LOGINمن وجهة نظر إيفان
وقفت أمام بوابة القصر أراقب أبي هيفان والملك ألفريد وهما يبتعدان شيئًا فشيئًا مع الحراس. غريب... رغم أن أبي سافر عشرات المرات من قبل، إلا أن القصر كان يبدو أكثر هدوءًا بعد رحيله. زفرت بهدوء. لكن فجأة سمعت صوت جدتي إيلينا تقول وهي تبتسم: — "كفاكم هذه الوجوه الحزينة، إنها رحلة لأسبوعين فقط." ضحك الملكة بخفة وهي تنظر إلى أمي هرلين التي كانت ما تزال تراقب الطريق الذي غادر منه أبي. — "أقسم أنكما تتصرفان وكأنه ذهب إلى آخر الدنيا." احمر وجه أمي قليلًا بينما ضحك الجميع. وبعدها بدأ الجميع بالدخول إلى القصر. أما أنا فبقيت للحظة في المدخل. وفجأة... اصطدم بي شيء صغير وسريع. رفعت يدي تلقائيًا وأمسكت صاحبته قبل أن تقع. رمشت. ثم نظرت للأسفل. كانت لافندر. كانت شاردة تمامًا. لدرجة أنها لم تنتبه أنها كادت تصطدم بعمود لو لم أمسكها. رفعت رأسها نحوي. ورمشت مرة... مرتين... ثم حدقت بي بصمت غريب. — "هل أنتِ بخير؟" لكن بدل أن تجيب... رفعت يدها ولمست ذراعي بخفة. ثم همست وكأنها تتحدث مع نفسها: — "أنت دافئ..." تجمدت. — "ماذا؟" لكنها فجأة حاولت الابتعاد. وهنا بدأت أشك أنها تخفي شيئًا. وضعت يدي على الحائط خلفها قبل أن تهرب. ثم اليد الأخرى على الجهة الثانية. فوجدت نفسها محاصرة بيني وبين الحائط. اتسعت عيناها فورًا. — "إيفان!" — "ماذا تقصدين بكلامك؟" — "لا شيء." — "لافندر." — "قلت لا شيء." حاولت الانحناء من تحتي والهروب. ثم من الجهة الثانية. ثم نظرت للسقف وكأنها تبحث عن مخرج سحري. أما أنا فبقيت أحدق بها بصمت. كلما تهربت أكثر... ازداد فضولي. وفجأة... فعلت شيئًا لم أتوقعه. اقتربت بسرعة. وطبعت قبلة خاطفة على خدي. ثم دفعتني وهربت كالسهم. وأنا ما زلت مصدومًا بمكاني. سمعتها تصرخ وهي تركض بعيدًا: — "نكمل الحديث لاحقًا!" اختفت. واختفى معها عقلي. بقيت واقفًا عدة ثوانٍ كاملة. أرفع يدي ببطء إلى خدي. لمست المكان الذي قبلتني فيه. وتجمدت أكثر. أما إيف داخل رأسي... فكان يضحك بجنون. — "هاهاهاها!" — "اصمت." — "لقد هربت بعد أن هاجمتك!" — "إيف." — "وجهك مضحك جدًا الآن." تنهدت بعنف. ثم غادرت قبل أن أسمع تعليقًا آخر منه. بعد فترة وصلت إلى حدائق القصر. كانت واسعة وجميلة كما كانت دائمًا. الخدم يعملون بين الأشجار والورود. الحراس ينتشرون في الممرات. وأصوات الناس تملأ المكان. مملكة نورفاي كانت تنعم بسلام نادر. السلام الذي قاتل آباؤنا سنوات طويلة لأجله. وفجأة... سمعت صوتًا خلفي. — "هاي إيفان!" التفت. فوجدت لوكا يلوح لي. — "هل نخرج في نزهة صيد؟" وقبل أن أجيب... انفجرت ضحكات أطفال قربنا. التفت تلقائيًا. وهناك... كانت لافندر. تركض بين مجموعة من الأطفال الصغار. شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع الهواء. وابتسامتها كانت مشرقة بشكل مزعج. كانت تختفي بسرعة مستخدمة قدرتها. ثم تظهر خلف أحد الأطفال فجأة. فيصرخون بفرح ويبدؤون بمطاردتها من جديد. الأطفال كانوا يعشقونها. ولم يكن الأمر غريبًا. لافندر كانت تملك تلك القدرة الغريبة على جعل الجميع يحبونها. ضحكتها. لطفها. جنونها. حتى الحراس كانوا يبتسمون عندما تمر قربهم. بقيت أراقبها بصمت. ورائحتها ملأت المكان. ولسبب لم أفهمه... شعرت أن منظرها جميل بشكل مؤلم. قال لوكا وهو يراقبها أيضًا: — "لافندر تحب الأطفال كثيرًا." هززت رأسي بصمت. لكن فجأة... ظهرت صورة