LOGINترددت أصداء ضحكاتها الصافية في الأرجاء وهي تفر منه بخفة، تلتفت خلفها بين الحين والآخر لترميه بنظراتٍ ملؤها المرح والدلال، وصاحت به متحدية:
_ مش هتعرف تمسكني أبدًا يا جلجل، عارف ليه؟ عشان أنتَ الظاهر عليك عجزت خلاص! انفجر جلال ضاحكًا، واندفع نحوها بقوةٍ مباغتة حتى قبض عليها، محيطًا جسدها بين ذراعيه بإحكام وهو يقول: _ بقى أنا عجزت يا نورا؟ طيب أنا بقى هوريكِ العجوز ده هيعمل فيكِ إيه. أحكم قبضته حول خصرها ثم أخذ يدور بها دوراتٍ متلاحقة، فتشبثت بملابسه وهي تطلق صرخاتٍ مازحة تمتزج فيها السعادة بالخوف من السقوط: _ خلاص يا جلجل وحياتي، أقولك، أنا اللي عجزت! بس كفاية تلف بيا هدوخ، وهشتكيك لبابا وأنتَ عارف بابا هيعمل فيك إيه، مش بعيد يعمل معاك الجلاشة!" توقف جلال عن الدوران فجأة، وسند جسدها المترنح وهو يحدق في وجهها بدهشةٍ مصطنعة، ثم حرر إحدى يديه ليرطمها بخفةٍ خلف رأسها، وراح يفرك أذنها معاتبًا: _ الجلاشة يا نورا؟ عرفتي كمان الجلاشة! أنا مش عارف مدارس إيه اللي بتروحيها وتخلي لسانك يقول كلام أنا مقدرش أقوله، أقولك، أنا اللي هعمل معاكِ الجلاشة عشان تحرمي تقولي الكلام ده تاني. حاولت نورا أن تملص أذنها من بين أصابعه، وراحت تفكر في حيلةٍ سريعة للخلاص من عقابه، فقالت برجاءٍ طفولي: _ سماح يا جلجل، آخر مرة وحياتي عندك، خلاص بقى عشان خاطر نورا حبيبتك. تراخت قبضة جلال عن أذنها حين دهمتهما بغتة غيومٌ كثيفة، حجبت الرؤية وسرقت منها ضياء النهار، فصار يمد يده في الفراغ بحثًا عنها بعدما توارت عن ناظريه، فجأة، شق صمت المكان صراخها وهي تناديه باستغاثةٍ وبكاءٍ مرير، فجعل يتخبط وسط تلك الضبابية القاتمة، ينادي اسمها بقلبٍ منفطرٍ ومذعور، نبضاته تخفق بقوةٍ تكاد تمزق صدره. انقشعت الغيوم فجأة، فأبصرها تجلس في ركنٍ مظلمٍ بعيد؛ أسرع نحوها فبدأت تتضح له الرؤية رويدًا رويدًا، كانت تنكمش حول نفسها، تضم جسدها بذراعيها وتبكي بقهرٍ يفتت الصخر، فانحنى إليها ورفع وجهها نحوه، لكنه تراجع عنها مصدومًا وهو يصرخ برعبٍ زلزل كيانه: _ أنتِ مش نورا! أنتِ مين؟ وفين نورا؟ انطقي نورا فين؟ أجابته وهي تحاول التشبث بأصابعه التي بدأ يجذبها منها بعنف، وقالت بصوتٍ مكلومٍ يقطر وجعًا: _ ألحقني يا جلال ومتسبنيش، أنا محتاجة لك.. جلال.. جلال! انتفض جلال من نومه مذعورًا، والعرَق يتصبب من جبينه، وأخذ يبحث عنها في أرجاء غرفته وكأن صوتها لا يزال يتردد في جنبات المكان يتوسله، رفع راحتيه يدفن بينهما وجهه، وراح يهز رأسه بقوةٍ ليطرد ذلك النحيب الباكي من مخيلته، وهو يهمهم بحيرةٍ وقلقٍ عظيم: _ أنتِ مين؟ أنا عاوز أعرف أنتِ مين وعايزة مني إيه؟ لم يستطع جلال النوم مجددًا، فقد احتلت تلك الهيئة الواهنة أركان عقله؛ وجهها الشاحب، عيناها المحتقنتان بالحمرة، دموعها المنهمرة، وشفتها المرتجفة التي خضبتها حمرة الدم، وصوتها المتوسل الباكي الذي لا يزال صداه يتردد في أعماقه. تمنى جلال في تلك اللحظة لو كان يجيد الرسم؛ ليعيد خطّ تفاصيلها فوق لوحةٍ بيضاء، علّ ذلك يساعده في البحث عنها وفهم السبب الذي يجعلها تلاحق أحلامه في الآونة الأخيرة، ولماذا تبادلت الجسد مع شقيقته نورا في رؤاه. أغمض جلال عينيه في محاولةٍ أخيرة لوضع حدٍ لأفكاره، لكنه حين فتحهما، وجد نفسه يقف أمام باب مكتبه، حاول جاهدًا ألا يَلِجَه، إلا أن يده دفعت الباب رغبةً عنه، فاتجه صوب تلك اللوحة الكبيرة التي تُزين جدار المكتب؛ لوحةٌ تجمع أفراد أسرته؛ والده ووالدته وشقيقته وشقيقه الصغيرـ كانت السعادة تطل من عيونهم جميعًا، سعادةٌ كانت حاضرة قبل أن يفرقهم الموت ويتركوه وحيدًا، أسرع جلال بإغلاق باب المكتب؛ فهو لا يريد للذكريات أن تستحوذ عليه وتعيد تعذيبه من جديد، بل كان يصبو إلى التقدم خطوة أخرى في سبيل انتصارٍ جديد في عمله، وعاد إلى غرفة نومه مرةً أخرى، وبدل ثيابه مرتديًا إحدى حُلله الرسمية، ثم توجه سيرًا إلى مقر شركته. كالعادة، كان هو أول من يتواجد في الشركة، يستقبل موظفيه مرحبًا بهم، واضعًا على مكتب كلٍ منهم كوبًا من القهوة؛ ليبدأوا يومهم بنشاطٍ وابتسامة، وراقب جلال موظفيه عبر شاشة حاسوبه وهم يحتسون قهوتهم ويعملون بجد، ثم نظر إلى ساعة الحائط وعلم أن يامن على وصول، وبالفعل، رآه يدلف من باب الشركة متوجهًا إلى مكتب السكرتارية، وقف يامن يتطلع إلى تلك الشابة التي تبدو على وشك الوضع بقلق، وأخبرها بأن لديه موعدًا مع جلال. ابتسمت له بحرجٍ وقالت: _ مستر جلال سايب خبر إن حضرتك جاي وهو مستنيك.. اتفضل. بادلها يامن الابتسامة ثم طرق باب المكتب، ليجيبه جلال آذنًا له بالدخول، فرحب جلال بيامن وقال وهو يشير إلى الساعة: _ في ميعادك بالظبط يا يامن، ودي نقطة لصالحك كبيرة. صافحه يامن وجلس أمام مكتبه وقال بنبرةٍ متحمسة: _ ها قلت لي إن في اختبار كدة الأول و.. قاطعه جلال بهدوءٍ وقال: _ اهدأ يا يامن، هو مش اختبار بالمعنى المعروف، دي مشكلة مطلوب منك تحلها، وعلى حسب حلك هيبقى شغلك. أومأ يامن في صمتٍ مطبق، فنهض جلال من مقعده واستدار حول مكتبه ليجلس قبالته مباشرةً، ثم أردف بنبرةٍ خافتة يغلفها الحذر: _ لو في صفقة دخلها اتنين صحاب، وفيهم واحد دايمًا بيخدم صاحبه ويقف جنبه ويساعده، والصفقة دي كانت هترفع من شأن شركتهم، بس قبل ما الصفقة تتم بأقل من اتناشر ساعة، اتسربت كل المعلومات وخسروها؛ تفتكر مين السبب في الخسارة؟ أطرق يامن يفكر بعمق، وبينما كان عقله يهمس له بأن الحل الواضح يكمن في الشريك، تراجع عن هذا الاستنتاج لسهولته المفرطة. سحب نَفَسًا عميقًا ثم رفع بصره نحو جلال مُردفًا: _ طرف تالت دخل وسرق المعلومات، عشان الصديق اللي بيطلب المساعدة يتشك فيه ويشيل الليلة وحده، ولعلمك، مش هيكون هو نفس الطرف اللي كسب الصفقة وأخدها، لا؛ هو هيحافظ إن محدش يعرفه عشان محدش يقدر يوصل له، لكن الصفقة في الآخر هتصب في خزنته بطريقة غير مباشرة. اعتدل جلال في جلسته وحدق مليًا بوجه يامن، وقد اعتراه ذهولٌ حقيقي من قدرة الشاب على ملامسة جوهر القضية بتلك الدقة، لاحظ يامن ردة فعل جلال، فأردف قائلًا بذكاء: _ أظن ما ظهرش في حساب الشريك رصيد بنفس قيمة الصفقة، مش كدة؟ وجد جلال نفسه يومئ برأسه تلقائيًا دون وعي، ليعتدل يامن في مكانه ويميل نحوه محدقًا في وجهه بريبةٍ وتساؤل: _ هو أنتَ كنت واقف ضد شركة 'البيونتو' في صفقة وعملوها معاك وخسروك صاحبك بطريقتهم المعتادة؟ في تلك اللحظة، احتدت ملامح جلال وغام وجهه بظلالٍ قاتمة، فنهض سريعًا وعاد إلى مقعده خلف المكتب وأردف بعبوسٍ رسمي: _ لا.. ده مجرد سؤال يا يامن عشان أشوف قدرتك على تحليل البيانات مش أكتر، ودلوقتي تقدر تطلع لمدام إنجي وهي هتوضح لك كل حاجة عن طبيعة شغلك. وقف يامن مرتبكًا أمام هذا التحول المفاجئ في لهجة جلال الرسمية، فاستأذن وغادر المكتب وهو يتعجب من هذا التغير السريع؛ فهو لم ينطق بالإجابة إلا من واقع ما رآه في تلك الأوراق التي وقعت تحت يده مصادفةً، وعلم منها بحصول ممدوح الدمرداش على تلك الصفقة التي ضاعفت رصيده خمس مرات بعد تدميره للشركة المنافسة، فتملك منه الفضول وتساءل في سره: هل يمكن أن يكون جلال هو ذلك الرجل الذي أطاح به ممدوح في الخفاء، أم أن الأمر برمته لا يتعدى كونه صدفةً عابرة؟ مط يامن شفتيه بحيرة، ثم وقف أمام مكتب إنجي التي رفعت رأسها عن الأوراق التي تراجعها وقالت بتهذيب: _ حضرتك مكتبك هيبقى رابع مكتب على اليمين في الممر اللي هناك، وهتلاقي فيه كل الأجهزة اللي هتحتاج ليها والملفات اللي مفروض يتعاد تقييمها، وإن شاء الله وأنتَ جاي بكرة تتكرم وتجيب كل الأوراق اللازمة عشان نسجلك ضمن موظفين الشركة، وآه، هتلاقي على المكتب مجموعة أسئلة ياريت تجاوب عليها وتبعتها لي عشان أعمل لك فايل باسمك على السيستم. شكرها يامن واتبع وصفها حتى ولج إلى الداخل، فوقف مبهوتًا أمام اتساع المكان وحداثة الأجهزة