تسجيل الدخولوقف يحيى على أعتاب بوابة الطائرة، متسمراً لثوانٍ وهو يغمض عينيه، ويستنشق بعمق عبير هواء وطنه الذي افتقده واشتاق إليه منذ ما يقرب من الأربع سنوات؛ سنوات طوال قضاها في غربة جسدية، لكن روحه بقيت معلقة هنا. بدأ يهبط درج الطائرة بخطوات ثابتة وئيدة، والوجع يعتصر ملامحه الرصينة؛ لقد سافر وفارق كل شيء في الماضي ظناً منه أن البعد ترياق، وأنه سيمحو من ذاكرته ذلك الشوق العاصف الذي كاد أن يقتله، ولكنه عاد اليوم ليكتشف الحقيقة المُرّة.. عاد وقد تضاعف الشوق في صدره مئات المرات، وباتت نيرانه تلتهم جوفه. بعد مدة من الوقت، انطوت المسافات لتتوقف السيارة الفارهة أمام أبواب القصر الحديدية الضخمة. ترجل منها يحيى بخيباته وأشواقه، وما إن دلف من البوابة الداخلية حتى قوبل بترحاب حافل وصاخب من الخدم وجميع من في القصر؛ فقد كانت عودته مفاجأة مدوية للجميع، إذ لم يخبر أحداً بموعد وصوله أو يمهد لخطوته تلك. تخطى يحيى الجموع بابتسامة باهتة ومجاملة، وبدأ يصعد درج القصر الرخامي المؤدي للأجنحة العلوية. ومع كل درجة يخطوها، كان يستعيد شريط ذكرياته مع رنيم؛ تفاصيل ضحكاتها، ركضها، وعطرها الذي كان يملأ المكان. زفر بضيق وح
أنهت سارا صلاتها للتو، وظلت مستقرة في مجلسها فوق الفراش، طارحةً سجادة الصلاة جانباً وممسكةً بمصحفها الصغير. راحت تقرأ ما تيسر من آيات الذكر الحكيم بنبرة متهدجة، بينما كانت دموعها تنهمر في صمت فوق الصفحات، باكيةً على فقيد قلبها مروان، وعلى تلك الفرحة الغالية التي تلاشت وتبخرت من بين يديها قبل أن تنالها أو تذوق حلاوتها. في تلك الأثناء، دلف شقيقها فارس بخطى وئيدة، وجلس بجوارها على الفراش صامتاً لعدة لحظات؛ كان الصمت يمزق نياط قلبه وهو يتأمل هيئتها الحزينة الذابلة. لقد مرت عدة أشهر كاملة على موت مروان، لكن الأيام لم تزد سارا إلا لوعة، ولم يقلّ من حزنها وجمر شوقها شيء. وكعادتها الحانية معه، فتح فارس ذراعيه لها على اتساعهما دون أن ينطق بكلمة؛ فلم تتردد سارا، واندفعت سريعاً لتدلف بين أحضانه، واضعةً رأسها المثقل بالهموم على صدره. راح يربت على ظهرها بحنان جارف وأخوة صادقة، لتنفجر هي في بكاء مرير، ونحيب مكتوم زلزل كيانها النحيل. تركها فارس على راحتها، ولم يحاول إسكاتها، بل سمح لنوبة البكاء العنيفة تلك أن تفرغ كل الشحنات السامة والكسرة القابعة في أعماق روحها، حتى هدأت أنفاسها تماماً واستكانت.
خفض حمزة صوت التلفاز فوراً عقب سماعه صوتاً أشبه بالنحيب المكتوم يأتي من بعيد؛ تفرّس في الصوت لثوانٍ حتى تأكد تماماً أنه صوت زوجته ومحبوبته ميسون تنحب بنبرة باكية داخل المطبخ. انتفض من مقعده وهرول نحوها وقلبه يخفق خوفاً من أن يكون أصابها أي مكروه. دلف إلى المطبخ ليجدها تقف أمام خلاط الطهو، وجسدها يهتز بخفة وهي تبكي بحرقة مصطنعة؛ اقترب منها بلهفة، وأحاط كتفيها بوجل يسألها بنبرة حانية - بتعيطي ليه بس يا روحي؟ فيكِ إيه إيه اللّي حصل؟ قامت بالضغط على مفتاح التشغيل الخاص بالخلاط عدة مرات متتالية أمام عينيه، ولكنه بالطبع لم يبدِ أي استجابة، لتردد من بين بكائها ونبرتها الطفولية - الخلاط باظ يا روحي.. مش راضي يشتغل خالص وأنا بوظته تطلع حمزة إلى الخلاط للحظات بقلة حيلة، ثم اتجه يحملق في ملامح وجهها الباكي والبريئ، وهبط بجل بصره ليرى سلك الجهاز ملقى على الرخام؛ أمسك بالفيشة بملل، وردد من بين أسنانه وهو يحاول كتم ضحكته - طبيعي يا روحي مش هيشتغل.. إلا لو اتكرمنا ووصلناه بالكهربا.... بسيطة يعني ومستاهلتش كل المناحة دي. تركها حمزة وعاد إلى الصالة، وما إن أدار ظهره حتى اختفت دموع ميسون الز
