LOGINوصلت العربية قدام العمارة، السكون ملتقط أطراف المكان مع ساعات الفجر الأولى. أضواء العمارة الخافتة ودرجات السلم كانت شايلة ذكريات طفولة ياسين وضحكات أمه وأبوه قبل ما الدنيا تطحنه في جحيم العزايزي والسيوفي. وقف منصور العربية، وبص لـ ياسين في المراية بقلق وقال: "أطلع معاك يا باشا؟ ولا أستنى تحت؟ هز ياسين راسه برفض هادي وهو بينزل من العربية بخطوات ثقيلة ومحملة بوجع الجرح والنفس: "لأ يا منصور.. ارجع أنت، ومتبلغش حد نهائي بمكاني ده." تردد منصور لحظة وسأله بتوجس: "ومدام ليلى يا ياسين بيه؟ أقولها إيه لو سألت؟" حدجه ياسين بنظرة حادة ونافذة وقاطعة: "ولا حتى مدام ليلى.. ولا مراد بيه! محدش يعرف مكاني مطلقاً يا منصور.. السر ده يفضل معاك." تنفس ياسين بجهد وكمل كلامه بأمر واصل وصارم: "الصبح.. تبلغ مدام ليلى إن شغل شركة السيوفي كله في إيدها مؤقتاً.. هتقولها إن الأستاذ ياسين بعتلك إنه واخد هدنة من كل حاجة في حياته، حتى الشغل.. وسايب ليكي الإدارة تحت ايدك، وبيطلب منك تنفذ كل اللي اتعلمتيه منه في البيزنس الفترة اللي فاتت." هز منصور راسه بطاعة وكسرة: "أوامرك يا ياسين ب
مر أسبوع كامل على وجود ياسين في أسر الغيبوبة، أسبوع كان كأنه دهر وثقيل زي جبل على صدر ليلى. مسبتهوش دقيقة واحدة، ولا خرجت من الأوضة.. كانت بايتة جنبه على الكرسي، عيونها مابتفارقش ملامحه الباهتة وصدره اللي بيطلع وينزل ببطء مع جهاز التنفس. لحد ما جه اليوم المنتظر.. ياسين كان لسه طريح الفراش، الأجهزة حواليه بتصوت بصوت منتظم، والدنيا برة وجوه الأوضة هادية تماماً. ليلى كانت قاعدة جنبه، ماسكة إيده الباردة بكفيها المرتجفين، ودموعها بتنزل بغزارة على صوابعه وهي بتبوسها بلهفة ورعشة ندم: "ياسين.. أرجوك اصحى بقى.. أنا اشتقت لك أوي يا حبيبي.. اشتقت لصوتك ونظرة عينيك." سكتت لحظة، ونزلت راسها على إيده وشهقات عياطها بقت تملأ الأوضة وهي بتتوسل له بصوت مكسور: "اصحى واضربني يا ياسين.. موتني، اعمل اللي إنت عاوزه فيا، قطعني حتت بس متسبنيش! أنا حياتي من غيرك مالهاش أي طعم ولا معنى.. أنا مشفتش حنية ولا أمان في دنيتي دي كلها غير على إيدك أنت!" كان كلامها الدايب ودموعها الحارة اللي نازلة على إيده كأنها طوق نجاة صحى روحه الغايبة. جوة ظلام الغيبوبة، كان صدى صوتها بيخترق السكون، وعقله بدأ يعيد
الوقت جوه المستشفى كان بيعدي كأنه سنين من التوتر والدموع. السكون اللي برة غرفة العمليات كان مرعب ومخنق، وعيون مراد وليلى متبتة على باب الأوضة، مستنيين أي طوق نجاة. فجأة.. اتفتح باب العمليات، وطلع الدكتور وملامح وجهه محملة بالإرهاق والتعب. جريت عليه ليلى بلهفة ورعب، وقلبها بيدق بجنون، ومسكت في كوت الجلدي بتاعه وهي بتصرخ بصوت مكسور: "طمني يا دكتور! ياسين عامل إيه؟! أرجوك طمني!" تنفس الدكتور بعمق