Masukفي تلك اللحظة، مرت عليّ السنون الماضية كلها في لمح البصر؛ اشرأبت الذكريات أمام عيني متلاحقة، وكأنني أدرتُ شريطاً سينمائياً لحياتي بأكملها وعرضته أمام مخيلتي في أقل من دقيقة واحدة.. أقل من دقيقة كانت كافية لتهز ثباتي وتوقظ كل الشياطين النائمة في أعماقي.
أدركتُ حينها أن النعاس قد رحل عني تماماً، وأن النوم لن يجرؤ على زيارة جفوني الليلة. فكرتُ في ملاذي الأخير؛ تجربة صلاة الاستخارة. قلت في نفسي ربما إذا وقفتُ بين يدي الله مصليةً وخاشعة، ستهدأ نفسي المضطربة وتنزاح هذه الغمامة عن عقلي الحائر. تحركتُ أخيراً، دخلتُ من الشرفة حابسة أنفاسي، وتوجهتُ بخطى خفيفة نحو الحمام لأتوضأ. وفي طريقي عبر الممر المظلم، اخترق سمعي صوت همس منخفض ومريب.. تسمّرتُ في مكاني، ونبضات قلبي تتسارع بعنف. نعم، إنها أمي.. لم أخطئ صوتها أبداً. ولكن مع معالم الليل المتأخرة وهدوء المنزل، مع مَن كانت تتحدث في هذا الوقت المتأخر وبهذه السرية التي تثير الرعب في النفس؟ حاولت لبرهة أن أسترق السمع و لكن فوجئت بها تفتح باب غرفتها لقد ادهشتني و ارعبتني حقا صرخت انا و هي اشتكت .. ماذا كنت تفعلين عند باب غرفتي ؟ هكذا تسألت أمي و حتى انا تسألت و رددت قائلة و ماذا سأفعل مثلا؟ . امي اتيت لاسرق منك قبلة هذه ليلة ضحكت و قالت ينخدم من يأمنكم على شيء ما . ثم قالت كم الساعة ؟ هل هذا وقت الصلاة الفجر اخبرتها لازال الفجر بعيدا قليلا عودي إلى النوم اذا . اخبرتني بما انها فطنت في هذا الليل ستصلي ركعتين لله . هي ذهبت و انا دخلت إلى غرفتي نسيت حتى ما كنت انوي فعله و رميت نفسي على فراشي ... أحاول جمع افكاري ...لم تكن ليلة هادئة على الإطلاق. لقد كانت ليلة أخرى من تلك الليالي الطويلة التي أمضيها وأنا أتقلب في فراشي شمالاً ويميناً، أفكّر وأفكّر، أخطط للمستقبل وأرسم للمشاريع دروباً، لكنني لم أجد في زحمة أفكاري مكاناً مناسباً يمنحني السلام. لا أعلم كيف سرقني النوم أخيراً، حتى استفقتُ على صوت أختي إيما وهي تتحدث مع أمي بنبرة حيوية. وأنا ما زلتُ دافنة رأسي في فراشي، تذكرتُ على الفور صباحيات أختي وأمي القديمة في منزلنا العائلي؛ تنامان وتستيقظان وتتحدثان بشغف لا ينتهي، وكأنهما لم تلتقيا منذ ثمانية أعوام كاملة، وليست مجرد ثماني ساعات مضت! نهضتُ من فراشي متثاقلة، ورأسي يتمايل يمنة ويسرة من فرط الصداع. كان جسدي يعلن العصيان، غير قادر على تلبية مطالب رأسي؛ فأحدهما يعمل بكامل طاقته التخطيطية، والآخر يطالب بالعودة إلى النوم فوراً. على فكرة.. عندما كنتُ صغيرة، كانوا يلقبونني في العائلة بـ "كيس النوم"، لأنني كنتُ أعشق النوم بشكل مفرط، أما الآن فقد غادرتني تلك الرفاهية. خرجتُ من غرفتي حائرة، فاستقبلتني أمي بوجهها الجامد المقابل لي، وقالت دون مقدمات: — "هل حضرتِ أمتعتكِ وحقائبكِ؟" أمي هكذا دائماً؛ لا تعرف في قاموسها عبارات مثل "صباح الخير" أو أي كلمات لطيفة أخرى. وإن حدث وسمعتها تقول كلاماً معسولاً ذات يوم، فإننا نعلم فوراً أن مطلبها الذي سيليه سيكون غالياً جداً وصعب المنال! أجبتها بنبرتي المعتادة التي أدافع بها عن حقي في الاستيقاظ ببطء: — "كالعادة يا أمي.. لم أستحم بعد، ولم أشرب قطرة واحدة من قهوتي حتى!" دخلتُ الحمام، وبينما كانت المياه الدافئة تنساب عليّ، وجدتُ نفسي أفكر في أمر غريب؛ كيف أصبحتُ فجأة أتعامل وأتحدث بنفس السياق والأسلوب المتمرد الذي كنتُ أستخدمه أيام عيشنا في منزلنا القديم؟ استغربتُ من حالة نفسي، وكأن روحي بدأت ترتد إلى مراهقتها القديمة بمجرد ذكر ذلك الحي. بعد أخذ دوش خفيف، توجهتُ إلى مائدة الإفطار متأخرة كالعادة. كانت أمي قد ذهبت لتحضير نفسها وتجهيز عباءتها، وأختي إيما كذلك. وبينما كنتُ واقفة في المطبخ، أرتشف قهوتي ببطء وأتصفح الإنترنت عبر شاشة هاتفي، فوجئتُ بأمي تقف عند رأسي كظلها الحازم وتقول مستحثة: — "ماذا؟ ألن تذهبي أنتِ أيضاً؟" قلت محاولة تهدئة روعها: — "بلا.. سأذهب طبعاً، ولكن لِمَ كل هذه العجلة يا أمي؟" التفتت إليّ وقالت بعملية: — "البيت مغلق منذ سنوات، وأصبح متسخاً حتماً. سيأخذ منا وقتاً طويلاً لتنظيفه وترتيبه، لذلك يجب أن نصل في وقت مناسب ومبكر." لم تكن لدي سيارة في ذلك الصباح، لذا اضطررنا لأخذ سيارة أجرة (تاكسي). وفي الطريق إلى هناك، وبينما كانت العجلات تطوي المسافات نحو الحي القديم، شعرتُ بشيء دافئ يبلل وجهي. كانت دموعاً انزلقت على وجنتي.. دموع لم تكن جافة، بل كانت مختبئة طوال السنوات الماضية في خجل صامت، والآن فقط، وجدت طريقاً للنزول بحريتها المطلقة. لم يكن الطريق طويلاً على غير العادة، بل بدا لي قصيراً جداً لدرجة غريبة، حتى بدأتُ أظن بيني وبين نفسي كأن الشوارع والحي—أو ربما الراحلين هناك—مشتاقون إلينا تماماً كما نشتاق إليهم. عندما توقفت سيارة الأجرة وصلنا تحت البيت العائلي، التفتُ حولي فلم أجد أحداً في الأزقة. كان السكون غريباً. قالت إيما بنبرة متفاجئة وهي تنظر إلى الساعة: — "هذا غريب! إنها العاشرة صباحاً، وعمي أحمد لم يفتح محله بعد؟" ردت عليها أمي فوراً بمعلومة دقيقة: — "لم يعد عمكِ ينزل إلى المحل بسبب صحته، بل أصبح ابنه علي هو من يديره ويفتح الأبواب." استدرتُ نحو أمي، ورسمتُ على شفتي ضحكة عابرة لألطف الأجواء وقلت مداعبة: — "حقاّ؟ أنتِ زوجة صالحة ووفية.. كل أخبار العائلة القديمة لديكِ أولاً بأول!" رمقتني أمي بتلك النظرات الغريبة الحادة، النظرات التي لا يمكن لأحد في هذا الكون أن يفهم مغزاها وعمقها سوى أمّ أخرى مثلها. في نظرها مباغث كأنها كانت ترى شيئا او شخصا انا لا أراه فقالت لا تلتفيتي للوراء و ابقي كما أنت .. عند سماع هذه الكلمات قالت إيما يا له من حظ بعد كل هذه سنوات اول من تلتقيه سيكون هو و انا أقول له ما من هو حتى سمعت صوته قريبلم يكن الصمت الثقيل الذي خيم على أرجاء المكان عقب إحضار قارورة العطر صمت إقرار بالحق أو تراجع عن الظلم، بل كان ذلك الهدوء المفخخ والشديد التوتر الذي يسبق اندلاع العاصفة.تنحّت زوجة عمي "راتبة" جانباً بخطوات بطيئة، وتفحّصت العلبة الفاخرة بنظرات تطفح بالحقد والغلّ الدفين، ثم رسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة ومسمومة كشفت عن نواياها الدفينة، وقالت بصوت متهدج يحمل كل معاني التشفي والافتراء:— عطر فاخر بستمئة ألف سنتيم أو يزيد؟ فتاة أغلقت مشروعها للتو واستسلمت للفشل، من أين لها هذا البذخ والترف؟اتسعت عينا أمي ذهولاً واستنكاراً، وخطت خطوة حازمة نحوها لتقف بصلابة تجابه ذلك الطغيان:— ألم تعودي لوعيكِ وعقلكِ يا راتبة؟ ألم تري الدليل القاطع بآمال عينيكِ والقارورة في يدها؟ عن أي فشل وبذخ تتحدثين وأنتِ تشاهدين حقها بعينيكِ؟التفتت راتبة بنظرها نحو كبار العمات والأعمام المصطفين في مجلس الشك، ورفعت نبرة صوتها لتصل كلماتها إلى مسامع الجميع وتزرع الفتنة في نفوسهم:— لا تتظاهري بالجهل والغفلة يا أم ريم! العطور الفاخرة والماركات العالمية لا تهبط من السماء هكذا على الفتيات دون مقابل! إن لم تخبرينا وتوضحي
مثلما يُقال في مأثور القول: لكل بداية نهاية، وكانت تجربة مشروع "الموتشي" محطة ممتعة ومضيئة رغم قصرها، ونهايتها السريعة كانت أمرًا متوقعًا ومقدورًا على كل حال، وإن كان يعصر القلب ألمًا أنها جاءت في أول الطريق وقبل أن تؤتي أكلها كاملاً.هكذا هي عجلة الحياة، لا تنتظر أحدًا كي يستجمع شتات أفكاره أو يركب الموج في توقيته المثالي. وأنا تحديدًا، مع كل مشروع جديد أطلقه وتجربة مغايرة أخوضها، تُضاف صفحة جديدة ممتلئة بالدروس إلى سيرتي الذاتية والمهنية.تعلمت درسي القاسي بوضوح هذه المرة: قبل الإقدام على خطوات أي مشروع أو فكرة جديدة، يجب دراسة سلاسل التوريد والظروف من الألف إلى الياء، وإلا فإن البناء سينهار ويجف ينبوعه قبل أن ينطلق أصلاً.عندما كنت أكثر حداثة وسنًا، كنت صاغرة ومندفعة، صاخبة في مشاعري وأحب اللهو والانطلاق دون قيود. وكنت حين أرى شخصًا يتسم بالهدوء والصمت، أسرع بإخباره أن هدوءه هذا ليس سوى مقبرة للمشاعر يجلب التعاسة والملل. لكنني اليوم، ومع مر الأيام والتجارب، أصبحت نسخة مطابقة لما كنت أنقده في الماضي.قال لي صابر ذات مرة في جلسة عتاب قديمة إنني سأتغيّر حتمًا، وإن حياتي ومبادئي وقواعد
كان لدي حسابان متوازيان على مواقع التواصل الاجتماعي. في الحساب الثاني والأقل نشاطًا، كنت صديقة لأخت محمود الصغرى، وكانت صورة البروفايل فيه تعكس مشهدًا غامضًا؛ نُظرة عينيّ فقط في كادر ضيق، دون إظهار ملامح وجهي كاملاً.في تلك الفترة الطويلة من الجفاء والحظر، أصبح محمود هوايتي السرية الجديدة، رغم كل الصفعات والمعاملة الجافة التي يتلقاها كبريائي منه. كنت أفتح حسابه كل يوم تقريبًا، وأجلس أتأمل شاشته الصامتة؛ ورغم أنه لم يكن ينشر شيئًا يُذكر، إلا أنني كنت أقنع نفسي بلعبة طفولية؛ لعبة "التجاذب غير المباشر"، كأنني أحاول استدعاء طيفه وجذبه ونقله نحو طاعتي بصمت ودون أن يدرك.وفعلاً، كما تدربت في خيالي، تواصل معي في أحد الأيام عبر ذلك الحساب البديل.قررت هذه المرة أن أرتدي قناع الثبات وألعب دوري التكتيكي بإتقان؛ فلم أرد على طلب التواصل إلا بعد أربعة أيام كاملة من الانتظار القاتل، لأثبت لنفسي أولاً وله ثانيًا أنني لم أعد تلك الفتاة المتاحة دومًا. أرسلت له رسالة قصيرة ومحايدة:— سلام، من معي؟لم تمضِ ثانية واحدة، حتى وصلني الرد في تسجيل صوتي مفاجئ، لم يحمل دفقًا من الشوق ولا نبرة اعتذار، بل جاء بن