لم تبخل رنيم على إخوتها بجهدٍ أو مال؛ لقد أغدقت عليهم من حنانها ووقتها، وعوّضتهم في تلك الأشهر القليلة المريرة مرارة السنوات العجاف التي عاشوها في الماضي تحت وطأة القسوة والمهانة. حققت لهما حياة كريمة، هادئة، ومستقرة، جعلت عمر وأمل يشعران في أعماقهما بأنهما سيظلان مدينين لهذه الأخت الكبرى بطوق نجاتهما طيلة عمرهما. ولكن، ورغم هذا الدفء الظاهر، بقيت هناك غيوم كثيفة من التساؤلات الحائرة تدور في فلك عقلهما حول حياتها السابقة؛ ذلك الجنين الذي يكبر في بطنها يوماً بعد يوم، وزوجها الغامض الذي لم تذكر إسمه قط، ولا تحدثت عن تفاصيل غيابه، وكأنها قطعت كل حبال الماضي بسكين بارد. وفي إحدى الليالي الساكنة، جلس عمر بجوارها على الأريكة، وقد عزم أمره وشحن شجاعته أن يفتح ذلك الصندوق المغلق ويتحدث معها اليوم؛ التفت إليها وتطلع إلى ملامحها الهادئة، ثم سألها بفضول ممزوج بالخوف الأخوي - رينو.. هو إحنا مش هنعرف حاجة عن حياتك اللّي فاتت دي؟ عملتي فيها إيه وكنتي عايشة إزاي؟.. وطب وجوزك.. جوزك فين يا رنيم؟ وليه سايبك لوحدك في ظروف زي دي؟ توقفت يد رنيم عما كانت تفعله، وفجأة، أطلقت ضحكات متتالية؛ لكنها لم تك
لم يكن اتخاذ هذه الخطوة أمراً سهلاً على الإطلاق، لكن حمزة شحن كل ما يملك من شجاعة وقرر ألا يصمت كثيراً بعد الآن؛ فهو يريد قرب ميسون في النور، ويريد أن يثبت لها أن وعوده كانت صكاً حقيقياً لا رجعة فيه. خطا بخطوات ثابتة ووجل ينهش صدره، ثم دلف إلى جده الطاغي يحيى عدلان في غرفة مكتبه الفخمة ذات الأثاث الكلاسيكي القاتم. وجد جده غارقاً بين أوراقه، فتنحنح حمزة وأخبره بنبرة جادة أنه يريده في أمر هام للغاية. رفع الجد عينيه الحادتين من خلف نظارته الطبية، وأشار له برأس إشارة باردة تأمره بالجلوس. جلس حمزة وحاول سريعاً ترتيب الأفكار المتلاطمة في رأسه وتنقيتها من التوتر، ليتحدث في النهاية بنبرة رجولية واضحة - بصراحة كده يا جدي.. فيه واحدة زميلتي معايا في الشغل، البنت عاجباني جداً وبأخلاقها، وعاوز أخد خطوة رسمية وأتجوزها. توقفت حركة الجد تماماً، وقام بنزع نظارته الطبية ببطء شديد حمل في طياته عاصفة من الاحتقار، وبدأ يحملق في ملامح حمزة بنظرات ثاقبة، ثم ردد بتهكم لاذع - لا.. واضح إن مستواك بدأ يتحسن ويتطور... من واحدة من الشارع لواحدة موظفة من الشركة.. ما هي جينات ملعونة للأسف، وأنا مش هعرف أنض
انضمت أمل إليهم على المائدة بوجه شاحب كالأموات، وجسد واهن يرتجف اضطراباً؛ جلست على مقعدها ببطء، وتطلعت إلى أطباق الطعام الشهية بحسرة مريرة غصّ بها حلقها، وحمدت الله في سرها على فضله بنبرة منكسرة خفتت بين شفتيها. لاحظ عمر على الفور حالتها المتدهورة تلك، وانتبه إلى يدها المرتعشة وهي تتلاعب بالملعقة وتنبش في الطعام أمامها دون أن تدخل منه شيئاً إلى فمها؛ انقبض صدره خوفاً عليها، ومال نحوها يسألها بنبرة خفيضة ملؤها الاهتمام والوجع الدفين - الأنسولين خلص.. مش كده يا أمل؟ أومأت له أمل برأسها بخجل وانكسار، وعيناها تغرقان بالدموع؛ فترك عمر ملعقته جانباً فوراً، وأغمض عينيه بألم حارق يمزق أحشاءه لعجزه وقلة حيلته في تلك اللحظة. مر كل ذلك المشهد المشحون بالتوتر الصامت أمام عيون رنيم، التي كانت تراقبهما بذكاء وفطنة، فترددت نبرتها باستنكار حانٍ وهي تعاتب شقيقتها الصغرى - طب ولما هو خلص يا أمل مطلبتيش مني ليه من الأول يا حبيبتي؟ إحنا مش أهل خلاص؟.. ثواني ورجعتالكم فوراً. نهضت رنيم من على المائدة، وتركت الشوكة من يدها متوجهة بخطى سريعة نحو الشرفة؛ أمسكت هاتفها وأجرت مكالمة سريعة بنبرة جادة، ثم ع







