LOGINفي الليلة التي سبقت الفاجعة، كانت غرفتي تضج بالحياة والأمل. كنتُ مجتمعة في مكالمة جماعية مع صديقاتي؛ لامية وليليا. كنا نتحدث بشغف عن حلم قديم، حلم ولد معنا منذ أيام الصبا وظل يلمع في أرواحنا دون أن نمنحه الأولوية المطلوبة وسط زحام الحياة، وهو السفر والتوجه إلى الصين. لم يكن مجرد فكرة عابرة، بل كنا قد بدأنا بالفعل بالتحضيرات الفعلية والجادة قبل سنتين من ذلك الوقت.
وسط نقاشنا المتحمس عن تفاصيل السفر والخطوات الأخيرة، قطعت لامية حبل أفكاري بسؤال مفاجئ: — "ريم، ألن تغيري رأيكِ في الذهاب إلى فرنسا؟" نظرتُ إلى شاشة الهاتف، وتأملت سؤالها لثوانٍ قبل أن أرد بكل ثقة وعزة نفس: — "ولماذا أغير هدفي الآن؟ الصين هي وجهتي." هنا تدخلت ليليا، وقالت بنبرة تحمل الكثير من العتاب المبطن: — "حققاً؟ محمود قام بإرسال رسائل كثيرة لكِ، وطلب منكِ الزواج أيضاً عدة مرات!" شعرتُ بغصة خفيفة، لكن كبريائي كان أسرع، فأجبتها والكلمات تخرج من قلبي محملة بمرارة الماضي: — "عندما كان داخل البلاد لم يطلب الزواج، والآن بعد أن أصبح وراء البحار تذكرني وأصبح يطلب ذلك؟ وكأنني كنتُ أنتظر هذا العرض بلهفة.. ألا يبدو هذا الأمر أشبه بمهزلة؟" ردت ليليا بسرعة، وكأنها تحاول نبش مشاعري المخفية: — "تلك الكلمات منكِ تبدو قاسية جداً.. أنتِ في داخلكِ تحبينه، أليس كذلك؟" ترددتُ كثيراً في الإجابة، وشعرت بحيرة تمزقني، وفي الأخير همستُ بقلة حيلة: — "لا أدري.." انتهت المكالمة الجماعية، وأغلقتُ الهاتف، لكن الصمت الذي حلّ في الغرفة لم يكن صامتاً في داخلي. بقي صوت داخلي يتردد بإلحاح: "نعم، أنا أحب محمود، ولطالما تمنيته أن يكون زوجي.. ولكن!". غاصت الفكرة في أعماقي واختلطت بمشاعر الكبرياء والخوف من المجهول، حتى خطفني النوم فجأة وسط تلك الدوامة الفكرية. في تلك الليلة، رأيت حلماً غريباً جداً ومبهماً. رأيت فيه محمود وأخي وليد معاً. في واقعنا، لم يكن لأهلي يوماً سلطة عليّ في اختيار شريك حياتي المناسب، ولم يفرضوا عليّ رأياً قط. لكن في الصباح، بمجرد أن فتحت عينيّ، اجتاحني شعور خانق بالخوف والسوء، لدرجة أن الدموع غمرت عينيّ دون إرادة مني. نهضتُ من فراشي وأنا أحاول جاهدة تفسير ذلك الحلم الذي لم أستطع تذكر تفاصيله أبداً، كل ما علق في ذاكرتي وجسدي هو ذلك الإحساس الرهيب بالخوف والقبض. كنت مستغربة وموجوعة، وأنظر حولي وأقول في نفسي باستنكار: "لماذا وليد لن يتقبل زواجي من محمود؟ ما الرابط؟". في تلك الأثناء، قطع حبل أفكاري السوداء صوت أخي وليد الحنون وهو يناديني من الخارج بنبرته الممازحة المعتادة: — "إنها العاشرة صباحاً يا سمينة! إن لم تنهضي الآن لن تجدي حليباً.. لقد حذرتكِ!" مسحتُ دموعي بسرعة، ونهضتُ لأخذ دش خفيف يطرد عني ثقل الكابوس، ثم توجهتُ إلى المطبخ. نظرتُ إلى إناء الحليب ووجدتُ أن الكمية المتبقية قليلة جداً ولا تكاد تكفي، فالتفتُ إليه وقلتُ مداعبة: — "هل سنشرب الحليب بالملعقة اليوم؟" ضحك وليد من قلب الصافي وقال باختصار: — "البركة في القليل يا دبدوبة." سكبتُ ما تبقى، وكانت تلك أول مرة في حياتي أشرب فيها حليبي الصباحي بكمية أقل من ربع كوب، ومع ذلك، شعرتُ بغرابة شديدة؛ شعرتُ وكأنني شربت كوباً مليئاً كاملاً فاض بالبركة والدفء. كان ذلك اليوم غريباً منذ بدايته، يوماً لا يمكن أن يُمحى من ذاكرتي. بقي إحساس الخوف يعتصر قلبي، وحاولت بكل الطرق أن أبعده أو أتجاهله، لكن دون جدوى. تحول هذا الخوف الداخلي إلى سلوك غريب؛ وجدتُ نفسي أتبع أخي وليد في كل خطوة يخطوها داخل المنزل، وأقف بجانبه أو خلفه أينما تحرك. لاحظت أمي هذا الالتصاق غير المعتاد، فنظرت إلينا وقالت مازحة بفطرتها: — "ما بكِ تلتصقين به هكذا اليوم؟ يبدو أنكِ ضيفة هنا وسترحلين قريباً!" سمعتُ حديثها، وابتسمت كذباً، لكن قلبي كان يرفض الرضوخ للهدوء، وكأنه كان يستشعر شيئاً لا يراه سواه. في وقت الغداء، جاء وليد وبدا عليه الإرهاق، وقال إنه يشعر بقليل من التعب لذلك سيدخل إلى غرفته لينام قليلاً ويرتاح. وقبل أن يدخل، مرّ بغرفتي، ووقف عند الباب، ثم نظر إليّ وقال لي بحرف واحد ونبرة جادة: — "ريم، لن تبذري أموالكِ هنا وهناك." رمقته بنظرة استغراب ودهشة، وأجبت مستنكرة: — "ماذا؟! وهل أنا أصرف وأبذر أصلاً؟" رد بثبات: — "قلتُ لكِ لا تشتري أي شيء، أنا هنا من يشتري ويتكفل بكل شيء." راجعتني رغبتي في المزاح وتخفيف جديته، فقلت له ضاحكة: — "أليس هذا كثيراً عليك؟ أنا أحاول فقط مساعدتك في إدارة مصاريف المنزل، ولا تنسى أنك ترغب في الزواج العام القادم!" نظر إليّ بعمق، وكانت نظرته غامضة ومحملة بما لم يستطع قوله، ثم قال: — "أعلم.. ولكن إن لم أكن هنا أنا، يمكنكِ أنتِ تحمل مصاريف المعيشة." زاد تعجبي من كلامه الغريب، فقلت له مازحة لأطرد هذه النبرة الكئيبة: — "لن تذهب إلى أي مكان! إن كان هناك شخص سيرحل ويذهب من هنا.. فستكون أنا بالتأكيد، ههههه." لم يضحك. حدق بي جيداً، نظرة طويلة كأنه يودع ملامحي، ثم استدار وذهب إلى غرفته. وفي ذلك المساء، لم أره مجدداً. قبيل أذان المغرب، أرسل وليد رسالة إلى أختي إيما عبر تطبيق الواتساب، وطلب منها أن ترسل له الأكل إلى غرفته السفلى لأنه يشعر بتعب شديد ولا يستطيع صعود السلالم إلى البيت. ردت عليه إيما برسالة تخبره بأنها مشغولة جداً الآن في الغرفة، وسترسل