المجهزة به، واتجه إلى مكتبه، ومد يده يسحب ورقة الأسئلة، فحدق بها فارغ الفاه؛ إذ تملكه العجب وهو يرى أسئلةً تستفسر عن مفضلاته من الطعام والمشروبات، وحتى الزهور والألوان! بدأ يدون إجاباته وهو يشعر بحيرةٍ غريبة تسيطر عليه. في هذه الأثناء، كان جلال يحاول جاهدًا إماطة الذكريات الأليمة عن رأسه، فقام يذرع المكتب جيئةً وذهابًا وهو يفكر في كلمات يامن؛ لقد شعر أن تلك الإجابة قد فتحت أمامه بابًا جديدًا لم يطرقه تفكيره من قبل، رغم كل الدلائل والشهود التي كانت تثبت التهمة على ذلك الصديق الخائن.أسرع أيمن في سيره وقد تملكه القلق؛ فقد استغرق في نومه طويلًا حتى فاتته المحاضرة الأولى، وهو يدرك جيدًا أن الوقت المتبقي على بدء المحاضرة الثانية لا يتجاوز العشر دقائق، وإن لم يدرك القاعة في الوقت المحدد، فلن يسمح له الدكتور بالحضور أبدًا. وقف أيمن أمام باب المدرج يلتقط أنفاسه اللاهثة، فلمح صديقه شادي يشير إليه من بعيد، فاعتدل في وقفته وسار باتجاهه قائلًا بنبرةٍ غلب عليها التعجب:_ أول مرة تحضر في ميعادك! إيه يا عم النشاط ده؟ قولي بقى وطمني.. حضرت المحاضرة الأولى؟أومأ شادي برأسه وأجاب بهدوء:_ أيوة حضرت المحاضرة وسجلتها لما لقيتك مجتش، عشان تعرف تذاكرها كويس، إنما أنت إيه اللي أخرك كدة؟تذمر أيمن بضيق وهو يتذكر ما فعلته شقيقته به، وقال:_ أختي لغت كل المنبهات اللي كنت عاملها، قال إيه مش عايزة تصحى بدري! خلتني أتعصب عليها رغم إنها الكبيرة، بس تعرف يا شادي؟ رغم إنها أختي بس دمها تقيل ورخمة، ودايمًا بقول ربنا يعين اللي هيتجوزها، دي هتجيب أجله بدري!ابتسم شادي في صمت؛ فصديقه قلما يتحدث عن شؤون أسرته، ثم انتبه لسؤال أيمن الذي لاحقه بنظرةٍ فاحصة، فنظر إليه شادي قائلًا:_ أنا منمتش من الأساس
ترددت أصداء ضحكاتها الصافية في الأرجاء وهي تفر منه بخفة، تلتفت خلفها بين الحين والآخر لترميه بنظراتٍ ملؤها المرح والدلال، وصاحت به متحدية:_ مش هتعرف تمسكني أبدًا يا جلجل، عارف ليه؟ عشان أنتَ الظاهر عليك عجزت خلاص!انفجر جلال ضاحكًا، واندفع نحوها بقوةٍ مباغتة حتى قبض عليها، محيطًا جسدها بين ذراعيه بإحكام وهو يقول:_ بقى أنا عجزت يا نورا؟ طيب أنا بقى هوريكِ العجوز ده هيعمل فيكِ إيه.أحكم قبضته حول خصرها ثم أخذ يدور بها دوراتٍ متلاحقة، فتشبثت بملابسه وهي تطلق صرخاتٍ مازحة تمتزج فيها السعادة بالخوف من السقوط:_ خلاص يا جلجل وحياتي، أقولك، أنا اللي عجزت! بس كفاية تلف بيا هدوخ، وهشتكيك لبابا وأنتَ عارف بابا هيعمل فيك إيه، مش بعيد يعمل معاك الجلاشة!"توقف جلال عن الدوران فجأة، وسند جسدها المترنح وهو يحدق في وجهها بدهشةٍ مصطنعة، ثم حرر إحدى يديه ليرطمها بخفةٍ خلف رأسها، وراح يفرك أذنها معاتبًا:_ الجلاشة يا نورا؟ عرفتي كمان الجلاشة! أنا مش عارف مدارس إيه اللي بتروحيها وتخلي لسانك يقول كلام أنا مقدرش أقوله، أقولك، أنا اللي هعمل معاكِ الجلاشة عشان تحرمي تقولي الكلام ده تاني.حاولت نورا أن تملص
