LOGINطأطأتُ رأسي، ولمحتُ في الأسفل، تحت رفوف المكتبة الثقيلة، صندوقاً قديماً مخفياً بعناية. انحنيتُ وسحبته ببطء، نفضت عنه الغبار، ثم وضعته فوق السرير. فتحت غطاءه المهترئ والفضول ينهشني لأرى وأتذكر ما الذي خبأته فيه قبل ثماني سنوات.
وهناك، بين طيات الماضي البعيد والغارق في العتمة، وجدتُ مذكرتي.. إحدى أغلى مذكرات حياتي على الإطلاق، تلك التي كنتُ أظن يقيناً أنها ضاعت مني للأبد وسط زحام الرحيل. كانت تلك المذكرة تحمل جميع أسراري، وكل قصص الماضي التي عشتها بحلوها ومرها. لطالما عشتُ طوال مراهقتي وشبابي في خوف دائم، وترصد مستمر، خشية أن تقع هذه الورقات في يد شخص غريب يهددني بها ويكشف ستري؛ لقد كانت هذه المذكرة—رغم بساطتها—هي نقطة ضعفي الكبرى. أنا لا أفقه كثيراً في علم النفس وخباياه، ولكنني في تلك اللحظة شعرتُ براحة غامضة واطمئنان غريب لمجرد إيجادها. وبمجرد أن فتحتُ غلافها ولمحت عيناي السطور الأولى في الصفحة الأولى، شعرتُ وكأنني اخترقتُ حاجز الزمن ودخلتُ عالماً آخر.. العالم الذي عشتُ فيه تفاصيل أيامي بكل ما فيها من فرح دافئ ومرارة قاسية. فجأة، فاحت في ذاكرتي رائحة عطر "الورد " المألوف، وعدتُ بكل جواريحي إلى هناك. أغمضتُ عينيّ مستسلمة، وذهبتُ في رحلة عميقة وبلا عودة نحو الماضي. رحل جسدي الحالي، واستبدلته بروحي القديمة؛ روح مراهقة صغيرة، حالمة، تجري بشغف وراء أحلامها الوردية.. قبل أن تحدث تلك الأشياء الصادمة التي غيرت مجرى الأحلام، وحطمت واقعها تماماً. وفي وسط تلك الغيبوبة الاختيارية في عمق الذاكرة، اخترق سمعي صوت جهوري مألوف يناديني بلهفة: — "ريم! ريم! ريم!" استفقتُ فزعة، وفتحتُ عينيّ لأجد نفسي أنظر إليه بذهول واستغراب شديدين. تراجع جسدي إلى الخلف، وفي قرارة نفسي كان عقلي يصرخ بحيرة: (هل هذا حلم عابر أم واقع أعيشه الآن؟ وإذا كان واقعاً حقيقياً.. فماذا يفعل وليد هنا في غرفتي وفي هذا البيت بالذات؟!). بينما كنتُ مستسلمة لنداء الذاكرة، شعرتُ بصوت وليد يخترق غيبوبتي وهو يناديني عدة مرات بلهفة متزايدة. رفعتُ رأسي اتجاهه بدهشة عارمة ألجمت لساني، ولم يترك لي أي وقت لاستيعاب ذهولي، بل بادرني بابتسامته العفوية قائلاً: — "هيا، انهضي يا كسولة! أبي يريدكِ في المطبخ الآن." تجمدت الدماء في عروقي.. تلك الكلمات! ماذا؟ ماذا قال للتو؟ قال "أبي"؟! لحظة واحدة.. هل سمعتُ جيداً، أم أن أذني تتلاعب بي في عتمة هذه الغرفة؟ عند محاولتي للنهوض والوقوف على قدمي، لمحتُ وجهي في مرآة خزانتي القديمة المتربة. اتسعت عيناي بذهول وصدمة لا توصف، وتحدثتُ مع وجهي في المرآة هامسة بوجل: (ماذا؟ من أنتِ؟!). لقد كانت ملامحي أنا، نعم، ولكنها ملامح جسد لم أعد أملكه في حاضري؛ لقد كان هذا الجسد الغض، الصغير، والوجه البريء النقي لي عندما كنتُ في الخامسة عشرة من عمري فقط! في تلك الثواني المعدودة، دار في أعماقي شجار عنيف وضارٍ بين عقلي وقلبي؛ قلبي المتعب المشتاق كان يصرخ ويرغب بشدة في مجاراة هذا الوضع والاستسلام لهذه المعجزة الزمنية ليرى من فقد، بينما كان عقلي العملي الحذر يقرع طبول الخطر ويقول لي: (هذا خطأ.. هذا وهم! ابحثي عن نفسكِ الحقيقية، أين أنتِ الآن؟ أنتِ لستِ هنا!). لقد كنتُ في وضعية نفسية معقدة وصعبة لا يتمناها أحد، صراع وجودي طاحن بين العقل والقلب.. وفي النهاية، وكالعادة عندما يتعلق الأمر بالماضي، انتصر قلبي وأخرس صوت العقل تماماً. خرجت من غرفتي بخطوات مرتجفة، ونظرتُ باتجاه المطبخ المألوف، فرأيتُ أبي—بقامته الحانية التي اشتقتُ إليها حد الموت—واقفاً يقوم بتقطيع الخضار بهدوء. هنا.. اسمحوا لي أن أتوقف لحظة لأخبركم عن نفسي وعن تلك الأيام. أنا ريم، في هذا المشهد عمري خمسة عشر عاماً فقط. عائلتي الصغيرة الحبيبة كانت مكونة من أبي، وأمي، وأختي الصغرى إيما، وأخوين كلاهما أقل مني عمراً. وليد، أخي الذي أيقظني الآن، أنا أكبره بثلاثة أعوام كاملة. بمجرد أن خطوتُ عتبة المطبخ متثاقلة، التفتَ إليّ والدي. لم يستقبلني بابتسامته المعتادة هذه المرة، بل نظر إليّ بنبرة عتاب حازمة مغلفة بالغضب وقال: — "يبدو أنني دللتكِ كثيراً يا ريم.. حتى نسيتِ واجبتكِ!" ابتلعتُ ريقي وقلت بوجل واعتذار: — "عفواً يا أبي.. لقد غلبني النوم وكنتُ غارقة في الفراش." رد عليّ وهو يعود لتقطيع الخضار بجدية: — "اتركي الكلام والتبريرات الآن، وتحركي بسرعة ،وحضري طاولة الغداء." بعد أن وضعتُ الأطباق والملاعق ورتبتُ المائدة بمساندة وليد، أقبلت أختي إيما بنشاطها المعهود، وكانت كالعادة أول من يجلس على الطاولة لتضمن مكانها؛ وهي عادة لطيفة لازمتها وعُرفت بها في العائلة حتى بعد زواجها وسكنها في بيتها المستقل. بينما جلس الجميع وبدأوا في تناول الطعام، بقيتُ أنا صامتة، شاردة، أكتفي بالنظر إلى أبي. كنتُ أتأمله بكل جوارحي، كأنني أتسابق مع الزمن، أتحايل على هذا الوهم لأملأ عينيّ المشتاقتين بصورته، وتعبيرات وجهه الصارمة، ولمسات يديه الحانية التي حُرمت منها لسنوات طويلة. أتت أمي وجلست، ثم تبعها أخواي وليد و اسامة لتكتمل لمتنا القديمة حول الغداء. وبعد الانتهاء، وكالعادة في نظام بيتنا، كانت إيما هي صاحبة الدور الأساسي في تنظيف المطبخ وغسل الأواني. مرت الأيام تلو الأيام في تلك الغيبوبة الاختيارية داخل الذاكرة، وكنتُ أجد نفسي مراراً واقفة أنظر في المرآة الطويلة؛ كنتُ أُدقّق في ملامح ابنة الخمسة عشر عاماً وكأنني أبحث بشغف عن بوابة زمنية سرية سأمر من خلالها إلى عام آخر من حياتي، أو ربما إلى صفحات مذكرتي القديمة التي لم أكتب تفاصيلها كاملة آنذاك، بل كنتُ أكتفي فقط بوضع عناوين مقتضبة ومختصرة ليومياتي المشاغبة.في الأسبوع الثالث من ثلاثين يوماً للتعارف مع خطيبي، بدأ هذا الأخير يكشف أسراره الدفينة. لقد حكى لي قصصه الغريبة مع العديد من النسوة اللواتي قام بخطبتهن ثم تركهن معلّقات، ليذهب إلى أخرى، وهكذا استمرت حياته لمدة ثلاث سنوات... كانت كلماته تتساقط في أذني كحجارة ثقيلة، كل واحدة منها تحدث دوياً داخلياً، وتترك ندبة في قلبي. وليس هذا فقط، فقد سألته: "هل أصابك مسّ أو جن؟ "قال ببرود: "لا، أنا فقط كنت أشعر بالملل منهن." كان صوته بارداً كريح شتوية، يصف كيف كان يغيّرهن كأنه يغيّر قميصه... عندها شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي، وأنني مجرد قطعة قماش في نظره، بلا روح ولا قيمة. فتساءلت مرة أخرى، وأنا أقاوم ارتجاف صوتي: "وماذا عني؟ هل أبدو لك كقميص يمكنك تبديله متى شئت ذلك؟" قال: "لا، أنتِ شيء آخر، لست مثلهن. هنّ أتين مجاناً، لم أفقد معهن الكثير. ولكن أنتِ... خالتك مدينة لي بمبلغ مهرك، لذلك مهرك تم دفعه مسبقاً." يا لها من فرحة( الفرحة تعني انني كنت انتظر باللهفة لكي يقول هذه الكلمات لأجمع دالائل ) أحسست بها تلك اللحظة، فرحة مشوبة بالمرارة، كأنها كأس ماء بارد في صحراء، لكنه ممزوج بملح يلسع الحل