وقال بصوت هادئ وحذر: "الحمد لله قدرنا نطلع الرصاصة.. حالته مبدئياً مستقرة والجرح تماسك، بس للأسف.. ياسين دخل في غيبوبة." وقفت الدنيا بـ ليلى، وكأن جبل سقط فوق دماغيها، وفتحت عيونها بصدمة وقالت بانهيار: "غيبوبة؟! يعني إيه يا دكتور؟! ياسين هيصحي إمتى؟! أرجوك قولي إنه هيفوق حالا!" حط الدكتور إيده على راسه بأسف وقال: "للأسف يا مدام، الإصابة كانت قوية والصدمة العصبية والنزيف أثروا بشكل كبير.. إحنا عملنا اللي قدرنا عليه كدكاترة، وباقي الشغل كله على ياسين نفسه؛ هو لازم يحارب ويساعد نفسه عشان يرجع لوعيه.. الباقي كله بقى في إيد ربنا وحده." قبل ما ليلى تستوعب الصدمة، بصلها ال
نزل ياسين من القصر بسرعة الصاروخ، عيونه مابتنطقش غير شرار، وخطواته سريعة وواثقة كأنه رايح لمعركة حتمية. أول ما وصل للعربيات برة، جري عليه واحد من حراس مراد وقال بقلق: "على فين يا ياسين بيه في الوقت متأخر ده؟!" بصه ياسين بطرف عينه ورد بنبرة حادة ونافذة: "وصلنا لمكان رانيا.. هطلع أخلص عليها. استنوا أنتوا هنا، وإياك حد يزعج مراد بيه أو يصحيه دلوقتي، أنا هخلص كل حاجة بنفسي ومش هطول." عقد الحارس (حسن) حواجبه وقال بنبرة مليانة حرص: "أوامرك على راسي يا باشا.. بس برضه رأيي إنك تزود معاك الحراسة، إنت رايح لوكر عاصفة وماتضمنش إيه اللي مستنيك هناك!" دخل منصور في اللحظة دي وهو بينظم رجالة الموكب، وقال بصوت جاد: "معاه حق يا ياسين بيه.. متشكر لثقتك فينا، بس كلام حسن صح مفيش أي مشكله لو خدنا دعم زيادة، كله أمان وتأمين لحضرتك." تنفس ياسين بعمق وقال بحسم: "اللي شايفينه صح نفذوه.. بس يلا بسرعة اتحركوا عشان منضيعش وقت." في ثواني معدودة، دارت عربيات الموكب وطلعت بسرعة مجنونة تشق سواد الليل وظلمة الفجر، ومضت عربيات الحرس وراها في طابور أسود سريع. في القصر.. الجناح العلوي
بينما كانت رانيا هاربة من مكان للثاني، بتتحرك بحذر شديد وتستخبى في شقة جديدة على أطراف المحافظة، كانت بتخلص أوراق سفرها المزورة عشان تخلع برة البلد.. كانت مفكرة إنها ذكية وهربت، لكنها كانت جاهلة إن "رجالة مراد العزايزي" كانوا ماسكين خيطها بالمللي، ومستنيين اللحظة المناسبة اللي تطمن فيها وتستقر في مكانها عشان يكبسوا عليها مرة واحدة وتقع في المصيدة من غير ما ترفرف! مرت تلات أسبوع كاملة.. ليلى كانت خرجت من المستشفى وصحتها اتحسنت ورجعت القصر. وفي الوقت ده، كانت رانيا قاعدة في مخبها ميتة من الرعب ومستغربة: "إزاي كل الوقت ده عدى ومفيش حس ولا خبر؟! محدش بينكش ورايا ولا بيلاحقني؟!".. الهدوء ده كان مرعبها ومخليها حاسة إن فيه مصيبة أكبر بتتحضر لها في الخفاء. في قصر العزايزي.. الجناح الخاص كانت ليلى قاعدة على السرير، ومنسجمة بضحك وحب وهي بتلاعب ابن رانيا الرضيع، وبتهزر معاه برقة. في اللحظة دي، فتح باب الجناح ودخل ياسين. كان شكله تعبان نفسياً، ملامحه شاحبة ومحملة بآثار السهر والضغط العصبي والذكريات السودا اللي مش راضية تسيبه. وقف عند باب الجناح، وفضل باصص لـ ليلى وهي شايلة الطفل وبتلا