غريبة داخل رأسي. لافندر... تركض بين أطفال صغار. تضحك معهم. وتحمل أحدهم بين ذراعيها. وأحد الأطفال يناديني: "أبي!" تجمدت. ثم كدت أختنق. — "ما هذا بحق الجحيم؟!" صرخت داخل رأسي. فضحك إيف بجنون. — "أوه..." — "اصمت." — "لقد بدأنا نتخيل مستقبلًا كاملًا." — "إيف!" طردت الفكرة فورًا من رأسي وكأنها لم تكن موجودة. أما لوكا فكان ينظر إلي باستغراب. — "لماذا وجهك أحمر؟" — "اصمت أنت أيضًا." ضحك بصوت مرتفع. وفي تلك اللحظة ظهرت أمي هرلين وهي تحمل بعض الأعشاب. نظرت إلينا بحنان. — "إذا خرجتما للصيد انتبها لأنفسكما." ثم أضافت بنبرة أم حقيقية: — "ولا تتأخرا حتى الليل." تنهدت أنا ولوكا في نفس الوقت. فضحكت أمي. وبعد دقائق... انطلقنا نحو الغابة. بينما بقيت فكرة واحدة مزعجة تدور داخل رأسي... وأتمنى بشدة ألا يكون إيف قد لاحظها.من وجهة نظر أفيني. مع مرور الأيام، بدأت أشعر أنني أصبحت أكثر اعتيادًا على حياتي الجديدة داخل مملكة نايت فورد. الغريب أنني لم أعد أشعر بذلك الخوف الشديد كلما كنت أقف بالقرب من الملك لايرس كما في الأيام الأولى. صحيح أنني ما زلت أتوتر كلما اقترب مني أو تحدث معي، لكنني أصبحت أحب الأوقات التي أرافقه فيها أثناء شربه للشاي أو عندما يقرأ كتبه بصمت بينما أقوم بترتيب مكتبه. بل إنني بدأت أكتشف أن هناك جانبًا مختلفًا منه لا يعرفه الكثيرون. كان هادئًا أكثر مما ينبغي، وكأنه يحمل فوق كتفيه أشياء لا يستطيع إخبار أحد عنها. وفي ذلك اليوم، وبعد يوم طويل من العمل، عدت أخيرًا إلى غرفتي وأنا أتمنى فقط أن أغط في النوم حتى صباح الغد. لكن بعد دقائق قليلة، سمعت طرقات خفيفة على الباب. "ادخلي." فتحت صوفي الباب وهي تحمل معها إبريقًا صغيرًا من الشاي وبعض الحلوى التي أحضرتها من مطبخ القصر. ابتسمت لها وهي تجلس بجانبي فوق الأريكة الصغيرة الموجودة في الغرفة. "يبدو أنك متعبة اليوم." ضحكت بخفة وأنا أتنهد. "الملك كان مشغولًا طوال اليوم، لذلك كان عليّ أن أركض خلفه في نصف أنحاء القصر." ضحكت صوفي قليلًا قبل أن
من وجهة نظر أفيني. بصراحة، منذ حادثة الصباح وأنا لا أفهم ما الذي يجري مع الملك لايرس. أقصد، كيف يمكن لشخص أن يغضب لمجرد أنني تحدثت مع أحد الحراس لمدة دقيقة واحدة فقط؟ ثم يقول لي بكل هدوء إنني "ملكه" ما دمت أعمل لديه؟ حتى الآن لا أعرف إن كان هذا أمرًا طبيعيًا بالنسبة لملوك نايت فورد أم أن ملكنا فقط غريب الأطوار قليلًا. على أي حال، قررت أن أتوقف عن التفكير بالأمر، لأنني إذا حاولت فهمه أكثر فمن المحتمل أن أصاب بالجنون قبل أن أجد طريقة للعودة إلى منزلي. حل الليل أخيرًا، وكان موعد العشاء قد حان. رتبت الطاولة كما أفعل كل يوم، وتأكدت من أن الشاي بدرجة الحرارة التي يفضلها، وأن جميع الأطباق موضوعة في أماكنها الصحيحة. ثم وقفت في مكاني المعتاد بالقرب من الحائط أنتظر وصوله. خمس دقائق... عشر دقائق... ثم خمس عشرة دقيقة أخرى. رفعت رأسي قليلًا نحو الساعة المعلقة على الحائط وأنا أعبس بخفة. "هذا غريب." عادةً لا يتأخر عن موعد العشاء أبدًا. حتى صوفي أخبرتني منذ أيام أنه أكثر شخص منظم عرفته في حياتها. لذلك، وبعد أن تأكدت من أن الطعام سيبرد قريبًا، قررت أن أذهب للاطمئنان عليه. طرقت باب جناح
