LOGINمن وجهة نظر هيفان
كنت أرتب أغراضي بهدوء داخل الحقيبة بينما إيف يتمدد داخلي بملل واضح. — “كل مرة نفس الدراما.” زفرت بخفة وأنا أطوي أحد القمصان. — “اصمت.” ضحك هيف بسخرية. — “كأنك لا تعرف ما سيحدث الآن. هرلين ستبكي… وأنت ستتصرف وكأن قلبك يتمزق رغم أنك ستعود بعد أيام.” وقبل أن أجيبه… شممت رائحتها. فورًا. التفت قليلًا قبل حتى أن تتكلم. ثم شعرت بذراعيها تلتفان حولي من الخلف. هدأت أنفاسي تلقائياً . دائمًا هكذا. مجرد اقترابها كان يكفي ليجعل كل شيء داخلي يهدأ. أسندت رأسها على ظهري بصمت. لكنني شعرت بحزنها فورًا عبر الرابطة. استدرت بهدوء بين ذراعيها. وعندما رأيت دموعها… شعرت بشيء يعصر صدري. — “ما زلتِ تبكين كل مرة.” ضحكت بخفة وهي تمسح عينيها. ثم بدأت تقول ذلك الكلام الذي يجعلني أضعف كل مرة… كيف أن حبها لي يزداد مع السنوات بدل أن يهدأ. وكيف تخاف من خسارتي حتى وهي تعرف أنني سأعود. استمعت لها بصمت… لأنني مهما سمعت هذه الكلمات منها… لا أعتاد عليها أبدًا. ضممتها بقوة وقبلت رأسها ببطء. — “ولو عشت ألف سنة أخرى…” أغمضت عيني وأنا أشم رائحتها. — “سأعود إليكِ دائمًا." ......... وبعد وقت قصير… وقفنا أخيرًا أمام بوابة القصر الكبيرة. الخيل جاهزة. والحراس مصطفون. لكن عائلتي جعلت الأمر يبدو وكأنني ذاهب إلى حرب دموية وليس مجرد سفر لحل بعض المشاكل السياسية. إيفان عانقني أولًا. رغم أنه صار طويلًا وقويًا… إلا أنني ما زلت أراه ذلك الطفل الصغير الذي كان يركض خلفي في ساحات التدريب. ربتُّ على رأسه بخفة. — “انتبه لأمك.” تنهد فورًا. — “أبي… أنا من يحتاج أن تنتبه له أمي.” ضحكت بخفوت. بعده جاء لوكا وهو يبتسم ابتسامته المعتادة. — “إن مت هناك أعطني سيفك.” ضربته على رأسه فورًا. — “أيها اللعين.” ضحك بصوت عالٍ بينما الجميع تنهد حولنا. حتى أيان عانقني وهو يتمتم: — “عد بسرعة… لا أريد التعامل مع هرلين وهي تبكي طوال الوقت.” أما زاك فاكتفى بعناق قصير قوي قبل أن يقول ببرود: — “لا تمت." رفعت حاجبًا. — “هذا كل شيء؟” — “هل تريد قصيدة؟” ضحكت أخيرًا. ثم جاءت لينيا وابتسمت وهي تعانقني بخفة. وكذلك والدَا هرلين. حتى أمي إيلينا ضمتني وهي توبخني كأنني ما زلت طفلًا صغيرًا. لكن… الشخص الوحيد الذي فاجأني فعلًا… كانت لافندر. اقتربت مني بسرعة… ثم عانقتني مباشرة. ولثانية كاملة… شعرت بها ترتجف. رمشت بدهشة صغيرة. وعندما ابتعدت قليلًا… رأيت الدموع فعلًا في عينيها. — “عد بسرعة…” قالتها بصوت صغير جعلني أتجمد للحظة. وفجأة… عادت إلى رأسي صورة قديمة جدًا. لافندر الصغيرة. مختبئة خلف ظهري بينما زاك يطاردها لأنها فجرت شيئًا داخل القصر. أو حين كانت تنام فوقي وأنا جالس فقط لأنها “لا تريد النوم وحدها”. وكل مرة كان زاك ينظر إلي وكأنني سرقت ابنته منه. حتى هيف ضحك داخليًا. — “أظن أن مصيبتك بدأت منذ وقت طويل.” تنهدت بخفة. ثم وضعت يدي على رأسها وربتُّ عليه بهدوء. — “لن أتأخر.” لكن فجأة قال لوكا بصوت مرتفع: — “أنتم تتصرفون وكأنه ذاهب للموت.” حتى والدي الملك ألفريد ضحك أخيرًا. أما زاك فتمتم: — “لو عاد بأذى سأقتله بنفسي.” — “أبي!” صرخت لافندر بانزعاج. ضحكت هرلين وهي تمسح دموعها. وأخيرًا… بعد هذا الوداع الطويل جدًا والمبالغ فيه جدًا… صعدنا على الخيل. وأثناء مغادرتنا للمملكة… استدرت للحظة أخيرة. ورأيتهم جميعًا واقفين هناك. عائلتي. بيتي. والأشخاص الذين سأعود إليهم دائمًا مهما ابتعدت.من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