Masuk"لا أفهمك،" قالت أخيرًا، بصدق ممزق. "أنت تزوجتني، لكنك تتجنبني. تقسم ألا تقترب، ثم تخترق باب غرفتي. تملأ القصر بالحراس، لكن من يحرسني منك؟"
كان السؤال بريئًا وجارحًا في آن. وقف إياد فجأة، وأدار ظهره لها، متجهًا نحو النافذة. وقف هناك، يحدق في أضواء المدينة البعيدة تحت المطر. كتفاه العريضان كانا متوترين، كقوس جاهز للإطلاق. قال بصوت خفيض، يكاد يكون لأنفه: "أنا لا أحرسكِ مني، ميرال. أنا أحرس نفسي منكِ." ساد صمت طويل. وقفت ميرال من السرير ببطء، ساقاها الضعيفتان تسندانها بصعوبة. تقدمت نحوه خطوة، ثم أخرى، حتى وقفت خلفه على مسافة ذراع. كانت ترى انعكاسه في زجاج النافذة، شبح رجل يغرق في صراع لا تراه. "إياد،" همست باسمه لأول مرة دون خوف، دون تردد، فقط كنداء إنسان لإنسان آخر ضائع. انتفض جسده. لم يلتفت، لكنها رأت انعكاس عينيه في الزجاج تغلقان للحظة، كمن يتلقى ضربة. "لا،" قال أخيرًا، بصوت خشن كحجر الرحى. "لا تقولي اسمي هكذا. ليس بعد. ليس الآن." استدار ليواجهها فجأة، والمسافة بينهما انكمشت حتى كاد صدره يلامس كتفيها. كانت عيناه جمرتين في وجه شاحب. "أنتِ لا تزالين في حداد. وأنا... أنا أقسمت. الليلة كان استثناءً. الليلة فقط." رفعت ذقنها إليه، رغم رجفة يديها. "وغدًا؟" "غدًا، سنبدأ الحرب." كانت الكلمات جافة، نهائية، كحكم إعدام صدر للتو. لم ينتظر ردها. خطا نحو الباب، لكنه توقف عند العتبة، يده على المقبض. قال دون أن يلتفت، بصوت أصبح فجأة متعبًا، إنسانيًا: "سأرسل الخادمة لمساعدتك على الاغتسال. وبعض الملابس. غرفتي... ستكون غرفتكِ الليلة. أنا سأنام في غرفة المراقبة." فتحت فمها لتقول شيئًا، أي شيء، لكن الكلمات جفت في حلقها. "و ميرال؟" أضاف، وصوته انخفض حتى كاد يكون همسًا، بينما كان يفتح الباب ببطء. "المرة القادمة، حين أقول لكِ 'لا تتحركي'، أطيعيني. لأني لو كنتِ قد مُتِّ الليلة... لكان كل قسم قطعته بلا معنى. وكل مدينة سأحرقها بلا نهاية." خرج. أغلق الباب خلفه بصوت مكتوم، تاركًا إياها في غربته. انزلقت ميرال على الأرض ببطء، ظهرها إلى الحائط، وقدماها الحافيتان تخونانها. ضمت ركبتيها إلى صدرها، ودفنت وجهها بين ذراعيها. كانت رائحته لا تزال عالقة في الغرفة، مزيجًا من جلد وبارود وصابون فاخر. وفي تلك العتمة، تسلل سؤال خبيث إلى قلبها، سؤال لم تكن تريد الاعتراف به: لماذا، للحظة واحدة، وهي في ذراعيه، شعرت بالأمان لأول مرة منذ أن مات أمير؟ أما إياد، ففي الطابق السفلي، جلس أمام الشاشات المطفأة، ووضع مسدسه على الطاولة أمامه. أضواء الشاشات المطفأة كانت عيونًا عمياء تنظر إليه. التقط صورة صغيرة من درج مكتبه، صورة قديمة لأمير وإياد معًا، وهما شابان يضحكان تحت شمس لم تعد موجودة. وضع الصورة أمامه. حدق فيها طويلاً. ثم غطى وجهه بيديه. وعندما أزاحهما بعد دقائق، لم تكن هناك دموع. لم تكن هناك إلا عيون قاتل، تخطط للثأر. "سامحني يا أخي،" همس في الظلام. "أقسمت ألا أقربها. لكني لم أقسم ألا أحرق العالم كله من أجلها." ثم رفع سماعة هاتف ثقيل، واتصل برقم واحد. حين جاء الرد من الطرف الآخر، قال بصوت أصبح مصقولاً كالسكين، لا يحمل أي أثر للتعب أو التردد: "أريد كل شيء عن فالكوني. كل مخبأ، كل حليف، كل نفس يتنفسونه. وفي الصباح، سنبدأ بالرد. ليس برسالة. بل بزلزال." وضع السماعة، ونظر من النافذة الصغيرة في غرفة المراقبة. المطر كان يغسل شوارع المدينة. لكن تحت ذلك الماء، كان يعلم أن الأنهار القادمة ستكون من دم. ولأول مرة منذ موت أمير، شعر بشيء يشبه الهدف. ليس الثأر فقط. بل هي. في الأعلى، في فراشه، ميرال لم تنم. كانت تنظر إلى السقف، تفكر في الرجل الذي يحرسها من بعيد، والذي كلما اقترب، أشعل ما حوله. وفي صدرها، تحت الضلوع المثقلة بالحزن، شعرت بجذوة صغيرة تشتعل. جذوة لم تكن تعرف اسمها بعد، لكنها كانت تعرف أنها خطيرة. والليلة الأولى من الحرب، لم تكن قد بدأت بعد.ترددت ميرال. كانت تعرف أن الكلمات التالية ستكون كالقنبلة. "قالت... إن لديها طفلاً ثالثًا. ولدته بعد أمير وقبلك. أخفته. أعطته لعائلة أخرى." وقف إياد. مشى إلى النافذة. ظهره كان متوترًا، مشدودًا، كقوس على وشك الانطلاق. "طفل ثالث،" همس. "شقيق. لا أعرفه." "نعم." "وأين هذه الرسائل الآن؟" "أخذها. الرجل الذي كان هنا. سامر. رأيته في الممر. دخل الغرفة. أخذ الصندوق." استدار إياد. كان وجهه متغيرًا. "سامر؟ النقيب سامر؟" "نعم. كان يرتدي نفس المعطف. كان لديه نفس الخاتم. الخاتم الفضي." "لكن... سامر يعمل معي منذ أسابيع. هو من ساعدنا في العثور على مخبأ ماريو. هو من أعطانا المعلومات." "إذن هو يعرف كل شيء. تحركاتك. أسرارك. نقاط ضعفك." ساد صمت. كان عقل إياد يعمل بسرعة. كان يحلل كل لقاء مع سامر، كل معلومة أعطاها له، كل سؤال طرحه. "إذا كان سامر هو من أخذ الرسائل... فهذا يعني أنه يعرف. عن الطفل الثالث. عن أمي." "أو..." توقفت ميرال. كانت هناك فكرة تراودها منذ أن رأت الخاتم. فكرة مجنونة. فكرة مستحيلة. لكنها... كانت ممكنة. "أو أنه ليس مجرد شرطي." "ماذا تعنين؟" "الطفل الثالث. لو كان حيًا.
