LOGINفي ذاكرتي وكأننا كنا نهرب من هويتنا القديمة ومن انكسارنا.
نفضنا أفكار الماضي وبدأنا العمل. نظفنا غرفة نوم أمي، وغرفتي، والصالون، والمطبخ، بالإضافة إلى الحمام. بعد ساعات من الجهد الشاق والتنظيف، أخذنا دوشاً دافئاً وجلسنا في المطبخ. أمي، كعادتها دائماً، تكون الأكثر تدبيراً؛ فقد جلبت معها بقايا طعام من ثلاجة شقتنا الحديثة لنسد بها رمقنا. بينما كنا جالسين حول المائدة الصامتة، تعالت طرقات على الباب: (دق.. دق.. دقتين متتاليتين). نهضتُ فوراً لأرى من الزائر؛ قلتُ في نفسي ربما تكون تلك المرأة الغريبة التي رأيناها في الصباح، أو ربما أخي أسامة غلبه قلقه وعاد ليطمئن علينا. وعندما فتحت الباب، لم يكن أحدهما، بل كانت زوجة عمي عمار، التي تقع شقتها أسفل شقتنا تماماً. تفاجأت المرأة برؤيتي واقفت أمامها، واتسعت عيناها وهي تهتف: — "ياه! ريم؟ لقد عدتم إذن!" سلمتُ عليها بتهذيب مصطنع وقلت: — "أهلاً يا زوجة عمي، تفضلي بالدخول." ردت وهي تتلصص بعينيها داخل الرواق: — "لقد سمعتُ حركة جلبة وأصوات تنظيف في الأعلى، فصعدتُ لأرى ما الأمر.. لدرجة أنني قلت في نفسي ربما بدأتُ أخرف وأتخيل أصواتاً!" في تلك اللحظة، خرجت أمي من المطبخ، وبمجرد أن رأت جارتها القديمة، قالت بنبرتها الحازمة الممزوجة بالدعابة: — "يا بهية.. إن أردتِ أن تصبحي عجوزاً وتخرفي فكوني كذلك لوحدكِ، أما أنا فلا زلتُ صبية صغيرة!" تعالت الضحكات في الممر الضيق، وتلتها عاصفة من العناق الحار والقبلات البروتوكولية. وقالت زوجة عمي عمار وهي تتأمل وجه أمي: — "أنتِ لم تتغيري أبداً ولن تتغيري، حتى بعد أن شارفتِ على سن السبعين!" وفي وسط تلك الأصوات المتعالية التي ملأت ردهة الشقة الميتة، سُمعت خطوات سريعة تصعد الأدراج. كانت زوجة عمي الثانية، المدعوة "مليكة"، زوجة عمي أحمد. بمجرد أن وصلت إلى عتبة الباب، رمت يديها في الهواء وهتفت بنفاق اجتماعي صارخ: — "يا إلهي! يا لها من مفاجأة كبيرة لا تصدق!" ولم تكتفِ بذلك، بل أطلقت زغروتة حادة هزت أركان البناية، فاندفعت أمي نحوها وهي تحاول كتم صوتها بيدكها قائلة بحدة: — "اسكتي! لقد ففضحتِنا أمام الحي بأكمله!" في تلك الأثناء، كانت أختي إيما تقف في الخلف، تراقب هذا المشهد المسرحي بعينين مذهولتين ومندهشتين مما يدور أمامهما. وفجأة، شعرتُ باهتزاز هاتفي في جيدي. أخرجته لأجد رسالة نصية قصيرة من إيما، كتبت فيها بسخرية لا ترحم: (أنا متفاجئة حقاً.. سنهن وصل إلى اثنين وسبعين سنة، وما زلن يحافظن على تمثيلهن الجيد وإتقان الأدوار أمام الكاميرا!) لم أتمالك نفسي، فارتسمت على شفتي ابتسامة ساخرة، ونظرتُ نحو إيما وغمزتها كأنني أقول لها: "وهو كذلك بالفعل". لكن بمجرد أن رفعتُ عينيّ مجدداً نحو النسوة ، وجدتُ زوجة عمي الثانية، مليكة، ترمقني بنظرة حادة اخترقت وجهي. لم تكن نظرة ترحيب، بل كانت تلك النظرات الحاسدة، السامة والمألوفة التي عرفتها فيها طوال مراهقتي. إنها لا تتغير أبداً. هناك طباع تولد مع البشر وتلتصق بهم كبصمة الإصبع، ومليكة طباعها مليئة بالغل.. وهي البصمة التي تجعل من المستحيل أن أسامحها على ما فعلته بي في الماضي، أبداً. من يقول أن زوجة عمي مليكة يمكن أن تتغير يوماً؟ لا أحد يمكنه الجزم بذلك، هه! حقاً، كأنها لا تملك في قاموسها الحق في التغيير، بل إنها بطبعها هذا لو تغيرت فجأة وأصبحت طيبة، فلن يصدقها أحد من أفراد العائلة الكبيرة. التقت عيناي بعينيها الحادتين، وكان لسانها كالعادة لاذعاً يقطر سماً. تجرأت دون حياء، وقالت بنبرة مستفزة أمام الجميع: — "منذ زواج إيما، وأنا أنتظر بشوق أن أسمع خبر زواجكِ أنتِ أيضاً يا ريم.. متى نفرح بكِ؟" نظرتُ إليها بثبات، وقلت بنبرة هادئة ومستنكرة: — "أتتحدثين معي أنا؟" لوت شفتيها وقالت ببرود مسموم: — "نعم، ومن غيركِ هنا في العائلة بقي بدون زواج حتى الآن؟" في تلك اللحظة بالذات، لم أجد ما أقوله حقاً. شعرتُ كأن لساني قد خانني لأول مرة في حياتي، أنا التي لا يصعب عليّ رد. أو ربما.. لم يكن خذلاناً، بل لأنني أصبحتُ أكثر رزانة ونضجاً من أن أنجرّ إلى معاركها الصبيانية التافهة. وبينما كنتُ واجمة، أنظر إلى اللاشيء وأبتلع غصتي، ارتفع صوت زوجة عمي عمار، بهية، لينقذ الموقف. قالت بنبرة حادة وموجهة كالسهم: — "لقد كبرنا حقاً من الناحية الجسدية يا مليكة.. ولكن يبدو أن بعضنا لم يكبر عقله حتى الآن!" كانت كلماتها بمثابة صفعة غير مباشرة، قطعت بها على مليكة فاصل التباهي والسموم، وكأنها تقول لها: "أنا أتحدث عنكِ وعن تفاهتكِ بشكل علني". انتهى هذا اللقاء المشحون، وعادت زوجات الأعمام إلى بيوتهن في الطوابق السفلية، وعدنا نحن الثلاث إلى مطبخنا لنبدأ غداءنا المؤجل الذي لم نذقه بعد من فرط التوتر. بعد تناول الطعام، ساد الهدوء أرجاء الشقة؛ أخذت أمي قيلولتها المعتادة لتستريح من عناء السفر والتنظيف، بينما انزوت أختي إيما في الزاوية تتحدث مع زوجها خالد عبر الهاتف. بشوق، أما أنا.. فقد توجهت بخطوات متباطئة نحو غرفتي القديمة، الغرفة الوحيدة التي لم أقم بتنظيفها بعد. بمجرد أن دفعتُ الباب الخشبي وفتحتُه، تملكني ذلك الشعور الجارف بالحنين والألفة؛ شعور غريب يجمع بين دفء الذكريات ووحشة الهجران. كانت مكتبة أخي ما تزال قابعة في مكانها، مستندة إلى الجدار كحارس وفّي للماضي. كم تمنيتُ في يوم رحيلنا لو أنني أخذتها معي إلى شقتنا الجديدة، ولكن حجمها كان كبيراً جداً وثقيل الوزن لدرجة استحال معها نقلها. تركتها آنذاك مليئة بالأوراق والملفات والكتب، واليوم عدتُ إليها لأجدها بنفس هيئتها القديمة، لكن مضافاً إليها قماش غير مرئي من الغبار الذي جعل لونها يميل إلى الأشهب من كثرة السنين التي مرت عليها وهي وحيدة. نظرتُ من حولي، يميناً وشمالاً، وتساءلت: (ما بال نفسي؟ ما الذي يرتجف في أعماقي الآن؟) طأطأتُ رأسي، ولمحتُ في الأسفل، تحت رفوف المكتبة الثقيلة .مرت سنة كاملة بحلوها ومرها، سنة كانت كفيلة بأن تغير ملامح ديارنا وتكسو حياتنا برداء جديد من النضج والاستقرار.سبعة أشهر كاملة انقضت منذ أن وطأت قدمي أرض الغربة، بعد أن جاءتني فرصة عمل ممتازة في الخارج في مجال التسويق ومرافقة المشاريع. لم يكن قرار السفر هرباً أو تراجعاً، بل كان خطوة واثقة ومحسوبة لتوسيع آفاقي وتأمين مستقبل عائلتي على نطاق أكبر. تركتُ خلفي المحل الصغير بعد أن أصبح مؤسسة قائمة بذاتها تُدار بحرفية، ووضعتُ مفاتيحه وأمانته في يد أخي أسامة، الذي تخرج من مدرستي العملية وأصبح رجلاً عصامياً يُعتمد عليه في كل صغيرة وكبيرة.