LOGINوفي تلك الحقبة من المراهقة، كانت لابنة عمي قصة حب خفية؛ كان لديها حبيب يقضي فترة خدمته العسكرية الإجبارية. وطوال مدة غيابه، كان السبيل الوحيد لتواصلهما هو الرسائل الورقية عبر البريد، لكن ليس البريد التقليدي، بل عن طريق صديق مقرب له يتنقل بين الحي وثكنته. وكنتُ أنا، ببراءتي المفرطة، همزة الوصل السرية بينهما، أو إن صح القول.. كنتُ بمثابة "مراسل البريد الخاص" الذي ينقل الرسائل المكتوبة بلهفة ويعود بالأجوبة. فعلاً.. كم كنتُ ساذجة وطيبة القلب في تلك الأيام!
وفي يوم من أيام شهر ديسمبر الباردة، خرجتُ كالعادة لأُسلم هذا الصديق الوسيط رسالة جديدة من ابنة عمي. وبعد انقضاء بضعة أيام، لا أعلم كيف تقاطعت دروبنا مجدداً، لكنني رأيته في مكان آخر بالصدفة؛ مشينا معاً على حافة الطريق الطويل، تكرر هذا السير المتباعد لعدة مرات، وتجاذبنا أطراف الحديث العفوي، مما جعل المشاعر البريئة تتسلل بيننا بهدوء، وتتطور دون أن نشعر.. حتى استيقظتُ ذات صباح لأجد أنه أصبح لدي حبيب أنا أيضاً، يشاركني برد ديسمبر ودفء الرسائل. وفي أوج غرق عاطفتي الناشئة وتلك المشاعر المندفعة في خيالي، اخترق صمت الغرفة فجأة صوت أمي الحقيقي وهي تناديني بنبرة حادة ومذعورة: — "ريم! ريم! استيقظي!" فتحتُ عينيّ بفزع شديد، ونفضتُ عن جسدي غطاء الماضي لأجد نفسي واقفت وسط غرفتي الحالية المتربة، ممسكة بالمذكرة القديمة بين يديّ وقد عُدتُ للحاضر رغماً عني. كانت أمي تقف أمامي وملامح القلق والاضطراب ترتسم على وجهها بشكل مرعب. نظرتْ إليّ بعينين متسعتين وأخبرتني بصوت متهدج أنها سمعتني وأنا غارقة في شرودي أتحدث بصوت مسموع مع شخص آخر غائب! انقبض قلبي فزعاً، وتراجعتُ خطوة للخلف، وسألتني أمي فجأة بسؤال مباغت هبط عليّ كالصاعقة: — "ما بكِ يا ريم؟ هل ما زلتِ.. هل ما زلتِ تتذكرين محمد؟!" تأملتُ وجه أمي المذعور في تلك اللحظة، وشعرتُ وكأن الندم قد تسلل إلى أعماقها؛ ندمٌ صامت لأننا وافقنا على العودة إلى هذا المنزل القديم الذي يرفض أن يترك موتاه في سلام. إن ذكر اسم "محمد" في هذا البيت يشبه تماماً نبش قبرٍ محرم، خطيئة لا يجرؤ أحد من أهل البيت على ارتكابها أو التفوه بها لما تحمله من ندوب وجروح غائرة. عندما نفضتُ عني غيبوبة الذاكرة واستفقتُ تماماً، وجدتُ نفسي قد ارتطمتُ بأرض الواقع مجدداً في غرفتي المتربة. نظرتُ إلى أمي الواقفة أمامي بنظرات تائهة، ونهضتُ من مكاني محاولةً لملمة شتات نفسي، وقلتُ بنبرة مصطنعة من الذهول: — "من هذا الذي ذكرتِ اسمه الآن؟ عن من تتحدثين يا أمي؟" رمقتني أمي بنظرة حادة، مزيج من التعجب والشك، وقالت بجفاف: — "متى أصبح لديكِ هذا الفقدان المفاجئ في الذاكرة يا ريم؟!" أطلقتُ ضحكة خافتة ومريرة، ضحكة أداري بها العاصفة التي تجتاح صدري، وقلتُ لها وأنا أمرّ بجانبها متجهة نحو الرواق: — "ليس فقداناً للذاكرة يا أمي.. بل اعتبريه هروباً ذكياً من الإجابة على سؤالكِ." تركتها واقفة وراء في الرواق غارقة في حيرتها، ووقفتُ لبرهة مستندة إلى الجدار البارد، ثم التفتُّ نحوها وسألتها لأغير مجرى الحديث الخانق: — "أمي.. هل أنظف غرفة وليد الآن؟" نظرتْ إليّ أمي