مرت أيام وأيام، والسيد عادل يتصل بي في كل وقت تقريباً. أكثر ما كان يحيرني: ألهذه الدرجة لديه فراغ؟ أليس لديه عمل؟ هاتفي الذي كان لا يسمع رنته إلا مرة في الشهر أصبح وكأنه مكتب استعلامات، كل دقيقة يرنّ، يهتز على الطاولة كطائر محبوس يحاول الإفلات، وصوته يخترق سكون البيت مثل صفارة إنذار مزعجة.كنت أراقب الهاتف وهو يضيء فجأة في منتصف الليل، يقطع الظلام بوميض أحمر كعين متربصة، فأشعر أنني مراقَبة حتى وأنا في غرفتي. كل رنين كان يوقظ في داخلي شعوراً بالاختناق، كأنني أتنفس دخاناً ثقيلاً يملأ صدري.أول اتصال يبدأ يومه قبل أن تشرق الشمس، قبل أن يكتسي الأفق بخيوطها الذهبية. في البداية ظننت أنه يحاول إيقاظي لصلاة الفجر، لكنني تفاجأت أن سبب إيقاظه لي كان من أجل أبناء أخيه...وذلك صباح اتصل بي:– "لماذا أنت كسولة جداً؟!"كان صوته حاداً، كأنه سهم يخترق أذني، نبرته عالية كصفعة باردة.– "ليس الكسل، وإنما إذا نهضتُ في الخامسة صباحاً ماذا سأفعل؟ ليس لدينا أبقار تنتظر أن نحلب حليبها." هكذا أجبته، وأنا أتنفس ببطء لأكبح غضبي، أسمع أنفاسي تختلط بطنين الهاتف.– "في بيتي هذا هو الوقت الذي ستستيقظين فيه."– "عند
غادر عادل وعائلته منزلنا المتواضع، تاركين خلفهم "ريم" التي حسمت أمرها في أعماق نفسها: استحالة أن يكون هذا الرجل شريكاً لحياتها. كانت الفجوة بينهما سحيقة، فبينما أحلم أنا بالاستقرار والروحانية، كان هو يمثل عالماً من الجمود والنرجسية. كنت أدرك بيقينٍ بارد أن الارتباط به لن ينتهي إلا بامرين: إما طلاقٌ مبكر، أو ضياع أبدي في تلك المدينة البعيدة، القابعة وسط الكثبان الرملية الذهبية، حيث لا صوت يعلو فوق صوت طموحاته.كان أفراد العائلة مشغولين بإعادة ترتيب البيت بعد صخب الضيوف، فغلف الصمتُ الموضوعَ مؤقتاً. لكن في أمسية ذلك اليوم، وبينما كانت القهوة توزع برائحتها المرة، فجرت خالتي الكبرى القنبلة حين قالت بنبرة لا تقبل التردد:– "أمامكم أسبوع واحد فقط لتقرروا؛ قبول أو رفض خطوبة عادل على ريم."وضع والدي فنجانه ببطء على الطاولة، وبدت عليه ملامح التفكير:– "يجب أن أبعث شخصاً لتلك المنطقة، ليسأل عنه وعن أهله."تدخلت خالتي بسرعة وكأنها تدافع عن قضية شخصية:– "أنا هنا! اسألني أنا، أعرفهم جيداً. هم أناس طيبون، لا تقلق من هذه الناحية. بل إني سأكون هناك بجانبها، داعمة لها في كل خطوة."لم أستطع الصمت أكثر
