Início / الرومانسية / قصر الظلال / البارت السادس

Compartilhar

البارت السادس

Autor: Faten Aly
last update Data de publicação: 2026-05-19 13:33:11

نلتقي صدفة، ونفترق صدفة، ونظن أننا نتحكم بالمسارات.. وما نحن إلا عابرون في أقدارٍ غُزلت بعنايةِ الخالق، وتدابيرَ تحمل الخير لنا دائماً، حتى لو عجزت قلوبنا عن فهمها في البداية.

✨✨✨✨✨✨

انقطع حبل أفكار حمزة مع صرير الباب؛ لتتسلل إلى الغرفة تلك الفتاة الشقراء. هبّ واقفاً على الفور، وقبل أن ينطق بكلمة، ارتسمت على وجهه ابتسامة رقيقة ترحيباً بها.

​إنها ريناد، ابنة عمه التي ما زالت تخطو عتبات الصف الأول الثانوي. تتناقض رقتها وجمالها الهادئ مع عزلتها الاختيارية؛ فهي تتجنب الغوص في العلاقات البشرية، وتفضل دائماً إبقاء الجميع على رصيف العلاقات السطحية العابرة كدرع حماية لها.

​ورغم تلك الأسوار، كانت ريناد الاستثناء الوحيد في حياة حمزة، والزائرة الوحيدة من عائلة والده التي يغض جده الصارم الطرف عن دخولها. لم تكن زياراتها المتباعدة مجرد عاطفة عابرة، بل كانت الرابط الأخير له بتلك العائلة.

​المفارقة الأجمل، أن ريناد التي تخشى التعمق في البشر، استطاعت بشكلٍ ما أن تنسج رابطاً قوياً وصادقاً مع رنيم؛ ليتفق كلاهما على تبادل الزيارات سراً، في تحدٍّ مكتوم لعين الجد التي لا تغفل.

✨✨✨✨✨✨

دارت عجلة الأيام مسرعة، وطوت في طريقها سنوات، لتجد رنيم نفسها في السنة النهائية من كلية الآداب. ورغم ذكائها الوقاد وقدرتها العالية على الاستيعاب، إلا أن ظلال ذلك الحادث القديم بقيت عالقة في زوايا عقلها، تسرق من تركيزها بين الحين والآخر غفواتٍ مباغتة، كأنها ضريبة مؤجلة تدفعها من وعيها.

​في تلك الأثناء، نبتت بين حمزة وريناد ورنيم علاقة دافئة تخطت حدود الصدفة؛ رابطة ثلاثية جعلت رنيم تشعر لأول مرة بأن أقدارها القاسية قد تراجعت لتعوضها. رأت في سلمى تلك الأم الحنون التي تلمس جراحها فتشفى، وفي حمزة وريناد السند والملجأ، ليتحول الغرباء في عينيها إلى عائلة حقيقية تشتد بها في مواجهة الحياة.

​وعلى الجانب الآخر من العالم، طوى يحيى صفحة دراسته الجامعية لينغمس في تحضير رسالة الماجستير. وطوال تلك الفترة، لم تطأ قدماه أرض مصر؛ فكانت سلمى هي جسره الوحيد نحو الوطن، تسافر إليه مرتين في العام، تقاسمه الغربة لشهرين في كل مرة ثم تعود متخففة من شوقها. ولم يكتفِ يحيى بالنجاح الأكاديمي، بل استطاع بذكاء حاد وصبر طويل أن يفرض اسمه كرجل أعمال محنك، بنى لنفسه هيبة جعلت حيتان سوق العمل يحسبون خطواته ويخشون مواجهته.

​لكن القلوب لم تكن بمعزل عن هذا التغير؛ فحمزة الذي بدأ كأخ، وجد نفسه يغرق في مشاعر من نوع آخر تجاه رنيم. تلاشت صورة الأخت ليحل محلها طيف امرأة يرجو قربها، مشاعر دافئة وجارفة يكبح جماحها بصعوبة، منتظراً التوقيت المثالي ليفصح عما يختلج في صدره ويضع حداً لانتظاره.