بعينين متعبتين، وقالت وهي تشير إلى باب غرفتي: — "بما أنكِ فتحتِ باب غرفتكِ وبدأتِ بها، أليست غرفتكِ هي الأولى بالتنظيف والترتيب أولاً؟" هززتُ رأسي رافضة، وقلتُ بإصرار: — "اتركي غرفتي إذن.. لتنتظر يوماً آخر أو فرصة ثانية، ولكن غرفة أخي لن أفرط فيها، ولن أجعلها تنتظر دقيقة واحدة أخرى." توجهتُ مباشرة إلى غرفة أخي وليد، وفتحتُ الباب الذي لم يفتح منذ دهر. بمجرد أن خطوتُ إلى الداخل، هاجمت حواسي رائحة الغبار الكثيف الممزوجة برائحة عجيبة ومألوفة.. رائحة القطع الأثرية المصنوعة من الطين، الفخار، والخشب. لقد كان أخي وليد ذات يوم مولعاً وعاشقاً لهذه الأشياء التقليدية؛ كان يجمعها كأنها أثمن ما في الكون. توقفتُ في وسط الغرفة، ومرّ شريط الذكريات أمام عينيّ؛ لطالما كنتُ أرقبه في الماضي وهو يجلس في الركن، يمسح تلك القطع بعناية فائقة، وبلمسات رقيقة تفيض حباً، حتى أنكِ لوهلة أولى لو رأيتِ اهتمامه بها لظننتِ يقيناً أنها من صنع يديه ومن حياكة أنامله. بعد أن أكملتُ تنظيف الغرفة ونفضتُ الغبار عن أثاثها وقطعها الطينية، شعرتُ بثقل في قدميّ، فمضيتُ وجلستُ في نفس المكان الذي جلس فيه وليد لآخر مرة قبل إحدى عشرة سنة كاملة. جلستُ هناك واستحضرتُ ذلك اليوم وتلك الأمسية الحزينة؛ المساء الذي لم ولن أنساه قط في حياتي ما حييت. نعم.. فمنذ تلك الليلة المشؤومة، والبكاء المر يتردد في داخلي، ينبض مع كل دقة من دقات قلبي دون أن يسمعه أحد. منذ تلك الليلة، تم فطر قلبي وانكسر إلى شظايا لا يمكن جبرُها، وأُجبرتُ قسراً على مواجهة هذه الحياة اللعينة والعيش فيها دون سند حقيقي يرافقني أو يحميني من غدر الأيام. وليد لم يكن مجرد شقيق عادي في حياتي؛ لقد كان بمثابة أبي الثاني الذي ألجأ إليه في كل ضائقة، كان الرفيق الرقيق لدربي، والزميل الوفي لي في العمل الذي يشاركني كل خطوة وكل نجاح وطموح. انفجرت الدموع المخزونة في عينيّ، واهتزت جدران الغرفة الصامتة بصوت صرخاتي القديمة التي تجددت الآن، تلك الصرخة التي دوت في أرجاء البيت قبل إحدى عشرة سنة عندما انهار كل شيء فوق رأسي، وصرختُ بها في وجه الكون: — "وليد رحل يا أمي!.. وليد رحل وتركنـا وحدنـا في هذه دنيا " رحل بدون وداع ... رحل بإبتسامة رحل بدون العودة ... إلى ..مرت سنة كاملة بحلوها ومرها، سنة كانت كفيلة بأن تغير ملامح ديارنا وتكسو حياتنا برداء جديد من النضج والاستقرار.سبعة أشهر كاملة انقضت منذ أن وطأت قدمي أرض الغربة، بعد أن جاءتني فرصة عمل ممتازة في الخارج في مجال التسويق ومرافقة المشاريع. لم يكن قرار السفر هرباً أو تراجعاً، بل كان خطوة واثقة ومحسوبة لتوسيع آفاقي وتأمين مستقبل عائلتي على نطاق أكبر. تركتُ خلفي المحل الصغير بعد أن أصبح مؤسسة قائمة بذاتها تُدار بحرفية، ووضعتُ مفاتيحه وأمانته في يد أخي أسامة، الذي تخرج من مدرستي العملية وأصبح رجلاً عصامياً يُعتمد عليه في كل صغيرة وكبيرة.عبر شاشة هاتف محمول في غرفتي الغريبة، كانت الصورة الحية تنبض بالدفء القادم من صالة بيتنا في الوطن."ريم! انظري إلى هذا الترتيب، أليس رائعاً؟" جاءني صوت أختي إيما مفعماً بالحيوية وهي تدير كاميرا الهاتف لنصفي الصالة المليئة بصناديق التجهيز الراقية وثياب زفاف أخي أسامة.ابتسمتُ بصفاء وعيناي تتأملان وجه إيما؛ لقد أصبحت طالبة ماستر متألقة، واثقة من خطواتها الأكاديمية، وتستعد هي الأخرى لإتمام ترتيبات زفافها من خالد بعد أن قطعا شوطاً كبيراً في التخطيط، بينما كانت أمي
