Masukبعد نزولنا من السيارة وحملنا حقائبنا الثقيلة. كان المكان هادئاً على غير عادته التي عرفتها. لم يكن الحي هكذا أبداً في أيام طفولتي أو مراهقتي، فقد كانت الأصوات والضحكات تملأ الأرجاء، ولكن تلك الضحكات بدأت ترحل وتخبو مع رحيل جدي وجدتي—رحمهما الله—. أصبحت الأصوات أقل، ثم بدأت تلك الضحكات والأجساد الشابة تتزوج وترحل واحداً تلو الآخر، حتى تحول البيت العائلي الكبير إلى مجرد مكان لإقامة العجائز، حيث يندر أن تسمع صوتاً عالياً يصل إلى آخر الطريق.
كان صوته اول ما جذبني هو أنه هو هكذا كنت احدث نفسي لطالما كانت أمي تكرهه في الحقيقة الامر انا لا ألومها عندما استدرت لم اجد شيئا ظننت في لحظة ربما كانت مجرد مزحة منهما. و لم اجرء على سؤالهما لأنني لم أستطيع مواجهة الحقيقة . دخلنا من الباب الكبير و صعدنا الأدراج المؤدية إلى شقتنا القديمة.. درجة درجة. تغيرت الأدوار والترتيب بمرور السنوات؛ فمن كانت الأولى في الصعود دائماً أصبحت متأخرة وتلهث، والتي كانت تتباطأ وتتأخر أصبحت عند الباب مباشرة. وقفتُ أمام الباب الخشبي المألوف، والتفتُ قائلة: — "ماما.. أين المفتاح؟" وقبل أن تمد أمي يدها إلى حقيبتها، وقبل أن نلمس قفل الباب.. تحرك المقبض فجأة من الداخل، وفُتح الباب على مصراعيه! لم يُفتح باب شقتنا القديمة من الداخل؛ فلا أحد يجرؤ على العيش فيها أبداً. أمي لن تسمح بحدوث ذلك ما حييت، وحتى لو سامحتْ هي يوماً وتغاضت، فأنا التي هي أنا.. لم ولن أسامح أبداً. كان مصدر الصوت والشلل المفاجئ الذي أصابنا نابعاً من الشقة المجاورة لنا تماماً؛ شقة عمي، شقيق والدي—رحمه الله—من نفس الأم والأب. صدمتنا لفتح ذلك الباب كانت مضاعفة، لأن تلك الشقة تحديداً، منذ أن تم بناؤها ورفع جدرانها، لم يسكنها أحد بشكل مستقر. وإن حدث واستوطنها فرد من أفراد العائلة الكبيرة، فإنه لا يصمد فيها لمدة تتجاوز السنة الواحدة ثم يرحل مسرعاً. لذلك، كنتُ طوال حياتي أظن—بل كنتُ واثقة ويقينة—بأن منزل عمي هذا مسكون بالجن ولا يصلح للبشر. على غير العادة، استدرنا نحن الثلاث بكامل أجسادنا مع صرير الباب المفتوح. كانت مفاجأة متبادلة؛ نحن تفاجأنا بالبث الحركي هناك، وفاجأنا بوجودنا من كانوا يقفون وراء الباب. خرجت إلينا سيدة لم أرَ وجهها في حياتي من قبل. نظرت إلينا بملامح حائرة مستغربة وجودنا في الرواق الضيق، وقالت بنبرة جافة وفيها الكثير من التوجس: — "من أنتم؟" كانت نظراتها تزيغ نحو السلالم، وكأنها ترغب في مناداة إحدى نساء أعمامي في الأسفل لتستنجد بها أو تستفسر عن هويتنا. وبينما كنا واقفات في مكاننا تحت تأثير الصدمة، تمتمت أختي إيما بسخرية مريرة: — "يا لها من بداية مبشرة! هل يجب علينا الآن أخذ إذن رسمي لدخول منزلنا؟" سمعتنا تلك المرأة، فاستدارت بكامل جذعها نحونا وسألت بنبرة فيها محاولة لفرض السيطرة: — "هل أنتم أهل هذا البيت؟" ردت عليها أمي بحسمها المعتاد الذي لا يقبل الجدال: — "نعم.. ولماذا تسألين؟" لم تجب المرأة، بل اكتفت برمينا بنظرة فاحصة بطيئة، تحركت عيناها من أعلى إلى أسفل لعدة مرات متتالية، وكأننا نمر تحت آلة طباعة رقمية أو جهاز استكشاف دقيق يمسح تفاصيل ثيابنا الراقية وملامحنا. (تاتاك) في