له العشاء مع أخي أسامة بعد قليل. لكن وليد أعاد إرسال رسالة أخرى كتب فيها: — "لا داعي.. سأصعد أنا بعد قليل." في تلك الدقيقة تماماً، كان بالفعل قد وصل عند باب البيت. وبمجرد أن همّ بالدخول وخطا خطوته الأولى عبر العتبة، أتته تلك الشخرة القوية والمخيفة.. الشخرة التي تسبق الموت. في تلك اللحظة القاتلة، كنتُ أنا وإيما داخل غرفتنا، نحيك أحلامنا الوردية ونرسم مستقبلاً واعداً مشرقاً يجمعنا، بينما كان أبي في غرفته يحضر نفسه ويهيئ روحه لصلاة المغرب، وأمي تقف في المطبخ تضع الأكل على الطاولة بكل هدوء لأنها كانت صائمة في ذلك اليوم وتنتظر الإفطار. بمجرد أن سمعت أمي ذلك الصوت الغريب، خرجت تجري نحو الباب. رأته يتصبب عرقاً غزيراً، فبدأت تصرخ بهستيرية وتنادي علينا بصوت يمزق السكون: — "اجروا.. اجروا! أخوكم يموت!" لا أعلم بأي صدمة ابتُليت في تلك الثواني. جرينا نحوه برعب. لم أرَ أخي وليد في حياتي في مثل تلك الحالة أبداً. كان يتعصر بألم رهيب، ويتصبب عرقاً كالمطر، ونظر إلى إيما بصعوبة وقال لها وهو يلهث: — "حاولي إيجاد تاكسي.. بسرعة." خرج أبي إلى الشارع مسرعاً يبحث عن أي سيارة أو عن أحد يساعدنا، وبما أنه كان وقت أذان المغرب تماماً، فلم يكن هناك عين تطرف في الخارج. كان حيّنا ساكناً سكوناً مرعباً ومقبضاً، وكأن كل شيء في الكون قد توقف فجأة ليعلن نهاية شيء ما. أنا أكتب هذه السطور الآن، وعيناي غارقتان في الدموع. أحياناً أهرب من التذكر، ولا أحب أن أفتح هذه الجروح، ولكني أجد نفسي أتذكر كل تفصيلة رغماً عني.. رغماً عن قوتي. جلبتُ منشفة بسرعة، وبللتها بقليل من الماء البرد، وحاولت بمدامعي الراجفة أن أمسح وجهه المتعب. في تلك الأثناء، دخل أحد أبناء عمي مسرعاً، وجلس بجانبه وبدأ يقرأ عليه بعض الآيات القرآنية بصوت متهدج. كنا في تلك اللحظات من شدة الصدمة نبحث عن أي تفسير خيالي؛ ظننا أنه داس على شيء ما، أو مسّه سوء من الجن، أو مجرد عارض صحي عابر سيمر. وفجأة، نطق أخي وليد بصعوبة بالغة، وقال بصوت واهن: — "اخرجوا.. واتركوني وحدي لحظات.. وسأرتاح." كانت أمي تصرخ في الخارج على إيما بقلب محروق: — "ماذا؟! هل يتوجب علينا أن ننتظر عشر سنين كاملة لإيجاد سيارة أجرة؟!" كنتُ واقفة بجانبه تماماً بعد أن غادر ابن عمي الغرفة ليمنحه بعض الهواء. في تلك الثواني، جاءتني لحظة إدراك مرعبة تغلغلت في العظم. قمتُ بشد يده بلهفة، فوجدتها باردة.. باردة جداً برودة الثلج والموت. نظر إليّ في تلك اللحظة، وقال لي بصوت خافت كأنه يرجو رجاءه الأخير: — "ريم.. قولي لأبي أن يأتي.." ركضتُ إلى الشرفة بجنون، أطل براسي أحاول إيجاد أبي في الشارع المظلم، ولكني سمعت ضوضاء قوية بالداخل. عندما عدتُ مسرعة، وجدت أن عدداً من أصدقائه قد وصلوا ودخلوا، وقاموا بحمله سريعاً للذهاب به إلى المستشفى، وهو يئن بين أيديهم ويقول لهم بضعف يكسر الظهر: — "لماذا تعذبونني؟ لم أعد أستطيع الوقوف.." غادروا به، وبقينا نحن في البيت ننتظر.. ننتظر والوقت يمر كأنه دهور كاملة. في تلك اللحظات الرهيبة، كتبنا في عقولنا ألف سيناريو وسيناريو، وتأملنا كل الحلول الطبية، لكن السيناريو الوحيد الذي لم يكن ليمر على عقولنا أبداً، ولم نكن لنتخيله أو نتقبله، هي تلك اللحظة القاتلة التي رن فيها الهاتف.. تلك اللحظة التي اتصل فيها ابن عمي لوالدته، وأخبرها بصوت مخنوق أنه قد فارق الحياة.. وأن وليد غادر دنيانا إلى الأبد.كان لدي حسابان متوازيان على مواقع التواصل الاجتماعي. في الحساب الثاني والأقل نشاطًا، كنت صديقة لأخت محمود الصغرى، وكانت صورة البروفايل فيه تعكس مشهدًا غامضًا؛ نُظرة عينيّ فقط في كادر ضيق، دون إظهار ملامح وجهي كاملاً.في تلك الفترة الطويلة من الجفاء والحظر، أصبح محمود هوايتي السرية الجديدة، رغم كل الصفعات والمعاملة الجافة التي يتلقاها كبريائي منه. كنت أفتح حسابه كل يوم تقريبًا، وأجلس أتأمل شاشته الصامتة؛ ورغم أنه لم يكن ينشر شيئًا يُذكر، إلا أنني كنت أقنع نفسي بلعبة طفولية؛ لعبة "التجاذب غير المباشر"، كأنني أحاول استدعاء طيفه وجذبه ونقله نحو طاعتي بصمت ودون أن يدرك.وفعلاً، كما تدربت في خيالي، تواصل معي في أحد الأيام عبر ذلك الحساب البديل.قررت هذه المرة أن أرتدي قناع الثبات وألعب دوري التكتيكي بإتقان؛ فلم أرد على طلب التواصل إلا بعد أربعة أيام كاملة من الانتظار القاتل، لأثبت لنفسي أولاً وله ثانيًا أنني لم أعد تلك الفتاة المتاحة دومًا. أرسلت له رسالة قصيرة ومحايدة:— سلام، من معي؟لم تمضِ ثانية واحدة، حتى وصلني الرد في تسجيل صوتي مفاجئ، لم يحمل دفقًا من الشوق ولا نبرة اعتذار، بل جاء بن
الإنسان يتغيّر وفق ظروفه الصعبة، ومعتقداته تتطوّر وتتنقّح بناءً على ما يراه وما يطّلع عليه من تجارب الحياة. وعلى هذا الأساس، يمكنني القول بثقة إنني أنا أيضًا تغيّرت كثيرًا، بعدما نظرت إلى مسار حياتي وقسّمته على خمس مراحل متتابعة، كل مرحلة منها تمتد لخمس سنوات كاملة من النضج والألم.مررت بتجارب قاسية وخيبات أمل متتالية، تجارب أبكتني شلالات من الدموع الحارقة في ظلمات الليالي، وأخرى كادت تدفعني نحو أفكار سوداوية لا أرغب حتى في مجرد تسميتها أو تذكرها. لكن هل توقف عجلة الزمن حينها لأجلي؟ هل بكى معي أحد أو انتشلني من قاع حزني؟ لا، لم يفعل أحد.