Home / الرومانسية / قصتي مع جلادي / الفصل الثامن والستون: طوق نجاة

Share

الفصل الثامن والستون: طوق نجاة

last update publish date: 2026-08-30 02:53:44

عادت الحياة في بيتنا الصغير إلى جريانها المعتاد، أو هكذا بدا الأمر لمن يراه من الخارج.

أما في الداخل، فقد كان كل شيء مختلفًا.

كان الصمت أثقل من أن يُسمى هدوءًا، وكأن جدران البيت احتفظت بين شقوقها بكل كلمة قيلت في ذلك المجلس المشؤوم، بكل اتهام، وكل نظرة احتقار، وكل ضحكة ساخرة حاولت أن تنتزع مني حقي في اختيار حياتي.

كنت أستيقظ على صوت الأواني في المطبخ، وعلى رائحة الخبز والشاي، وعلى خطوات أمي المتعبة وهي تنتقل من غرفة إلى أخرى، لكن شيئًا في داخلي لم يعد كما كان.

في تلك الليلة، وقفت أمام المرآة طو
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • قصتي مع جلادي    الفصل الثامن والستون: طوق نجاة

    عادت الحياة في بيتنا الصغير إلى جريانها المعتاد، أو هكذا بدا الأمر لمن يراه من الخارج.أما في الداخل، فقد كان كل شيء مختلفًا.كان الصمت أثقل من أن يُسمى هدوءًا، وكأن جدران البيت احتفظت بين شقوقها بكل كلمة قيلت في ذلك المجلس المشؤوم، بكل اتهام، وكل نظرة احتقار، وكل ضحكة ساخرة حاولت أن تنتزع مني حقي في اختيار حياتي.كنت أستيقظ على صوت الأواني في المطبخ، وعلى رائحة الخبز والشاي، وعلى خطوات أمي المتعبة وهي تنتقل من غرفة إلى أخرى، لكن شيئًا في داخلي لم يعد كما كان.في تلك الليلة، وقفت أمام المرآة طويلاً.كان وجهي متعبًا، وعيناي تحملان آثار البكاء، لكنني لم أهرب من انعكاسي هذه المرة.رفعت يدي وقبضتها بقوة.— «اسمعي جيدًا... من اليوم، لا تنتظري أحدًا لينقذك.»سكتُّ لحظة، ثم أضفت:— «إذا كان العالم يريد منكِ أن تكوني ضعيفة، فأثبتي له العكس.»---في صباح اليوم التالي، دخلتُ المطبخ فاستقبلتني رائحة الشاي بالنعناع.كانت أمي تقف أمام الموقد، تحرك الماء في إبريق صغير، بينما كانت أشعة الشمس تتسلل من النافذة وتنعكس على الأواني النحاسية.اقتربتُ منها وقلت:— «صباح الخير يا أمي.»التفتت إليّ، وابتسمت

  • قصتي مع جلادي    الفصل السابع والستون: ظلال المستقبل

    ساد الذهول الشديد جنبات المكان بعدما ألجمتُ عمي ناصر وحاصرته بحقيقة خذلانه المشهودة وثبتت مروءته المزيفة أمام الجميع، غير أن عمي صالح لم يكن ليرضى بهذه الهزيمة النكراء أو يتقبل انكشاف عيب أخيه بسهولة. رمقني بنظرات حادة ومحتقنة بالحقد، وتبسم ابتسامة تهكمية باردة مستنجداً بما تبقى من كبريائهم المجروح، ثم قال مبرراً موقف أخيه بصلف ووقاحة:— لديه كل الحق في أن يتنحى بعيداً ويأخذ ابنته معه! ألا تعلمون جميعاً أن وجود حبة طماطم واحدة فاسدة في صندوق، كفيل بإفساد الصندوق بأكمله وإتلاف كل ما فيه من ثمار سليمة؟كانت كلماته القاسية كالشرارة التي أضرمت النار في هشيم الصبر المتبقي لدى والدي؛ إذ سرعان ما اشتعل شجار عنيف وحاد بين أبي وإخوته داخل الدار. ارتفعت الأصوات الحادة، وتداخلت الاتهامات الباطلة في أرجاء المجلس، وساد اللغط والتوتر المكان بين من يصر على إهانتي وقمعي، وبين من يقف بصلابة الجبال يدفع الظلم والافتراء عن بيته وابنته. ورغم ذلك الضجيج العارم والتهديد المتواصل، لم يفلحوا في طردي من بيتي أو انتزاع خطوة واحدة تتراجع فيها كرامتنا. لكنني، وفي خضم ذلك الصراع الشرس، كنتُ أعلم يقيناً في قرارة ن