من وجهة نظر أفيني. مر أسبوع كامل، ثم تبعه أسبوع آخر دون أن أشعر كيف مضى الوقت. الغريب في الأمر أنني بدأت أعتاد هذا العالم شيئًا فشيئًا. في البداية كنت أظن أنني سأهرب في أول فرصة تتاح لي، لكن مع مرور الأيام بدأت أشعر بالفضول تجاه مملكة نايت فورد أكثر فأكثر. كانت مملكة جميلة ومختلفة تمامًا عن نورفاي. فإذا كانت نورفاي تشبه الشتاء الأبدي والثلوج البيضاء، فإن نايت فورد كانت تشبه الليل الهادئ. حتى القصر الملكي بني من حجارة سوداء تتزين بخطوط فضية جعلته يبدو وكأنه خرج من إحدى القصص الخيالية. أما بالنسبة لعملي... فقد أصبح جزءًا من روتيني اليومي. أستيقظ قبل شروق الشمس، وأساعد في تجهيز ملابس الملك، وأتأكد من أن طعامه جاهز في موعده، وأرافقه أحيانًا أثناء اجتماعاته المهمة حتى أحضر له ما يحتاج إليه. وخلال هذين الأسبوعين اكتشفت الكثير من الأشياء عنه. أولها أن اسمه هو "لايرس". بصراحة، تفاجأت قليلًا عندما أخبرتني صوفي باسمه، لأنه بدا اسمًا مناسبًا له بطريقة غريبة. وثانيها أنه ليس مخيفًا كما كنت أعتقد. أعني... نعم، هو مرعب عندما يغضب على ما يبدو، لكنني لم أره يغضب ولو مرة واحدة منذ وصولي إل
من وجهة نظر أيفني. إذا كان هناك شيء واحد تعلمته خلال أول يوم لي في هذا العالم، فهو أن العمل خادمةً لدى ملك اليكان أصعب بكثير من النجاة من تدريبات والدي إيفان في طفولتي. بل وأكثر رعبًا بقليل من غضب جدي زاك عندما كنت أسرق قطع الحلوى الخاصة به. بعد أن قبل الملك أن أعمل لديه، خرجت أنا وصوفي من جناحه الخاص، وما إن أغلق الباب خلفنا حتى أطلقت الزفير الذي كنت أحبسه طوال الوقت. نظرت إليَّ صوفي بفخر وكأنني نجحت في اجتياز اختبار دخول الجيش الملكي. "أهنئك." رمشت عدة مرات باستغراب. "على ماذا؟" "لقد نجوتِ." "..." "هناك ثلاث خادمات بكين خلال أول خمس دقائق من مقابلته." بصراحة، لا أعلم إن كان عليّ الشعور بالفخر أو بالخوف أكثر. وبعدها بدأت رحلتي الحقيقية مع العمل. اكتشفت أن الملك شخص منظم بشكل مرعب. فكل شيء في جناحه مرتب بدقة شديدة، حتى الكتب الموجودة داخل مكتبته كانت مرتبة بحسب أحجامها وألوان أغلفتها! كما اكتشفت أنه لا يحب الفوضى إطلاقًا. خلال الصباح، كان عليَّ تحضير طاولة الإفطار، ثم الانتظار بجانب الباب حتى ينتهي من تناول طعامه في حال احتاج إلى شيء. وبالمناسبة... كا
من وجهة نظر أفيني. إذا كان هناك شيء تعلمته خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، فهو أن القدر يكرهني. حقًا، لا أجد تفسيرًا آخر لما يحدث معي. فأنا انتقلت إلى عالم آخر، وكدت أُعدم قبل أن أستيقظ، وأصبحت خادمة لدى ملك مرعب يقتلع الأشجار عندما يغضب، والآن أنا أقف أمام المرآة منذ الفجر أحاول ألا أموت في أول يوم عمل لي. استيقظت قبل شروق الشمس كما طلبت مني صوفي، وما إن انتهيت من غسل وجهي حتى دخلت الغرفة وهي تحمل بين يديها فستانًا بسيطًا لكنه جميل للغاية. كان بلون العسل الفاتح تتداخل معه خيوط بيضاء ناعمة عند أطرافه، كما أن تصميمه كان أنيقًا بشكل لا يليق بخادمة عادية. "ألستِ متأكدة أنه خاص بالخادمات؟" سألتها بتردد. ضحكت وهي تعطيني الفستان. "بالطبع! الملك يكره الأشخاص غير المرتبين، لذلك حتى خدم القصر يجب أن يكونوا في أفضل مظهر لهم." بدأت أشعر أنني أعمل لدى شخص مهووس بالكمال قليلًا. بعد أن ارتديته وساعدتني صوفي في ترتيب شعري، خرجنا متجهتين نحو جناح الملك. طوال الطريق كانت تعطيني تعليمات جديدة جعلتني أتساءل إن كنت سأتمكن من تذكر اسمي في النهاية. "أولًا، لا ترفعي رأسك أمام الملك." "حسنًا.