المعطف الداكن. الطول. ثم، حين استدار الرجل لينظر إليها، رأت وجهه. كان وجهًا لم تنسه. وجه الرجل الذي رأته في الطابق الثالث قبل ساعات. وجه الرجل الذي أخذ الصندوق. "ميرال،" قال إياد، واقفًا. "ما الذي... لماذا أنتِ هنا؟ هل حدث شيء؟" لكنها لم تكن تنظر إليه. كانت تنظر إلى الرجل. إلى الرجل الذي كان يقف الآن في منتصف المكتب، ينظر إليها بدوره، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه. ابتسامة باردة. ابتسامة معرفة. "من... من هذا؟" سألت ميرال، وصوتها كان متقطعًا. نظر إياد إلى الرجل، ثم إليها. كان مرتبكًا. "هذا سامر. النقيب سامر. من الشرطة." "الشرطة؟" كررت ميرال. كانت عيناها لا تزالان مثبتتين على الرجل. على الخاتم الفضي في إصبعه. خاتم على شكل ثعبان. "نعم،" قال الرجل - سامر - وصوته كان هادئًا، مثقفًا. "أنا وسيد إياد نتناقش في... تعاون محتمل. لكن يبدو أن السيدة لديها ما هو أهم." "أنت... أنت كنت في القصر اليوم." تجمد إياد. نظر إلى سامر، ثم إلى ميرال. "ماذا؟" "في الطابق الثالث،" تابعت ميرال، وصوتها كان يرتجف لكنه كان قويًا. "رأيته. كان يأخذ صندوقًا. صندوقًا فيه رسائل." تغير وجه سامر. للحظة،
كان المطر قد اشتد خلال رحلتها عبر المدينة، وتحول من رذاذ خفيف إلى وابل غزير يضرب زجاج السيارة كحصى صغير. السماء كانت قد ابتلعت آخر خيوط الضوء، تاركة المدينة تحت سقف من السحب السوداء المنخفضة. كانت الشوارع شبه خالية، والمحلات التجارية أغلقت أبوابها مبكرًا، والمشاة القلائل الذين تجرأوا على الخروج كانوا يركضون تحت مظلاتهم المقلوبة بفعل الريح. لكن ميرال لم تكن ترى شيئًا من هذا. كانت عيناها مثبتتين على الطريق أمامها، ويداها مشدودتان على حقيبتها في حجرها، وعقلها يدور كعجلة لا تتوقف. الرسائل. المرأة التي كتبتها. الطفل الثالث. الرجل ذو الخاتم الفضي. كل شيء كان يختلط في رأسها، يتراكب، يشكل صورة لم تكتمل بعد. قطعة واحدة مفقودة. قطعة واحدة كانت ستجعل كل شيء واضحًا. لكنها لم تكن تعرف ما هي. كانت تعرف فقط أنها يجب أن تخبر إياد. "أسرع،" قالت للسائق، رغم أنها كانت تعرف أنه لا يستطيع الإسراع أكثر في هذا المطر. "الطريق زلق يا سيدتي،" قال السائق، وهو رجل عجوز كان يعمل لدى العائلة منذ سنين. "لا أريد أن نتسبب في حادث." "فقط... أسرع." أومأ السائق وصمت. كان يعرف تلك النبرة في صوتها. نبرة امرأة تحمل ش
"سيدتي!" صاحت أم نادر، وكادت الصينية تسقط. "ماذا حدث؟ أنتِ شاحبة!" "أم نادر،" قالت ميرال، وصوتها كان لاهثًا. "الطابق الثالث. من كان هناك؟ قبل قليل. رجل. طويل. بمعطف داكن." رمشت أم نادر. "الطابق الثالث؟ لم يصعد أحد إلى هناك منذ سنوات. أنا... لم أرَ أحدًا." "لكنني رأيته! كان هناك!" "سيدتي، أرجوكِ اجلسي. أنتِ لا تزالين تتعافين. ربما... ربما كان خيالكِ." "لم يكن خيالي!" كان صوت ميرال مرتفعًا الآن. "كان هناك رجل. وأخذ شيئًا من الغرفة. صندوقًا. فيه رسائل." تغير وجه أم نادر. للحظة، رأت ميرال شيئًا في عينيها. ليس دهشة. بل... معرفة. "رسائل؟" همست أم نادر. "أي رسائل؟" "رسائل والدة إياد. كانت مخبأة خلف المرآة. في تجويف في الحائط." سقطت الصينية من يد أم نادر. تحطمت على الأرض، وتناثر الشاي والزجاج في كل مكان. لكن أم نادر لم تنتبه. كانت تنظر إلى ميرال بعينين واسعتين. "لقد وجدتها،" همست. "بعد كل هذه السنوات... وجدتها." "ماذا تعرفين عن هذه الرسائل؟" نظرت أم نادر حولها، كأنها تخشى أن يسمعها أحد. ثم أمسكت بذراع ميرال. "تعالي. ليس هنا." قادتها إلى المطبخ. كان المطبخ كبيرًا، دافئًا،
كانت الرسائل كلها من امرأة واحدة. من يدها. من روحها. وفي كل رسالة، كانت تكشف شيئًا جديدًا.كانت تكتب عن زوجها - والد إياد وأمير - وعن صراعاته مع العائلات الأخرى. كانت تكتب عن ولديها: أمير، الابن الأكبر، الجاد والمسؤول، وإياد، الصغير، الذي كان "نارًا في جسد طفل"، كما قالت. كانت تكتب عن خوفها عليه. "إياد يحب بعمق،" قالت في إحدى الرسائل. "وهذا ما يخيفني. في عالمنا، الحب نقطة ضعف. وأنا أخشى أن يكون حبه... سلاحًا ضده."لكن الرسالة الأخيرة كانت مختلفة.كانت أطول. وكانت موجهة إلى شخص لم تذكر اسمه. شخص كانت تثق به."سامحني لأني أضع هذا العبء عليك،" كتبت. "لكن هناك شيئًا يجب أن تعرفه. شيئًا لا يعرفه أحد. لدي طفل ثالث."تجمدت ميرال."طفل ثالث. ولدته قبل إياد بعام. لم يعرف عنه أحد. أخفيته لأني كنت خائفة. خائفة من زوجي، من العائلة، من العالم. أعطيته لعائلة أخرى لتربيه. عائلة طيبة. لكني كل يوم... أندم. وأنت الوحيد الذي يعرف. أرجوك... إذا حدث لي شيء... إذا مت... اعتنِ به. لا تخبره من هي أمه الحقيقية. فقط... احمه."كانت هناك دموع على الورقة. بقع حبر مدموغة بدموع امرأة ماتت منذ عشرين عامًا.وضعت ميرا
مرت أربعة أيام منذ عودة ميرال من قبو ماريو فالكوني. أربعة أيام كانت كفيلة بأن تقلب القصر رأسًا على عقب، ليس بالعنف، بل بالصمت. الصمت الذي أعقب الاعتراف. الصمت الذي كان أثقل من أي كلمة.كانت ميرال قد بدأت تستعيد قواها ببطء. جسدها كان يتعافى: الكدمات على معصميها تحولت من الأحمر الغاضب إلى الأزرق الباهت ثم إلى الأصفر، والجروح الصغيرة على ساقيها التئمت، والشحوب الذي كان يغطي وجهها بدأ يفسح المجال للون الحياة. كانت تأكل. كانت تنام. كانت تمشي في حديقة القصر في الصباح الباكر حين يكون الهواء نقيًا والندى لا يزال على أوراق الشجر.لكن شيئًا فيها كان قد تغير.لم تكن الضحية بعد الآن. لم تكن المرأة التي اختطفت، التي كُذب عليها، التي عاشت عمرها لا تعرف من هي. كانت شيئًا آخر. شيئًا لم تعرف اسمه بعد، لكنها شعرت به في عظامها: قوة. هادئة، عميقة، كالماء الذي ينحت الصخر.وفي ذلك الصباح، قررت أن تبدأ البحث.ليس بحثًا عن إياد. كان إياد موجودًا، قريبًا، لكنه كان بعيدًا أيضًا. منذ اعترافه، كان يتعامل معها برقة حذرة، كمن يقترب من غزالة قد تهرب. كان يأتي إلى غرفتها كل مساء، يسأل عن حالها، يطمئن. وكانت تجيبه با