كانت خالتي قد أوصته مسبقاً بأن يتصل بها فور وصوله حتى تنزل لاستقبالهم، لكنهم خالفوا التوقعات وأتوا دون سابق إنذار. استقبلهم عمي في الأسفل ورحب بهم، بينما كانت بنات عمي يتلصصن عليهم من شرفة غرفتي. كنتُ في قمة توتري، شعورٌ غريب ومغصٌ شديد ينهش معدتي وكأنني على وشك مواجهة مصيري لا مجرد رؤية شرعية. ناديت ابنة عمي بحدة: "أنا أكاد أموت من التوتر وأنتن هنا تضيعن الوقت!" ضحكت أسماء وقالت: "ما كل هذا الدلع يا ابنة عمي؟" حسبما فهمت من ريحانة، فقد أتى هو ومعه زوجة أخيه وابنتها فقط. دخل الرجال إلى صالة الجلوس، بينما دلف النساء إلى الغرفة المخصصة لهن، حيث بدأت طقوس الترحيب والأسئلة التي لا تنتهي. في غرفتي، كنتُ أقبض على بطني بقوة بينما تنتظر ابنة عمي "الضوء الأخضر" لتنطلق وتستطلع الأجواء. مرّت الدقائق ثقيلة كأنها دهور، حتى بدأ النعاس يثقل جفوني من شدة الضغط النفسي. فجأة، دخلت خالتي تطلب مني الصعود إليهم. دخلتُ الغرفة، ويا ليتني ما دخلت! قلت بصوت خافت: "السلام عليكم". توجهتُ إلى ابنة أخيه التي تجلس في طرف المقعد، سلمتُ عليها وسألتها عن أحوالها. مررتُ بجانبها لأصل إلى زوجة أخيه، كنتُ أحاول أن
من هو عادل؟ وكيف دخل هذا الأخير إلى حياتي؟ تلك الحياة التي صرعتُ من أجل تحريرها من الماضي المؤلم والخادع، وقد عقدتُ العزم أن لا يميل قلبي ناحية الحب والرومانسية قبل أن أحقق إنجازات تعوض ما فاتني من العمر قبل خمس سنوات. لكن، للأسف، في مجتمعنا العربي لا يُنتظر من المرأة أن تقدم إنجازًا في ميدان، بل إن إنجازها الوحيد هو أن تكون ربة بيت، زوجة صالحة، وأمًّا تربي الأولاد. على هذه الخطى تربيت أنا كذلك. عادل لم يكن قصة حب عشتها في حياتي، ولم يكن أحدًا من معارف أهلي. كان أستاذًا للغة الفرنسية يدرّس ابنة خالتي أحمد في إكمالية بإحدى ولايات الجنوب، حيث كانت خالتي تسكن هناك بسبب عملها. تعرفت عليه وعلى زوجة أخيه، ويبدو أنها كانت تعرفه جيدًا. طلب منها أن تعرّفه بإحدى الفتيات المناسبات للزواج، فرأت في تلك اللحظة أنه فرصة ذهبية بالنسبة لي، وأنه من المستحيل أن أرفض عريسًا يُقدَّم على صحن من ذهب، يمتلك كل شيء، فلماذا يكون هناك شيء اسمه الرفض؟ جاءت خالتي ضيفة إلى بيتنا، وأخبرت أمي بتفاصيل حياته وشخصيته، وقد بدت معجبة به إلى درجة تجعل أي أحد يشك في الأمر. قالت خالتي: "انظري يا ريم، عادل لا ينقصه ش
جاءت أختي توقظني وقالت: "انهضي، لديكِ مفاجأة". لم أعلم حينها إن كانت مفاجأة سارة أم فاجعة. فتحتُ عينيّ بصعوبة، وسألتها بنعاس: "من هذا الضيف الذي يأتي في هذا الصباح الباكر؟". ردت قائلة: "وَمَن غيره؟ إنه محمد". من شدة دهشتي نهضتُ مباشرة، خرجتُ إلى الشرفة فوجدته واقفاً بوقفته المتعالية كعادته، بينما كان أبي يقف قربه واضعاً يديه خلف ظهره. عدتُ إلى غرفتي وسألت أختي: "ماذا يريد؟ ولماذا جاء؟". قاطعتني بحدة: "اخرجي إليه واعرفي السبب بنفسك". غسلتُ وجهي، غيرتُ ثيابي، ثم خرجتُ إليهما. قلتُ: "السلام عليكم يا أبي"، وكأنني قصدتُ إلقاء التحية على والدي فقط. كان محمد ينظر إليّ بطريقة غريبة؛ لا أعرف كيف أصفها، لكنني لمحت في عينيه مزيجاً من الغدر والغموض. قال أبي: "أنا ذاهب إلى المحل لأشتري بعض اللوازم، لا تطِيلي الحديث معه وعودي إلى البيت". أجبته: "حاضر يا أبي". بقيتُ أنتظر أن يتحدث، لكنه لم يفعل، كان يكتفي بالتحديق بي فقط. فجأة شعرتُ أنني تحولتُ إلى تمثالٍ من جليد. قلت له: "هل أنزلتني من بيتي لتبقى محدقاً هكذا؟ قل ما عندك ودعني أعد إلى منزلي، فليس لديك الحق في هذا الغرور". سكتُ قليلاً ث







