Masukماكسيمليان
ما إن وصلتُ إلى المستشفى حتى اندفعتُ إلى الداخل وأنا أحملها، وصرخت بصوت خرج مني كزئير جريح:
"أريد طبيبًا حالًا! لدي حالة طارئة..."
كان قلبي يخبط بجنوني، كأن صدري لا يتسع لضرباته. هرع الطاقم الطبي نحوي، أخذوها مني، وأنا بالكاد أفلتها من يدي. اختفَت خلف أبواب غرفة العمليات. شعرت بفراغ قاسٍ في صدري، وكأنهم انتزعوا شيئًا من داخلي حين سُحبت من بين ذراعي.
نظرتُ نحو أحد الحراس، وكان يرمقني بترقّب، فقلت بنبرة حادة، متوترة، لا تحتمل نقاشًا:
"عينك لا تغفل عنها أبدًا... ما إن تخرج من غرفة العمليات حتى تعطيني خبرًا بذلك، مفهوم؟"
هزّ رأسه سريعًا، كأنه تلقّى أمرًا حربيًا:
"مفهوم يا سيدي."
استدرتُ بقوة، قبضتي مشدودة على مقود السيارة وأنا أغادر، أنياب الغضب تنهش عقلي. كنت أتجه نحو المكان الذي احتُجز فيه أولئك الحثالة. الدم اليابس على يدي، على قميصي، كان لونه يصرخ في عينيّ. دمها... دمي أنا. لن تمرّ تلك اللحظة دون حساب.
وصلتُ إلى وجهتي... بابٌ صُفِق خلفي، وخرجتُ من السيارة كعاصفة. مشيت بخطى لا تعرف التوقف. سألت بلهجة متوترة، خشنة:
"هل جهزتم ما طلبته؟"
رد الحارس، ورأيت في عينيه الرهبة:
"أجل، سيدي... كل شيء قد أُعدّ كما أردته."
دخلتُ، وأنا أتنفّس ببطء، لكن صدري يكاد يتمزّق. كانت أجسادهم مُعلّقة، مدمّاة. نظراتهم بين ذعر واستسلام. أمرتُ رجالي بإنزالهم. سقطوا أمامي كأنهم جثث فقدت الروح.
وقفت فوقهم، نبرة صوتي صارمة، حادّة، تطعن ولا تسأل:
"سؤال واحد فقط، لا غير... من بعثكم؟"
لمحت الارتعاش في جسد أحدهم. عينه تهرب، يده تكاد تلتصق بالأرض من الخوف. شفتاه تردّدت قبل أن ينطق بصوت مختنق:
"سيدي... أرجوك... نحن فقط وسيلة... لسنا أعداءك أبدًا..."
انحنيتُ نحوه فجأة، أمسكتُ فكه بقوة حتى كاد يتحطم بين أصابعي، وصرخت بانفجار جعل بصاقي يتناثر على وجهه:
"قلتُ سؤالًا واحدًا لا غير! من أمر بقتلي؟"
تراجع برأسه، عينه تصرخ خوفًا:
"دون... دون أدولفو..."
ابتسمتُ بسخرية، وبحقد:
"أدولفو إذن؟؟؟"
الاسم وحده يكفيني لأشعل الحرب. روبرتو؟ كان لعبة في يده، والآن؟ الآن جاء دوري.
الرجل انحنى بيأس، صوته صار أشبه بنحيب:
"أرجوك، سيدي... لا تقتلني... لدي أولاد ما زالوا صغارًا ويحتاجون إلي..."
ردي خرج ببرود، كالسكين:
"ومن قال لك إنني سوف أقتلك؟ لن أقتلك..."
ارتفعت ملامح وجهه بفرحة ساذجة.
تابعتُ بهدوء قاتل، وأنا أرى الأمل يُكسر فيه قطعة قطعة:
"لا تفرح، يا عزيزي، فأنا لم أُكمل بعد... قلت لن أقتلك، وأعيدها لك... أنا لن أقتلك... بسهولة."
أشرت لرجالي، وقد خطّطت لكل شيء.
الثلاثة؟ لهم مصائرهم.
الأول، ذاك الذي أطلق النار على كاترينا... طُعن حتى امتلأ جسده جروحًا، ثم رُشّ عليه الملح. كنت أراقبه وهو يتلوّى كشيطان يُحرق. تركناه ينزف حتى جفّت دماؤه.
الثاني؟ حفرت له قبرًا بيدي... ثم دفنته حيًا بعد أن ضربته حتى شعرت أنني أخفّ قليلًا من حملي.
أما الثالث، قائد السيارة... قطعتُ يديه وقدميه. كنت أنظر لعينيه وهو ينهار، ثم أطلقتُ النار على رأسه بنفسي. ضغطة واحدة، وصمت أبدي.