لذلك، اتخذت قرارًا مصيريًا بأن أبقي شخصيتي وكرامتي في المرتبة الأولى دائمًا، وأن يكون البقية مجرد ضيوف يعبرون حياتي ويخرجون منها، مهما طال بقاؤهم أو قصر، دون أن يتركوا شرخًا لا يُبرأ.لطالما دعوت على محمد في صلواتي القديمة، بسبب هجره القاسي لي وبسبب وعوده البراقة التي لم يفِ بأي منها. لكن مع مرور الوقت ونضج الفكر، أصبحتُ أحمد الله وأشكره في كل لحظة لأنني لم أكن من نصيبه.أما محمود، فبنرجسيته المتأصلة تلك، كان يتضح لي يومًا بعد يوم أنه رجل لا يتغيّر أب
مثل كل أفراد المجتمع حول العالم، كان كوفيد-19 نقطة توقف كاملة ومباغتة في حياتي. عطلة غير مدفوعة الأجر، بل يمكنني تسميتها سجنًا خانقًا لغير المذنبين.أثر ذلك الوباء على حياتي بشكل مزدوج، محملًا بتناقض غريب بين السلب والإيجاب.سلبًا، أن تجد نفسك تنام وتستيقظ وتأكل وتعيش في خوف مستمر، خوف دائم من إصابة خاطفة قد تعني الموت، خاصة إذا كنت تعاني من أمراض ومشاكل صحية معقدة تجعل جسدك أضعف، مثلي أنا تمامًا.وإيجابًا، أن تأخذ زمام الأمور بنفسك وتتحمل المسؤولية. وهذا ما فعلته أنا بالضبط. كان تدفق الإنترنت متوفرًا، فوجدت نفسي أُكوّن نفسي بنفسي، عبر منصات تعليمية مختلفة لم أكن أعرفها من قبل. وبهذا، اكتشفت نفسي من جديد، وطموحًا آخر، وأهدافًا لم أكن أعرف أنها موجودة بداخلي تنتظر من يكتشفها.الإنسان سريع التأقلم مع كل ما يحيط به، حتى وإن كان جحيمًا، سيجد طريقًا أو مكانًا يحميه فيه. غريزة إنسانية موجودة بالفطرة لا يمكن لأحد أن يخلو منها تمامًا.في تلك الأيام الصعبة، كنت على يقين أن تلك العطلة القسرية سيكون لها ثمن باهظ لا محالة. لكنني لم أكن أعلم أن الثمن سيكون عجيبًا إلى هذا الحد.بعد مرور سنة كاملة،
تحوّلت حكاية الميراث إلى سلسلة تُروى كل يوم في منزلنا. كل مرة يصل اتصال، تهرع أمي مسرعة، وتعود فارغة اليدين. ومع مرور الوقت، أصبح الأمر شبه روتيني، حتى فقد الجميع شغفهم في متابعة تلك القضية، وكأنهم أخيرًا رضخوا لأمر الواقع الأليم. حياتي أنا الخاصة دخلت هي الأخرى في روتين مشابه. لا عمل ثابت، وأصبحت فريسة سهلة لرؤوس أموال التسويق الشبكي، كل واحد منهم يعرض عليّ فرصة تدخل شهريًا مبالغ خيالية، وآخر يعرض شركة أجنبية واعدة. هاتفي لا يتوقف عن الرنين، وحسابي على مواقع التواصل امتلأ بإعلانات ورسائل لا تنتهي. حتى جاء يوم، وتواصل معي شخص يُدعى محمد، اقترح عليّ مؤسسة تعمل في نفس المجال، لكنها شركة تونسية جزائرية، في بداياتها. حضرت بعض ملتقياتها، ووجدت أسعارها معقولة، لا تعِد بأحلام وهمية كالسابقة، لكنها كانت جيدة من عدة نواحٍ. وبما أن مبلغ الدخول كان زهيدًا جدًا، قلت لنفسي: — هيا يا ريم، لننطلق. ربما تكون هذه فرصتنا الحقيقية. دخلت الشركة، وبدأت أبيع منتجاتها، أصمم صورًا وفيديوهات، وأشارك في فعالياتها في كل الولايات. وهذا بالضبط ما كنت أحبه في التسويق الشبكي: مكان تجني منه المال، وتتعرف فيه عل