من وجهة نظر الكاتب. حلَّ الليل أخيرًا فوق القصر الملكي، وكانت أفيني ما تزال جالسة قرب النافذة وهي تنظر إلى القمرين المعلقين في سماء هذا العالم الغريب. ورغم جمال المنظر، لم تستطع منع نفسها من التفكير في عائلتها وفي ما إذا كانوا بخير الآن. قطع صوت طرقات خفيفة على الباب شرودها. "أدخلي." دخلت صوفي وهي تحمل صينية كبيرة مليئة بالطعام الساخن، وكان يعلو وجهها تعبير جاد لم تره أفيني منذ استيقاظها. وضعت الصينية فوق الطاولة ثم جلست بجانبها. "حسنًا، لقد حان الوقت للحديث الجدي." رمشت أفيني باستغراب. "عن ماذا؟" تنهدت صوفي قبل أن تقول: "عن كيفية بقائكِ على قيد الحياة ابتداءً من الغد." ساد الصمت داخل الغرفة للحظات. "هل الأمر بهذا السوء؟" "أسوأ." شعرت أفيني أن حياتها أصبحت أكثر صعوبة مع كل دقيقة تمضي في هذا العالم. أخذت صوفي نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ بالشرح. "أولًا، استيقظي قبل شروق الشمس. الملك يستيقظ مبكرًا جدًا ويكره الأشخاص الكسالى." "حسنًا." "ثانيًا، لا توقظيه من نومه." "هذا طبيعي." "ثالثًا، لا تلمسي أغراضه الخاصة." "مفهوم." "رابعًا، لا تسأليه عن البركة المقدسة مهما حدث." هن
الرواي بعد عودتهم إلى مملكة نورفاي، بدا وكأن القصر بأكمله عاد للحياة من جديد. الخدم كانوا يتحركون بسرعة في كل مكان، والحراس يتحدثون بحماس عن عودة الأميرة المفقودة، وحتى الهواء داخل القصر بدا أخف من السابق. أما الملك الفريد… فلم يستطع إخفاء سعادته رغم هيبته المعتادة. منذ سنوات طويلة لم يره أحد
هرلين استيقظتُ مع أول خيوط الصباح الهادئة. كان ضوء الشمس الخافت يتسلل بين الأشجار ويدخل إلى المعبد القديم ببطء، بينما صوت العصافير ملأ المكان بعد ليلة طويلة بدت وكأنها حلم. رمشت بتعب خفيف. ثم شعرت بشيء دافئ يحيطني. ابتسمت فورًا عندما رأيت ذراع هيفان ملتفة حول خصري بقوة حتى أثناء نومه. وكأنه خا
هرلين خرجنا أخيرًا من عالم الأرواح. وما إن صعدت آخر درجة من ذلك الدرج الطويل حتى شعرت وكأنني أتنفس من جديد. الهواء البارد الحقيقي. رائحة الغابة. وصوت الرياح بين الأشجار. كل شيء بدا مختلفًا الآن. أكثر دفئًا. أكثر حياة. التفتُّ خلفي ببطء نحو لينيا، وما زلت غير مصدقة أنها تمشي معنا فعلًا. ل
زاك لم أستطع التوقف عن ضم لينيا إليّ. حتى بعد أن عادت… حتى بعد أن شعرت بأنفاسها الدافئة على صدري… كان جزء مني خائفًا أن تختفي فجأة لو تركتها. مرت سنوات طويلة منذ آخر مرة استطعت لمسها هكذا. سنوات من الوحدة. من الألم. من الاستيقاظ كل ليلة وأنا أتذكر كيف ماتت بين ذراعي. لكنها الآن هنا. حقًا