لكن... الغضب فيّ لم يهدأ.
رنّ هاتفي، وكان صوت الحارس يأتي متسارعًا:
كاترينا نُقلت إلى غرفة العناية المركزة بعد نجاح العملية. الشرطة حضرت بعد بلاغ الطبيب، وتمت السيطرة على الموقف.
أغلقتُ الخطّ، وكنت بالكاد أتنفّس.
ما كان في الوقت متّسعٌ لا للاغتسال ولا لتغيير ملابسي. ركبتُ السيارة، وأنا لا أشعر بشيء سوى اللهيب داخلي. وصلتُ المستشفى. دخلتُ الغرفة، والوقت توقف.
جلستُ عند طرف السرير... قلبي على الأرض.
"افتحي عينيكِ... انظري إليّ، كاتي... انظري إليّ..."
كلماتي خرجت منّي بنبرة هامسة، لكنها مشبعة بالقسوة، بالرجاء... كنت أضغط على يدها، وكأن بها أتشبث، وكأنها الحبل الأخير.
احتكّت أصابعي بشفتيها... كانت باردة، لكني شعرت بحرارة الألم تحت الجلد.
"أرجوكِ... افتحي عينيكِ..."
أخفضتُ رأسي نحو يدها، وقبّلتها. صوتي خافت، مشدود:
"أنا أكره ما عندي هو أن أكون مدينًا لأحدٍ ما... ولذلك افتحي عينيكِ الجميلتين حتى أستطيع أن أردّ لكِ الجميل."
همست باسمي، بصوت مكسور، خافت، كأن روحها تعود بي.
عينيّ اتسعتا، وكأنني لم أسمع اسمي من قبل.
"الحمد لله أنك بخير..."
هي؟ هي تقول ذلك لي؟
تطلعتُ بها بذهول... أنا؟ أنا من يجب عليه أن يحمد الله لأجلها، لا العكس. هذه الفتاة... ستجعلني مجنونًا.
رفعتُ يديّ ببطء، وضعتُها على وجهها، مسدتُ وجنتها.
نظرت لي، وفي عينيها ذهول خافت، لكنها لم تعترض. كان جسدها مرهقًا، مستسلمًا تمامًا.
همست باسمي مرة أخرى، كانت تحاول أن تسأل... أن تفهم ما حدث... أن تمنعني من لمسها بهذه الطريقة...
بلّلت شفتيها، بحركة بالكاد لاحظتها، لكنني كنت أراها. نظرتُ إلى شفتيها كما لو أن كل الكلام لا يهم الآن.
مرّ لساني على شفتيّ، دون أن أعي... وقلت، بصوت قوي، صارم:
"لا تتحدثي... حتى أتأكد أنكِ على ما يُرام..."
كانت عيناها لا تزالان تلاحقاني، وهي تنظر وراء كتفي... بدت وكأنها تكتشف المكان للمرة الأولى. الجدران، السقف، الضوء الأبيض...
"ماذا حدث لي؟ أين... وكيف حصل ما حصل؟؟؟"
حاولت أن تنهض، بحركة ضعيفة، متعبة، فتركتُها وتراجعتُ بضع خطوات عن الفراش...
لم أعد أحتمل رؤيتها بهذه الحالة.