  • قصتي مع جلادي    الفصل السادس والستون: كسر الصمت

    حلت الجمعة الموعودة كأنها يوم الحساب، جمعةٌ كان الجميع يترقبها بشغفٍ مسموم، سوى أبي، وأمي، وأنا بطبيعة الحال. أما أخي، فقد حسم أبي أمره معه منذ البداية، وحلف له أيمانًا مغلظة أنني ابنته وتحت ظله، ولا يحق له التدخل أو إثارة الشغب في أمرٍ أخذ على عاتقه حسمه.منذ الصباح، كان في البيت شيء غريب يشبه الاختناق. حتى أمي، التي اعتادت الحركة بين المطبخ والغرف، كانت تتحرك بصمت، وكأنها تخشى أن توقظ عاصفة نائمة خلف الجدران.وعند الساعة العاشرة صباحًا تحديدًا، هزت دقات متسارعة وقاسية خشبة الباب.دقة.ثم أخرى.ثم ثلاث دقات متلاحقة جعلت قلبي يقفز في صدري.توقفت أختي الصغرى عن عملها، ونظرت نحو الباب بقلق، قبل أن تتقدم بخطوات مترددة وتفتحه.وما إن فعلت حتى ارتدت إلى الخلف مفجوعة.كان خمسة من أعمامي يقفون عند العتبة، بوجوه متجهمة ونظرات حادة، يتقدمهم ابن عمي، الرجل الذي كان الشرارة الأولى في رأس هذه الفتنة.تسلل إلى البيت صمت ثقيل.خرج أبي إليهم بخطوات ثابتة، ثم وقف أمامهم دون أن يفسح لهم الطريق. كان جسده العاتي يحجب مدخل البيت تقريبًا، وعيناه تستقران على وجوههم واحدًا تلو الآخر.قال بصرامة:— ادخلوا إل

  • قصتي مع جلادي    الفصل الخامس والستون: الرماد المشتعل

    لم يكن باب الشقة الذي أغلقناه خلفنا مجرد لوح من الخشب، بل كان حداً فاخلاً وقطعاً حاسماً بين حقبة طويلة من خضوعنا وشكوكهم، وبين مرحلة جديدة صغنا فيها كرامتنا بأيدينا ورفضنا أن نكون ضحايا صامتات.في طريق العودة إلى شقتنا، كانت يد أمي ما تزال دافئة ومتوترة داخل قبضتي المشدودة. كانت خطواتها حثيثة ومضطربة، ونفسها يعلو ويهبط بكثافة كمن خاضت للتو معركة ضارية بالسيف وحسمتها بشجاعة في اللحظات الأخيرة. وعندما دخلنا البيت، أغلقتُ الباب بأمان، ولأول مرة منذ أشهر طويلة من التوتر، ساد الهدوء أرجاء المكان... هدوء نقي ودافئ لا تشوبه مخاوف المكائد ولا نظرات الاتهام المسمومة.جلست أمي على الكنبة بخطوات متعبة، ونظرت إلى كفيها المطوقين لبعضهما. ارتجف صوتها الحنون وهي تقول بأسى ينضح بمرارة الأمومة المكلومة:— لم أكن أريد أن تصل الأمور إلى الضرب والصفع يا ريم... ولكنها تجرأت على شرفكِ! أكلوا من لحمنا وعرضنا طوال سنوات وصبرت، ولكن الطعن في العرض والتربية خط أحمر لا تعبره امرأة تحترم نفسها وبيتها!جلستُ عند قدميها على الأرض، ووضعتُ رأسي على ركبتيها كما كنتُ أفعل في أيامي الأولى من الطفولة، وقلتُ بصوت ملأه ال

