Mag-log in---
*الفصل الثاني : "حين عرفت الظل"*
كان الصباح يزحف ببطء على نوافذ شقة بسمه، لكنه لم يجلب معه أماناً. جلب معه رسالة أخيها على الهاتف: "جهزي نفسك يا عروسة. ربيع بيه عايز يشوفك بكرة في الكوافير".
أغلقت بسمه الهاتف بيد مرتجفة، وعيناها تائهتان بين الخوف والاستسلام. قبل أن تبكي، فتحت التلفاز لتشتت أفكارها، فوقعت عيناها على شريط الأخبار العاجل:
*"مقتل رجل الأعمال كمال الشناوي... والشرطة تنشر الصورة التخيلية لـ قاتل الوردة السوداء"*
ظهرت على الشاشة صورة مرسومة لرجل ضخم، ظهره للكاميرا، يرتدي أسوداً، وفي يده وردة سوداء وهو يخرج من عمارة فاخرة. المذيع قال بصوت جاد: "القاتل يترك وردة سوداء مع كل ضحية... ورسالته واضحة: الموت لكل من يقترب من محبوبته".
قلب بسمه سقط في قدميها. نظرت إلى الوردة السوداء الموضوعة في المزهرية عندها... نفس الوردة، نفس اللون، نفس الشوك الذي يلمع كالسم.
في تلك اللحظة، رن هاتفها برقم مجهول. ترددت، ثم أجابت بصوت متهدج.
جاءها الصوت العميق الهادئ الذي سمعته ليلة الوردة الأولى: "نمتي كويس يا بسمه؟"
شهقت بسمه: "إنت... صوتك... إنت اللي في التليفزيون؟ إنت قاتل الوردة السوداء؟ انت اللى قتلت مديرى كمال الشناوى؟"
ضحكة خافتة جاءتها من الطرف الآخر، ضحكة رضا لا ندم فيها: "برافو يا قلبي. طلعتي ذكية. آه أنا سليم. وأنا اللي همسح أي حد يفكر يلمسك."
قبل أن تغلق الخط، تذكرت كتاب "لغة الزهور" الذي رأته في مكتب مديرها المقتول كمال الشناوى قبل أسبوع. كان مفتوحاً على صفحة الورد الأسود ومكتوب تحته: "الولاء الأبدي للمحبوب... والموت للمنافسين".
كل القطع اكتملت في رأسها. الصوت + الطويل الضخم في الصورة + الوردة + كلمة "محدش غيري" = هو.
سليم المرشدي... القاتل.
ألقت الهاتف من يدها وجلست على الأرض تبكي وترتجف. لم تنم تلك الليلة. كانت تنتظر الموت أو الجنون.
---
وفي منتصف الليل، حين استسلمت أخيراً للنوم من التعب، سمعت صوتاً.
طقطقة خفيفة عند النافذة.
فتحت عينيها فزعة. الشقة صامتة، والظلام يغطي كل شيء إلا ضوء القمر المتسلل من بين الستائر. قلبها دق بعنف، ويدها امتدت تبحث عن هاتفها تحت الوسادة.
في اللحظة التالية، انفتح باب غرفتها ببطء... دون صوت.
لم تصرخ. الرعب جمد صوتها في حلقها.
كان واقفاً في عتبة الباب، وظله يملأ الغرفة كلها.
طوله يقارب المترين، وعرض كتفيه يسد الضوء القادم من الصالة. يرتدي قميصاً أسود بسيطاً أكمامه مرفوعة حتى المرفق، وبنطالاً داكناً يلتصق بساقيه كأنه جزء منه. لكنه لم يكن القميص ولا البنطال ما جعل أنفاسها تتوقف.
كان وجهه.
وسيم بشكل مرعب ومخيف كما تحلم كل فتاة بالبطل الأسطوري، لكن وسامته كانت قاسية، حادة كحد السيف. فك قوي منحوت، وأنف مستقيم، وشفاه رفيعة لا تبتسم إلا نادراً. شعره الأسود الفاحم مبلل قليلاً من رذاذ المطر، يتساقط منه على جبهته خصلة واحدة جعلته يبدو كشيطان خرج من رواية.
لكن عينيه... عينيه السوداوين كانتا الكارثة الحقيقية. عينان لا ترحمان، عميقتان كالبئر، تحدقان فيها الآن بنظرة مزيج من الجوع والامتلاك والجنون. نظرة تقول: "أنتِ لي وحدي".
سليم المرشدي. الظل الذي راقبها سنتين. قاتل الوردة السوداء يقف في غرفتها.
بسمه تشبثت بالملاءة حتى ابيضت مفاصلها، وصوتها خرج متهدجاً مرعوباً: "إنت... إنت بجد؟ إنت القاتل؟ إزاي دخلت؟ اطلع برا بيتي حالاً!"