فتح أيمن أمامها باب نور وسط الظلام ووجهها نحوه، لم تدرِ ياسمين لِمَ امتلكت كلماته قلبها وسكنته بهذه السرعة، فتـنـهـدت بصعوبة تخرج أنفاسها المحملة بالظلم والقهر والحزن الذي أصبح هو رفيقها الأوحد، وحاولت أن تتنفس هواءً نظيفًا لا تعبق به رائحة المخدرات وضباب أدخنة السجائر المغمسة بكل ما يُذهب عقل والدها، وأغمضت عينيها وانهمرت دموعها بضعف، ليلج شادي في تلك اللحظة ويحدق بهما بتساؤل، فأشار إليه صديقه بأن يلتزم الصمت، فوضع شادي أمامها الطعام والعصير وقال بصوتٍ مضطرب:_ اتفضلي عشان الدوخة اللي عندك تروح، وما تقلقيش من حاجة، وصدقيني لو احتجتِ لأي مساعدة هتلاقيني معاكِ.أومأت ياسمين وهي تبتسم لأول مرة، لتظهر غمازة وجنتها في مشهدٍ سحر لُب شادي، الذي حدق بها ببلاهة، فوكزه أيمن وسحبه من ساعده لخارج الغرفة، وهو يهمس له بأن يتركاها بمفردها لتتناول طعامها في هدوء ودون خوف....جلس حسين يتطلع إلى رفعت الذي غاب وعيه تحت تأثير "الهيروين"، فأخرج إحدى لفافاته وأشعلها، ثم مد يده بها إلى رفعت قائلًا بنبرة ودودة مصطنعة:_ خد يا رفعت، ظبط المزاج، أنا عاوزك تبقى رايق على الآخر، أهو بقدملك السبت عشان تعرف إني م
سيطر على ياسمين دوارٌ قسـي، فقد تآمر عليها الجوع مع رهبة المرتفعات في آنٍ واحد، لدرجة أنها لم تلحظ في غمرة رعبها أن حسين قد ألقى سيجارته وعاد إلى الداخل، في تلك اللحظة الحرجة، أحست بانزلاق أصابعها عن الحلية التي كانت تتشبث بها كأنها تتشبث بالحياة ذاتها، فسحبت نفسًا عميقًا وتلت الشهادة بصوتٍ واهن، لتشهق فجأة بذعرٍ حين شعرت بأصابع قوية تقبض على جسدها بغتة.تسارعت ضربات قلبها كطبولٍ مجنونة، وفقدت أصابعها قدرتها على التمسك، فاستسلمت للأمر الحتمي وهي تهوي داخل تلك الظلمة التي ظنتها نهايتها المحتومة، ولم يمهلها فقدان الوعي وقتًا لتطلق حتى صرخة استغاثة واحدة، ولم ترَ تلك العيون التي جحظت برعب وهي تحدق في وجهها الشاحب الذي يحاكي وجوه الموتى، بزرقة شفتيها وبياض بشرتها.ارتمى جسدها الرخو فوق جسد شابٍ شعر بتجمد أوصاله فور ملامستها له، لِيُسارع بالاعتدال سريعًا وحملها بين ذراعيه، متوجهًا بها إلى داخل الغرفة حيث مددها فوق الأريكة، وأخذ ينادي بصوتٍ يملؤه الجزع:_ شادي! يا شادي.. إلحقني بسرعة!ولج شادي إلى الغرفة، ليصدمه مشهد الفتاة التي انحنى فوقها أيمن يحاول إفاقتها بلهفة، فانقبض قلبه بشدة وهو يقت
