登入هرلين
دخلت ببطء… وقدماي كانتا ترتجفان مع كل خطوة أخطوها داخل ذلك المكان الغريب. شعرت وكأنني لم أعد داخل المعبد أصلًا. وكأنني دخلت عالمًا آخر بالكامل. الهواء هنا كان باردًا بطريقة غير طبيعية، لكنه لم يكن مؤلمًا… بل حزينًا. رفعت عيني ببطء، وشهقت دون وعي. في الأعلى… لم تكن هناك سماء. فقط ظلام واسع يتوسطه قمر ضخم جدًا، أكبر من أي قمر رأيته بحياتي. وكان ضوءه الفضي يغطي المكان كله بهدوء مخيف. أما حولي… فكانت الأرواح تطفو بالهواء. العشرات منها. لا… المئات. أجساد شفافة مضيئة تدور ببطء حول شجرة عملاقة فضية في منتصف المكان. شجرة ضخمة جدًا، جذورها تمتد داخل الأرض السوداء، وأغصانها تصل حتى الظلام فوقنا. وكانت الأرواح تدور حولها وكأنها جزء منها. شعرت بقشعريرة تمر بجسدي. حتى جوليا داخلي كانت صامتة من الخوف. لكن فجأة… توقفت أنفاسي. لأنني رأيتها. لينيا. كانت تطفو وحدها قرب الشجرة. جسدها بدا حقيقيًا جدًا… وكأنها نائمة فقط. شعرها الطويل يتحرك ببطء مع الضوء الفضي، ووجهها… كان يشبهني بشكل مخيف. حتى ملابسها البيضاء كانت تتحرك وكأن الرياح تداعبها. اقتربت خطوة دون وعي. — “لينيا…” همست اسمه بصوت مرتجف. وفجأة… اختفت كل الأرواح من حول الشجرة دفعة واحدة. تجمدت مكاني. ثم شعرت بطاقة مرعبة تضغط على المكان كله. حتى الهواء أصبح ثقيلًا. وببطء… ظهر شخص خلف الشجرة. لا… ليس شخصًا. شيء آخر. شيء جعل حتى روحي ترتجف. كان طويلًا جدًا. أطول حتى من هيفان. يرتدي ملابس سوداء طويلة تتحرك وكأنها مصنوعة من الظلام نفسه. ومن ظهره خرجت أجنحة ضخمة سوداء. أما عيناه… فكانتا قرمزيتين بلون الدم. مجرد النظر إليهما جعلني أتراجع خطوة بخوف. حتى جوليا زمجرت داخلي برعب. هبط ببطء أمامي. وصوت أجنحته وحده جعل الأرض تهتز. ثم نظر إليّ طويلًا… بطريقة جعلتني أشعر وكأنه يرى روحي بالكامل. بعدها قال بهدوء مخيف: — “هل تعلمين أن دخول هذا المكان… يكلف الحياة؟” تجمدت. حتى أنفاسي توقفت للحظة. ثم مال برأسه قليلًا وهو ينظر إلى بطني. وعيناه القرمزيتان أصبحتا أعمق. — “وأنتِ حامل…” شعرت بيدي ترتفع تلقائيًا لتحمي بطني. أما هو فأكمل بصوت منخفض: — “ألا تخافين؟” ارتجفت شفتاي قليلًا. لكنني حاولت التماسك. — “أنا… جئت لأعيد أختي.” ساد الصمت للحظة. ثم فجأة… ضحك. ضحكة منخفضة ومرعبة جعلت جسدي يقشعر بالكامل. حتى الأرواح حول الشجرة بدأت تتحرك بعنف مع صوته. رفع الحارس عينيه نحوي مجددًا. — “تعيدينها؟” اقترب خطوة. وفجأة شعرت بطاقة ضخمة تخنقني. — “وكيف ستفعلين ذلك… وهي نصف ميتة أصلًا؟” اتسعت عيناي بصدمة. ثم أشار نحو لينيا. — “روحها لم تبقَ هنا إلا بسبب رابطين.” بدأ قلبي ينبض بسرعة. أما هو فأكمل: — “رابط الدم بينكما.” شعرت بالقشعريرة تضربني. — “ورابط الرفقة بينها وبين مصاص الدماء.” همسها وهو يقصد زاك. ثم نظر إلى لينيا مجددًا. — “لو مات أحد الرابطين…” صمت قليلًا. قبل أن يبتسم ابتسامة باردة أخافتني أكثر من