لم يجب. ظل واقفاً مكانه ثانيتين، يفحصها بعينيه من رأسها حتى أخمص قدميها، كأنه يتأكد أنها بخير. ثم أغلق الباب خلفه بهدوء مخيف، وتقدم خطوة واحدة داخل الغرفة.
خطوته جعلت الأرضية الخشبية تئن تحت وزنه.
صوته حين نطق كان أخفض مما توقعت، أجشاً، دافئاً رغم البرودة التي تشع منه:
"صوتك واطي أوي يا بسمه... بخاف عليكي من الهوا. إزاي مستحملة الدنيا كلها بتصرخ في وشك وإنتي ساكتة؟"
بسمه بكت وهي تهز رأسها: "إنت مجنون! الشرطة بتدور عليك! اطلع برا قبل ما أصرخ وألم الناس عليك!"
ابتسم ابتسامة خفيفة، لم تصل لعينيه: "اصرخي. الشارع كله تحتي رجالتي. ومحدش هيقدر يوصل للباب ده غير على جثتي. جربتي تبصي في عيني يا بسمه؟"
تقدم خطوة أخرى. المسافة بينهما صارت أنفاساً معدودة. رائحة عطره الرجولي الثقيل ملأت الغرفة، ممزوجة برائحة البارود الخفيفة.
بسمه رفعت يدها ترتعش تريد دفعه، لكنه كان أسرع. أمسك معصمها بيد واحدة، ورفعها فوق رأسها وثبتها على الحائط برفق... رفق مخيف.
"إيدك دي" قال وهو ينظر لمعصمها الأبيض بين أصابعه الضخمة "ناعمة أوي. تستاهل تتلبس بالماس، مش تتشال ملفات تقيلة في شركة وسخة."
دموعها نزلت: "سيبني... أنا خايفة منك. أنا عرفت إنت مين!"
اقترب بوجهه منها حتى صار نفسها يختلط بنفسه:
"آه عرفتي إني سليم. وعرفتي إني بموت عشانك. وأوعدك يا بسمه... اللي يخوفك هخليه يتمنى الموت وميلاقيهوش."
فلت معصمها ببطء، ورفع يده ومسح دمعة من تحت عينها بإبهامه بحنان يتناقض مع هيئته المرعبة:
"متعيطيش يا قلبي. دموعك دي بتوجعني أنا. وأنا مبتوجعش من رصاص ولا سكاكين... بتوجع منك إنتي بس."
سحب من جيبه علبة مخملية حمراء، فتحها. داخلها عقد من الماس الأبيض يلمع ببريق يخطف العين. وضعه على الطاولة بجانب سريرها:
"ده مهرك يا بسمه. مش مهر كمال الشناوي العجوز. ده مهر الراجل اللي هيحطك في عينه. من بكرة مفيش فرح غصب. أنا سليم المرشدي، 30 سنة، عندي شركة أمن في الزمالك، وساكن في برج فى الزمالك... بس كل ده ولا يسوى وجودك معايا."
ثم انحنى قليلاً، وقبل جبينها قبلة خفيفة، سريعة، لكنها حرقت جلدها:
"نامي يا بسمه. وأنا سهران برا بابك. لو دبانة قربت منك... هقتلها."
تراجع خطوتين للخلف، واستدار ليرحل كما جاء... ظلاً.
وقبل أن يختفي، توقف عند الباب ولم يلتفت:
"ولو خايفة مني... خافي أكتر من اللي هيحاول يقرب منك بعد الليلة دي. تصبحي على حب يا بسمه."
وخرج، وأغلق الباب وراءه بهدوء.
ظلت بسمه واقفة، ترتجف، ويدها على جبينها مكان قبلته. الآن عرفت الحقيقة كاملة... وعرفت أن الجحيم دخل بيتها بإرادته.