تلك الأثناء، قاطعت أمي هذا الاستفزاز الصامت؛ أخرجت المفتاح، وفتحت باب شقتنا بضربة واحدة حاسمة، ودخلنا دون أن تنطق بكلمة أخرى تفك بها حيرة الجارة الغريبة. تنفست إيما الصعداء وهي تغلق الباب خلفنا، وهتفت بنبرة امتزج فيها الفرح بالراحة: — "وأخيراً.. عدنا! عدنا يا ريم!" أما أنا، فقد تسمرتُ في ردهة البيت. بقيتُ مندهشة، أجول بعيني في أرجاء المكان الزاخر بالغبار، وكأنني لم أرَ منزلنا هذا منذ قرون طويلة، وليست مجرد بضعة أعوام مضت منذ زفاف أخي الصغير. كل زاوية كانت تنبش في داخلي ذكريات قديمة أقاوم ظهورها. بينما كنتُ أنا وإيما نبتلع صدمة المكان، توجهت أمي مباشرة بخطوات سريعة إلى غرفتها القديمة. جلست على طرف سريرها المألوف، ثم نادتنا بصوت مرتفع. وعندما هرعنا إليها نتحسس خطواتها، نظرت إلينا بعينين تفضان بالحزم الثابت، وقالت مقيمة الحجة علينا: — "هذا منزلكما.. وليس متحفاً للفرجة والذكريات! غيروا ثيابكم فوراً.. وهيا إلى العمل." بمجرد أن خطونا داخل الشقة، شعرتُ بالخواء؛ كان المنزل ينقصه الكثير من الأشياء والمقومات الأساسية. فبعد وفاة والدي—رحمه الله—كنا قد حُصرنا في زاوية ضيقة من الحياة. انقطع عنا كل مدخول، وتكالب علينا الفقر، والألم، والحسرة، والمرض. كانت ابتلاءات إلهية متلاحقة، مصيبة تلوح في الأفق تليها مصيبة أخرى أكبر منها وأشد قسوة. وما زاد الطين بلة وترك في نفوسنا ندوباً لا تبرأ، هو أن بعضاً من أفراد عائلتي الكبيرة كانوا يأتون إلينا لا للمواساة، بل ليتغامزوا علينا، ويتهكموا على وضعنا وعلى منزلنا المتواضع. ذلك الخذلان هو ما جعلنا نعمل بجد كالمجانين لكسب المال وتأمين أنفسنا. في ذلك الوقت، كنتُ قد حضرتُ وخططتُ لعدة مشاريع تجارية صغيرة، لكن في هذا البيت، كان أصحاب القلوب الطيبة فقط هم من يصلون ويستمرون. وبسبب تلك الضغوط، اتخذت أمي قراراً حاسماً؛ قالت إن حياتنا في هذا البيت القديم أصبحت مليئة بالهموم والمشاكل، وقيل لنا في المأثور الشعبي إن غيرتم عتبة الباب ربما تتغير أحوالكم وتصبح حياتكم أفضل. وهذا ما فعلناه تماماً. رحلنا ذات ليلة وعيوننا متجهة للمستقبل، تركنا كل شيء وراءنا، حتى ملابسنا القديمة لم نأخذ منها شيئاً. أحياناً، يبدو الأمر في ذاكرتي وكأننا كنا نهرب من هويتنا ... نعم كنا نهرب .. كنا نهرب من كل شيء إلا شيء واحد برغم هروبنا اخذناه معنا حملنا في قلوبنا همامرت سنة كاملة بحلوها ومرها، سنة كانت كفيلة بأن تغير ملامح ديارنا وتكسو حياتنا برداء جديد من النضج والاستقرار.سبعة أشهر كاملة انقضت منذ أن وطأت قدمي أرض الغربة، بعد أن جاءتني فرصة عمل ممتازة في الخارج في مجال التسويق ومرافقة المشاريع. لم يكن قرار السفر هرباً أو تراجعاً، بل كان خطوة واثقة ومحسوبة لتوسيع آفاقي وتأمين مستقبل عائلتي على نطاق أكبر. تركتُ خلفي المحل الصغير بعد أن أصبح مؤسسة قائمة بذاتها تُدار بحرفية، ووضعتُ مفاتيحه وأمانته في يد أخي أسامة، الذي تخرج من مدرستي العملية وأصبح رجلاً عصامياً يُعتمد عليه في كل صغيرة وكبيرة.عبر شاشة هاتف محمول في غرفتي الغريبة، كانت الصورة الحية تنبض بالدفء القادم من صالة بيتنا في الوطن."ريم! انظري إلى هذا الترتيب، أليس رائعاً؟" جاءني صوت أختي إيما مفعماً بالحيوية وهي تدير كاميرا الهاتف لنصفي الصالة المليئة بصناديق التجهيز الراقية وثياب زفاف أخي أسامة.ابتسمتُ بصفاء وعيناي تتأملان وجه إيما؛ لقد أصبحت طالبة ماستر متألقة، واثقة من خطواتها الأكاديمية، وتستعد هي الأخرى لإتمام ترتيبات زفافها من خالد بعد أن قطعا شوطاً كبيراً في التخطيط، بينما كانت أمي