في صباح يوم الجمعة، كان الهواء يحمل برودة خفيفة ونقاءً غسلت به السماء أزقة الحي القديم.خرجنا من البيت متأنقين بثياب وقورة، لا لنحضر حفل تهنئة ولا لنستقبل أحداً، بل لنوفي بوعد قديم ظل معلقاً في أطراف قلوبنا منذ سنوات الفقد الأولى. ارتدت أمي ملاءتها السوداء، ومشت بجانبي بخطوات هادئة يستند ثقلها إلى ذراعي، بينما كانت إيما تحضن إلى صدرها ملفاً انطوت داخله نسختان مصدقتان؛ الأولى لشهادة الليسانس، والأخرى لوثيقة قبولها في مرحلة "الماستر".خلفنا بيمين واثقة، كان أخي الأصغر يسير بنخوة هادئة، يحمل في يده سلة صغيرة أودعنا فيها أواني المعجنات الفاخرة التي أعددناها في المحل صباحاً لتوزيعها صدقة على روح الراحلين.كان الطريق إلى المقبرة هادئاً، يلفه سكون يبعث السكينة في النفوس المجهدة.وعندما وطئت أقدامنا التراب الندي، اتجهنا بخطوات معروفة نحو الزاوية الشرقية؛ حيث ينام أبي وأخي الراحل تحت ثرى أرض واحدة، تجاورهما شواهد سادة لا تحمل إلا اسميهما ودعوات الصابرين.توقفت أمي عند الشاهد، وجلست على الدكة الحجرية الصغيرة. بللت يدها ببعض الماء المنسكب من الإبريق، ومسحت به الحصى الناعم فوق القبرين، بينما شفته
في ذلك الصباح المشرق، لم تكن زغاريد الحي تشبه أي صوت آخر سمعناه من قبل.كانت الشمس تشرق على أسطح حينا القديم وهي تسكب نوراً دافئاً صافياً، وكأن السماء نفسها قررت أن تشاركنا هودء الانتظار طويل المدى. وقفتُ عند عتبة الصالة أراقب أختي "إيما" وهي تمسك بالشاشة الفضية لهاتفها المحمول، يداها ترتجفان بحدة غير مسبوقة، وعيناها تتنقلان بارتباك بين الأرقام والأسماء المكتوبة على الصفحة الرسمية لنتائج الكلية.كان الصمت في البيت ثقيلاً وخانقاً كجبل يجثم على الصدور. تقف أمي خلفها مباشرة، يداها المرتجفتان تمسكان بالسبحة الخشبية، وشفتها تتحركان بدعوات خافتة تحترق بالرجاء والابتهال.وفجأة... صرخت إيما صرخة مدوية انشق لها سكون الدار، وسقط الهاتف من بين أصابعها لتخرّ ساجدة على الأرض الباردة وهي تبكي بدموع حارة كالمطر!"نجحتُ يا ريم... نجحتُ وأخيراً! أخذتُ شهادة الليسانس!"انطلقت زغروتة طويلة هزت أرجاء البيت والشارع من حنجرة أمي، زغروتة امتزجت فيها فرحة العمر بمرارة الفقد. ارتمت إيما في أحضان أمي الدافئة، ثم تحولت فوراً لترتمي في حضني، وكانت أنفاسها المتلاحقة تحكي قصة سنوات طويلة من العناء والتعطيل والتعب
