Masukمن وجهة نظر إيفان
بعد أن غادرنا القصر أنا ولوكا... استقبلتنا الغابة بأصواتها المعتادة. حفيف الأشجار. رائحة التراب. والهواء البارد الذي كان يملأ الرئتين. في البداية كان الصيد هادئًا. نتتبع الآثار. ونتبادل بعض الأحاديث المتقطعة. لكن الهدوء لم يدم طويلًا. لأن لوكا فجأة ابتسم ابتسامته المعروفة. الابتسامة التي تعني كارثة. — "سباق؟" تنهدت. — "أنت لا تتعلم أبدًا." — "إذن أنت خائف." — "قلت ماذا؟" ضحك. وبعد دقائق... كان كل واحد منا قد خلع ملابسه وتحول. فرائي الأبيض لمع بين الأشجار. بينما انطلق الذئب الرمادي الخاص بلوكا بجانبي. ثم بدأ السباق. ركضنا كالسهم بين الأشجار. قفزنا فوق الصخور. وتجاوزنا الجداول الصغيرة. حتى أننا دخلنا في قتال ودي كعادتنا. تدحرجنا فوق العشب. وتبادلنا العضات الخفيفة والدفعات. ثم انتهى الأمر بنا داخل النهر. يتحول الصيد إلى معركة. والمعركة إلى سباق. والسباق إلى فوضى كاملة. تمامًا كما يحدث دائمًا. .... ومع غروب الشمس... عدنا أخيرًا إلى هيئة البشر. وحمل كل منا صيده فوق كتفه. كنا نقترب من القصر عندما... — "لوكاااا!" صدر صوت مألوف من بعيد. رفعت رأسي فورًا. وكانت هي. لافندر. تركض نحونا بسرعة. شعرها الأسود يتطاير خلفها. وأنفاسها متقطعة وكأنها ركضت عبر نصف المملكة. توقفت أمام لوكا وهي تلهث. — "أخي!" — "ما الذي حدث؟" — "لدي شيء مهم جدًا عليك أن تعرفه قبل أن يعرف أبي." تبادلنا النظرات. حتى لوكا بدا مرتبكًا. — "حسنًا... ماذا هناك؟" احمر وجهها فجأة. ثم نظرت إلى الأرض. وأخذت طرف شعرها بين أصابعها بتوتر. — "أعتقد..." صمتت. ثم همست: — "أعتقد أنني وجدت رفيقي." ... تجمد العالم. على الأقل بالنسبة لي. شعرت وكأن أحدهم سكب ماءً متجمدًا فوق رأسي. اختفت الأصوات. اختفى كل شيء. حتى أنني لم أسمع رد لوكا مباشرة. كنت فقط أحدق بها. أما هي فكانت تبتسم بخجل. خجل لم أره عليها من قبل. سألها لوكا بسرعة: — "كيف عرفتِ؟" أجابت وهي تحاول إخفاء ابتسامتها: — "كنت مع أمي وعمتي هرلين..." ثم وضعت يدها على صدرها. — "وفجأة شممت رائحته." احمر وجهها أكثر. — "وشعرت بشيء غريب." ضحك لوكا فورًا. — "يا إلهي! أبي سيفقد عقله." أما هي فدفنت وجهها بين يديها بخجل. بينما كانا يتحدثان... كنت أنا في مكان آخر تمامًا. شيء ما اشتعل داخل صدري. شيء مؤلم. حار. وحاد. كأنه مخالب تمزقني من الداخل. إيف رفع رأسه فجأة داخل عقلي. ولأول مرة... لم يكن يضحك. بل كان يحدق بي بصمت. ثم قال: — "إيفان." لكنني لم أجبه. لأنني كنت أعرف. كنت أعرف تمامًا ما الذي أشعر به. لكنني لم أرد الاعتراف به. ... بعد دقائق تركتهما وعدت إلى القصر. لا أتذكر حتى كيف وصلت إلى غرفتي. أغلقت الباب خلفي بقوة. ثم مشيت عدة خطوات. وفجأة... تحطمت المزهرية القريبة على الأرض. لم أستوعب أنني أنا من حطمها. كانت يدي مشدودة بقوة. إلى درجة أن الزجاج تناثر في كل مكان. تنفست بحدة. مرة. مرتين. ثلاثًا. لكن ذلك الشعور لم يختفِ. إيف تكلم أخيرًا: — "إذن..." صمت. ثم أكمل: — "هذا هو السبب." — "اصمت." — "كنت تعلم." — "قلت اصمت." اقترب صوته أكثر. — "لهذا غضبت عندما كادت تموت." — "..." — "ولهذا راقبتها طوال الوقت." — "..." — "ولهذا لم يعجبك أي رجل اقترب منها." أغمضت عيني بقوة. لكن الكلمات أصابت الهدف. ثم قال إيف بهدوء قاتل: — "وأخيرًا فهمت لماذا." سقط الصمت داخل الغرفة. وصمتُّ أنا أيضًا. لأن الحقيقة التي كنت أهرب منها منذ شهور... كانت تقف أمامي الآن. واضحة. مؤلمة. ولا يمكن إنكارها. لقد وقعت في حب لافندر. وبنفس اليوم الذي أدركت فيه ذلك... أخبرتني أنها وجدت رفيقها.من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