بقلم اسماء عدلى
---
---*الفصل الثامن عشر: "رد الجميل"*مر يومين وسليم حاله بقى أحسن. السخونية نزلت والجرح قفل شوية بفضل تمريض بسمه اللي 24 ساعة صاحية جنبه.اليوم التالت، سليم صحي لقاها نايمة على الكرسي جنبه، راسها مايلة ووشها مرهق وتحت عينيها اسود من السهر.قلبه وجعه عليها أكتر من جرحه. حاول يقوم بالراحة، كل حركة كانت بتوجعه بس استحمل.سند على الحيطة ووصل للحمام غسل وشه، ولبس تيشرت واسع عشان يداري الشاش. ثم دخل المطبخ الصغير يتسند على الرخامة.*سليم*: "وهو بيكلم نفسه بصوت واطي" ... "الست دي سهرت عليا يومين... دوري أنا بقى أدلعها."عملها أحلى كوباية كاكاو باللبن والعسل زي ما بتحبه، وقطع جنبه شوكولاتة. حط كل حاجة على صينية صغيرة وشالها بالدراع السليم وهو ساند ضهره على الحيطة عشان ميقعش.رجع الأوضة وحط الصينية على الترابيزة جنبها، ثم قعد على الأرض عند رجل الكرسي بتاعها. مسك إيديها الصغيرة وباسها براحة.بسمه اتحركت من النوم وفتحت عينيها، لقيته قدامها قاعد على الأرض وباصص لها بحب.*بسمه*: "مفزوعة" ... "سليم! إنت قومت؟ ليه قومت من مكانك؟ الجرح!"*سليم*: "مسك إيديها وحطها على خده" ... "ش... اهدي يا دكتورة. أنا
---*الفصل السادس عشر: "تدريب الوحش الصغير"*معداش 10 دقايق على ما الذئاب مشيوا، وسمع سليم صوت عربيات بتفرمل تحت في الجراج. صوت فهد من بره الباب الحديد بيصرخ:*فهد*: "غلطة عمرك يا سليم! الوحش اللي يسيب القطيع... القطيع بياكله!"سليم بص لبسمه ووشه كله جد: "قوم يا بسمه. مفيش وقت. هيهجموا."*بسمه*: "إيديها بتترعش" ... "هيقتحموا علينا؟"*سليم*: "لأ. أنا اللي هطلع أاكلهم قبل ما يقربوا منك."سحبها من إيديها ودخل بيها أوضة السلاح. فتح صندوق حديد وطلع منه مسدس صغير فضي لونه وردي.*سليم*: "خدي ده يا روحي. ده بتاعك من النهاردة."*بسمه*: "أنا عمري ما مسكت سلاح يا سليم!"*سليم*: "وأنا عمري ما هخلي حد يلمسك. بس لو أنا وقعت... لازم تعرفي تحمي نفسك."مسك إيديها الاتنين ولف صوابعها حوالين المسدس. وقف وراها ولزق صدره بضهرها عشان يثبتها.*سليم*: "بصي يا قلبي. رجلك كده... ضهرك كده... عينك على الهدف. نفس عميق... وطلعي الرصاصة."علمها إزاي تفك الأمان وإزاي تصوب. وهو بيشرحلها كان بيبوس شعرها كل شوية عشان يهديها: "متخافيش، أنا ضهرك. اضربي في السقف لو خفتي، بس اوعي الرصاصة تيجي فيكي."فجأة الباب الحديد اتهز
---*الفصل الرابع عشر: "فطور المصاب"*استيقظ سليم على دفء غريب على صدره. فتح عينيه بتعب فوجد بسمه نائمة فوقه، رأسها على قلبه، وذراعها الصغير يطوق خصره كأنها تخشى هروبه حتى في منامها.ابتسم رغم الألم الذي كان ينهش كتفه مع كل نفس. حاول أن يتحرك ليغطيها، فأنّ أنّة مكتومة خرجت من صدره.بسمه فزّت من نومها في لحظة: "سليم! صحيت؟ بتوجعك؟"*سليم*: "بصوت ناعس" ... "لأ يا روحي. إنتِ اللي كنتي موجعاني... من كتر حلاوتك وأنا نايم."قبل رأسها وهو لسه نايم مكانه: "نمتي كويس؟"*بسمه*: "نمتي وأنا خايفة تسيبني. كل شوية كنت بمسك قميصك عشان أتأكد إنك هنا."سليم باس إيديها: "عمري ما هسيبك. قومي يا عروسة اغسلي وشك، وأنا هعملك فطار."*بسمه*: "إنت اتجننت؟ كتفك متصاب! اقعد مكانك وأنا اللي هعمل."*سليم*: "لو معملتلكيش فطار بإيدي وأنا مصاب، هعملهولك إمتى؟ اقعدي يا بسمه. ده أمر."زق نفسه بالدراع السليم وقام بصعوبة، وكل حركة كانت نار في كتفه. لكنه وقف ولبس روب أسود فوق قميصه عشان يداري الشاش والدم.دخل المطبخ الصغير وبدأ يتحرك ببطء. كل ما يمد إيده المصابة يصر على سنانه ويكمل.بسمه واقفة في الباب بتعيط من غير صوت:
---*الفصل الثالث عشر: "تمرجي الوحش"*انحرفت السيارة المصفحة داخل جراج مهجور تحت الأرض في منطقة نائية. أوقفها سليم بقوة، وأنفاسه تتقطع من الألم الذي كان يخفيه طوال المطاردة.ما إن أوقف المحرك، حتى انهار بجسده على المقود. الرصاصة التي صدها الجاكيت الواقي تركت كدمة زرقاء عملاقة وجرحاً مفتوحاً في كتفه.بسمه فتحت الباب بفزع وجرت ناحيته: "سليم! سليم رد عليا!"*سليم*: "بصوت مبحوح" ... "إهدي يا قلبي... أنا كويس. أهم حاجة إنتي بخير."خلع الجاكيت الواقي بصعوبة، وسال الدم على قميصه الأبيض فاصطبغ بالأحمر. بسمه شهقت ودموعها نزلت بدون صوت.سحبها من إيدها ودخل بيها شقة صغيرة مخفية بابها ورا رف كتب في الجراج. الشقة كلها حديد ومصممة كملجأ. واضح إنها "بيت الأمان" بتاعه من زمان.رمى نفسه على الكنبة الجلد وعض على شفته عشان ميصرخش.بسمه جريت على الحمام وجابت مياه دافية وفوط وقطن. ركعت على الأرض جنبه وبدأت تمسح الدم من على كتفه وإيديها بتترعش.*بسمه*: "إنت مجنون؟ ليه وقفت قدام الرصاص؟ ليه؟"*سليم*: "عشان ضهرك يا بسمه. عشان لو الرصاصة جت فيكي هموت 100 مرة. أنا أستحمل، إنتي لأ."وهي بتطهر الجرح، كان بيبص في
---*الفصل الحادي عشر: "يوم العروسين"*استيقظت القاهرة على يوم مشمس، لكن برج الزمالك كان لا يزال تحت الحصار. بالداخل، قرر سليم أن يحول سجنهم المؤقت إلى جنة.منذ الصباح الباكر، منع بسمه من أن تلمس شيئاً. "إنتي عروسة، والعروسة مبتخدمش نفسها" هكذا قال وهو يطردها من المطبخ.أعد لها إفطاراً ثانياً، ثم جرّها إلى غرفة المعيشة بالقوة: "إقعدي يا هانم. النهاردة يومك."جلب من غرفته صندوقاً قديماً وفتحه. كان مليئاً بأشياء غريبة: ألوان، وورق رسم، وسماعات، وحتى علبة مناكير أحمر قانٍ.*بسمه*: "إيه ده كله؟ جبته منين؟"*سليم*: "من زمان يا بسمه. كنت بجمع أي حاجة ممكن تعجب بنات الناس. عشان في يوم أجيب اللي بحبها وادلعها بيها."جلس خلفها على الكنبة، وسحبها لتستند على صدره، ثم وضع السماعات في أذنيها وشغل أغنية هادئة. وبدأ يرسم على ورقة كبيرة.*بسمه*: "إنت بترسم إيه؟"*سليم*: "برسم مراتي وهي بتضحك من قلبها. عشان صورتك دي محفورة هنا" وطبع قبلة على صدغه.بعد الظهر، جلب علبة المناكير وجلس على الأرض عند قدميها: "هاتي رجلك يا عروسة."*بسمه*: "إنت اتجننت؟ قاتل الوردة السوداء هيعمل باديكير؟"*سليم*: "أيوه. واللي
وقف سليم على الباب دقيقتين كاملتين، جسده حاجز منيع بين العالم الخارجي وبينها. صوته وهو يتفاوض مع الضابط كان جليداً قاطعاً، لا مساومة فيه: "مراتي خط أحمر. عايزين تقتحموا؟ فوق جثتي. عايزين تتفاوضوا؟ استنوا لما تخلص فطار."وأخيراً، بعد شد وجذب، تراجع الضابط وقال من خلف الباب: "هننسحب مؤقتاً يا سليم... بس اعرف إننا راصدين كل حركة."أغلق سليم الباب بالمفتاح والترباس، ثم استند بظهره عليه وأغمض عينيه. كان صدره يعلو ويهبط من الغضب المكبوت. لكنه ما إن استدار نحوها، حتى ذاب الجليد من عينيه في لحظة.رآها واقفة مكانها، الصينية في يدها ترتجف، وعينيها مليئة بالدموع خوفاً عليه.في ثانية واحدة كان أمامها. سحب الصينية من يدها ووضعها على الكومود، ثم سحبها لحضنه بقوة حتى كادت ضلوعها تتكسر.*سليم*: "ش... بس يا روحي. بطلي عياط. أنا كويس، أهو قدامك. محدش يقدر يلمسني وإنتي معايا."دفن وجهه في عنقها واستنشق رائحتها كأنه يستمد منها الحياة. يداه تمسح على ظهرها بحنان يمحي كل رعب مرّت به.*بسمه*: "كنت هموت من الخوف عليك... صوتهم كان يرعب."*سليم*: "وأنا كنت هموت لو دمعة واحدة نزلت من عينك بسببي. تعالي هنا."حمله