ماكسيميليان فيدريكورأسي... اللعنة على هذا الألم. كأن أحدهم يطرق جمجمتي بمطرقة صدئة. بقيت أضغط بأصابعي على صدغَيّ، أبحث عن أي نقطة تخفف من هذا الصداع المقيت... من أين أبدأ؟ أين يمكن أن تكون قد اختفت؟ ومع من؟ من تجرأ وساعدها؟ من تجرأ؟مددت يدي المرتجفة إلى علبة الدواء على الطاولة... سحبت حبّة وسحقتها تحت لساني بسرعة، محاولًا كتم ثورتي. لا شيء حتى الآن. لا اتصال، لا رسالة، لا خيط... وهذا الجنون ينهشني.كل هذا... كل هذا بسبب خطتي الغبية. ما كان يجب أن أدعها تغيب عن ناظري. كان يجب أن أبقيها قريبة، تحت أنفاسي، تحت سلطتي.رنّ الهاتف فجأة. قفز قلبي، وانطلقت يدي بسرعة مجنونة نحو الشاشة... لم أنظر حتى للرقم."هل عثرتم عليها؟"صوتي خرج ملهوفًا، متسرعًا، وكأن أنفاسي نفسها تلاحق الجواب...لكني لم أسمع ما توقعت..."عثرتم عليها؟؟؟ من هي، يا ماكسيمس؟؟؟"تجمّد وجهي. شهيقي توقف. الصوت... والاسم... لا أحد يناديني هكذا سوى هو. هو فقط... عرّابي. خوليو.سحبت نفسًا بطيئًا. جفلت ملامحي، ورسمت البرود على نبرة صوتي."لا أحد، عرّابي..."سمعته يهمهم، لكنني لم ألتقط كلماته... ثم قالها بوضوح جعل الدم يغلي في عروق
ماكسيميليان فيدريكوكانت الغرفة مظلمة، لكن وجهي مضاء بنور المصباح الوحيد فوق المكتب. جلست هناك، أنتظر، وكل شيء فيّ هادئ... ظاهريًا فقط. في الداخل، كنت أشبه بوحش مقيد... ينتظر لحظة الإفلات.دخلت الممرضة. ملامحها متوترة، وخطواتها سريعة لكن حذرة. عيناي لم تترك وجهها حتى قالت:"لقد تمت المهمة بنجاح، سيدي."ابتسمت... بسخرية، لا رضا."هل صدقتِ ما قلتهُ لها؟"هزّت رأسها إيجابًا، ثم أجابت:"أجل سيدي، وشكرتني على مساعدتها."كررت الكلمة، وأنا أرفع حاجبيّ قليلاً وأضغط شفتيّ:"جيد... جيد..."جيد؟ لا شيء جيد. هذه ليست النهاية، بل البداية. اقتربت خطوة وقالت:"هل سوف تطلق سراح أطفالي الصغار الآن بعدما نفذتِ ما طلبته مني؟"نظرت إليها للحظات، ثم أطلقت ضحكة قصيرة، ساخرة، بلا حرارة."بالطبع... فأنا لا أحب الاحتفاظ بشيء ليس لي... اذهبي الآن، وسوف تجدين أولادكِ في البيت."ابتسمت. ابتسامة أمٍّ ظنت أنها كسبت رحمة الشيطان. همّت بالمغادرة، لكنني أوقفتها."لا تنسي... احفظي لسانكِ حتى تحفظي حياتكِ وحياتهم... أتمنى أن يكون كلامي مفهومًا."ردت وهي تخفض رأسها:"بالطبع سيدي... لن أقول شيئًا أبدًا ولو على جثتي."أشر
كاترينا مورن استيقظت وحدي، وجسدي يئن تحت وطأة التعب. كانت حرارة اللحاف تلامس جلدي وكأنها محاولة يائسة لاحتضاني، لكن لا شيء فيّ كان راغبًا في الدفء. رميت اللحاف جانبًا بخشونة وأنا أزفر بقهر. تفاصيل ما حدث بالأمس عادت كصفعة، تخترق رأسي وتنهش كبدي. كان الألم ما زال يضرب جسدي من آثار الطلقة، لكنه لم يكن أقسى من الشعور بالعجز الذي التصق بي.عليّ أن أرحل... إن بقيت، سأفقد كل شيء. كرامتي، حياتي، وحتى صورتي في عينيّ.اتكأت على الحائط، أطرافي تتهادى كما لو أن الدم تخلّى عنها. بخطى متعثرة، توجهت إلى الحمام. لم أكن أفكر، فقط أتحرك كمن يسير فوق جمر. لم أملك سوى ملابسي القديمة... ارتديتها مجددًا، بلا تفكير، بلا مشاعر.ما إن خرجت، حتى انفتح الباب فجأة. تجمدت في مكاني، وقلبي قفز إلى حلقي، لكنّها كانت الممرضة. عيناها اتسعتا، وركضت إليّ."آنستي... ما كان عليكِ النهوض... كان بإمكانكِ مناداتي فقط."كنت أرتجف، أنفاسي تتسارع. تشبثت بها وجلست، وكل ما في داخلي كان يستنجد."أرجوكِ... ساعديني على الرحيل من هنا... أرجوكِ... أتوَسّل إليكِ."توسلت، وكأن كلماتي نحيب مكتوم، يخرج من أعمق نقطة في صدري.لكنها ردّت