اعتدل جلال في مقعده، وراح يحدق في يامن بنظراتٍ نافذة كعيني الصقر، وهو يفكر في ريبةٍ تنهش عقله: هل كانت مقابلته لهذا الشاب محض صدفةٍ بحتة؟ أم أنها كانت مدبرة بدقة ككل شيء صار يحيط بحياته مؤخرًا؟ ففي الآونة الأخيرة، تكاثرت تلك الصُّدف التي حاول الكثيرون استغلالها لاقتحام أسواره الحصينة التي شيدها بعناية ليبعد الجميع عنه. لقد أصبح في نظرهم كالبحر المظلم الغامض، يطمعون جميعًا في سبر أغواره ومعرفة ما يخبئه في أعماقه، خاصةً بعدما خسر والده جميع شركاته، وعاد هو ليقف من جديد وسط الميدان، كأن كل تلك الضربات المتلاحقة لم تنل من عزيمته ولم تكسر إرادته. حاول جلال جاهدًا طرد تلك الذكريات التي أخذت تتدافع بقوة لتحتل عقله وتزيد من ريبته، ثم ترك مقعده واتجه صوب يامن متسائلاً بنبرة هادئة: _ ما قولتليش يا يامن، إزاي واحد خريج هندسة حاسبات، وتبقى مش لاقي شغل لحد دلوقتي؟ يعني أنا أعرف إن بتوع الحاسبات دول مطلوبين دايمًا، طالما في كفاءة وخبرة ولباقة في الكلام زي اللي عندك. زفر يامن بضيقٍ مكتوم وهو يستحضر في ذهنه سلسلة خيباته المتتالية، ثم قال بصوتٍ يفيض بالخيبة والحزن: _ تقدر تقول عني إني انتقلت من خا
سحبت ياسمين أنفاسًا عميقة تحاول تهدئة الاضطراب الذي يسيطر على أطرافها، لكنها انتفضت بذعر حين سمعت جلبة مفاجئة بالخارج، فحبست أنفاسها، ووضعت يدها المرتجفة فوق شفتيها كأنها تخشى أن يشي بها صوتُ نَفَسِها، ومدت عنقها خلسة من باب المطبخ لتستطلع الأمر.تجمدت الدماء في عروقها حين لمحت والدها يجلس وبرفقته "حسين"، رفيق درب السوء، فتراجعت إلى الداخل بسرعة، وقد شحب وجهها حتى صار بلون الورق، بينما راح قلبها يخفق برعبٍ شديد، وراحت تنعي حظها العاثر الذي أخرجها من أمان غرفتها، ملاذها الوحيد؛ فلا أحد من رفاق والدها يعلم بوجودها، وهي لا تنوي أبدًا كـسـر هذه القاعدة.جالت بعينيها في أرجاء المطبخ الضيق تبحث عن مخرج، لكنها أدركت بمرارة أن لا مفر، فلو تحركت الآن سيراها حتمًا ويقع المحظور، انهارت أرضًا بجانب البراد، تحاول الانكماش لتختبئ بعيدًا عن الأنظار، وما إن تسلل إلى مسامعها صوت خطوات تقترب من مكانها، حتى غطت عينيها بكفيها، وانتفض قلبها بين ضلوعها كطيرٍ ذبيح.توقفت الخطوات فجأة بالقرب من البراد، فأبعدت كفيها ببطء وحذر، ليقع بصرها على والدها، فاستندت إلى الحائط ووقفت بصعوبة، بينما شحب وجه والدها بصدمةٍ