عبر شاشة هاتف محمول في غرفتي الغريبة، كانت الصورة الحية تنبض بالدفء القادم من صالة بيتنا في الوطن."ريم! انظري إلى هذا الترتيب، أليس رائعاً؟" جاءني صوت أختي إيما مفعماً بالحيوية وهي تدير كاميرا الهاتف لنصفي الصالة المليئة بصناديق التجهيز الراقية وثياب زفاف أخي أسامة.ابتسمتُ بصفاء وعيناي تتأملان وجه إيما؛ لقد أصبحت طالبة ماستر متألقة، واثقة من خطواتها الأكاديمية، وتستعد هي الأخرى لإتمام ترتيبات زفافها من خالد بعد أن قطعا شوطاً كبيراً في التخطيط، بينما كانت أمي
في صباح يوم الجمعة، كان الهواء يحمل برودة خفيفة ونقاءً غسلت به السماء أزقة الحي القديم.خرجنا من البيت متأنقين بثياب وقورة، لا لنحضر حفل تهنئة ولا لنستقبل أحداً، بل لنوفي بوعد قديم ظل معلقاً في أطراف قلوبنا منذ سنوات الفقد الأولى. ارتدت أمي ملاءتها السوداء، ومشت بجانبي بخطوات هادئة يستند ثقلها إلى ذراعي، بينما كانت إيما تحضن إلى صدرها ملفاً انطوت داخله نسختان مصدقتان؛ الأولى لشهادة الليسانس، والأخرى لوثيقة قبولها في مرحلة "الماستر".خلفنا بيمين واثقة، كان أخي الأصغر يسير بنخوة هادئة، يحمل في يده سلة صغيرة أودعنا فيها أواني المعجنات الفاخرة التي أعددناها في المحل صباحاً لتوزيعها صدقة على روح الراحلين.كان الطريق إلى المقبرة هادئاً، يلفه سكون يبعث السكينة في النفوس المجهدة.وعندما وطئت أقدامنا التراب الندي، اتجهنا بخطوات معروفة نحو الزاوية الشرقية؛ حيث ينام أبي وأخي الراحل تحت ثرى أرض واحدة، تجاورهما شواهد سادة لا تحمل إلا اسميهما ودعوات الصابرين.توقفت أمي عند الشاهد، وجلست على الدكة الحجرية الصغيرة. بللت يدها ببعض الماء المنسكب من الإبريق، ومسحت به الحصى الناعم فوق القبرين، بينما شفته
في ذلك الصباح المشرق، لم تكن زغاريد الحي تشبه أي صوت آخر سمعناه من قبل.كانت الشمس تشرق على أسطح حينا القديم وهي تسكب نوراً دافئاً صافياً، وكأن السماء نفسها قررت أن تشاركنا هودء الانتظار طويل المدى. وقفتُ عند عتبة الصالة أراقب أختي "إيما" وهي تمسك بالشاشة الفضية لهاتفها المحمول، يداها ترتجفان بحدة غير مسبوقة، وعيناها تتنقلان بارتباك بين الأرقام والأسماء المكتوبة على الصفحة الرسمية لنتائج الكلية.كان الصمت في البيت ثقيلاً وخانقاً كجبل يجثم على الصدور. تقف أمي خلفها مباشرة، يداها المرتجفتان تمسكان بالسبحة الخشبية، وشفتها تتحركان بدعوات خافتة تحترق بالرجاء والابتهال.وفجأة... صرخت إيما صرخة مدوية انشق لها سكون الدار، وسقط الهاتف من بين أصابعها لتخرّ ساجدة على الأرض الباردة وهي تبكي بدموع حارة كالمطر!"نجحتُ يا ريم... نجحتُ وأخيراً! أخذتُ شهادة الليسانس!"انطلقت زغروتة طويلة هزت أرجاء البيت والشارع من حنجرة أمي، زغروتة امتزجت فيها فرحة العمر بمرارة الفقد. ارتمت إيما في أحضان أمي الدافئة، ثم تحولت فوراً لترتمي في حضني، وكانت أنفاسها المتلاحقة تحكي قصة سنوات طويلة من العناء والتعطيل والتعب