ماكسيملياننطقت بكلمة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لإشعال غضبي. نبرتي خرجت حادة، باردة، ومشبعة بتحذير غليظ لم أستطع السيطرة عليه، وكأنها تنفث من مكان مظلم بداخلي:"لستُ بأخٍ لأحد، وخصوصًا لكِ أنتِ... لا تناديني هكذا أبدًا ولو بالخطأ."رأيت الخوف يتسلل إلى عينيها، تراجعت خطوة، وجهها شحب، ويداها ارتجفتا وكأنها لم تعد تعرف إن كان من المفترض أن تتكلم أو تلوذ بالصمت.قالت بصوت بالكاد خرج من بين شفتيها المرتعشتين، صوت ناعم ممتزج برجفة حقيقية:"أرجوك... توقّف عن التصرّف هكذا، أخ ماكسيم..."شهقتُ غضبًا... رفعت يدي تلقائيًا في وجهها، لا لضربها، بل للزجر، لكنها فهمت الرسالة فورًا... وصرخت بها، بصوت اهتزّ من الغضب الخالص:"قلتُ لكِ توقّفي عن مناداتي هكذا!"رأيتها تقفز مذعورة، رغم ألمها، وكأن جسدها نفسه فرّ منّي... صوت الزجاج تحت قدميها مزّق سكون الغرفة، وصيحتها حين دخلت القطعة الحادة في قدمها اخترقت صدري."انتبهي!" صرختُ، لكن فات الأوان...صرخت من الألم، قبل أن أتحرّك غريزيًا وأحملها بين ذراعيّ. كنت أسمع دقات قلبي تتصاعد في أذنيّ... وضعتها على الكنبة، في حجري، ويدي تلقائيًا أمسكت ساقها أتفحص الجر
ماكسيمليان فيدريكو أخرجت الشريحة من قلب الصليب الذي كانت تخفيه تلك الراهبة... كاترينا. أخفيت ابتسامة صغيرة، وأنا أتأملها بين أصابعي. قطعة صغيرة، لكنها كانت تحمل حممًا تكفي لحرق إمبراطورية بأكملها. شريحة تحتوي على أسرار تجارة السلاح والمخدرات، مخطط كامل، وكل التفاصيل التي حاول روبرتو التفريط بها. كاد أن يبيعني... لأعدائي.لم أضيع وقتًا. توجّهت إلى حيث يُحتجز روبرتو. أردت أن أرى وجهه عندما أخبره أن لعبته قد انتهت.وقفت أمامه، عاينت وجهه المضروب المتورم. عين متورمة، شفة مشقوقة، ودم يسيل من زاوية فمه. بالكاد كان يرفع رأسه. ضعيف. محطم. يعجبني هذا المشهد.مالت زاوية فمي بسخرية، وتعمدت جعل صوتي لينًا... ساخرًا... وكأنني أواسي طفلًا جُرحت ركبته:"تؤ... تؤ... تؤ... أحزنني منظرك، روبي... ما كل هذه الكدمات على وجهك؟ هل تعرّض لك أحد؟"رأيته يزفر بألم، يبذل جهدًا فقط ليرفع رأسه قليلاً. كان يتشبث ببقايا كبريائه، لكنني كنت أعلم أنه ينهار.بصوت مبحوح، خرجت كلماته:"توقف عن التحدث إليّ بهذه النبرة الساخرة... هل عثرت على ما تريده؟"ضحكت، رأسه لا يزال مرفوعًا... لكن عينيه لا تطاقيان النظر في عيني. أجب
ماكسيمليان فيدريكودخل الطبيب فجأة إلى الغرفة. اقترب منها بخطوات واثقة وكأنه اعتاد التدخل دون دعوة، لكنني أوقفته... أمسكت بيده بقوة، نظرت في عينيه بجمود.قال بنبرة محايدة:"نحن فقط نريد أن نلقي نظرة عليها يا سيدي..."كان شابًا، أطول مما ينبغي، ووسيمًا بشكل يثير الشك أكثر من الإعجاب. حدّقت فيه لثانية، ثم رفعت حاجبي وأنا أقول بخشونة، وصوتي مشبع بتحذير خفي:"إنها بخير كما ترى، ومستعدة للخروج من هنا."بدت على وجهه علامات الدهشة، وربما التحدي، حين ردّ:"كيف تخرج من المستشفى هكذا وبسرعة؟ لقد أُجريت لها عملية مستعصية قبل قليل... هذه الآنسة تعرضت لإطلاق النار، لا يمكنني أن أسمح لك بتعريضها للخطر!"تقدمت نحوه ببطء، كل خطوة كانت مشدودة بأعصابي المتوترة، وقلبي يخفق وكأنه يستعد للهجوم. وقفت أمامه مباشرة، نبرة صوتي كانت مشحونة بكبحٍ للغضب:"لستُ أنتظر إذنك للقيام بما أشاء. إنها مسؤولة مني، وقراري اتخذته وانتهى الأمر. لن تقترب منها، ولن تجلس بهذا المكان طويلًا. إن كان ولابد من فحصها، فدَعْ طبيبة نسائية تقوم بالمهمة."عقد حاجبيه وقال ببرود مصطنع:"ولمَ؟ ألا ترى أنني طبيب كذلك، أم ماذا؟"نظرت نحوها ف