في صباح يوم الجمعة، كان الهواء يحمل برودة خفيفة ونقاءً غسلت به السماء أزقة الحي القديم.خرجنا من البيت متأنقين بثياب وقورة، لا لنحضر حفل تهنئة ولا لنستقبل أحداً، بل لنوفي بوعد قديم ظل معلقاً في أطراف قلوبنا منذ سنوات الفقد الأولى. ارتدت أمي ملاءتها السوداء، ومشت بجانبي بخطوات هادئة يستند ثقلها إلى ذراعي، بينما كانت إيما تحضن إلى صدرها ملفاً انطوت داخله نسختان مصدقتان؛ الأولى لشهادة الليسانس، والأخرى لوثيقة قبولها في مرحلة "الماستر".خلفنا بيمين واثقة، كان أخي الأصغر يسير بنخوة هادئة، يحمل في يده سلة صغيرة أودعنا فيها أواني المعجنات الفاخرة التي أعددناها في المحل صباحاً لتوزيعها صدقة على روح الراحلين.كان الطريق إلى المقبرة هادئاً، يلفه سكون يبعث السكينة في النفوس المجهدة.وعندما وطئت أقدامنا التراب الندي، اتجهنا بخطوات معروفة نحو الزاوية الشرقية؛ حيث ينام أبي وأخي الراحل تحت ثرى أرض واحدة، تجاورهما شواهد سادة لا تحمل إلا اسميهما ودعوات الصابرين.توقفت أمي عند الشاهد، وجلست على الدكة الحجرية الصغيرة. بللت يدها ببعض الماء المنسكب من الإبريق، ومسحت به الحصى الناعم فوق القبرين، بينما شفته
في ذلك الصباح المشرق، لم تكن زغاريد الحي تشبه أي صوت آخر سمعناه من قبل.كانت الشمس تشرق على أسطح حينا القديم وهي تسكب نوراً دافئاً صافياً، وكأن السماء نفسها قررت أن تشاركنا هودء الانتظار طويل المدى. وقفتُ عند عتبة الصالة أراقب أختي "إيما" وهي تمسك بالشاشة الفضية لهاتفها المحمول، يداها ترتجفان بحدة غير مسبوقة، وعيناها تتنقلان بارتباك بين الأرقام والأسماء المكتوبة على الصفحة الرسمية لنتائج الكلية.كان الصمت في البيت ثقيلاً وخانقاً كجبل يجثم على الصدور. تقف أمي خلفها مباشرة، يداها المرتجفتان تمسكان بالسبحة الخشبية، وشفتها تتحركان بدعوات خافتة تحترق بالرجاء والابتهال.وفجأة... صرخت إيما صرخة مدوية انشق لها سكون الدار، وسقط الهاتف من بين أصابعها لتخرّ ساجدة على الأرض الباردة وهي تبكي بدموع حارة كالمطر!"نجحتُ يا ريم... نجحتُ وأخيراً! أخذتُ شهادة الليسانس!"انطلقت زغروتة طويلة هزت أرجاء البيت والشارع من حنجرة أمي، زغروتة امتزجت فيها فرحة العمر بمرارة الفقد. ارتمت إيما في أحضان أمي الدافئة، ثم تحولت فوراً لترتمي في حضني، وكانت أنفاسها المتلاحقة تحكي قصة سنوات طويلة من العناء والتعطيل والتعب
