เข้าสู่ระบบجلست على الكرسي المقابل له، قريبة جدًا لدرجة أن ركبتيها كادتا تلمسان ركبته. أمسكت ساعده بيد مرتجفة قليلاً، وبدأت تنظف الجرح بلطف. كان الجلد حوله متورمًا، والجرح نفسه كان واضحًا أنه ناتج عن شظية أو ربما رصاصة مرت بجانبه. شعرت تحت أطراف أصابعها بصلابة عضلاته، وبالندوب القديمة التي كانت تروي قصصًا لم تسمعها.
لم يتكلم أي منهما لعدة دقائق. فقط صوت تنفسهما، وصوت الشاش وهو يمر على الجلد. ثم قال إياد، بصوت منخفض: "أخبرك والدي ذات مرة، حين كنت صغيرًا، أن الندوب هي الطريقة التي يتذكر بها الجسد ما يجب ألا ينساه." رفعت ميرال عينيها إليه. "وماذا يجب ألا تنسى؟" "كل شيء." نظر من النافذة. "كل من فقدتهم. كل خطأ ارتكبته." "وأنا؟" فاجأتها الكلمة قبل أن تتمكن من إيقافها. "هل أنا خطأ؟" التفت لينظر إليها، حادًا. "أنتِ... " توقف. "أنتِ لستِ خطأً. أنتِ... تعقيد." "تعقيد؟" "تعقيد لم أخطط له." لم تكن تعرف إن كان ذلك إهانة أم مديحًا. فضمدت الجرح بصمت، تربط الشاش ببطء، تحاول ألا تضغط بشدة. حين انتهت، لم تسحب يديها فورًا. بقيت أطراف أصابعها على ساعده، تشعر بحرارة جلده. نظر إلى يدها، ثم إلى وجهها. شيئًا ما تغير في الغرفة. الهواء أصبح أثقل، والمسافة بينهما بدت فجأة أقصر. "ميرال،" قال اسمها ببطء، كمن يتذوقه لأول مرة. "نعم؟" "لماذا بقيتِ في البهو طوال الليل؟" سؤال بسيط، لكن الإجابة لم تكن بسيطة. كيف تقول له إنها لا تعرف؟ كيف تقول إن فكرة أنه قد لا يعود جعلتها غير قادرة على النوم في سريرها الفارغ؟ "كنت... قلقة." "عليّ؟" "على... " توقفت، مرتبكة. "على كل شيء." أمال رأسه قليلاً، يدرس وجهها كخريطة. "لم يقلق أحد عليّ منذ زمن طويل جدًا." "حتى أمير؟" تغير وجهه عند ذكر اسم أخيه. انسحب شيء ما من عينيه. "أمير كان مشغولاً بحمايتي. لم يكن لديه وقت للقلق." "إذن، أنا أقلق عليك." قالتها ببساطة، وكأنها تقول حقيقة بديهية. وقف إياد فجأة، والضمادة الجديدة تلمع على ساعده. كان طويلاً بجانبها، وهي جالسة، مما جعلها تنظر إليه من أسفل. مد يده، ولمس ذقنها بأطراف أصابعه، رافعًا وجهها إليه. اللمسة كانت خفيفة كالريشة، لكنها أحرقت جلدها. "لا تقلقي عليّ، ميرال،" قال بصوت خفيض، فيه تهديد ورجاء ممتزجان. "أنا لا أستحق قلقك." تركها، وخرج من المطبخ دون أن ينظر خلفه. بقيت ميرال جالسة، مكانها، تسمع وقع خطواته وهي تبتعد، وتشعر بطيف أصابعه لا يزال على ذقنها. لا يستحق قلقها. ماذا كان يعني؟ وماذا كان يخفي؟ والأهم: لماذا شعرت، للحظة، أن رحيله عن الغرفة كان خطأ يجب تصحيحه؟ في الخارج، في حديقة القصر، كان رجال إياد يتجمعون. طارق كان يتحدث في هاتفه، وجهه جاد. سيارات تصل وترحل، وهمهمة خافتة من النشاط المشؤوم ملأت الأجواء. كانت الحرب قد بدأت. لكن شيئًا آخر كان قد بدأ أيضًا، في داخل أسوار ذلك القصر. شيء لم يكن لأي منهما السيطرة عليه. في المساء، تلقت ميرال زيارة غير متوقعة. كانت في مكتبة القصر الصغيرة، تحاول قراءة رواية قديمة وجدتها على الرف، عندما دخلت أم نادر وقالت بصوتها الهادئ: "سيدتي، هناك... زائرة لك." "زائرة؟ أنا لا أعرف أحدًا." "تقول إن اسمها ليلى. وإنها... صديقة قديمة لأمير." تجمد الدم في عروق ميرال. ليلى. الاسم لم يكن غريبًا عليها. فقد سمعته من قبل، من أمير نفسه، في إحدى المرات التي كان فيها مخمورًا وحزينًا. كان قد ذكر اسم امرأة، بصوت ملؤه الندم، وقال شيئًا عن أنها "المرأة التي كادت أن تدمر عائلتنا". "أدخليها،" قالت، بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا. دخلت امرأة في منتصف الثلاثينات، بشعر أحمر مصبوغ، وفستان ضيق يكشف أكثر مما يخفي. وجهها كان جميلاً، لكنه كان قاسيًا، والعينان الزرقاوان كانتا تحملان بريقًا خبيثًا. "ميرال،" قالت بابتسامة باردة. "أخيرًا ألتقي بأرملة أمير الشهيرة. ثم زوجة إياد. يا لكِ من امرأة محظوظة... أو مشؤومة، اعتمادًا على وجهة النظر." "ماذا تريدين؟" جلست ليلى دون أن تُدعى، وعقدت ساقيها. "جئت لأحذرك. إياد ليس الرجل الذي تظنينه. أعرفه... أكثر مما تتخيلين." "أعرفه كيف؟" "كنت خطيبته." توقفت لتستمتع بتأثير كلماتها. "قبل سنوات. كان يجب أن أكون أنا زوجته، لا أنتِ. لكن... حدثت أمور. أمير تدخل، وإياد... أنهى كل شيء. لأن العائلة أهم من الحب، كما يقولون في هذا العالم القذر." كانت الكلمات كطلقات. ميرال شعرت بالأرض تهتز تحتها. "لماذا تخبريني هذا؟"ترددت ميرال. كانت تعرف أن الكلمات التالية ستكون كالقنبلة. "قالت... إن لديها طفلاً ثالثًا. ولدته بعد أمير وقبلك. أخفته. أعطته لعائلة أخرى." وقف إياد. مشى إلى النافذة. ظهره كان متوترًا، مشدودًا، كقوس على وشك الانطلاق. "طفل ثالث،" همس. "شقيق. لا أعرفه." "نعم." "وأين هذه الرسائل الآن؟" "أخذها. الرجل الذي كان هنا. سامر. رأيته في الممر. دخل الغرفة. أخذ الصندوق." استدار إياد. كان وجهه متغيرًا. "سامر؟ النقيب سامر؟" "نعم. كان يرتدي نفس المعطف. كان لديه نفس الخاتم. الخاتم الفضي." "لكن... سامر يعمل معي منذ أسابيع. هو من ساعدنا في العثور على مخبأ ماريو. هو من أعطانا المعلومات." "إذن هو يعرف كل شيء. تحركاتك. أسرارك. نقاط ضعفك." ساد صمت. كان عقل إياد يعمل بسرعة. كان يحلل كل لقاء مع سامر، كل معلومة أعطاها له، كل سؤال طرحه. "إذا كان سامر هو من أخذ الرسائل... فهذا يعني أنه يعرف. عن الطفل الثالث. عن أمي." "أو..." توقفت ميرال. كانت هناك فكرة تراودها منذ أن رأت الخاتم. فكرة مجنونة. فكرة مستحيلة. لكنها... كانت ممكنة. "أو أنه ليس مجرد شرطي." "ماذا تعنين؟" "الطفل الثالث. لو كان حيًا.