​أما في الجانب المظلم من الحكاية، فكانت الأنصية تُوزع بشكل مغاير. مضى كل من ثريا وحجاج في طريقه، واختار كل منهما أن يبدأ حياة جديدة بالزواج من أطراف أخرى اشترطت شرطاً واحداً قاسياً لا مكان للأطفال. وهكذا، أُلقي بالصغار في أحضان والدة ثريا لتربيتهم؛ ليكون هذا التخلي الجاف أسوأ عقاب واجهه أطفال لا ذنب لهم، عقاب صاغه الآباء بأنانيتهم، ودفعت ثمنه أرواح صغيرة نبتت بلا مأوى عاطفي حقيقي

✨✨✨✨✨✨✨

جلست رنيم في الحديقة كعادتها، تحتضنها الطبيعة وكأنها جزء منها. كانت ترتدي فستاناً بلون البنفسج، تاركةً خصلات شعرها تنساب خلفها بحرية، لتصنع لوحة فاتنة تفوق الوصف؛ فراشة حية ترفرف بين الزهور، وتدندن بألحان عذبة تتراقص لها قلوب السامعين.

في تلك اللحظة، دلف شاب من البوابة الخارجية للقصر. تسمرت قدماه وهو يرى تلك الحورية، وشعرها المفرود على كتفيها يتلألأ تحت الشمس كألسنة لهب أيقظت في صدره شرارة مباغتة، شرارة جهل مصدرها لكنه شعر بلسعتها في أعماق قلبه.

لم يكن هذا الشعر غريباً عليه؛ إنه يتذكره جيداً، أو بالأحرى، لم يفلح في نسيانه يوماً. في الماضي، كان يظن أن هذا اللون الفريد مجرد صبغة أو أثر حناء، إذ لم يستوعب عقله حينها أن هناك شعراً طبيعياً يحمل كل هذا السحر والروعة.

اندفع نحوها كالمسحور، مقيداً بجاذبية لا تقاوم، وهتف بنبرة تقطر رقة

-  بنوتي..

انتفضت رنيم فور سماعها تلك الكلمة، وحاولت جاهدة التركيز في نبرات الصوت. نعم، إنه هو.. صوت غاب عن مسامعها لسنوات طويلة لكنه ظل محفوراً في ذاكرتها. التفتت نحوه ببطء، وفي تلك اللحظة تعامدت أشعة الشمس على عينيها، لتعكس سحراً خاصاً كاد يخطف الأنفاس.

همست بصوت مرتجف، يثقله اشتياق قديم وأمنيات مؤجلة

-  يح.... يحيى

لم يحر يحيى جواباً، واكتفى بابتسامة دافئة؛ فلا حديث يُقال في محراب الجمال، حيث تبدو رنيم كشمس الغروب.. جميلة وآسرة رغم رحيلها المقترب، تبعث في الروح أملاً جديداً. وقف بقامته الفارهة وملامحه الوسيمة الحادة، وأومأ لها برأسه مؤكداً هويته، بعد أن خذلته الحروف وتاهت كلماته في دروب الصمت.

لم يفهم السر وراء حالته تلك، وكأنها ألقت عليه تعويذة سحرية قيدت حواسه، فبات يتمنى لو تتجمد تلك اللحظات وتتحول إلى سنوات لا تنتهي. خلع سترته وألقاها جانباً بكبرياء عفوي، ثم جلس إلى جوارها وبدأ يتبادل معها أطراف الحديث. ورغم أنه كان يسألها ويحاورها، إلا أنه لم يستمع لحرف مما قالت؛ بل كان غارقاً في تفاصيل وجهها وهي تتحدث، وكأن صوتها معزوفة تشدو على نبضات قلبه.