غضبه. — “لاختفت روحها منذ زمن.” شعرت بدموعي تتجمع بعيني. نظرت نحو لينيا مجددًا. كانت قريبة جدًا… لكن بعيدة بشكل مؤلم. ثم همست بصوت مرتجف: — “إذاً… ما زال يمكن إنقاذها… أليس كذلك؟” صمت الحارس طويلًا. لدرجة أنني بدأت أرتجف من التوتر. ثم فجأة… فتح أحد أجنحته السوداء ببطء. واهتز المكان كله. — “ربما.” اقترب أكثر. حتى أصبحت عيناه القرمزيتان أمامي مباشرة. — “لكن كل روح تُعاد من هذا المكان…” خفض عينيه نحو بطني. — “تحتاج ثمنًا.” وتجمدت أنفاسي فورًا عندما ابتسم الحارس أخيرًا… وكأنه وجد شيئًا يريده مني.من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ
الراوي بعد أن انتهى حديث ألفريد مع إيلينا...بقي واقفًا قرب النافذة الكبيرة في مكتبه.الليل كان قد غطى نورفاي بالكامل.لكن النوم كان آخر شيء يمكن أن يفكر فيه الآن.كان يشعر بثقل السنوات كلها فوق كتفيه.شقيقه عاد.والمرة هذه لم يعد كأخ.بل كعدو.تنهد ألفريد ببطء.ثم استدار نحو الطاولة.ومد يده نحو البلورة السحرية الخاصة بالتواصل.أضاءت البلورة بلون أزرق.وبعد لحظات ظهر وجه ألنيوس.والد هرلين وببيتا المملكة.نظر إليه ألنيوس فورًا.— "ألفريد."— "أظن أنني أعرف سبب اتصالك."أومأ الملك بصمت.ثم شرح له ما أخبرهم به لوكا.ومع كل كلمة كان وجه ألنيوس يزداد جدية.حتى انتهى الحديث.ساد الصمت لثوانٍ.ثم قال ألنيوس بهدوء:— "أعرف أن ذلك صعب عليك."— "في النهاية هو أخوك."انخفضت عينا ألفريد قليلًا.لكن ألنيوس أكمل:— "لكن تذكر شيئًا واحدًا."— "من يخن مرة..."— "قد يخون ألف مرة."ساد الصمت.ثم تابع:— "لقد أعطيته فرصة."— "وأنت تعرف هذا."— "وأنت لم تظلمه."— "هو من اختار طريقه بنفسه."قبض ألفريد يده.وكان يعلم أن كلام ألنيوس صحيح.لكنه لم يجعل الأمر أسهل.ففي النهاية...كان ذلك الرجل أخاه.أخاه ا
من وجهة نظر الملك ألفريد بعد أن انتهى لوكا من رواية ما رآه... ساد الصمت في قاعة العرش. صمت ثقيل. خانق. كنت أحدق في الفراغ. لكن عقلي لم يكن هنا. كان هناك... قبل عشرات السنين. أيام كنا أنا وسيلفورد شابين. أخوين. أو هكذا كنت أعتقد. قبضت يدي بقوة. حتى أن المفاصل ابيضّت. فجأة نهضت من العرش. — "استدعوا القادة." التفت الجميع نحوي. — "وأرسلوا أوامر إلى جميع الحاميات." — "أريد تعزيز الأسوار." — "مضاعفة الحراسة." — "وتجهيز الجيش بالكامل." نظر هيفان إلي بجدية. أما البقية ففهموا من نبرة صوتي أن الأمر أخطر مما يعتقدون. — "إن كان سيلفورد حقًا خلف هذا..." — "فهذه لن تكون مناوشة صغيرة." — "إنها حرب." ارتسم التوتر على وجوه الجميع. حتى لافندر. حتى إيفان. حتى زاك. الجميع شعر بالخطر. لكن فجأة... تكلم هيفان. — "أبي." رفعت عيني نحوه. كان عابسًا. — "لماذا لم تخبرنا؟" تجمدت القاعة. — "كل هذه السنوات..." — "كان لديك أخ." — "وعدو بهذا الحجم." — "ولم تقل شيئًا." تنهدت ببطء. وأغمضت عيني. — "لأنني كنت أظن أن الأمر انتهى." ساد الصمت. ثم أكملت. — "حين هزمته..." — "اخت