المعطف الداكن. الطول. ثم، حين استدار الرجل لينظر إليها، رأت وجهه. كان وجهًا لم تنسه. وجه الرجل الذي رأته في الطابق الثالث قبل ساعات. وجه الرجل الذي أخذ الصندوق. "ميرال،" قال إياد، واقفًا. "ما الذي... لماذا أنتِ هنا؟ هل حدث شيء؟" لكنها لم تكن تنظر إليه. كانت تنظر إلى الرجل. إلى الرجل الذي كان يقف الآن في منتصف المكتب، ينظر إليها بدوره، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه. ابتسامة باردة. ابتسامة معرفة. "من... من هذا؟" سألت ميرال، وصوتها كان متقطعًا. نظر إياد إلى الرجل، ثم إليها. كان مرتبكًا. "هذا سامر. النقيب سامر. من الشرطة." "الشرطة؟" كررت ميرال. كانت عيناها لا تزالان مثبتتين على الرجل. على الخاتم الفضي في إصبعه. خاتم على شكل ثعبان. "نعم،" قال الرجل - سامر - وصوته كان هادئًا، مثقفًا. "أنا وسيد إياد نتناقش في... تعاون محتمل. لكن يبدو أن السيدة لديها ما هو أهم." "أنت... أنت كنت في القصر اليوم." تجمد إياد. نظر إلى سامر، ثم إلى ميرال. "ماذا؟" "في الطابق الثالث،" تابعت ميرال، وصوتها كان يرتجف لكنه كان قويًا. "رأيته. كان يأخذ صندوقًا. صندوقًا فيه رسائل." تغير وجه سامر. للحظة،
كان المطر قد اشتد خلال رحلتها عبر المدينة، وتحول من رذاذ خفيف إلى وابل غزير يضرب زجاج السيارة كحصى صغير. السماء كانت قد ابتلعت آخر خيوط الضوء، تاركة المدينة تحت سقف من السحب السوداء المنخفضة. كانت الشوارع شبه خالية، والمحلات التجارية أغلقت أبوابها مبكرًا، والمشاة القلائل الذين تجرأوا على الخروج كانوا يركضون تحت مظلاتهم المقلوبة بفعل الريح. لكن ميرال لم تكن ترى شيئًا من هذا. كانت عيناها مثبتتين على الطريق أمامها، ويداها مشدودتان على حقيبتها في حجرها، وعقلها يدور كعجلة لا تتوقف. الرسائل. المرأة التي كتبتها. الطفل الثالث. الرجل ذو الخاتم الفضي. كل شيء كان يختلط في رأسها، يتراكب، يشكل صورة لم تكتمل بعد. قطعة واحدة مفقودة. قطعة واحدة كانت ستجعل كل شيء واضحًا. لكنها لم تكن تعرف ما هي. كانت تعرف فقط أنها يجب أن تخبر إياد. "أسرع،" قالت للسائق، رغم أنها كانت تعرف أنه لا يستطيع الإسراع أكثر في هذا المطر. "الطريق زلق يا سيدتي،" قال السائق، وهو رجل عجوز كان يعمل لدى العائلة منذ سنين. "لا أريد أن نتسبب في حادث." "فقط... أسرع." أومأ السائق وصمت. كان يعرف تلك النبرة في صوتها. نبرة امرأة تحمل ش
"سيدتي!" صاحت أم نادر، وكادت الصينية تسقط. "ماذا حدث؟ أنتِ شاحبة!" "أم نادر،" قالت ميرال، وصوتها كان لاهثًا. "الطابق الثالث. من كان هناك؟ قبل قليل. رجل. طويل. بمعطف داكن." رمشت أم نادر. "الطابق الثالث؟ لم يصعد أحد إلى هناك منذ سنوات. أنا... لم أرَ أحدًا." "لكنني رأيته! كان هناك!" "سيدتي، أرجوكِ اجلسي. أنتِ لا تزالين تتعافين. ربما... ربما كان خيالكِ." "لم يكن خيالي!" كان صوت ميرال مرتفعًا الآن. "كان هناك رجل. وأخذ شيئًا من الغرفة. صندوقًا. فيه رسائل." تغير وجه أم نادر. للحظة، رأت ميرال شيئًا في عينيها. ليس دهشة. بل... معرفة. "رسائل؟" همست أم نادر. "أي رسائل؟" "رسائل والدة إياد. كانت مخبأة خلف المرآة. في تجويف في الحائط." سقطت الصينية من يد أم نادر. تحطمت على الأرض، وتناثر الشاي والزجاج في كل مكان. لكن أم نادر لم تنتبه. كانت تنظر إلى ميرال بعينين واسعتين. "لقد وجدتها،" همست. "بعد كل هذه السنوات... وجدتها." "ماذا تعرفين عن هذه الرسائل؟" نظرت أم نادر حولها، كأنها تخشى أن يسمعها أحد. ثم أمسكت بذراع ميرال. "تعالي. ليس هنا." قادتها إلى المطبخ. كان المطبخ كبيرًا، دافئًا،
كانت الرسائل كلها من امرأة واحدة. من يدها. من روحها. وفي كل رسالة، كانت تكشف شيئًا جديدًا.كانت تكتب عن زوجها - والد إياد وأمير - وعن صراعاته مع العائلات الأخرى. كانت تكتب عن ولديها: أمير، الابن الأكبر، الجاد والمسؤول، وإياد، الصغير، الذي كان "نارًا في جسد طفل"، كما قالت. كانت تكتب عن خوفها عليه. "إياد يحب بعمق،" قالت في إحدى الرسائل. "وهذا ما يخيفني. في عالمنا، الحب نقطة ضعف. وأنا أخشى أن يكون حبه... سلاحًا ضده."لكن الرسالة الأخيرة كانت مختلفة.كانت أطول. وكانت موجهة إلى شخص لم تذكر اسمه. شخص كانت تثق به."سامحني لأني أضع هذا العبء عليك،" كتبت. "لكن هناك شيئًا يجب أن تعرفه. شيئًا لا يعرفه أحد. لدي طفل ثالث."تجمدت ميرال."طفل ثالث. ولدته قبل إياد بعام. لم يعرف عنه أحد. أخفيته لأني كنت خائفة. خائفة من زوجي، من العائلة، من العالم. أعطيته لعائلة أخرى لتربيه. عائلة طيبة. لكني كل يوم... أندم. وأنت الوحيد الذي يعرف. أرجوك... إذا حدث لي شيء... إذا مت... اعتنِ به. لا تخبره من هي أمه الحقيقية. فقط... احمه."كانت هناك دموع على الورقة. بقع حبر مدموغة بدموع امرأة ماتت منذ عشرين عامًا.وضعت ميرا
مرت أربعة أيام منذ عودة ميرال من قبو ماريو فالكوني. أربعة أيام كانت كفيلة بأن تقلب القصر رأسًا على عقب، ليس بالعنف، بل بالصمت. الصمت الذي أعقب الاعتراف. الصمت الذي كان أثقل من أي كلمة.كانت ميرال قد بدأت تستعيد قواها ببطء. جسدها كان يتعافى: الكدمات على معصميها تحولت من الأحمر الغاضب إلى الأزرق الباهت ثم إلى الأصفر، والجروح الصغيرة على ساقيها التئمت، والشحوب الذي كان يغطي وجهها بدأ يفسح المجال للون الحياة. كانت تأكل. كانت تنام. كانت تمشي في حديقة القصر في الصباح الباكر حين يكون الهواء نقيًا والندى لا يزال على أوراق الشجر.لكن شيئًا فيها كان قد تغير.لم تكن الضحية بعد الآن. لم تكن المرأة التي اختطفت، التي كُذب عليها، التي عاشت عمرها لا تعرف من هي. كانت شيئًا آخر. شيئًا لم تعرف اسمه بعد، لكنها شعرت به في عظامها: قوة. هادئة، عميقة، كالماء الذي ينحت الصخر.وفي ذلك الصباح، قررت أن تبدأ البحث.ليس بحثًا عن إياد. كان إياد موجودًا، قريبًا، لكنه كان بعيدًا أيضًا. منذ اعترافه، كان يتعامل معها برقة حذرة، كمن يقترب من غزالة قد تهرب. كان يأتي إلى غرفتها كل مساء، يسأل عن حالها، يطمئن. وكانت تجيبه با