغموضٍ مخيف، ثم مال ليساند رفعت المنهار ويساعده على الوقوف، والتفت إلى رفيقه يامن ليُسلمه رفعت، ثم خطى بثبات نحو الأريكة وجلس فوقها واضعًا ساقًا فوق الأخرى، ورماهم بنظراتٍ ساخرة وهو يبتسم ببرود قائلًا:_ ها.. ممكن أعرف بقى أنتم هنا بتعملوا إيه بربطة المعلم؟لم يتحمل ممدوح هذا الاستعلاء، وفقد السيطرة على أعصابه لرؤية جلال يجلس في المكان وكأنه صاحب البيت الآمر الناهي، فقال بعصبية:_ وأنت مين علشان تسائلنا؟ عمومًا إحنا هنا في بيت صاحبنا، إنما أنت بقى هنا ليه أساسًا؟رمى جلال بنظراته نحو رفعت الذي كان يتلوى من الأم بين ذراعي يامن، في تلك اللحظة، فاتجه حسين نحو رفعت وسحبه بقوة من بين يدي يامن رغم اعتراض الأخير، وتنحى به بعيدًا عن مسمع الحاضرين وأردف بهمسٍ مسموم:_ إيه اللي وداك لجلال يا رفعت؟ هو أنا مش إديتك الأمان؟ ليه بس يا صاحبي تروح لجلال برجليك وتعرفه مكانك؟ أنت ناسي إنه ليه تار عندك؟ بص اتصرف ومشيه علشان أعرف ألحقك، ولا عاجبك منظرك وأنت بتتوجع بالشكل ده؟ يلا يا رفعت خليه يمشي وأنا هتكلم مع ممدوح وأمير وأمشيهم، وبعد ما تظبط دماغك هاخدك ون
انطلقت سيارات الحراسة مدججة بالرجال الأشداء في موكبٍ مخيف مُتجهين إلى منزل رفعت، بينما أخذ حسين يصب جام لعناته على تصرف ممدوح الأرعن الذي جعله يخاطر بكل ما بناه في سبيل تهوره، وبرفقة ابنه أمير، اسودت ملامح وجه حسين أكثر حين تذكر ملامح أمير السمجة، والتوى وجهه بكراهية قاتمة وأردف بصوتٍ يملؤه الوعيد الذي لا يرحم:_ ضيعتنا زمان أنت وأبوك وراجع دلوقتي تضيعها مني بعد ما بقت تحت إيدي! ماشي يا ممدوح أما دفعتك تمن اللي عملته من ورايا ميبقاش أنا حسين الدياش.انتبه حسين إلى صوت سائقه وهو يناديه بوجل، فنظر إليه ليراه يمد يده بهاتف السيارة وهو يقول:_ السويسي على الخط يا حسين باشا.تناول حسين سماعة الهاتف من يد سائقه وأجاب محدثه باقتضاب ينم عن ضيق شديد:_ أيوة يا سيد إيه الأخبار عندك؟أجابه سيد، الذي كان يقتفي أثر رفعت منذ لحظة مغادرته للبناية بعينين كعيني الصقر، قائلًا:_ أيوة يا باشا، هو نزل وشكله جايب آخره، عمال بيرتعش وكل شوية يسند على باب محل وكأنه هيقع.سأله حسين بضيقٍ وتذمرٍ متزايد:_ هو مروح يا سيد على البيت ولا مشي من سكة تانية؟توارى سيد بسرعة خلف أحد الأعمدة حين التفت رفعت للخلف فجأة،
كان الصراع النفسي الذي يخوضه جلال داميًا بداخله؛ فكم ودَّ لو يُطبق حقًا على عنقه ليزهق تلك الروح النجسة التي تسكن ذلك الجسد العفن، ولكن نفسه عافت أن تمسه، فرماه بنظرة استحقار وهو يسير صوب باب شقته بصمت يفتحه، وقال بصوت جليدي ينهي به كل شيء:_ اطلع بره يا رفعت وإياك تخليني أشوفك تاني، وصدقني أنا كدة أكرمتك أوي إني سمحتلك تدخل بيتي من الأول، اطلع بره بدل ما أتصرف معاك تصرف تاني يخليني أحتقر نفسي إني نزلت لمستواك.وصل يامن في نفس التوقيت الذي ألقى فيه جلال كلماته في وجه رفعت، فوقف وقد تملكه الحرج لحضوره ذلك الموقف بين جلال وذلك الرجل الذي بدا على وجهه الخزي والانكسار، فحاول يامن أن يتراجع حتى لا يزيد الموقف حرجًا وسوءًا بوجوده، ولكنه تجمد حين استمع إلى كلمات الرجل المتقطعة التي وجهها إلى جلال وهو يركع أرضًا أسفل قدميه بذلة:_ أبوس رجلك يا جلال، طب لو مش عاوز تتجوزها خليها تخدمك، هي مش هتكلفك أي حاجة، ومش هتسمع لها صوت ولا تشوف لها خيال، بس وحياة الغاليين اللي راحوا منك توافق، أبوس رجلك يا ابني بلاش تخليني أرخصها أكتر من كدة وهي متستحقش مني ده، صدقني والله بنتي متستحقش إن واحد زيي يكون أب