  • قصتي مع جلادي    الفصل الرابع والستون: ارتجاف الظلال

    ساد المكان صمتٌ مأتميٌّ شلّ الألسن وحبس الأنفاس في الصدور.كانت راتبة ممددة على الأرض، تحتضن خدها المحمرّ بذهول وتلعثم، وعيناها تتسعان بغير تصديق مما حدث للتو. لم تكن الصدمة من قوة الصفعة المادية فحسب، بل من انكسار هيبتها المزيفة أمام كبار العائلة وفي بيتها بالذات.لم يتجرأ أحد على الاقتراب منها في اللحظات الأولى.حتى أنا بقيت واقفة في مكاني، أراقب المشهد وقلبـي يخفق بعنف. لم أتوقع أن تصل الأمور إلى هذه النقطة، رغم أنني كنت أعرف أن أمي حين يتعلق الأمر بكرامتي لا تعرف التراجع.كانت يداها ترتجفان، ليس خوفًا، بل من شدة الغضب الذي حاولت كتمانه طوال الجلسة.استجمعت راتبة أنفاسها بصعوبة، ورفعت رأسها وهي تنتفض من القهر، ثم صرخت بصوت مبحوح ينازع البكاء:— أ تضربينني في بيتي يا أم ريم؟ أ تمدين يدكِ عليّ أمام الأعمام؟!لم تتراجع أمي خطوة واحدة، بل ظلت واقفة فوقها كالجبل الأشم، وقالت بنبرة حادة كالشفرة ثقبت الفضاء:— الشرف والكرامة ليس فيهما بيت كبير ولا صغير يا راتبة! من يدوس على عرضي وعرض ابنتي، أطأ على كبريائه بأقدامي دون أن يطرف لي جفن!ساد همس خافت بين الحاضرين.إحدى عماتي وضعت يدها على صدر

  • قصتي مع جلادي    الفصل الثالث والستون: حد الكرامة

    لم يكن الصمت الثقيل الذي خيم على أرجاء المكان عقب إحضار قارورة العطر صمت إقرار بالحق أو تراجع عن الظلم، بل كان ذلك الهدوء المفخخ والشديد التوتر الذي يسبق اندلاع العاصفة.تنحّت زوجة عمي "راتبة" جانباً بخطوات بطيئة، وتفحّصت العلبة الفاخرة بنظرات تطفح بالحقد والغلّ الدفين، ثم رسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة ومسمومة كشفت عن نواياها الدفينة، وقالت بصوت متهدج يحمل كل معاني التشفي والافتراء:— عطر فاخر بستمئة ألف سنتيم أو يزيد؟ فتاة أغلقت مشروعها للتو واستسلمت للفشل، من أين لها هذا البذخ والترف؟اتسعت عينا أمي ذهولاً واستنكاراً، وخطت خطوة حازمة نحوها لتقف بصلابة تجابه ذلك الطغيان:— ألم تعودي لوعيكِ وعقلكِ يا راتبة؟ ألم تري الدليل القاطع بآمال عينيكِ والقارورة في يدها؟ عن أي فشل وبذخ تتحدثين وأنتِ تشاهدين حقها بعينيكِ؟التفتت راتبة بنظرها نحو كبار العمات والأعمام المصطفين في مجلس الشك، ورفعت نبرة صوتها لتصل كلماتها إلى مسامع الجميع وتزرع الفتنة في نفوسهم:— لا تتظاهري بالجهل والغفلة يا أم ريم! العطور الفاخرة والماركات العالمية لا تهبط من السماء هكذا على الفتيات دون مقابل! إن لم تخبرينا وتوضحي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status