استقر نظام جديد داخل بيتنا وفي جنبات المحل الصغير، نظامٌ أرسى قواعده عرق الجبين والاحترام المتبادل.كان أخي يستيقظ مع فجر كل يوم دون حاجة لمن يناديه؛ يرتدي ملابس العمل البسيطة، يرافق الشاحنة إلى السوق، ويحمل الصناديق الثقيلة برحابة صدر ونخوة رجولية لم نعهدها فيه من قبل. تحول وجهه المترف إلى وجه شاب صلب تمرسه الحياة، وبدأت أرقام حسابه المستقل تنمو تدريجياً وبكرامة، حيث كان يجمع أجرته اليومية التي يتقاضاها منا بعرق جبينه، ليدفع منها أقساط تجهيز زواجه ومهر خطيبته، دون أن يمد يده بسنتيم واحد إلى ميزانية البيت أو المحل.لكن الرياح التي تهب على البيوت لا تستأذن أحداً، وحين يتغير الشخص ونظرته للحياة، تجبر الأقدار من حوله على كشف معادنهم الحقيقية.في ظهيرة يوم ساد فيه الجو ببرودة خفيفة، دخلت خطيبة أخي برفقة والدتها إلى المحل.كانتا ترتديان أفضل ما لديهما من ثياب أنيقة، ونظراتهما تتفقد المكان بفضول لم يخلُ من علامات التعالي الخفي. جاءتا بحجة التودد وشراء بعض المعجنات الخاصة التي اشتهر بها محلنا في الحي، لكن الهدف الحقيقي كان استكشاف سر هذا التحول المفاجئ في سلوك أخي وخططه المالية.في تلك اللحظ
في الخامسة والنصف صباحاً، وقبل أن تشرق الشمس على أسطح حينا القديم، كان الهواء البارد يلف الأزقة بصمت خافت. استيقظتُ على صوت حثيث في الصالة. فتحتُ باب غرفتي ببطء، لأجد أخي يقف أمام المرآة الخشبية. لم يكن يرتدي قميصه الأبيض ولا حذاءه المصقول الذي كان يختال به أمام خطيبته؛ بل كان يرتدي قميصاً قطنياً بسيطاً ورداءً رياضياً دافئاً. كان وجهه مشدوداً، وعيناه تحملان خليطاً غريباً من التوتر والتردد. نظر إليّ عبر المرآة، ونطق بصوت خافت يقطعه الخجل: — "أنا جاهز... السوق الأسبوعي يفتح أبوابه الآن، أليس كذلك؟" أومأتُ برأسي بهدوء، ودون أن أزيد كلمة واحدة، سلمته القائمة المكتوبة بخط يدي ورقعة المال الخاصة بشراء مستلزمات اليوم. خرجنا معاً نحو الشارع المظلم. كانت السيارة الشاحنة الصغيرة التي استأجرتها لنقل البضائع تنتظر عند الزاوية. طوال الطريق نحو السوق الكبير، كان الصمت يسود بيننا، صمتٌ ثقيل يختزن أشهراً من الجفاء والأنانية، لكنه كان صمتاً أفسح المجال لواقع جديد يبدأ بالت شكل. في السوق الأسبوعي، كان الصخب يملأ المكان؛ صراح الباعة، واحتكاك الصناديق الخشبية، ورائحة الخضار واللحوم الطازجة.
انقضى أسبوعان على انتشار حركة الشفاء والتجدد في محلنا الصغير.كانت الحياة تدور في مجراها الجديد بانتظام دقيق؛ المحل يغلي بالحركة والزبائن، وأنا وأمي ندير دفة العمل بصلابة ومحبة يزداد عمقها كل يوم. لكن تحت هذا السطح المستقر، كانت حبال الواهية تُقطع حابلاً تلو الآخر، والوجوه المستعارة تتساقط دون رحمة.تعلمتُ في الأيام الماضية درساً كان أشد قسوة من المرض نفسه. حين أُصبتُ بتلك الوعكة وتوقفت الحركة في البيت، جربتُ، بقلب سليم ونيّة صادقة، أن أطرق أبواب من كانوا يملؤون سمائي بعبارات الود الجوفاء: "نحن أهلكِ... إن احتجتِ أي شيء، هاتف واحد فقط وستجديننا أمامكِ!".يا لسرعة تبخر تلك الشعارات عند أول نداء حقيقي!حين اتصلتُ للضرورة، وجدّتُ الأعذار الباردة جاهزة ومصوغة ببراعة: هذا مشغول، وتلك تداهمها الظروف، وذاك يتوارى خلف الصمت. وحتى الصداقات التي كنتُ أحسبها ملاذاً آمناً، اكتشفتُ أنها تجارة مقنّعة؛ لا أحد يمدّ يد المساعدة دون أن يضع في حسابه مقابلاً أو مصلحة قادمة. في تلك الليالي الباردة، وأنا أستمع لصدى صمتهم، اتخذتُ قراراً صارماً نزل على قلبي كالسيف: لن أطلب أحداً بعد اليوم... لا عائلة، ولا أص