جلس جلال فجأة ووضع ساقًا فوق الأخرى ببرود تام، ثم وجه حديثه لرفعت بفتورٍ وجفاء:_ جاي عايز إيه يا رفعت بعد السنين دي كلها؟ازدرد رفعت لعابه عدة مرات محاولًا ابتلاع غصة المرارة، وضم كفيه بقوة ليوقف ارتجافهما الفاضح، لكنه لم يستطع السيطرة على جسده المنهار، ورفع أصابعه وفرك أنفه بعصبيةٍ وتوتر، ثم نظر إلى جلال وقال بصوتٍ مرتبك تتقطع فيه الكلمات:_ أنا.. أصل يعني.. كنت جاي عشان.. عشان عا.. عايـ..تطلع إليه جلال بشماتة واضحة، وتأمل هيئته الرثة ليدرك المدى المهين الذي وصل إليه إدمانه، فأخرج رزمة ضخمة من المال من جيب بنطاله ولوح بها أمام وجه رفعت بتهكم، قائلًا:_ إيه؟ مكسوف تقول إنك جاي تشحت عشان معكش حق 'الكيف'؟ متتكسفش يا رفعت، اطلب مني عادي، ما أنا زي ابنك!احمر وجه رفعت خجلًا وحرجًا، وتابع بعينين زائغتين يد جلال القابضة على المال، ليراه يقف فجأة ويتجه إلى أحد الأركان موليًا إياه ظهره، وسحب جلال شيئًا ما واستدار وهو يمسك بقداحة، وما هي إلا ثوانٍ حتى أشعلها وقرب لهيبها من رزمة المال، لتشتعل النار في الأوراق النقدية أمام ناظر رفعت المذهول، بينما قال جلال بنبرة قاسية:_ أنا عندي استعداد أحرق
احتلت ملامح الصدمة وجه ياسمين، وارتجفت شفتيها وهي تطالع والدها بذهول؛ لم تكن تصدق أن يهمل كل صرخات استغاثتها وكل الدماء التي سالت من جبهتها، وكل الرعب الذي عاشته في مواجهة ذلك الظل الغامض، ليصب كل اهتمامه على "مظروف" تافه، فشعرت بالخيانة تنهش قلبها وهي تراه يبحث لديه عن "علاجه" المزعوم، بينما هي تبحث لديه عن قبس من الأمان الضائع، فاعتدلت في وقفتها، ونفضت عنها ضعفها وهي تشمخ برأسها كبرياء، ثم رشقته بنظرة جليدية وقالت بجمود:_ ابقى اسأل الراجل اللي دخل، هو راح فين اللي كان في الظرف؟ إنما متسألنيش أنا، وعمومًا متقلقش، كلها شوية وييجوا صحابك اللي تعرفهم، ويدولك غيره، بس المرة دي هيدوهولك تمن ليا بدل ما ياخدوني غصب!تركت ياسمين والدها في ذهوله وابتعدت بخطوات متصلبة، تشعر باختناق حاد يمزق صدرها من مجرد وجودها في حيز مكاني يجمعهما، بينما وقف رفعت يلاحقها بعينين زائغتين؛ يحدق تارة في المظروف الفارغ بين يديه، وتارة في قامة ابنته المبتعدة، حتى بدأت كلماتُها تتسرب إلى إدراكه المشتت، فانهار أرضًا فجأة وهو يكور المظروف الورقي في قبضة يده، وهز رأسه بعنف كمن يحاول طرد فكرة شيطانية لا يريد تصديقها.ف
كانت ياسمين تشعر بخدرٍ يسري في جسدها، بينما يحدق شادي بها بعيونٍ يملؤها القلق، فأسرع نحو المطبخ ورأى تلك المنشفة التي لفتها ياسمين حول الصمام المقطوع، وبحث بعينيه سريعًا عن الصمام الأساسي حتى رآه فوق نافذة المطبخ، فمد يده وأغلقه بإحكام، ثم شرع يفتح النوافذ واحدةً تلو الأخرى ليطرد رائحة الموت تلك.في هذه الأثناء، غادر أيمن الغرفة وهو يهز رأسه بأسفٍ بالغ، ونظر إلى شادي الذي جلس على أبعد مقعدٍ ممكن حتى لا يثير خوف ياسمين، فاتجه صوبه وجلس بجانبه قائلًا بخفوت:_ والدها نايم يا شادي، بس حاسس إن النوم ده مش طبيعي أبدًا، مش عارف، شكله وأنا بحاول أصحيه فكرني بشكل أحمد زكي في فيلم 'المدمن' و..ابتلع أيمن باقي كلماته الهامسة حين أدرك عقله أن والد ياسمين، بهيئته الشاحبة تلك، مدمن حقًا؛ لا سيما حين وقع بصره على الدرج الملقى أرضًا بمحتوياته المبعثرة، نظر إلى شادي بصدمةٍ بالغة، ثم عاد ببصره نحو ياسمين يشعر بفيضٍ من الشفقة على حالها، وأغمض عينيه بقوةٍ حين تبادر إلى ذهنه أن يقظته هو وصديقه كانت الفاصل الوحيد قبل وقوع كارثةٍ محققة في ظل غياب والدها التام عن الواقع.ازدرد أيمن لعابه حزنًا وسحب نَفَسًا ع