في تلك الأثناء، ومن شرفة غرفته، لمح حمزة ذلك الشاب الجالس جوار رنيم. جحظت عيناه بصدمة وفرحة عارمة، وهرع هابطاً الدرج بسرعة جنونية حتى وصل إليهما، ليشق صوته سكون المكان صائحاً

-  يحيى.. يحيى رجع يا ماما سلمى.. يحيى رجع يا جدو.. يحيى رجع يا شـابّي

وما إن نطق باللقب الأخير، حتى لكزه يحيى في صدره بحدة خفيفة ومحذرة، قبل أن يجذبه إليه ويعانقه بشوق. في ثوانٍ معدودة، التف الجميع حول يحيى، وحاصروه بحفاوة بالغة وسعادة لا تسعها الجدران. انهالت عليه الأسئلة من كل حدب وصوب كيف وصل؟ ومتى؟ ولماذا لم يخبرهم؟ وأين حقائبه؟

حاول يحيى في البداية مجاراتهم وإجابتهم بترحيب ومجاملة، لكن سرعان ما تسلل الضيق إلى نفسه من تلك الجلبة والأسئلة المكررة، فقرر الانسحاب بحزم ليأخذ قسطاً من الراحة، هرباً من هذا التحقيق العائلي الممل، رغبةً في استعادة هدوئه.. وإعادة ترتيب مشاعره المبعثرة.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

جلست ريناد، تلك الفتاة التي استحالت مع الأيام أيقونة للجمال والحيوية؛ ولم يكن جمالها مجرد ملامح صاغها القدر، بل كان ذلك السحر الداخلي النقي النابع من قلبٍ عُمِّر بالعشق واكتفى به.

كانت تقبع خلف تلك الطاولة في المقاهي، وتطلب بكبرياء طفولي كوباً رابعاً من عصير الليمون لتطفئ به نار انتظارها المشتعل. وطوال تلك الساعات الممتدة، لم تسلم من النظرات المتطفلة والانتقادات اللاذعة حول جلوسها وحيدة لفترة طويلة، حتى تجرأ بعض العابرين على تجاوز الحدود، فهتف أحدهم بوقاحة

-  إحنا في الخدمة يا جميل

بينما أردف آخر بابتسامة سمجة مطاولاً

-  أنا خالي وإنت خالي.. يبقى نلم الشمل

توالت الكلمات السخيفة والتعبيرات التى تلوث للأذن  لتجتاح هدوءها، غير أنها صمتت بترفّع، حتى انقشعت تلك الغمامة أخيراً بوصول فارسها.. وفارس أحلامها الذي يحمل من اسمه نصيباً، فارس.

أقبل عليها يلقي التحية بابتسامته الرقيقة العذبة، لكنه سرعان ما لمح معالم الغضب المرتسمة على وجهها الجميل، فجلس أمامها بملامح يكسوها الخجل الشديد، وهتف بنبرة هادئة مستعطفة

-  أنا عارف إني زودتها وأستاهل حبس انفرادي، بس والله العظيم كان عندي مأمورية ولسه مخلص حالا.. سامحيني.

كان فارس ضابط شرطة، رجلٌ صلب في عمله لكنه يلين تماماً أمامها؛ فهو يعشق ريناد منذ أربع سنوات، ويحارب الأيام ليحظى بتلك اللحظة التي تجمع شتاتهما وتصبح فيها زوجته وعروسه.

رفعت ريناد وجهها إليه ببطء، وفي ثانية واحدة تلاشت غيوم غضبها أمام دفء عينيه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة عفوية، قبل أن تتذكر كبرياءها الأنثوي وتتجهّم ملامحها مرة أخرى، لتردد بـاندفاع وعتاب لطيف