لم يكن هناك الكثير لنفعله في بيت جدي بعد الدفن. أمضينا تلك الليلة، ثم في الصباح توجهنا إلى مدينتنا، إلى منازلنا، وانشغل كل واحد منا بحياته الخاصة من جديد.يقال إن موت عمود البيت انكسار لأهله. لكن في موت جدي، لم يكن الأمر كذلك.بدأت الحكايات تدور حول الميراث وتقاسمه، وبدأت تظهر القلوب الحقيقية لأخوالي وخالاتي، قلوب امتلأت فجأة بالجشع والطمع. كل واحد منهم بدأ يبحث عن طريقة يلمع بها جيبه، وكأن الأسى على رجل صنع لهم طفولتهم لم يدم أكثر من أيام الدفن القليلة.إحدى خالاتي، التي تزوجت وأنجبت ابنة ثم انفصلت عن زوجها، ولم يكن لديها سكن خاص فهي تستأجر بيتًا كل سنة، رفضت أن ترفع قضية نفقة على زوجها السابق. لكنها بدأت تُرغم أمي على التنازل عن حصتها من الميراث، بحجة أن أمي لديها زوج ومنزل زوجية، بينما هي بلا مأوى.وخالتي الثانية طالبت هي الأخرى بأن يكون البيت الذي سيُشترى بحصة الأولى باسم ابنتها، لأنها هي من ربّتها.وصل الجشع بينهما إلى حد قذف شرف أمهما وأبيهما، حين قالتا إن أمي ليست أختهما من والدهما، وأنها مجرد ابنة جدتي، تولى جدي، رحمهما الله، تربيتها فقط.ولم يكن الجشع محصورًا بينهما فقط. حتى
توفي جدي مع الفجر. أحيانًا أفكر أن سجل الوفيات في عائلتي أصبح أكثر امتلاءً من سجل الولادات. كأن الموت وجد في بيتنا بابًا مفتوحًا لا يُغلق، يزورنا مرة بعد مرة، ويأخذ في كل مرة عزيزًا جديدًا، ويترك خلفه فراغًا لا يملؤه شيء. جدي، والد أمي، رحمه الله. كان جدي يحمل معه ذكريات كثيرة، ذكريات توقفت عندي في زمن معين، طفولة كاملة عشتها في كنفه. لكن ذكره، مع مرور السنوات، تحوّل عند بعض أخوالي إلى شيء آخر، شيء يُستخدم كسوط وعقاب، لا كذكرى تُروى بحب. لم أفهم يومًا كيف يمكن لذكرى إنسان رحل أن تتحول إلى أداة إيذاء بين من بقوا. في الصباح الباكر، خرجت من المنزل بعدما رأيت كل شيء يتحرك من حولي بسرعة. كان أخي، رحمه الله، قد سبقني، ومن بعده أبي، رحمه الله، متوجهَين إلى المدينة التي كان يقطن فيها جدي. كان ذلك اليوم ماطرًا. ركبت الحافلة وحدي، جلست قرب النافذة، أراقب المطر يتساقط بهدوء على الزجاج، بينما الناس في الخارج يركضون مسرعين نحو أعمالهم، غير مبالين بشيء سوى الوصول في الوقت. وأنا، جالسة هناك، كنت بعيدة تمامًا عن كل ذلك الزحام، أفكر في موتى عائلتي، واحدًا تلو الآخر. كم مرة أتى الموت ليزورنا؟