كانت غرفة المستشفى يغمرها هدوء ثقيل، لا يقطعه سوى صوت أجهزة الرصد المنتظمة. ياسين قاعد جنب سرير ليلى، مش مفارقها لثانية واحدة. كفه الدافئ كان ضامم إيدها بحنان شديد، وعيونه المرعوبة والمجهدة بتتفحص كل إنش في وشها عشان يطمن إنها بخير، وإن الجنين جوه بطنها لسه بينبض بالحياة. بدأت ليلى تفتح عيونها ببطء، ورموشها بتترعش من أثر المخدر والرضوض. أول ما شافته قاعد جنبها بالمنظر ده، وعيونه مليانة نيران غضب مكتوم، فتحت شفايفها بصوت خافت ومجهد: "ياسين.." قرب ياسين منها فوراً، مال على رأسها وباس جبينها برقة بالغة وقال بصوت دافي يحاول يداري بيه رعب قلبه: "حمد الله على سلامتك يا ليلى.. الحمد لله إنك بخير أنت والبيبي، ربنا نجاكم من الموت بأعجوبة." نزلت دمعة حارة من عين ليلى، وشدت على إيده بصوابعها المرتعشة، وقالت بصوت مخنوق مليان ندم وتوسل: "اهدى يا ياسين.. أرجوك اهدى، بلاش ترمي نفسك في النار عشان خاطري وخاطر ابننا! أنا.. أنا السبب في اللي حصل.." عقد ياسين حواجبه باستغراب وحنان، وقال: "سبب إيه يا ليلى؟ دا كمين معمول بدقة، إنتي مالكيش ذنب." اتنهدت ليلى بوجع وقالت بصوت بيتقطع:
مرّ أسبوع كامل، كان أطول أسبوع في حياة ليلى. كانت بتراقب ياسين في صمت، بتشوفه وهو بيشتغل، بتسمع إشادة الموظفين بذكائه، وكل ده كان بيزود النار جواها. كانت مستنية اللحظة اللي يغفل فيها، والفرصة جت أخيراً لما ياسين اضطر يخرج في "مأمورية خارجية" لإنهاء إجراءات صفقة في البنك. بمجرد ما باب الشركة اتقفل
ليلى كانت بتخرج من مكتب الحسابات وهي بتنهج من كتر الغيظ، وشعرها اللي كان مبلول بالمية اللي ارتدت عليها بعد ما رشّت ياسين كان لازق على وشها، ومكياجها سايح ومبهدل ملامحها. كانت لسه بتبرطم بكلام مش مفهوم عن "قلة أدبه" و"طريقة تدريبه"، وفجأة.. اتخبطت في حد كان واقف بره بيراقب اللي بيحصل جوه.رفعت راسه
القاهرة كانت بتتنفس زحمة، بس جوه شركة "العزايزي"، الهواء كان مقطوع. الساعة كانت لسه ما جابتش تسعة، والكل في حالة استنفار غير مسبوقة. مفيش موظف كان بيتحرك بره مكتبه، وكأن الشركة بقت ثكنة عسكرية.الباب الرئيسي اتفتح، ودخلت "ليلى". مكنتش ليلى اللي الموظفين يعرفوها؛ اللي بتدخل بضحكة وموبايل في إيدها.
في الشركة، كان الجو مشحوناً بهدوء لا يطمئن. طوال اليوم، كان ياسين يمارس عمله بجدية مفرطة، متجاهلاً وجود ليلى تماماً. لم يلقِ نظرة واحدة تجاه مكتبها، وكأنها غير موجودة، وهذا التجاهل كان يحرق أعصابها أكثر من أي كلام. مع دقات ساعة "البريك"، تحرك ياسين بهدوء، أخذ معطفه واتجه نحو المصعد. ليلى، التي كا