-  برضه كان ممكن تكلّمني.. متسبنيش قاعدة على نار كده وأنا مستنياك

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • قصر الظلال    105 والأخير

    بعد مرور عدة سنوات.. مرّ العمر كـقطارٍ سريع، تاركاً وراءه قصصاً كُتبت بـماء الذهب، جُبرت فيها الخواطر، وتلاشت فيها غيوم الماضي لـتشرق شمس الاستقرار. في قاعة الزفاف الفخمة، كانت رنيم تقف كـملكةٍ متوجة، متألقة بـفستانٍ من اللون الأزرق القاتم (الكحلي الملكي)، مرصعٍ بـحبات اللؤلؤ الدقيقة التي لمعت تحت الأضواء كـالنجوم في ليلةٍ صافية، ومغطى بـطبقةٍ انسيابية من الشيفون الرقيق الذي رسم معالم جسدها الرشيق الذي لم تزدْه السنوات إلا نضجاً وجاذبية. بـجوارها كانت تقف ميسون بـملامحها البشوشة، وقد اكتسبت بعض الوزن المحبب عقب ولادتها الأخيرة، ومن الناحية الأخرى تقف سلمى وعيناها مسلطتان بـدموع الفرح على العروس.. أمل. اليوم هو ليلة العمر لـأمل، التي زُفت إلى أحد أشهر أطباء الجراحة، بعد قصة حبٍّ نقية جَمَعتهما في أروقة المستشفى والجامعة، وتنتهي اليوم بالرباط المقدس. التفتت سلمى إلى رنيم، وضمتها إلى صدرها بـعاطفةٍ جياشة، مرددة بـنبرةٍ تهتز من فرط السعادة - أنا بشكر ربنا من كل قلبي يا رنيم.. طول عمري كان نفسي في بنت، وربنا كرمني بـيكم وبقى عندي بنتين مش بنت واحدة. مالت رنيم عليها، وطبعت قبلةً حانية

  • قصر الظلال    104

    كان الزفاف أشبه بـلوحة فنية نُسجت خيوطها من النور والبهجة، تألقت فيها سارا بـفستانها الذي زادها جمالاً على جمالها، بينما كان "علي" يقف بـجوارها وكأنه قد ملك العالم أجمع؛ فاليوم لم يكن مجرد ليلة زفاف، بل كان تتويجاً لحلمٍ طالما دعا الله بـإلحاحٍ أن يجعله واقعاً ملموساً. مع انتهاء الحفل، وبينما يستعد العروسان للمغادرة، وقف يحيى بـقامته الفارعة، محتضناً خصر رنيم بـتملكٍ حانٍ، وابتسامة غامضة ترتسم على ثغره، ليسأل بـمرح - العرسان الحلوين هيقضوا شهر العسل فين؟ تبادل علي وسارا نظراتٍ يملؤها الحب قبل أن يرد عليّ بـابتسامة عريضة - في عش حبنا السعيد يا يحيى. أشار يحيى بـإبهامه نحو سيارة فارهة مزينة بـأناقة كانت تصطف بـجانب القصر في انتظار إشارته. ترجل السائق بـسرعة ليفتح باب السيارة، وسط دهشة الحاضرين، ليردف يحيى بـنبرةٍ تجمع بين السخاء والود - وممكن تصنعوا ذكريات أجمل في مكان تاني.. العربية دي هتوصلكم لشاليه خاص بيا في مرسى مطروح، خدو راحتكم خالص، قضوا الوقت اللي تحتاجوه.. شهر عسل سعيد تركهم يحيى في صدمةٍ ممتزجة بـسعادة غامرة، ولوح لهم بـيده مغادراً قبل أن يتمكنوا حتى من شكره، ساحباً

  • قصر الظلال    103

    انضم يحيى إليهما بخطواتٍ متسارعة، قلبُه يضطرب بـذعرٍ غير مسبوق وهو يرى رنيم في هذه الحالة المنهارة. لم يتردد للحظة، بل ضمها بقوة بين أحضانه، مخبئاً وجهها عن أعين العالم، ليتلقى صرخاتها المكتومة داخل ضلوعه، وكأنها سهامٌ تغرس في قلبه. سأل بلهفةٍ ممزوجةٍ بالخوف، وصوته يرتجف - في إيه يا رنيم؟ إيه اللي حصل؟ حد ضايقك؟ اتكلمي يا روحي انفجرت رنيم بالبكاء أكثر، وكلماتها تتقطع بين شهقاتها المتلاحقة - عمر.. عمر يا يحيى.. عاوز يسيب القصر ويأخد أمل ويعيشوا لوحدهم.. وعاوز ينزل شغل عشان يصرف عليها.. أنا.. أنا عملت إيه عشان يبعدوا عني؟ إيه اللي قصرت فيه؟ انهارت بـاكية، فـشعر عمر بـقلبه يتمزق أمام حالتها التي لم يقصدها أبداً. تقدم خطوة ليمسك يدها، مردداً بـنبرةٍ يغلفها الصدق والأسف - والله يا حبيبتي، أنا مش زعلان منك في أي حاجة.. بالعكس... إنتي الوحيدة اللي وقفتي جنبنا، كفاية اللي عملتيه عشاننا.. ولولاكي، مكناش هنوصل للي إحنا فيه دلوقتي.. أنا بس بقول كفاية كده يا حبيبتي، إنتي حياتك استقرت مع جوزك، وأنا كبرت وعاوز أعتمد على نفسي.. قبل أن يكمل عمر، أشار له يحيى بـحزمٍ صامت أن يصمت، ثم أومأ برأسه