استقر نظام جديد داخل بيتنا وفي جنبات المحل الصغير، نظامٌ أرسى قواعده عرق الجبين والاحترام المتبادل.كان أخي يستيقظ مع فجر كل يوم دون حاجة لمن يناديه؛ يرتدي ملابس العمل البسيطة، يرافق الشاحنة إلى السوق، ويحمل الصناديق الثقيلة برحابة صدر ونخوة رجولية لم نعهدها فيه من قبل. تحول وجهه المترف إلى وجه شاب صلب تمرسه الحياة، وبدأت أرقام حسابه المستقل تنمو تدريجياً وبكرامة، حيث كان يجمع أجرته اليومية التي يتقاضاها منا بعرق جبينه، ليدفع منها أقساط تجهيز زواجه ومهر خطيبته، دون أن يمد يده بسنتيم واحد إلى ميزانية البيت أو المحل.لكن الرياح التي تهب على البيوت لا تستأذن أحداً، وحين يتغير الشخص ونظرته للحياة، تجبر الأقدار من حوله على كشف معادنهم الحقيقية.في ظهيرة يوم ساد فيه الجو ببرودة خفيفة، دخلت خطيبة أخي برفقة والدتها إلى المحل.كانتا ترتديان أفضل ما لديهما من ثياب أنيقة، ونظراتهما تتفقد المكان بفضول لم يخلُ من علامات التعالي الخفي. جاءتا بحجة التودد وشراء بعض المعجنات الخاصة التي اشتهر بها محلنا في الحي، لكن الهدف الحقيقي كان استكشاف سر هذا التحول المفاجئ في سلوك أخي وخططه المالية.في تلك اللحظ
في الخامسة والنصف صباحاً، وقبل أن تشرق الشمس على أسطح حينا القديم، كان الهواء البارد يلف الأزقة بصمت خافت. استيقظتُ على صوت حثيث في الصالة. فتحتُ باب غرفتي ببطء، لأجد أخي يقف أمام المرآة الخشبية. لم يكن يرتدي قميصه الأبيض ولا حذاءه المصقول الذي كان يختال به أمام خطيبته؛ بل كان يرتدي قميصاً قطنياً بسيطاً ورداءً رياضياً دافئاً. كان وجهه مشدوداً، وعيناه تحملان خليطاً غريباً من التوتر والتردد. نظر إليّ عبر المرآة، ونطق بصوت خافت يقطعه الخجل: — "أنا جاهز... السوق الأسبوعي يفتح أبوابه الآن، أليس كذلك؟" أومأتُ برأسي بهدوء، ودون أن أزيد كلمة واحدة، سلمته القائمة المكتوبة بخط يدي ورقعة المال الخاصة بشراء مستلزمات اليوم. خرجنا معاً نحو الشارع المظلم. كانت السيارة الشاحنة الصغيرة التي استأجرتها لنقل البضائع تنتظر عند الزاوية. طوال الطريق نحو السوق الكبير، كان الصمت يسود بيننا، صمتٌ ثقيل يختزن أشهراً من الجفاء والأنانية، لكنه كان صمتاً أفسح المجال لواقع جديد يبدأ بالت شكل. في السوق الأسبوعي، كان الصخب يملأ المكان؛ صراح الباعة، واحتكاك الصناديق الخشبية، ورائحة الخضار واللحوم الطازجة.
انقضى أسبوعان على انتشار حركة الشفاء والتجدد في محلنا الصغير.كانت الحياة تدور في مجراها الجديد بانتظام دقيق؛ المحل يغلي بالحركة والزبائن، وأنا وأمي ندير دفة العمل بصلابة ومحبة يزداد عمقها كل يوم. لكن تحت هذا السطح المستقر، كانت حبال الواهية تُقطع حابلاً تلو الآخر، والوجوه المستعارة تتساقط دون رحمة.تعلمتُ في الأيام الماضية درساً كان أشد قسوة من المرض نفسه. حين أُصبتُ بتلك الوعكة وتوقفت الحركة في البيت، جربتُ، بقلب سليم ونيّة صادقة، أن أطرق أبواب من كانوا يملؤون سمائي بعبارات الود الجوفاء: "نحن أهلكِ... إن احتجتِ أي شيء، هاتف واحد فقط وستجديننا أمامكِ!".يا لسرعة تبخر تلك الشعارات عند أول نداء حقيقي!حين اتصلتُ للضرورة، وجدّتُ الأعذار الباردة جاهزة ومصوغة ببراعة: هذا مشغول، وتلك تداهمها الظروف، وذاك يتوارى خلف الصمت. وحتى الصداقات التي كنتُ أحسبها ملاذاً آمناً، اكتشفتُ أنها تجارة مقنّعة؛ لا أحد يمدّ يد المساعدة دون أن يضع في حسابه مقابلاً أو مصلحة قادمة. في تلك الليالي الباردة، وأنا أستمع لصدى صمتهم، اتخذتُ قراراً صارماً نزل على قلبي كالسيف: لن أطلب أحداً بعد اليوم... لا عائلة، ولا أص