استقر نظام جديد داخل بيتنا وفي جنبات المحل الصغير، نظامٌ أرسى قواعده عرق الجبين والاحترام المتبادل.كان أخي يستيقظ مع فجر كل يوم دون حاجة لمن يناديه؛ يرتدي ملابس العمل البسيطة، يرافق الشاحنة إلى السوق، ويحمل الصناديق الثقيلة برحابة صدر ونخوة رجولية لم نعهدها فيه من قبل. تحول وجهه المترف إلى وجه شاب صلب تمرسه الحياة، وبدأت أرقام حسابه المستقل تنمو تدريجياً وبكرامة، حيث كان يجمع أجرته اليومية التي يتقاضاها منا بعرق جبينه، ليدفع منها أقساط تجهيز زواجه ومهر خطيبته، دون أن يمد يده بسنتيم واحد إلى ميزانية البيت أو المحل.لكن الرياح التي تهب على البيوت لا تستأذن أحداً، وحين يتغير الشخص ونظرته للحياة، تجبر الأقدار من حوله على كشف معادنهم الحقيقية.في ظهيرة يوم ساد فيه الجو ببرودة خفيفة، دخلت خطيبة أخي برفقة والدتها إلى المحل.كانتا ترتديان أفضل ما لديهما من ثياب أنيقة، ونظراتهما تتفقد المكان بفضول لم يخلُ من علامات التعالي الخفي. جاءتا بحجة التودد وشراء بعض المعجنات الخاصة التي اشتهر بها محلنا في الحي، لكن الهدف الحقيقي كان استكشاف سر هذا التحول المفاجئ في سلوك أخي وخططه المالية.في تلك اللحظ
في الخامسة والنصف صباحاً، وقبل أن تشرق الشمس على أسطح حينا القديم، كان الهواء البارد يلف الأزقة بصمت خافت. استيقظتُ على صوت حثيث في الصالة. فتحتُ باب غرفتي ببطء، لأجد أخي يقف أمام المرآة الخشبية. لم يكن يرتدي قميصه الأبيض ولا حذاءه المصقول الذي كان يختال به أمام خطيبته؛ بل كان يرتدي قميصاً قطنياً بسيطاً ورداءً رياضياً دافئاً. كان وجهه مشدوداً، وعيناه تحملان خليطاً غريباً من التوتر والتردد. نظر إليّ عبر المرآة، ونطق بصوت خافت يقطعه الخجل: — "أنا جاهز... السوق الأسبوعي يفتح أبوابه الآن، أليس كذلك؟" أومأتُ برأسي بهدوء، ودون أن أزيد كلمة واحدة، سلمته القائمة المكتوبة بخط يدي ورقعة المال الخاصة بشراء مستلزمات اليوم. خرجنا معاً نحو الشارع المظلم. كانت السيارة الشاحنة الصغيرة التي استأجرتها لنقل البضائع تنتظر عند الزاوية. طوال الطريق نحو السوق الكبير، كان الصمت يسود بيننا، صمتٌ ثقيل يختزن أشهراً من الجفاء والأنانية، لكنه كان صمتاً أفسح المجال لواقع جديد يبدأ بالت شكل. في السوق الأسبوعي، كان الصخب يملأ المكان؛ صراح الباعة، واحتكاك الصناديق الخشبية، ورائحة الخضار واللحوم الطازجة.
انقضى أسبوعان على انتشار حركة الشفاء والتجدد في محلنا الصغير.كانت الحياة تدور في مجراها الجديد بانتظام دقيق؛ المحل يغلي بالحركة والزبائن، وأنا وأمي ندير دفة العمل بصلابة ومحبة يزداد عمقها كل يوم. لكن تحت هذا السطح المستقر، كانت حبال الواهية تُقطع حابلاً تلو الآخر، والوجوه المستعارة تتساقط دون رحمة.تعلمتُ في الأيام الماضية درساً كان أشد قسوة من المرض نفسه. حين أُصبتُ بتلك الوعكة وتوقفت الحركة في البيت، جربتُ، بقلب سليم ونيّة صادقة، أن أطرق أبواب من كانوا يملؤون سمائي بعبارات الود الجوفاء: "نحن أهلكِ... إن احتجتِ أي شيء، هاتف واحد فقط وستجديننا أمامكِ!".يا لسرعة تبخر تلك الشعارات عند أول نداء حقيقي!حين اتصلتُ للضرورة، وجدّتُ الأعذار الباردة جاهزة ومصوغة ببراعة: هذا مشغول، وتلك تداهمها الظروف، وذاك يتوارى خلف الصمت. وحتى الصداقات التي كنتُ أحسبها ملاذاً آمناً، اكتشفتُ أنها تجارة مقنّعة؛ لا أحد يمدّ يد المساعدة دون أن يضع في حسابه مقابلاً أو مصلحة قادمة. في تلك الليالي الباردة، وأنا أستمع لصدى صمتهم، اتخذتُ قراراً صارماً نزل على قلبي كالسيف: لن أطلب أحداً بعد اليوم... لا عائلة، ولا أص