  • قصر الظلال    102

    انضم يحيى إلى العائلة على مائدة الإفطار، وبدت عليه ملامح الترقب بانتظار معشوقته. جلس في مقعده، ونظف حلقه بـحرج عدة مرات قبل أن يرفع نظره بـثباتٍ وجسارة إلى جده، مردداً بـنبرة هادئة ومحترمة - صباح الخير يا جدو... ألف سلامة على حضرتك، أتمنى تكون بخير النهاردة. تهللت أسارير الجد عدلان بـسعادة غامرة؛ فـهذه هي المرة الأولى التي يلقي فيها يحيى التحية بـهذا الصفاء عقب صدامهم الأخير العنيف. لم يكتفِ يحيى بالكلمات، بل نهض واقفاً بـهيبة القيصر، توجه بخطوات واثقة نحو الجد، انحنى ليقبل يده بـوقار، ثم احتضنه بحرارة طابعاً قبلة على رأسه في اعترافٍ ضمني بـمكانته. كانت سلمى تتابع المشهد وعيناها تلمعان بـدموع الفرح، بينما جلس الصغير سليم يراقب الموقف بـبراءة وعدم فهم لما يدور حوله، في حين تبادل عمر وأمل نظرات الرضا والحب لهذا الصلح الأسري. وما إن استقر يحيى في مقعده مجدداً، حتى انفتح باب القصر المطل على الحديقة، لتدلف منه رنيم كـنسمة ربيعٍ مباغتة، بـابتسامة مشرقة كفيلة بـأن تشرق معها شمس يومه؛ ابتسامة خاطفة لـأنفاسه ومعيدةً لـقلبه نبضه. قالت بـمرحها العذب - صباح الفل توجهت رنيم بخطواتها الرش

  • قصر الظلال    101

    استند على بـثقل على مقعد الاستراحة الوثير، وقد بدأ الإرهاق ينهش في جسده؛ فـساعات النهار كانت ثقيلة، بين عمله الشاق في الصباح، وجولته المرهقة التي امتدت لأكثر من أربع ساعات متواصلة يدور فيها داخل أروقة مراكز التسوق مع سارا، باحثاً عن فستان أحلامها الذي استعصى على ذوقها. مسح على وجهه بـكف مجهد، ثم تطلع إليها بـنظرة عتابٍ ممزوجة بـابتسامة حانية، مردداً بـنبرة منهكة - بقى كل الفساتين اللي شفناها دي، بـكل ألوانها وتصاميمها، وفي الآخر مفيش حاجة عاجباكي؟ حرام عليكي يا سارا.. رجلي تقريباً مبقتش حاسس بيها، وكأننا بنلف في سباق ماراثون مش بنشتري فستان فرح تذمرت سارا بـدلال، واعتدلت في جلستها وهي تعقد حاجبيها بـتذمر طفولي، ثم أطلقت تنهيدة طويلة وهي تردد بـنبرة تختلط فيها الحيرة بالضغط النفسي الذي تعيشه العائلة - أعمل إيه بس يا على؟ مش عارفة أختار، وإنت أصلاً مش بتساعدني! كل ما أوريك فستان تقول لي حلو، كأنك حافظ الكلمة دي وخلاص، مش حاسس بـالضغط اللي عليا.. حظي كده في الوقت ده بالذات؛ بنت ريناد تعبانة، ورنيم حالتها هي ويحيى شاغلة بالي، ونهال جوزها لسه راجع من السفر يعني هي كمان مشغولة.. الكل في