الإنسان يتغيّر وفق ظروفه الصعبة، ومعتقداته تتطوّر وتتنقّح بناءً على ما يراه وما يطّلع عليه من تجارب الحياة. وعلى هذا الأساس، يمكنني القول بثقة إنني أنا أيضًا تغيّرت كثيرًا، بعدما نظرت إلى مسار حياتي وقسّمته على خمس مراحل متتابعة، كل مرحلة منها تمتد لخمس سنوات كاملة من النضج والألم.مررت بتجارب قاسية وخيبات أمل متتالية، تجارب أبكتني شلالات من الدموع الحارقة في ظلمات الليالي، وأخرى كادت تدفعني نحو أفكار سوداوية لا أرغب حتى في مجرد تسميتها أو تذكرها. لكن هل توقف عجلة الزمن حينها لأجلي؟ هل بكى معي أحد أو انتشلني من قاع حزني؟ لا، لم يفعل أحد.لذلك، اتخذت قرارًا مصيريًا بأن أبقي شخصيتي وكرامتي في المرتبة الأولى دائمًا، وأن يكون البقية مجرد ضيوف يعبرون حياتي ويخرجون منها، مهما طال بقاؤهم أو قصر، دون أن يتركوا شرخًا لا يُبرأ.لطالما دعوت على محمد في صلواتي القديمة، بسبب هجره القاسي لي وبسبب وعوده البراقة التي لم يفِ بأي منها. لكن مع مرور الوقت ونضج الفكر، أصبحتُ أحمد الله وأشكره في كل لحظة لأنني لم أكن من نصيبه.أما محمود، فبنرجسيته المتأصلة تلك، كان يتضح لي يومًا بعد يوم أنه رجل لا يتغيّر أب
مثل كل أفراد المجتمع حول العالم، كان كوفيد-19 نقطة توقف كاملة ومباغتة في حياتي. عطلة غير مدفوعة الأجر، بل يمكنني تسميتها سجنًا خانقًا لغير المذنبين.أثر ذلك الوباء على حياتي بشكل مزدوج، محملًا بتناقض غريب بين السلب والإيجاب.سلبًا، أن تجد نفسك تنام وتستيقظ وتأكل وتعيش في خوف مستمر، خوف دائم من إصابة خاطفة قد تعني الموت، خاصة إذا كنت تعاني من أمراض ومشاكل صحية معقدة تجعل جسدك أضعف، مثلي أنا تمامًا.وإيجابًا، أن تأخذ زمام الأمور بنفسك وتتحمل المسؤولية. وهذا ما فعلته أنا بالضبط. كان تدفق الإنترنت متوفرًا، فوجدت نفسي أُكوّن نفسي بنفسي، عبر منصات تعليمية مختلفة لم أكن أعرفها من قبل. وبهذا، اكتشفت نفسي من جديد، وطموحًا آخر، وأهدافًا لم أكن أعرف أنها موجودة بداخلي تنتظر من يكتشفها.الإنسان سريع التأقلم مع كل ما يحيط به، حتى وإن كان جحيمًا، سيجد طريقًا أو مكانًا يحميه فيه. غريزة إنسانية موجودة بالفطرة لا يمكن لأحد أن يخلو منها تمامًا.في تلك الأيام الصعبة، كنت على يقين أن تلك العطلة القسرية سيكون لها ثمن باهظ لا محالة. لكنني لم أكن أعلم أن الثمن سيكون عجيبًا إلى هذا الحد.بعد مرور سنة كاملة،
تحوّلت حكاية الميراث إلى سلسلة تُروى كل يوم في منزلنا. كل مرة يصل اتصال، تهرع أمي مسرعة، وتعود فارغة اليدين. ومع مرور الوقت، أصبح الأمر شبه روتيني، حتى فقد الجميع شغفهم في متابعة تلك القضية، وكأنهم أخيرًا رضخوا لأمر الواقع الأليم. حياتي أنا الخاصة دخلت هي الأخرى في روتين مشابه. لا عمل ثابت، وأصبحت فريسة سهلة لرؤوس أموال التسويق الشبكي، كل واحد منهم يعرض عليّ فرصة تدخل شهريًا مبالغ خيالية، وآخر يعرض شركة أجنبية واعدة. هاتفي لا يتوقف عن الرنين، وحسابي على مواقع التواصل امتلأ بإعلانات ورسائل لا تنتهي. حتى جاء يوم، وتواصل معي شخص يُدعى محمد، اقترح عليّ مؤسسة تعمل في نفس المجال، لكنها شركة تونسية جزائرية، في بداياتها. حضرت بعض ملتقياتها، ووجدت أسعارها معقولة، لا تعِد بأحلام وهمية كالسابقة، لكنها كانت جيدة من عدة نواحٍ. وبما أن مبلغ الدخول كان زهيدًا جدًا، قلت لنفسي: — هيا يا ريم، لننطلق. ربما تكون هذه فرصتنا الحقيقية. دخلت الشركة، وبدأت أبيع منتجاتها، أصمم صورًا وفيديوهات، وأشارك في فعالياتها في كل الولايات. وهذا بالضبط ما كنت أحبه في التسويق الشبكي: مكان تجني منه المال، وتتعرف فيه عل