  • قصر الظلال    100

    هنا.. انتفض يحيى بـعنف، وكأنه طُعن بـنصل خنجر مسموم أصاب ضلوعه وشرايين قلبه، ليردد بـاندفاع حاد وغيرة تملكت نبرته - دي كلمة ملهاش وجود ولا مكان في قاموس حياتنا بعد النهاردة يا رنيم... في عز ما كنت موجوع ومكسور ومسافر، مقدرتش مجرد التفكير فيها.. حبيبتي، أرجوكي، إوعي تنطقي الكلمة دي على لسانك تاني.. إنتي ملكي وعمري لآخر نفس. تطلعت يميناً ويساراً بـضياع وتشتت طفولي سحر لبه، ليشعر هو بـتوهان روحها وهشاشتها في تلك اللحظة؛ فـتطلعت إليه مرة أخرى وعيناها تلتمسان الأمان، لتردد بـرجاء طفولي وعذب - يحيى.. أنا مش بحلم صح؟ إنت حقيقة.. إنت هنا جنبي بجد؟ورجعنا لبعض لم يكن رده تِلك المرة بـالكلمات؛ بل كان بـفعل بركانيّ زلزل مضجع الجناح! اعتصرها بين أحضانه بـقوة تملكية ضاربة، وانحنى يقبل عنقها المرمري قُبلات متلاحقة، رقيقة وحارقة في آن واحد، بينما راحت يداه الجريئتان تجوبان منحنيات جسدها اللين وتفاصيل أنوثتها بـعشق جارف حطم كل السدود. وصل بـشفتيه إلى وجنتها يلثمها بـقبلاته الدافئة التي تذيب الصخر، إلى أن وصل أخيراً إلى غايته.. إلى شفتيها الكرزيّتين. احتضن شفتيها بـجوع ونهم طال لـسنوات، راح يت

  • قصر الظلال    البارت الثالث عشر

    اندفع عمر نحو المطبخ بخطواتٍ ينهشها القلق، وفتح باب الثلاجة بلهفةٍ حارقة، وراحت عيناه المسكونتان بالخوف تفتشان بين الرفوف الباردة عن ترياق الحياة لشقيقته.. عن زجاجة الأنسولين الخاصة بأمل. التقط العبوة الكرتونية الصغيرة بيدين مرتعشتين، ليرتطم بوقائع الخذلان؛ كانت العبوة فارغةً تمامًا، خاوية ككل الأب

  • قصر الظلال    البارت الثانى عشر

    - إيه يا يحيى.. إنت كل يوم رجلك بتغرز أكتر من اليوم اللي قبله! لا، لازم أحط حد للتعامل مع رنيم.. أنا حاسس إني بتشد ليها وبضعف قدامها وكده غلط.. لازم أسهر سهرة حلوة كده من بتوع ألمانيا.كانت تلك الكلماتُ الحانقة بمثابة حربٍ ضروس يشنُّها يحيى ضد نفسه في خلوته، عقب رحلةِ عشاءٍ شاقة ومضنية جَمعته برني

  • قصر الظلال    البارت الحادى عشر

    بالرغم من أنه لم ينطق ببنت شفة، ولم يوجه إليها كلمة واحدة تعبر عما يختلج في صدره، إلا أن رنيم كانت تقرأ بوضوح ذلك الإعجاب الساحر الممتزج بالدهشة وهو يلمع في أعماق عينيه، فاكتفت بتلك النظرات الصامتة التي غمرت قلبها بدفءٍ غريب، واعتبرتها أثمن إشادة يمكن أن تحظى بها.بعد فترة وجيزة، كانت تقف في أروقة

  • قصر الظلال    البارت العاشر

    تطلع إليها مليًا وعيناه تتشربان دهشتها وعفويتها، قبل أن يطلق ضحكته الرجولية الرنانة التي بددت سكون الممر المحيط بهما؛ فقد أدرك بفطنته أن تلك الشقية تظن واهمة أنه حزم أمتعته للرحيل، وتكاد تطير فرحًا لـخلوّ المكان لها.رمقته رنيم باتساع عينين وذهولٍ جمّ أخرس لسانها، لكن صمودها لم يدم طويلًا أمام سحر

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status